بودليــر و القـــط

بودليــر و القـــط


( نشر هذا المقال بمجلة البيان الكويتية
يونيه سنة 1979 )

 

 

 

 


يظل العمل الأدبى دائما محاولة ، يقوم بها الأديب للتعبير عن شئ يحس به ، أو يدعى إليه . لكنه يجد أنه فى كل مرة ، لم يعبر تماما ، وكما ينبغى ، عما كان يريده ، فيبدأ المحاولة من جديد . وهكذا .. لم يعترف أديب قط بأنه قدم لنا كل ما لديه .
قد يساعدنا هذا على تفسير ظاهرة التكرار ، تكرار الأشكال والموضوعات لدى الأديب الواحد ، اذ ربما كانت (المسودة) التى لا يلبث الأديب أن يمزقها بمجرد انتهائه من مرحلة التنفيذ والرتوش هى (أصل) العمل الادبى ، فى حين ان التاريخ الأدبى لايخلو من الاشارة أحيانا إلى بعض الأعمال التى كتبها أصحابها أكثر من مرة . وقد أخبرنى أحد أصدقاء الكاتب الفرنسى البير كامى بأن هذا الأخير أعاد كتابة روايته "الغريب" خمس مرات قبل أن يقدم النسخة الخامسة للمطبعة .
الواقع أنه لابد من الاعتراف بوجود (نموذج ما) لدى كل أديب حقيقى ، يظل طوال حياته ، بما يملك من طاقة وأدوات ، فى صراع مستمر لمحاولة تصويره ، والتعبير المكتمل عنه . ومع ذلك ، فليس هذا النموذج إلا ماسة من نور ، كلما حدق فيها رأى وجها مختلفا عن الآخر ، وربما نفس الوجه مرتين ، وربما أغشاه الضوء فلم ير شيئا على الاطلاق . ولكن الماسة تظل كما هى .
أثناء قراءتى بودلير ، لاحظت فى ديوانه (زهور الشر) ثلاث قصائد مختلفة المضمون ، تحمل عنوانا واحدا هو "القط" وتساءلت : لماذا لم يضع الشاعر لكل منها عنوانا متميزا ؟ أعدت القراءة مرات وفى كل مرة أحس بأن المساحة بين القصائد الثلاث تضيق وتضيق حتى تكاد ، فى لحظة ما ، تختفى . ويبدو فعلا أن الشاعر لم يكن امامه إلا أن يطلق هذا العنوان . لأنه يعبر فى الواقع ، عن جوانب متعددة لشئ واحد ذى طبيعة فريدة . وهذه هى وجهة النظر التى سأحاول تفصيلها فيما يلى .

القصيدة الأولى : ( حسب الترتيب فى الترجمات المصاحبة لهذه الدراسة ) قصيرة ، وفيها يتحدث بودلير عن قطه الجميل ، الوادع ، ذى الشعر الناعم ، والجسد الملتهب ، والنظرات العميقة التى تذكره بالمرأة التى يحبها ، وما يحيط بجسدها الأسمر من هواء لطيف ، وعبير خطر !

القصيدة الثانية : أطول نسبيا ، وفيها يتحدث بودلير عن الطاقة الشعرية لديه ، والتى يشبهها بالقط الأليف والشرس فى وقت واحد ، ومع ذلك فإن ألفته ووداعته وجانبه الخير يطغى على جانبه الشرير .

القصيدة الثالثة : فهى تصف غرام العلماء والعشاق بالقطط ، التى تشبههم إلى حد كبير فى شدة الحساسية ، وايثار الاقامة فى المنازل ، بحثا بأرواحهم وعقولهم عن غاياتها العليا من الحقيقة والجمال.

تبقى القصيدة الرابعة ، وقد ترجمتها من ديوان آخر بعنوان "قصائد صغيرة منثورة" وعلى الرغم من أنها تحمل عنوان مختلفا هو "الساعة" إلا أنها تدور أيضا حول القط ، الذى يرى بودلير فى عمق عينيه خطوات (الزمن النفسى ) التى سنتحدث عنها فيما بعد .

من الواضح أن القاسم المشترك بين القصائد الأربع هو : القط .. ذلك الحيوان اللطيف الأليف ، الذى نأنس به فى البيوت ، ونربت عليه فى أوقات الفراغ ، ذلك الحيوان الصغير الذى تسرنا دائما رؤيته وتسعدنا حركاته المسلية .. ذلك الحيوان الناعم الفراء ، ذو العيون الجميلة ، الجميلة بحق ، والتى تتابع فيها الألوان !

