كيف سقط السروال من حسان

كيف سقط السروال من حسان

 

بقلم: فلاس دوروتشيفتش

ترجمها من الفرنسية: أ. د. حامد طاهر

 

نعم . . هذا هو عنوان القصة .

وفيما يلي ما حدث:

في بغداد , تلك المدينة الكبيرة و الجميلة , كان يعيش تاجرً غني ومحترم .

ماذا كان اسمه ؟

عندما كان يلهو تحت قدمي أمه ( أليست الجنة تحت أقدام الأمهات ) نادته: " حسان السعيد " . . وكان شابًا جميلًا , وذكيًا , وغنيًا . . غنيًا جدًا . ولم يكن شيء ينقصه . ومع ذلك فقد قرر ذات يوم أن يتزوج .

وما أن قال حتى فعل . خطب أجمل فتاة في المدينة .

كانت . . كانت . . كلًا . إن الكلام يعجز عن وصفها .

الموسيقى وحدها هي التي يمكن أن تعبر عن جمالها .

وباختصار , كانت جميلة مثل حبيبتك يا سيدي . .ومثل حبيبتك أيضًا , ومثل حبيبتك يا سيدي العزيز ( وبهذه الطريقة , أتمنى أن أرضى كل الأذواق ) ودعا حسان بغداد كلها إلى وليمة . وكانت فرصة برهن فيها طباخو المدينة الأسطورية على أنهم يعتبرون بحق في طليعة طبّاخي العالم .

وبين قطعان الأغنام , انتشرت شائعة نحس تقول:

" لقد حانت نهاية العالم , فقد عقد حسان العزم على القضاء على كل الخراف , وأن يحشوها بالفستق , ويقطعها شرائح لضيوفه . . "

وفي ذلك الزفاف البهيج , الغني , الفخم , ذرفت النساء دموعًا رقيقة من الغيرة , في الوقت الذي اتخمن بالشراب , والفطائر , والمربى المزينة بزهور الخوخ , والجوز , والمشمش . .

أما الصبايا , فلم يأكلن إلا مربّى الليلك , والياسمين المعقودة بالسكر , وقد أقسمن ألا يذقن شيئًا آخر غيرها , حتى يوم زفافهن .

دارت الرأس بالكثير من ألوان الموسيقى . . أما الشبان , فقد كانوا يقفون على أرجلهم بصعوبة من كثرة ما رقصوا . والخمر , التي يحرمها القرآن الكريم , صرعت الشيوخ وكبار السن , مثل عبد رقيق ارتمى على أقدامك ليقبلك . .

وأخيرًا جاء منتصف الليل . . الساعة المنتظرة . النساء اصطحبن العروس إلى غرفة نومها البديعة . وبين التضاحك والهزر , خفّفنها من ملابسها , ووضعنها فوق سرير العروس , المزين بستائر الدنتيللا . .

وذهبت المواشط يبحثن عن العريس . وفي صحبة أصدقائه , جاء حسان , وجلس كرجل شاب , حكيم . . جاء بخطى فرحة و نشطة , لكن دون استعجال . لأن الحكيم لا يستعجل أبدًا: لا للمقصلة ولا للزفاف ! ولأي شيء جميل يستعجل , ما دامت الحياة نفسها تنساب كسهم ! وبدون استعجال , جلس حسان على الكنبة , في مواجهة السرير ذي الستائر المحلاة بالدنتيللا . وبدون استعجال , أصغى لتهاني أصدقائه , وأمانيهم الطيبة . وبدون استعجال ,نهض , وقال:

- إنني أحييكم , يا أصدقاء صباي , وأقول: وداعًا لحياة العزوبية .

وبدون استعجال , اتجه نحو السرير .

لكن في تلك اللحظة , وفجأة . . سقط السروال من حسان . وأحدث المنظر عاصفة من الضحك:

العجائز نبحن كما لو أن أحدًا خنقهن . وضحكات النساء الشابات رنت كما لو كانت أجراسًا . أما الرجال , فقد انكفاوا على الأرض . . والعروس , التي رأت كل شيء من خلف ستائر الدنتيللا , استولى عليها سرور جنوني , ولكي تخفيه , راحت تحرك بيأس أساورها وحليها .

لقد أغمى على الجميع من الضحك . .

