مدينة . . وامرأة

مدينة . . وامرأة

 

بقلم: رولان جاكي

ترجمها من الفرنسية : أ. د. حامد طاهر

 

مساء الأربعاء , وقبل رحيله إلى نيويورك , ذهب لمشاهدة فيلم ( وودي ألان ) . وعندما خرج من السينما ، تمشى طويلاً في شارع الإيطاليين بباريس مفكرًا في تلك المدينة الشاسعة ، الدافئة ، والمقلقة إلى حد ما ، والتي سيتنزه فيها غدًا لأول مرة في حياته . لقد أجل هذه الرحلة أكثر من مرة ، لأن هناك مسألة كانت تقلقه: كيف سيقابل (فان) ، التي أحبها منذ خمسة عشر عامًا ، في قرية هادئة على بحيرة ليمان ، والتي تعيش الآن في نيويورك . . كان هو أيضًا وحيدًا ، ويقترب من الأربعين . وفي المساء ، غالبًا ما فكر في موته ، لكنه كان يعد نفسه بأنه لن يموت قبل أن يرى فيلم (مانهاتان)، وصاحبته القديمة (فان .

 

كان يتسائل أيضًا: لماذا يحلم كثيرًا بها ؟ لماذا تشبهها كل النساء اللاتي عرفهن بعدها ؟ لماذا كان سخيفًا معها لحظة الفراق ؟ إنها لم تغفر له قط ، وهو يعلم أنه على إثر محاولة انتحار منها ، ودخولها إحدى مصحات الأمراض النفسية ، قد فقدها إلى الأبد . .

 

تذكر كل هذا كحلم ثقيل ، ربما تزيله تلك الرحلة السريعة إلى نيويورك . ولأنه كان في بعض اللحظات إنسانًا رومانسيًّا ، فقد أقنع نفسه بأنه سيذهب ليلتقي في وقت واحد : بمدينة وامرأة ، بماضيه وموته . وفي لحظات أخرى ، كان يسخر من مراهقة أحلام يقظته ، ومن المجاملة التي عامل بها حياته ، والتي أراد منها أن يستدر الشفقة على نفسه . إنه - القارئ الوفي لنيتشه - كان يعتقد بأن التقوى هي أدنى المشاعر!

 

في نيويورك ، نزل في فندق (بلازا) . كان قد كتب منذ أسبوعين إلى (فان) أنه سيقضي فيها ثلاث ليالي ، وأنه يتمنى أن يلتقي بها . أما هي فلم ترد . كما لم يكن في انتظاره بالفندق أية رسالة منها . وبعد أن استراح قليلاً ، تلفن إلى بعض الأصدقاء . لم يجرؤ أن يُتلفِنَ لها . كان يخشى ألا تكون موجودة ، أو أن ترفض مقابلته . كان يشعر بأنه يمكن أن يمنح عدة سنوات من عمره لقاء سهرة واحدة يقضيها .

 

عندما كلمها ، سمعها تتحدث عن أنها كانت مشغولة جدًّا . وأنه يوجد في نيويورك ، على أية حال ، أشياء أخرى أكثر إثارة من رؤيتها . ومجروحًا ، تردد في أن يرد بنفس اللهجة . بل إنه خشي أن تضع السماعة ، لكنه استمر . . هو الذي كان يرى أن كلاًّ من التواضع والإلحاح ضربً من الحماقة . وأخيرًا سمعها تلقي إليه بهذه الكلمات كصدقة: "تلفن لي يوم السبت بعد الظهر: ربما تمكنت من أن أتغدى معك".

 

قبل أن ينام ، كتب في مذكراته: "هل حقيقة أن (فان) هي التي تشغلني ؟ ألا يمكن أن يكون ذلك الجزء من ذاتي الذي لم ينجح في أن يتخلص منها ؟ تلك هي مأساة الحب الذي يحرمنا أحيانًا بصورة نهائية من آلاف الأشياء التي نمتلكها , ثم أضاف أنه سيكون مخطئًا لو لام (فان) على أي شيء . لأن كل ما حدث هو خطأي . عندما قطعت علاقتي بها , تصرفت نحوها مثل وغد . إنها لم تغفر لي قط . ولم تسامحني قط . يبدو أنها ستظل تكن لي الكراهية . وأنا أشعر على فقدانها بالندم . وهكذا نصبح متعادلين .

