بنت الصـباغ

بنت الصـباغ


قصص وحكايات

 كامل الكيلاني


الفصل الأول

1- المتنافسان

حدّث راوي هذه القصة منذ مئات من السنين أن طفلني صغيرين كانا في مثل سنك وذكائك، عاشا في مدينة بغداد، في منزلين متقابلين، على نهر دجلة.

وقد جمعتهما مدرسة واحدة، كما جمعهما حيّ واحد، وبلد واحد وزمن واحد.

وكان كلاهما محباً للدرس مقبلاً على العلم، لا يقصّر في أداء واجب مدرسي، ولا يقرّ قراره أو يسبق لداته وأترابه (أي الأولاد الذين ولدوا وتربوا معه)، ويبذّ أقرانه وأصحابه (أي يفوقهم ويغلبهم)، في طلب العلم وتحصيله، والاستزادة من فنون الثقافة، وأفانين المعرفة، أي أساليبها وأجناسها وطرقها.

2- بين عهدين

ولم تنقطع المنافسة بينهما منذ طفولتهما حتى بلغا سن الشباب، ولم يفتر منهما العزم، أعني: لم تسكن منهما الهمة بعد حدتها، ولم تلن منهما العزيمة بعد شدتها، بل زادت في مرحلتي الشباب والكهولة، عما ألفاه في زمن الطفولة.

وقد قسم لأحدهما وهو أبو حمزة عليّ بن صابر أن يعيّن أمير شرطة بغداد، كما قسم للآخر وهو أبو ثعلبة زياد بن طلحة أن يعين حاكماً عليها.

3- الخبيث والطيب

قلت لك أيها الصبي العزيز إن هذه الطفلين كان كلاهما في مثل سنك (أي عمرك)، وفي مثل ذكائك، ولم أقل إن كليهما كان في مثل آدابك وأخلاقك. ولو قلت ذلك، لوقعت في خطإ لا يغتفر.

فقد كان أبو حمزة يجمع إلى ذكائه وإقباله على التحصيل طيبة القلب وطهارة اللسان، فهو أسبه إنسان بك، لأنه لا يفكر إلا في الخير، ولا يتأخر عن بذل المعروف لمن يستحقه. وكان لا يخطر له الأذى على بال، ولا يجزي على الإساءة بغير الاسحان، فلقّب لذلك بـ “الموفق”.

أما أبو ثعلبة فكان على العكس من صاحبه، مثالاً للخادع الدساس، المولع بالكيد والإيقاع بين الناس، فهو لا يسخّر ذكاءه وفطنته، وعلمه وبراعه، في غير الإساءة والضر، وجلب الأذية والشر، فأطلق عليه عارفوه لقب: “المرامق”. فلا تعجب إذا قلت لك إن الخلاف قد بدأ يدب بينهما منذ طفولتهما، لأن الخبيث والطيب لا يستويان، والمسيء والمحسن لا يأتلفان، والشرير والخيّر لا يتفقان، والمرامق والموفق لا يجتمعان. وكان من الطبيعي أن يتنكر كلاهما للآخر (أي: يصبح غريباً عنه)، فلا يرضاه صديقاً له وصاحباً.

4- عزل الموفّق

وقد ذاعت بين الأهلين منافستهما في عهد الطفولة، وخصومتهما في زمن الشباب والكهولة. وتحدث الناس بما عرفوه من أخبارهما، منذ استقبلا أيام الدراسة الأولى، إلى أن بلغا منصبي إمارة الشرطة وحكومة المدينة. وهما من أرفع المناصب التي يتطلع إليها سراة القوم، أي أشرافهم. وما لبثت دسائس المرامق أن انتهت بإقالة الموفق (أي عزله) من منصبه. ولم يكن نجاحه في كيده ومؤامرته، شافياً لحقده وحزازته. والحزازة: وجع في القلب من غيظ أو حسد.