أما حسان فقد ظل في مكانه مشلولًا , وساقاه العاريتان حمراوان من الخجل . وباضطراب شديد , تناول حسان سرواله , واندفع خارج البيت . وفي الفناء الواسع , قفز على أول حصان وجده , وكان يخص بالتأكيد أحد المدعويين . وهمزه بشدة , ثم ركض بأقصى سرعة , وهو يسمع ضحكًا هائلًا يتبعه . .

بأية سفاسف ترتبط أحيانًا سعادة إنسان ! ومثل مجنون , اندفع حسان , يحث حصانه بغضب , إلى الأمام , في مغامرة مجهولة العواقب . .

وفي صباح اليوم التالي , أبصر أمامه في الأفق مدينة دمشق . يقال إن خبز المنفي مر . ليس هذا حقًا . خبز المنفي ليس مرًا ولا حلوًا . لأن أرض المنفي لا تنتج خبزًا قط للمنفيين . خبر المنفي ليس له طعم .

مسكين . . وبدون درهم في كيسه , وجد حسان نفسه في شوارع مدينة غريبة . في المدينة الغريبة: كل كلب متوفز لن يلقي بنفسه عليك , كما لو كنت لصًا . . في المدينة الغريبة: كل باب ينتظر أن تقترعه لكي ينغلق في وجهك في المدينة الغريبة: كل حجر مستعد لكي يطير فوق رأسك . .

ليس في المدينة الغريبة سوى الأشجار . وهي وحدها التي تستقبلك بمودة , مادة لك فروعها المحملة بالزهور , وكأنها تقول لك: " اشنق نفسك " . وبرهبة , تأمل حسان المدينة الغريبة , ثم مضى إلى السوق . . وهناك باع حصانه المجهد , واشترى بثمنه لوزًا محمصًا . وحمل الكيس على كنفيه , متوقفًا عند مشربيات المنازل لكي ينادي:

- ها أنا . . جئت من بعيد . أبحث عن أسنان امرأة يمكنها أن تنافس في بياضها ما معي من اللوز . . ها ها اين هنا الأسنان الأكثر بياضًا ؟

وجاءه الصوت من خلف المشربيات:

- ومن يضمن لنا ألا تنكسر أسناننا تحت لوزك ؟ !

وأجاب حسان بتواضع:

- لا تخشى شيئًا يا سيدتي . . بمجرد أن يشاهد اللوز بياض أسنانك سوف ينهرس من الغيرة . وعندئذ لن يكون بك حاجة إلى تكسيره !

وما أن انتصف النهار , حتى كان كل اللوز قد تم بيعه .

قام حسان بمراجعة أرباحه , ثم اشترى " برتقالًا بدمه "

- أين إذن الشفاة الوردية التي يمكنها أن تنافس برتقالي الأحمر ؟

وأجابه الصوت من خلف المشربيات:

- هل برتقالك حقيقي كما تقول ؟

- آه يا سيدتي . . إن الغيرة ستحول برتقالي إلى دموع في اللحظة التي يصبح فيها بين شفاهك .

ولم تكن الشمس قد انحرفت من وسط السماء بعد , حين تم بيع البرتقال كله .

تاجر حسان في كميات ضخمة من الفواكه والمكسرات , واشتهر في السوق , وفتح له اعتمادًا , ثم ما لبث أن ترك تجارة الفاكهة لكي يمارس تجارة المجوهرات .

وفي يوم الاثنين , عندما تقتصر زيارة السوق على النساء فقط , تبعًا للتقليد المتبع في بلاد الشرق , قام حسان , ذو اللحية المجعدة , بعرض بضاعته , مبتسمًا بوداعة:

- سيدتي الجميلة . . سيدتي الجميلة . . هل ترغبين في ألا تذرفي دموعًا بعد الآن ؟ اشتري إذن هذا الحلق . . انظري أية لآلئ ؟ إنها دموع حقيقية . الدموع تجمل المرأة . هذا هو القدر . . القسمة . . اشتري هذا الحلق , وثقي بأن الدموع لن تلمع قط في عينيك . اشتري نعمة القدر . أليس من الأفضل أن تتلالأ الدموع في أذنيك , بدلًا من عينيك ؟ !