 

في اليوم التالي - الجمعة - ذاب في أحشاء تلك المدينة الضخمة والهائلة التي أحبها من قبل . وقد فكر أنه إذا اضطر يومًا لمغادرة باريس , فإنه سيجعل من نيويورك ملجأه . ولأنه شاهدها مئات المرات في السينما والتليفزيون , لم يشعر فيها بأية غرابة . لقد تسلى , مع ذلك , بملاحظة مدى فقر أحاسيسنا وخطأها . وهكذا لم يندهش لرؤية التاكسيات تحمل اللون الأصفر، كما لم يفاجأ بأن سيارات البوليس تجمع بين اللونين الأزرق والأبيض .

السبت , عند الظهر تمامًا , بعد أن تنزه في الحي الصيني ( تشينا تاون ) , تلفن إلى (فان) . أعطته موعدًا في مطعم ياباني يقع في الشارع رقم 57 . كما كان متوقعًا , وصل هو أولًا , وجاءت هي متأخرة . كان شعرها قصيرًا , بدون تلك " القصة " التي كانت تعجبه كثيرًا . كانت ترتدي ملابسها بنفس الأناقة والتحفظ اللذين عرفها بهما من قبل .

وأيضًا كما كانت من قبل , راحت تدخن سيجارة بالنعناع .

 

أما هو , فقد كان متوترًا , وغير مستريح . أحس بأنها عصبية , ومشدودة , غضبى , ومحاطة بأسلاك شائكة غير مرئية . لكن ما أدهشه أكثر كان هو سماع صوتها: أجش ، عميقًا ، حسيًّا على نحو لا يقاوم . . أنصت إليها بقداسة ، كما لو كانت هي الموسيقى الوحيدة القادرة على أن تهدئه . . على أن تصالحه مع ذاته ، إلى حد أنه كان يفتقد معظم خيوط المحادثة . وعمومًا ، فإنه كان دائمًا لا يهتم بجلسائه الذين يخونون - بطريقة حديثهم ، ولهجتهم ، وحركات جسدهم - شخصياتهم الحقيقية !

 

تغديا معًا في المطعم الياباني . وقد طلبت هي مشروبًا ساخنًا ، لاحظها وهي تشربه . كاد يجرؤ أن ينظر إليها . كان يشعر معها بشعور من الخجل الذي كان يحدث بين تلميذ وتلميذة في مدرسة واحدة . لكنه بدأ يشعر بإحساس من الفرح لأنها نسيت ماضيها . ومع ذلك ، فكلما مضى الوقت ، راحت علاقتهما تصبح أكثر طبيعية ، وتقريبًا متواطئة . وتبادلا بعض الاعترافات الذاتية . حدثته هي عن محاولاتها الثلاث في الانتحار ، وعن وحدتها ، وعن شعورها بأنها لا تجد في أي موضع المكان الذي يناسبها . أما هو فقد حاول أن يستعيد بعض المشاهد الت عاشاها معًا ، بعض الأفلام التي أحباها ، وخاصة (بييرو المجنون) لجان لوك جودار . لكنها أخبرته بأن ذاكرتها ضعيفة ، وأنها تتذكربصعوبة حبهما القديم . ثم بعد ذلك ، أخذت عليه أنه يعيش أكثر مما ينبغي في الماضي . وبسرعة أجاب: "لكنني أجد فيه سعادتي الوحيدة".

كان منتشيًا من وجوده هنا ، وببساطة معها . سعد كثيرًا من رؤيتها أكثر عفوية ، وأكثر بساطة . ولم يندهش قط عندما اقترحت عليه أن يتنزها في الحديقة العامة . وهناك تحدثا عن (بروست) ونظريته في الحب ، وعن (سيوران) وانحطاط الغرب . بروست الذي قرأه لها بصوت عال خلال أمسيات كاملة ، وسيوران الذي جعله يكتشف الحاضر والماضي . وفي تلك اللحظة ، اعترف كل منهما للآخر بحبه . وصرح بأنه قد حصل أخيرًا على رواية (فريتز زورن): مارس ، مضيفًا أنه - منذ كافكا - لم يقرأ شيئًا بمثل تلك القوة . .