5- عصابة اللصوص

لقد أقسم المرامق: ليقفنّ حياته كلها على الكيد والإساءة إلى كل ماجد كريم. فلما اتيحت له فرصة جديدة لشفاء أحقاده من منافسه الموفق انتهزها، وهو يحسب أن التوفيق حليفه فيما دبره له، أعني: فيما رتبه ونظمه وأطال التفكير في عاقبته. ولم يعلم أن البغي مرتعه وخيم، وأن على الباغي تدور الدوائر، أي: على الجاني تنزل الدواهي. كان العسس (أي الخفراء) يمرون على عادتهم في أطراف بغداد ليلاً، وقد أربت عدتهم (أي زاد عددهم) على العشيرن عاسّاً، والعاس: هو الخفير الذي يطوف ليحرس الناس ليلاً. وما زال العسس يعسون، أعني: يطوفون بالليل لحرسوا الناس ويكشفوا أهل الريبة، حتى بلغوا منطقة المقابر. فسمعوا أصواتاً قريبة منهم، فانصتوا، أي سكتوا مستمعين لها، فأدركوا أن عصابة (أي جماعة) من اللصوص تقص أخبار يومها وترسم برنامج غدها.

6- الفتى الغريب

وقد سمع العسس صوت شيخ اللصوص وهو يحاور (أي يناقش) فتى غريباً، ويطلب إليه أن يشركهم في عملهم، ويندمج في زمرتهم، أي ينضم إلى عصابتهم. ورأوا الفتى حائراً لا يعرف كيف يجيب، وقد انعقد لسانه من الخوف. وسمعوا شيخ اللصوص يعيد سؤاله، وقد غاظه من الفتى صمته وتردده. فاقتحم العسس عليهم المقبرة التي كانوا يختبئون فيها، وقبضوا على العصابة وشيخها، وساقوا الفتى الغريب معهم، ثم زجوا بهم في السجن حيث قضوا بقية الليل إلى الصباح.

7- بين يدي الحاكم

kelani3aولما جاء اليوم التالي، مثلت العصابة بين يدي المرامق. ولما سأل اللصوص عن حقيقة أمرهم، لم يجدوا بداً من الاعتراف بجرائمهم، بعد أن كشف أمرهم، واصبح الإنكار لا يجديهم شيئاً. ولما جاء دور الفتى الغريب، عرف المرامق من حديثه، ومما سمعه العسس من حواره أمس أنه غريب لا صلة له باللصوص. فأصدر أمره بتبرئته، بعد أن أمر بزج اللصوص في السجن، حتى ينفذ قضاءه فيهم بعد حين.

الفصل الثاني
1- فضل الله

ثم انتحى المرامق بالفتى ناحية، وسأله عن اسمه، فأخبره أنه يسمى: فضل الله. فقال له المرامق: يبدو (أي يظهر) لي من منظرك وغرابة زيك (أي هيئتك) أنك ضيف قادم على بغداد منذ زمن قليل. فقال له الفتى: صدقت يا سيدي، فأنا من سكان الموصل. وقد وصلت أمس إلى بغداد ولم أرها قبل ذلك، ولا عرفت فيها أحداً.

2- جارية الموفق

وقد كاد الجوع يقتلني، فجلست بجوار قصر فاخر لرجل من سراة بغداد اسمه السيد الموفق، فمرت بي جارية عجوز من جواري القصر، ورأت ما يبدو على وجهي من الإعياء (أي الكلل والتعب) والحياء، فأدركت ما يجول بخاطري. فرجعت إلى القصر، ثم عادت إليّ بعد قليل بشيء من الزاد أمسكت به المرق، أعني حفظت به ما بقي في جسمي من حياة، بعد أن أشرفت على التلف، وكدت أهلك من الجوع.

3- بين المقابر

ولما جاء المساء، لم أجد مكاناً آوي إليه غير المقابر. فاضطجعت إلى جانب قبر من القبور، وتوسّدت صخرة من الصخور، أي جعلتها تحت رأسي. فأخذتني سنة خفيفة من النوم، ثم أيقظتني جلبة وضوضاء بالقرب مني، فنهضت مفزّعاً وجلاً، أي شديد الخوف. وحاولت أن أهرب فلقيت أمامي رجلين، فاستوقفاني وسألاني: من أنا؟ ومن أي أنت؟ فقلت لهما: “إنني غريب لا مأوى لي ولا زاد عندي. ولم أجد في المدينة موئلاً، أي مكاناً ألجأ إليه، فجئت إلى القبور أتلمّس النوم فيها”. فقال لي أحدهما: “احمد الله على هذه الفرصة السعيدة، فقد وجدت من يعنى بأمرك، ويهيئ لك ما تحتاج إليه من ثياب وطعام”.