- سيدتي الجميلة . . سيدتي الجميلة . . يا ذات الجمال الساحر . . لا تشتري شيئًا . . اكتفي فقط بالمشاهدة . إن نظراتك ستحول زرقة هذه اللآلئ التركوازية إلى زرقة السماء . قولي لحبيبك أو زوجك أن يشتري لك " بروشًا " تركوازيًا . حتى يضع فوق صدرك قطعة من السماء . .

- هذا ياقوت , أزرق وعميق مثل البحر . وهذا ياقوت أحمر مثل نقطة الدم . إنه يضيء في الظلمة . سيدتي الجميلة . اطلبي من حبيبك أو زوجك أن يقدم لك هدية من هذا البحر , أو من نقطة الدم تلك . . لكنني أنصحك أن تأخذي نقطة الدم . فإن نقطة الدم تثير من العواطف ما لا يثيره بحر بأكمله !

- سيداتي الجميلات . . سيداتي الجميلات . . وهذه لآلئ ..

- أنا أخشاها . . فإن اللآلئ تعنى الدموع !

- الصغيرة وحدها يا سيدتي . . الصغيرة وحدها . .اللآلئ الصغيرة هي التي تسبب البكاء . أما اللىلئ الكبيرة فإنها لم تبك امرأة قط .

وهكذا بالضحك والملاطفة كان يتاجر حسان . وأصبح غنيًا , وفي نفس الوقت , معروفًا في دمشق كلها .

وبلغت أخباره إلى السلطان نفسه . الله وحده هو السلطان . لا سلطان إلا سلطان السلاطين , وهو الله . الله أكبر .

ورغب السلطان في أن يرى محبوب الجميع , وينعم بآرائه وعقله .وفي أثناء المقابلة , قال له السلطان:

- أصعب شيء بالنسبة للسلطان هو اختيار وزرائه .

فانحنى حسان بعمق قائلًا:

- لا أحد يعرف هذا أفضل منك أيها السيد العظيم . . أما بالنسبة لي فلا أعتقد في صعوبته . فإن هذا يحدث عندنا بصورة عادية جدًا . إننا نعين شخصًا , أي شخص , ونعمل منه وزيرًا , ونعلن: " أيها الناس . . هذا رجل ذكي . عليكم أن تطيعوه . وإلا . . فحذار لرقابكم ! " وبدلًا من أن نجلب على أنفسنا كلام الناس , فإننا نختار الشخص الأكثر ذكاء , ونعمل منه وزيرًا . .

وهز السلطان رأسه:

- عجيب أن هذه الفكرة لم ترد على ذهني أبدًا . أخذ شخص ذكي , وتعيينه وزيرًا . حسان . . إنك رجل ذكي . وقد عينتك وزيرًا .

- أوه يا سيدي . . لا تتوقع مني إلا الطاعة .

أصبح حسان وزيرًا كبيرًا . كان طيبًا , وعادلًا , وحكيمًا . وأحبه الأخيار , أما الأشرار فخافوه . وأعجب الجميع بقوانينه التي أملاها , ولاحظ سكان دمشق كلهم بامتنان:

- أي وزير لنا ! إنه ليس نبيلًا ولا مشهورًا . . يكفينا أنه ذكي.

ومرت عشر سنوات .

واستدعى سلطان دمشق وزيره المفضل , وقال له:

- حسان . . بارك الله في اليوم الذي تركت فيه موطنك الأصلي , وأتيت تقيم بيننا . وبارك الله في القرآن الذي يوصينا بإكرام الغرباء . ها هي عشر سنوات قد انقضت , وأنا أتبع فيها نصائحك , وأنفذ مشيئتك لصالح دمشق . .

أما الآن , فإنني أرغب إليك في أن تصغى جيدًا لكلامي , وتنفذ مشيئتي . اسمع يا حسان . . لم يعد أمامي وقت طويل لكي أستفيد فيه من نصائحك الطيبة . فما أقصر الطريق الذي يفصلني عن القبر, حتى أنني لا أكاد أجد الوقت الذي أنظر فيه خلفي . . وأنا أرى أن دمشقي العزيزة سعيدة بحكمك , وأريد أن أضمن لها هذه السعادة . . حتى آخر أيام عمري .