لكنه أيضا : ذلك الحيوان الشرس ، الغادر ، ذو المخالب الحادة ، والأنياب الصغيرة القاطعة التى تخدش ، وتجرح ، وتسيل الدم .. ذلك الحيوان المفاجئ الذى لا يمكننا قط من التنبؤ بحركاته ، وبالتالى من الاطمئنان إليه . فقد تنزلق يدنا ونحن نربت على ظهره ، إلى ذيله مثلا ، فما يلبث أن يستدير بسرعة ووحشية لينهرنا ويخدشنا ، ولا يراعى ما سبق إليه من عطفنا ومودتنا ..

القط إذن حيوان يرمز لطبيعة ذات وجهين ، لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر . فهو الحيوان الأليف والنافر ، الأنيس والغادر . إنه الضعف والقوة ، المودة والعدوان ، المخلب المطوى والمنتشر .. والفريد فى هاتين الطبيعتين أن احداهما (كامنة) فى الأخرى . تختفى الأولى بينما تظهر الثانية ، ويحدث العكس بسرعة خاطفة . وهكذا أراد بودلير أن يعبر عن نفسه ، من خلال هذا الرمز ، بأنه ( كمون شرير فى طبيعة خيرة ) . ومن هذه العبارة المفتاح ، أرجو أن نتابع الآن قصائده فى ( القط ) .

فى القصيدة الأولى ، يبدأ بودلير بنداء قطه قائلا :

تعال يا قطى الجميل ، فوق قلبى العاشق
واطو مخالب أقدامك
ودعنى أسبح فى عيونك الجميلة !

وما يبدو هو أن بودلير مدرك تماما هذين الجانبين المتضادين فى طبيعة القط : القط الجميل ، والقط ذو المخالب . ومع ذلك فهو يرجوه أن يبعد عنه جانبه الشرير ، ويتقدم ليجلس على صدره ، وفوق قلبه تماما ، بجانبه الخير الوادع ، لكى يسبح فى جمال عيونه .
وعندما يربت بكفه على رأسه وظهره ، ويحس بالنشوة من لمس جسده الملتهب أو (المكهرب) على حد تعبيره ، تتمثل فى ذهنه صورة حبيبته ، التى يرى نظرتها مثل نظرة القط :

عميقة وباردة تقطع وترشق مثل سهم !

وهنا الرغبة والحب ، وفيهما تجتمع الاضداد وتتحد المتناقضات ، فتمتزج اللذة بالألم ، ويختلط النافع بالضار ، فى حس منتش من نبع واحد هو الجمال الآسر ، الذى يطغى بكل سلطانه على النفس والجسد معا .

ثم يأتى المقطع الأخير ، بعد اجتياز التجربة ، فتتميز من جديد الحدود الفاصلة بين الجانبين ، وفى لحظة التأمل الهادئ ، يجد الشاعر أنه كان – وما زال دائما – ضحية لــــ :

هواء لطيف ، وعطر خطر
يسبحان حول جسدها الأسمر

قد أترك تحليل الصور الشعرية المكثفة التى تملأ القصيدة ، لكننى أكتفى بالإشارة إليها ( عيون القط المشربة بمعدن وعقيق ) ، ( الجسد المكهرب ) ، ( النظرة العميقة الباردة ، التى تقطع مثل سهم ) ،
( الهواء اللطيف ، والعطر الخطر اللذان يسبحان حول الجسد الأسمر ) ، لأن ما يهمنى هنا هو التأكيد على ذلك التضاد فى طبيعة القط ، والذى نجد بودلير على وعى كامل بقانون اتصاله وانفصاله .

أما القصيدة الثانية ، فتبدأ بتصريح مباشر :

فى رأسى ، يتجول
مثلما فى شقته تماما
قط جميل ، قوى ، وادع وفاتن
وعندما يموء لا يكاد يسمع ..

ولكن هذه الوداعة الهامسة ما تلبث أن تفسح مكانا مساويا تماما لزمجرة القط فى المقطع الثانى مباشرة :

على قدر رنته اللينة ، الكتوم
فإن صوته الذى يلطف ، أو يزمجر
ثرى دائما وعميق
وتلك روعته وسره !

