الدب والدرويش

الدب والدرويش

حكاية من الفولكلور الألباني

 

ترجمها إلى الفرنسية: روجر أرنالديز

ومن الفرنسية: أ. د. حامد طاهر

 

يحكى أن راعيًا كان يحرس قطيعه . وكان يعاني من التشدد في حراسته , لأن دبًّا كان يأتي كل يوم , ويلتهم من القطيع خمسة أو ستة خراف .

 

وذات صباح جميل , مر بالراعي درويش متجول . وبعد أن تبادلا التحية , قال الراعي:

- يوجد هنا دب شرس . لا يتركني هادئًا قط . في كل يوم , يخطف مني خمسة أو ستة خراف . ألا توجد وسيلة ضده ؟

فأجاب الدرويش:

- سأقتله في نفس المكان . ولن أطلب منك شيئًا سوى ثلاث قطع من الجبن الأبيض .

أسرع الراعي فأعطاه الجبن الذي طلبه . وجاء الدب كعادته ليخطف الخراف . وعندما وصل تقدم إليه الدرويش وبدأت بينهما مناقشة , لمعرفة من منهما أقوى من الآخر ، وبالطبع ظن الدب أنه هو الأقوى . لكن الدرويش قال له:

- إنني سأسحقك مثل هذا الحجر .

وفي نفس اللحظة , أخرج من جرابه قطعة الجبن الأبيض , ثم القطعة الثانية , وبدت القطع كما لو أنها دقيق مطحون . وزادت دهشة الدب فتخير هو أيضًا حجرًا أبيض من فوق الأرض , لكنه لم يقدر أن يفعل به مثلما فعل الدرويش .

عندئذ نشأت بينهما صداقة مشتركة ، وانصرفا معًا .

وبعد وقت قصير , جاع الدب , فطلب من الدرويش أن يذهب ليصطاد لهما ثورًا يأكلانه , قائلًا له إنه , في أثناء ذلك , سوف يجمع الحطب من الغابة

لكن الدرويش قال له:

- اذهب أنت لاصطياد الثور . لأنني لم أهتم باصطياد مثل تلك الفريسة الصغيرة ! إن ما يليق بي إنما هو اصطياد أسد !

وهكذا أتاحت له تلك الحيلة أن يتجنب اصطياد الثور . أما الدب فقد مر بجانب قطيع من الثيران , وبسرعة قفز على ثور وعاد به يحمله على كتفيه .

وفي تلك الأثناء , مضى الدرويش إلى الغابة . وهنالك . . ماذا فعل ؟

تناول حبلًا طويلًا , وربط به كل أشجار الغابة , كما لو أنه سيقتلعها بجذبة واحدة .

وعندما عاد الدب نادى على صديقه الدرويش . فلم يرد , فمضى الدب إلى الغابة , وشاهد ما أعده لاقتلاع كل أشجار الغابة بجذبة واحدة . زادت دهشة الدب من صديقه . وقال لنفسه: " إن هذا الرجل أقوى مني ألف مرة " ثم قال بعد ذلك بصوت عال:

- ما ستفعل بكل هذه الاشجار التي ستقتلعها ؟ خذ منها فقط فرعًا أو فرعين , وعد . .

فأجاب الدرويش:

- أنا لست الرجل الذي يأخذ قطعتين صغيرتين من الغابة لكنك أنت الذي يفعل ذلك .

وعندئذ جذب الدب فرعين كبيرين من شجرة . ثم عادا إلى مكان الثور , وراح الدب يقطعه .

لكن كان ينبغي أن يُطبخ الثور . فقال الدرويش:

- سوف أذهب لإحضار الماء , فابق هنا لتقليب الخشب بدلًا من أن تتعب نفسك ( قال هذا لأنه لم يكن بقادر على أن يقلب ثورًا ضخم الجثة ) .

- ثم أخذ وعاءً , ومضى به إلى نبع يفيض من صخرة . وبعد أن ملأه , وضعه على كتفه , لكنه لم يستطع أن يحتفظ به طويلًا , فتركه يسقط على الأرض , قبل أن يتهاوى من الإعياء .