قرب الغروب ، طلبت منه أن يصحبها عند بالدوكسي ، أحد محلات الموضة . وبينما راحت تخطو من جناح لآخر في المحل ، كان هو يراقبها ، وسأل نفسه: هل كان سينجذب إليها إذا كان يراها الآن للمرة الأولى ؟ ولم يستطع إلا أن يرد بالإيجاب . وتساءل أيضًا: هل لو كان تزوجها ، كما كانت هذه نيته من قبل , يعتبرها الآن هفوة شباب يلزم التكفير عنها طوال العمر , حسب تعبير فيلسوفه العزيز (شوبنهور) . إن أفعالنا - كما قرر لنفسه أكثر من مرة - عبارة عن ضربات زهر في ظلمة ليل المصادفة !

في أثناء صحبته لها إلى منزلها , حرص على أن يخبرها أنه ما زال يحس بأنه مذنب في موقفه . وصرحت له حول هذه النقطة على الأقل: " أنا تغيرت . لقد طرحت عادة تغيير الآخرين لحساب مشكلاتي الشخصية . إنني أعتقد أن كل إنسان ينال في الحياة ما يستحقه . . " ورد بابتسامة , عندما أصغى لها وهي تستشهد بعبارة مأثورة لابيكتيت الذي أرسله لها لحظة الفراق: " إن اتهام الآخرين بعذاباتي الشخصية لا يعني إلا الجهل . وفقدان الهوية الخاصة إنما يأتي من شخص بدأ يثقف نفسه . وإذن فلا ينبغي اتهام الذات أو الآخرين , لأن هذا إنما يحدث من شخص مثقف بالكامل " . وأضافت: " ألا ترى . . إنني لم أنس تمامًا كل شيء . ."

كان الليل قد سقط من وقت طويل , عندما وصلا أمام منزلها . وكان هو في الوقت نفسه مرتاحًا , وقلقًا . ماذا يفعل لكي يعود إلى ذلك الوقت الذي يجعلها فيه سعيدة . قالا: " إلى اللقاء " كأصدقاء قدامى . تردد في أن يأخذها بين ذراعيه وأن يقول لها: " ابقي معي . لن نفترق بعد الآن . سنعيش منذ الآن أحدنا للآخر . . أحدنا بالآخر " ومع ذلك صمت . لا خوفًا من أن يصد من جانبها كانت لديه تجارب كثيرة مشابهة , علمته أنه كان بالتأكيد صادقًا , في اللحظات التي يقول فيها أمثال هذه الكلمات ، لكنه كان في الوقت نفسه يكذب ، لأنه كان يحس بعطش إلى المغامرة , وإلى عدم الوفاء . . كان يعرف عن نفسه أنه غير ملتزم , لكنه وفي . . وفي للغاية . لأنه حتى لو أراد , فلن يستطيع أن ينسى أقل التفصيلات الصغيرة التي عاشها مع النساء اللاتي أحبهن . ولم يكن يريد أن يختار . لم يكن يريد أن ينزعج . إن لم يكن حتى الآن . . فعلى الأقل . . في اليوم التالي , قبل أن يغادر الفندق إلى المطار , تلفن إلى (فان) لآخر مرة . اقتصر على أن يشكرها بصورة رسمية على قبولها أن تراه . ومع ذلك أضاف بلهجة مرحة أنه وجدها دائمًا جميلة جدًا , مرغوبة جدًا . . لكنه لم يجرؤ على أن يغازلها , ولا أن يشعر بأنها ما زالت تهتم به . أما هي فقد طلبت منه أن يرسل لها كتاب (فريتز زورن) . وهكذا كما فكر: العلاقة بينهما لن تنقطع تمامًا ! في مذكراته الخاصة , كتب ملاحظة: "ماذا تعتقد في حقيقة ؟ أي لعبة نلعبها ؟ يبدو أنني لن أعرف أبدًا " .

في الطائرة , بعد أن تناول العشاء , وشاهد (دون سيجل) في فيلم (سجين الكاتراز), جاءته الرغبة في أن يكتب لفان . . وفي مسودة خطاب , راح يخط ما يلي:

" كما طلبت مني , أبعث إليك بكتاب زورن . لكن حذار .