لقد سبق ادراك التضاد ، والتغاضى عن جانبه الشرير ، ولكن بودلير هنا يدرك التضاد ، ويبتعد عنه بالقدر الذى يمكنه أن يراه على نحو أفضل . تماما كما نبتعد عن اللوحة حتى ندركها فى مجموعها ، ونلمح ما وراء التفاصيل من وحدة . ومن المدهش أن بودلير يصل إلى حقيقة أن الجانبين المتضادين : الحسن والقبيح ، الهادئ والثائر ، الخير والشرير .. يكمل كل منهما الآخر ، ويثرى به ، وهذا هو السر ! السر فى تحليل التضاد إلى عناصره الأولى ، ثم السر فى ادراك أن كل عنصر منها ضرورى للباقى ، ولا ينبغى أن ينفك عن المجموع .
ثم تستمر المقاطع ( من 3 إلى 8 ) فى وصف الطاقة الشعرية ، المتجسدة عند بودلير فى القط ، بطبيعته التى وصفناها ، وبما تحتوى عليه من ( كمون ) ينفجر بكل عنفوانه عند الضرورة . ولكن بودلير يصرح بأن قطه – شاعر خير ، بل ربما كان ملاكا ، وأكثر ..

هذا الصوت الذى يقطر ويصفى
فى أعماقى الشديدة الظلمة
إنه يخمد أعتى الشرور
ويحتوى على كل ألوان الشطح !
لا .. إنه ليس ذا منشار يقرض
كل شئ فيه ، كما فى الملاك
بارع وموقع للغاية !
من فرائه الأشقر والأسمر
ينبعث عطر ناعم ..

وهكذا كلما ابتعد بودلير عن القط الذى يسكن روحه ، أسهب فى وصفه ، والتعبير عن مواهبه المتعددة ، لكنه ما يلبث أن يقترب منه ، ثم يتحد به فى النهاية ، فإذا القط ، فى الحقيقة ، هو بودلير نفسه ! :

عندما تنجذب عيناى نحو هذا القط الذى أحبه
كما تنجذبان نحو مغناطيس
ترتدان فى انقياد
وأجدنى أنظر فى نفسى ..

إن ما كان ينتظره بودلير هو أن يقضى طفولة سعيدة ، وقد تهيأت له فى البداية ، أسبابها . ولكن الموت ما لبث أن خطف أباه ، وهو فى السادسة من عمره ، وما كاد يكتفى بحنان أمه ، حتى اضطرتها الحياة أن تتزوج من آخر ، وهو فى السابعة من عمره .. وهنا أحس القط الوديع بأن أحدا لا يربت على ظهره ، بل إن الزمان يقسو عليه بتقلباته ، حتى إننا نجده يحاول الانتحار ، وهو فى الرابعة والعشرين .. فهل كان أمامه إلا أن ينشر مخالبه المطوية (الكامنة) ويصور ذلك الجانب العنيف الذى عاملته به الحياة ، كما عامله به الموت !

فإذا ما جئنا إلى القصيدة الثالثة ، وعنوانها بالجمع هذه المرة "القطط" وجدنا بودلير ينقل التعبير إلى مستوى آخر ، أو كما سبق فى البداية ، ينظر إلى الماسة من زاوية أخرى ، فماذا يرى ؟ يرى أن كلا من العشاق والعلماء – ولنقل نحن الرغبة والعقل – يحبون القطط ، ويقتسمون معها الحياة فى منازلهم ، أو بالاحرى ، فى صوامعهم ، لانها تشبههم فى الحساسية ، وايثار الإقامة المادية فى المكان :

العشاق الملتهبون ، والعلماء العاكفون
يحبون أيضا فى عمرهم الناضج
القطط القوية الوديعة .. فخر المنازل
التى تشبههم فى الحساسية ، وايثار الاقامة ..
بينما أرواحهم منطلقة فى رحلتها اللانهائية بحثا عن الجمال والحقيقة ، حالمة بجلسة أبى الهول ( الانسان + الأسد = القط ) الذى يرصد ، فى صمت عميق ، سير الزمن ..
.. حالمين ،
بأبى الهول الكبير المستلقى فى أعماق الوحدة
والذى يبدو دائما فى حلم بدون نهاية !

ثم تنتهى تلك القصيدة الأكثر عمقا من سابقتيها بنفس الفكرة تقريبا وهى أن ما يبدو فى الانسان من تناقض أو تضاد ( العقل والرغبة هنا ) يتحد فى لحظة ما .. لحظة صوفية مرصعة بالنجوم :

أصلابهم الخصبة ممتلئة بالشرارات السحرية
وقطع من الذهب ، مثل رمال رقيقة
ترصع بالنجوم .. أحداقهم الصوفية !