انتظر الدب ساعة , ساعتين . . وأخيرًا اتجه إلى النبع , الذي ذهب إليه الدرويش . وعندما وصل قال له:

- لماذا تأخرت كثيرًا هكذا ؟

فأجابه الدرويش:

- كنت أفكر في طريقة لإحضار النبع من الصخرة التي يخرج منها ! ومع الأسف لم أستطع إحضاره كما ينبغي . وقد وجدت أن رجوعي وحدي بوعاء يُخجلني . أما أنت , فيمكنك حمله .

حمل الدب الوعاء على كتفه , ثم عاد الاثنان .

وبينما هما سائران , قال الدب للدرويش:

- هيا بنا نتصارع معًا لبعض الوقت ؟

فصاح الدرويش:

- انج بنفسك مني . . لأنني لا أرغب في أن أسبب لك أذى

- ومع ذلك , انتهى بهما الأمر إلى أن يتصارعًا . .

ضغط الدب على الدرويش بقوة جعلت عيني الدرويش تكادان تخرجان من رأسه . . وعندما شاهد الدب وجهه المنتفخ , وعينيه البارزتين , اللتين جحظتا بشدة , سأله:

- لماذا أصبحت هكذا ؟

فأجاب الدرويش:

- لأنني لا أعرف بالضبط أين أقذف بك . . من هنا فأمزقك قطعًا , أم من هنا , وهذا أسوأ . .

فقال الدب:

- اسمح لي أن أطلب عفوك . . وتركه .

وبعد وقت قصير , وصلا إلى موضع الثور المطبوخ وأخذا يأكلان . وبعد قطعتين صغيرتين من لحم الثور , توقف الدرويش عن الأكل فسأله الدب:

- لماذا توقفت ؟

- لم تعد لي حاجة للطعام , بعد أكل عدد من الخراف التي أكلتها وأنا ذاهب لحمل الماء ( وكان الدرويش أضعف من أن يلمس خروفًا واحدًا ) وبعد الطعام , اقترح الدب على الدرويش أن يصحبه إلى منزله كصديق عزيز . وأخذه إلى المنزل .

وما أن وصلا , حتى طلب الدب من أمه وأخته أن يشحذا له الفأس , لأنه صمم على قتل الصديق الذي أحضره , وهكذا يتخلص من الإنسان الذي اكتشف أنه أقوى منه . وما أن سمعت أخت الدب ( وكانت دبَّة طيبة ) هذا الكلام , حتى أسرعت إلى الدرويش , وحكت له كل شيء .

جاء الليل . وجلس الدب على المائدة . وأكلوا جيدًا , ثم تمددوا على الأرض . وناموا .

وبالطبع تظاهر الدرويش بالنوم , في المكان الذي اختاره أمام الدب , لكنه ما لبث أن اختبأ خلف "بردعة " حمار كانت ملقاة في المكان . وحوالي منتصف الليل , نهض الدب , وتناول فأسه , ثم أهوى به على جسد الدرويش ثلاث أو أربع مرات . وبعد أن أعتقد أنه انهرس تمامًا , عاد إلى مكانه , ونام .

قبل طلوع الصباح , نهض الدب , وذهب إلى الغابة .

وعند عودته ماذا رأي ؟ الدرويش ! وما أن رآه حتى راح يفرك عينيه , غير مصدق نفسه . ومع ذلك سأله:

- كيف أمضى ليلته ؟

فأجابه الدرويش:

- حسنًا جدًّا . . ما عدا لسعات برغوثين أو ثلاثة قرب منتصف الليل !

صدم الدب من الدهشة , حيث أن ضربات فأسه القوية لم تبدُ للدرويش إلا كلسعات البرغوث !

وفي حالة من عدم التماسك , اعترف الدب له بكل شيء , وتوسل إليه لكي يخبره كيف يصبح قويًّا مثله ؟

أجاب الدرويش:

- لا شيء أسهل من ذلك . وما عليك إلا أن تبحث لي عن قربة لبن .

ذهب الدب , وعاد بقربة لبن . فأشعل الدرويش النار , ووضع القدر عليها بعد أن ملأها باللبن .وعندما بدأت تغلي , قال الدرويش للدب:

- ضع رأسك هنا . . حتى تُصبح قويًا !

وضع الدب رأسه لأول مرة , فاحترق . ثم وضعها لثاني مرة . وفي ثالث مرة , دفعها الدرويش بقوة . .

وهكذا تركه يطبخ على نار مكمورة !