فإنه ذري . إن القارئ لا يخرج من قراءته غير مبال . وعندما تقرأينه سوف تفهمين على نحو أفضل لماذا كنت أتصرف بعنف في شبابي . .بعنف ووحشية وحمق ضد السرطان الأخلاقي الذي يحكم قبضته على البلد الذي انسابت فيه طفولتنا , والذي - بصورة أو بأخرى - قد أصابنا جميعًا . إنني ملتهف لسماع رد فعلك . .

سوف أصل الآن إلى نقطة لم أشأ أن أثيرها خلال لقائنا الأخير . إذا كان قد تحقق لي السرور في رؤيتك - أكثر من السرور: الحاجة . . فإنما هذا لأنك أكثر حضورًا في من أن امرأة أخرى عرفتها حتى الآن . إنني بالتأكيد أعيش في الماضي . لكنني بصفة عامة أعتبر أنه قد مضى بصورة نهائية . معك بالعكس: لدي إحساس بأن شيئًا ما يمكن , بل يجب أن يقربنا مع السنين أكثر فأكثر . من يدري . . حتى بعد عشر سنوات . . ربما . . لكنني أحلم ببساطة بأجمل هدية قدمتها لي الحياة , وهو أنت . . وأود بكل طاقتي أن أكون أهلًا لها .

وبدون شك أنت على حق: ليس لكل إنسان إلا ما يستحقه . .

إن شعوري بذلك الإحساس الشنيع وهو أنني أصبحت لا مباليًا ( لكن ليس كلية , وهذا يمنح الأمل , بعض الأمل ) يجعلني أتأمل نفسي جيدًا عندما أسأت إليك كل هذا الوقت الطويل .

إنني حريص فقط أن أقول لك هذا . وذلك أسهل عن طريق الكتابة , فإنه يصعب على أمامك أن أقوم بدور . . وقد كنت دائمًا إنسانًا غير حصيف . . هل تذكرين مثلًا عندما خرجت من المدرسة , وسألتك عن أختك , إنه أنت وحدك التي تعتبر هذا اليوم !

حسنًا . . لن أتعبك أكثر من هذا بأغراض تعتبرينها خارج الموضوع .

مع خالص مودتي

" ملحوظة " فيما يتعلق بكتاب زورن , يمكنك اهمال مقدمة موشج , فهي لا تضيف أي شيء . بل على العكس " .

وفي اللحظة التي أنهى فيها مسودة هذا الخطاب , أحس بأنه لن يرسله إلى (فان) . .

بدأ يحس بالراحة عندما رأى انبلاج الصباح من الطائرة . وبالمصادفة , وربما من قبيل المعجزات , انسابت في السماعة التي وضعها على أذنيه - بعد أن تخير إحدى القنوات - موسيقى تريستان وايزولد لفاجنر . . قطعته الموسيقية المفضلة . وهنا أحس أمام كل المخلوقات بشعور العرفان . ما يخبئه له المستقبل مجهول . لكنه كان سعيدًا , لأنه عاش حتى تلك اللحظة . .

وقد مرت به ساعات أمل ويأس , ورأى ليالي ونهارات , واعتقد ولعن . . لكنه أدرك في تلك اللحظة أنه لن يصبح بعد الآن وحيدًا . كان يكفيه فقط أن ينتظر . وقبل كل شيء أن يتعلم أن يعيش الحياة في صداقة , ثم في انسجام مع ذاته .

دون شك , كل من الإرهاق والانفعال أراح روحه النقدي وأضاء بصيرته . إنه الآن واع بنفسه . لكنه كان يعلم أن هذا كان ضروريًا . كما أنه من الضروري وجود الرفض والإيجاب , الظلمات والنور . .

في صباح الاثنين , وفي طريقه إلى الجريدة التي يعمل فيها بباريس , مر من جديد على السينما التي تعرض فيلم ( مانهاتان) . انفلتت منه بسمة تواطؤ للبطلين (ديان كيتون) , (وودي آلان) . وقال لنفسه إنه بعد هذه الرحلة السريعة في نيويورك يمكنه أن يكوّن مادة قصة . وكتب في نفس المساء . لم يشعر بأنه كتب قط بمثل تلك الحيوية . إن معظم الكتابات خيانة ، وخيانة للنفس .