ونصل الآن إلى القصيدة الرابعة والأخيرة ، التى تتحدث عن القط ، لكن تحت عنوان آخر ، وهو "الساعة" . وقد يدهش القارئ هذا التباعد الملحوظ بين العنوان والمضمون ، ولكن بودلير يسرع فيقول فى البداية أن ( الصينيين يرون الساعة فى عيون القط ) الموضوع إذن متعلق بفكرة الزمن ، وهى فكرة فلسفية عويصة على الفلاسفة أنفسهم ! لكن الشاعر يتناولها بكل بساطة ، فى قصيدته المكتوبة بالنثر هذه المرة ، والتى تبدأ بحادثة جرت بين مبشر مسيحى وصبى صينى .. وما يريد بودلير أن يقوله هو أن هناك نوعين من الزمن : الأول عام ، متعارف عليه بأنه مقياس للمدة ، مقسم إلى ساعات ودقائق وثوان مضبوط فى سيره ، متساو فى ايقاعه . بينما الزمن الثانى مرتبط بحياة كل انسان ، خاص بقياس لحظات الوعى الخاطفة التى تمر به ، أو على الأصح ، يمر هو بها .. فى اطار هذا الزمن الذى يمكن أن نطلق عليه ، كما فعل برجسون ، الزمن النفسى ، يستطيع الانسان أن يتبين ويدرك نفسه أولا ، ثم الأشياء الأخرى من حوله ، على نحو شديد الوضوح . إنه عبارة عن المدة التى يتألق فيها شعاع الحدس فيضئ فى النفس عوالم بأسرها .. وباختصار فإنه اللحظة ، أو اللحظات ، التى يكتشف فيها الانسان عظمة نفسه والكنوز الحقيقية التى تحتوى عليها روحه .
يقول بودلير :

وبالنسبة لى ، عندما انحنى على قطتى الجميلة فيلين ، ذات الاسم العذب ، التـى تعتبر فى الوقت نفسه شرفا لبنات جنسهـا ، وفخرا لقلبى ، وعطرا لروحى ، سواء فى المساء ، أو فى النهار ، فى الضوء الساطع ، أو فى الظلام الحالك ، فإننى أرى فى عمق عينيها : الساعة بكل وضوح . دائما نفس الشئ : ساعة واضحة ، كبيرة مثل الفضاء ، دون تقسيمات الدقائق والثوانى .. ساعة ثابتة ، غير مضبوطة على ساعات الميادين ، ومع ذلك فإنها لطيفة مثل نفس ، خاطفة كلمحة عين ! .

قد يكون بودلير على حق عندمـا يقول لنا أنه يرى الزمن فى عيـون القـط .. ولكن المؤكد أن القط .. هو نفسه بودلير . ولنتذكر دائما عبارته :

عندما تنجذب عيناى نحو هذا القط الذى أحبه
كما تنجذبان نحو مغناطيس
ترتدان فى انقياد
وأجدنى أنظر فى نفسى ..
ترجمتى العربية للقصائد الاربعة

القصيدة الأولى

القــــط

تعال يا قطى الجميل فوق قلبى العاشق
واطو مخالب أقدامك
ودعنى أسبح فى عيونك الجميلة
المشربة بمعدن وعقيق
***
وعندما تربت أصابعى فى مهل
على رأسك وظهرك اللدن
وعندما تنتشى يدى باللذة
من لمس جسدك المكهرب ..
***
.. أرى امرأتى فى الذهن ، نظرتها
كنظرتك ، أيها الحيوان الأليف ،
عميقة وباردة ، تقطع وترشق مثل السهم !
***
ومن القدمين حتى الرأس
هواء لطيف ، وعطر خطر
يسبحان حول جسدها الأسمر