اسمع يا حسان . . ليس لي وريث . وسأعطيك ابنتي العزيزة زوجة لك وأجعل منك سلطان دمشق . . اسمع وأطع .

عندئذ قبل حسان الأرض بين يدي السلطان , وقال:

- لا تنتظر مني غير الطاعة , أيها السلطان . الله وحده هو السلطان , ولا سلطان إلا سلطان السلاطين . وهذا هو ما قاله لي:

" حسان إن مدينة دمشق رائعة . لكن وطنك هو بغداد . هناك فتيات جميلات في العالم . لكن لا يوجد أجمل من تجاعيد الأم ! والذي يفضل أن يكون سلطان بلد أجنبي على أن يظل مواطنًا بسيطًا في وطنه . . ليس أهلًا لأن يكون مواطنًا بسيطًا في بلده , ولا سلطانًا لبلد أجنبي "

هذا هو ما قاله لي سلطان السلاطين , الذي ينبغي أن يسكت أمامه كل سلاطين الأرض .

وهنا تملك سلطان دمشق غضب شديد:

- هكذا أيها الخادم ترفض ان تنفذ إرادة سيدك ؟ ! إنني أريد أن أجعلك سعيدًا وسأجعلك سعيدًا .

وهذا هو ضعف السلاطين: يعتقدون أنهم يستطيعون أن يجعلوا الناس مشهورين , وأغنياء , وأقوياء . . وكذلك سعداء !

ولكي يجعل السلطان حسانًا سعيدًا , وضعه في السجن . لكنه هرب . جهز حصانه , وملأ كيسه بالذهب, ورحل في منتصف الليل . . إلى بغداد .

انطلق هامزًا حصانه . وحيث أنه غاب عشر سنين عن وطنه , لم يدع الحصان يلتقط أنفاسه طوال الطريق . .

وحين برزت من خلف التلال الأشعة الأولى من الشمس رأى حسان أبواب بغداد .

وبدا له أن الأشجار لا تزهر ولا تثمر في أي مكان في العالم , كما تزهر وتثمر حول بغداد .

وكذلك المآذن . . لا ترتفع في السماء بمثل تلك العظمة التي ترتفع بها في بغداد .

ونزل من فوق حصانه , وسجد مقبلًا الأرض . وفي تلك اللحظة كانت هناك امرأة عجوز متسولة , تجلس في ظل بوابة المدينة , وهي تفلي شعر حفيدتها الصغيرة من القمل . وصاحت الفتاة:

- انظري يا جدتي ما يفعله هذا الرجل . . إنه يأكل الأرض !

فأجابتها العجوز:

- اسكتي يا حمقاء . . إنه لا يأكلها , بل يقبلها . ثم إن هذا ليس من شأنك . ربما كان هذا الرجل يحب وطنه , وربما يكون أيضًا مخمورًا . . ومن الأفضل ألا يكون هذا أو ذاك . لكنك يجب أن تعرفي الآن . . فقد أصبحت كبيرة .

وتساءلت الصغيرة في بلاهة :
- وكم عمري الآن يا جدتي ؟
- عمرك . . إنك في الحادية عشرة . فقد ولدت في السنة التي سقط فيها السروال من حسان في ليلة عرسه !

هنا شعر حسان أن وطنه يبصق في وجهه . وخاطب نفسه:

- الله أكبر . آه . .الله أكبر , وكريم , ورحيم . إنهم يؤرخون باليوم الذي سقط فيه سروالي . وها هي طفلة صغيرة , تجهل عمرها , تعرف أنه منذ عشر سنوات . . سقط من حسان سرواله !

لقد عشت وجودين . وأصلحت حياتي . . من بائس مسكين إلى إنسان غني . ووصلت إلى قمة السلطة , وحكمت بلدًا , وأمليت قوانين حكيمًة وجعلت دولة بأكملها سعيدة . وكان من الممكن أن أكون سلطانًا . . وأول امرأة فقيرة أقابلها , تبحث عن قمل في شعر حفيدتها الصغيرة , لا تستطيع أن تنسى أنه منذ عشر سنوات قد سقط سروالي !

قفز حسان إلى سرج الجواد , وحول وجهه , واندفع في المغامرة . .

هذا هو ما يعلمه من الناس .

لكن الله وحده يعلم ما في أعماقهم .