القصيدة الثانية

القـــط

فى رأسى يتجول
مثلما فى شقته تماما
قط جميل ، وديع وفاتن
وعندما يموء ، لا يكاد يسمع ..
***
وعلى قدر رنته اللينة ، الكتوم
فإن صوته ، الذى يلطف أو يزمجر
ثرى دائما وعميق
وتلك روعته وسره !
***
هذا الصوت الذى يقطر ويصفى
فى أعماقى الشديدة الظلام
يفعمنى بأشعار غزيرة
ويسكرنى كشراب المحبة
***
إنه يخمد أعتى الشرور
ويحتوى على كل أنواع الشطح
ولكى يقول أطول العبارات
فليس فى حاجة إلى كلمات
***
لا ، إنه ليس ذا منشار يقرض
فوق قلبى ، آلية الممتازة
يجعل بروعة
أشد أوتارها حساسية ، يغنى ..
***
أى صوت هذا ، أيها القط الغامض
القط الملائكى ، القط الغريب
الذى فيه كل شئ ، كما فى الملاك ،
بارع ، وموقع للغاية !
***
من فرائه الأشقر والأسمر
ينبعث عطر ناعم ، وذات مساء
تعطرت منه ، عندما
ربت مرة واحدة عليه .. ليس أكثر من مرة !
***
إنه الروح المتعود على المكان
يقضى ، ويترأس ، ويلهم ..
كل شئ فى امبراطوريته .
لعله جنية ! لعله إله !
***
عندما تنجذب عيناى ، نحو هذا القط الذى أحبه
كما تنجذبان نحو مغناطيس
ترتدان فى انقياد
وأجدنى : أنظر فى نفسى ..
***
وأرى فى دهشة
نيران أحداقه الممتقعة
والمنارات اللامعة ، والاحجار الكريمة الحية
.. تتفحصنى بثبات !

القصيدة الثالثة

الـقـطـط

العشاق الملتهبون ، والعلماء العاكفون
يحبون أيضا فى عمرهم الناضج
القطط القوية والوديعة ، فخر المنازل
التى تشبههم فى الحساسية ، وايثار الاقامة .
***
أصدقاء العلم والشهوة
يبحثون عن الصمت ، ورهبة الظلمات
وقد اتخذهم (ايريب) خدامه الجنائزيين
وعندما يتمكن من استعبادهم .. يحنون رؤوسهم !
***
إنهم يتخذون المواقف النبيلة ، حالمين
بأبى الهول الكبير المستلقى فى أعماق الوحدة
والذى يبدو دائما فى حلم بدون نهاية !
***
أصلابهم الخصبة ممتلئة بالشرارات السحرية
وقطع من الذهب ، مثل رمال رقيقة
ترصع بالنجوم .. أحداقهم الصوفية


القصيدة الرابعة

الســاعــة

يرى الصينيون الساعة فى عيون القط !
ذات يوم ، بينما كان أحد المبشرين (المسيحيين) يتنزه فى ضواحى مدينة نانكين Nankin ، أدرك أنه نسى ساعة يده ، وعندئذ سأل صبيا : كم الساعة ؟ فتردد ابن امبراطورية السماء لحظة ، ثم اعتدل مجيبا : سأقولها لك ، ولم تمضى لحظة ، حتى ظهر الصبى ثانية ، وبين يديه قط قوى ضخم ، وبعد أن نظر طويلا – كما نقول نحن – فى بياض عينيه ، أكد فى حسم : أن نصف النهار لم يحن بعد تماما . وكان ما قاله الصبى حقا . وبالنسبة لى ، عندما انحنى على قطتى الجميلة فيلين ، ذات الاسم العذب ، التـى تعتبر فى الوقت نفسه شرفا لبنات جنسهـا ، وفخرا لقلبى ، وعطرا لروحى ، سواء فى المساء ، أو فى النهار ، فى الضوء الساطع ، أو فى الظلام الحالك ، فإننى أرى فى عمق عينيها : الساعة بكل وضوح . دائما نفس الشئ : ساعة واضحة ، كبيرة مثل الفضاء ، دون تقسيمات الدقائق والثوانى .. ساعة ثابتة ، غير مضبوطة على سـاعات الميادين ، ومع ذلك فإنها لطيفة مثـل نفس ، خاطفة كلمحة عين ! . وإذا ما حدث أن أرقنى شئ ما خلال تأملى فى هذا الاطار اللذيذ ، إذا عفريت دنئ لا يطاق ، أو شيطان معوق جاء يقول لى :
ما الذى تنظر إليه بكل هذه العناية ؟
عن أى شئ تبحث فى عيون هذا المخلوق ؟
هل ترى فيها الساعة ، أيها الفانى ، المسرف ، الخامل ؟
فسوف أجيبه بلا تردد :
نعم ، أرى الساعة .. إنها الخلود !
..
ألا ترين ، يا سيدتى ، أن هذه المقطوعة الغزلية تستحق ، فى الواقع ، الثناء والتفخيم مثلك أنت نفسك ؟ لقد أسعدنى كثيرا أن أزركش هذه المغازلة المصطنعة ، التى لا أطلب فى مقابلها شيئا !
مع تحيات حامد طاهر