ثم سارا بي حتى وصلنا إلى قبر كبير، فيه جماعة من رفاقهما كانوا يأكلون أشهى ألوان الطعام. فعلمت أنهم لصوص، وأن هذه المقبرة مخبؤهم. ثم حقق ظني ما سمعته من مناقشتهم. فقد بدءوا يتحدثون عما سرقوه في يومهم، وما اعتزموا سرقته في غدهم، أي في يومهم التالي.

4- غيظ اللصوص

وعرضوا عليّ أن أشركهم في عملهم وأندمج في زمرتهم. فارتبكت وخشيت أن أرفض رأيهم فأغضبهم، وليس في قدرتي أن أوافقهم على السرقة، لأنني رجل شريف، مهما يقسُ عليّ الزمن فلن أبيح لنفسي أن أكون أفاقاً، أعني: طريداً ضارباً في الآفاق، وصعلوكاً مكتسباً لا موطن له، يذهب في بلاده الدنيا متنقلاً من مكان إلى آخر.

5- قدوم العسس

وانعقد لساني فلم أدر كيف أجيبهم. فأعادوا عليّ السؤال، فاشتد ارتباكي وفزعي. وبدا على وجوههم الغيظ والألم لما رأوه من ترددي وإحجامي.

وإني لكذلك إذ أتاح (أي هيّأ) لي الله فرصة نادرة للخلاص من هذا المأزق، أي المضيق. فقد دهمنا العسس، (أي أحاطوا بنا) حينئذ وخلصوني من أذيتهم وشرهم وأتاحوا لي فرصة سعيدة للمثول (أي الوقوف) بين يديك.

6- فضل الصمت

ولم يكد المرامق يستمع إلى قصة فضل الله؛ حتى عنّ له خاطر خبيث يحقق ما يبتغي من الكيد لخصمه اللدود: السيد الموفق. وكان من حسن حظه، أعني من حسن حظ السيد الموفق، أن المرامق الخبيث قد عرف من قصة فضل الله بعضها وجهل باقيها. لأن فضل الله لم يخبره بقصته كلها، بلا اجتزأ منها بما يبرّئه من تهمة السرقة، ولم يجد حاجة للإفضاء بما لم يُسأل عنه، متّبعاً في ذلك الحكمة الذهبية المأثورة: “إذا كان الكلام من فضة، كان السكوت من ذهب”، مهتدياً بقول الشاعر القديم:

“مت بداء الصت خيرٌ لك من داء الكلام
إنما العاقل من ألجم فاه بلجام الصمت”.

ولو عرف الحاكم قصة “فضل الله” كلها، لما وقعت حوادث هذه القصة العجيبة. ولوقفت عند هذا الحد وانتهت بتبرئة فضل الله من تهمة السرقة. ولو تم ذلك لألحقت بأمثالها من الحوادث والأنباء اليومية التي تسمع أمثالها في الصحف، ثم لا تلبث أن تنساها عقب الانتهاء من قراءتها.

7- فكرة جريئة

وقد أطال المرامق تفكيره حيت حدثه فضل الله أنه قد جلس أمام قصر الموفق. ولا عجب في ذلك، فقد أخبرتك في أول القصة بمقدار ما كان يحمله له من حقد وحسد. ثم لمع على أسارير أبي ثعلبة بريق عجيب، لو رأيته- أيها الصغير العزيز- لعلمت أنه قد اهتدى إلى فكرة موفقة طال بحثه عنها، أستغفر الله، بل هي فكرة خاطئة غير موفقة، لو أ،ه عقل لتمنى أن يضل عنها، فلا يهتدي إليها أبداً. قال المرامق للفتى فضل الله، في لهجة تفيض بشراً وحناناً (أي سروراً ورحمة): إن للسيد الموفق فتاةًً معروفة برجاحة العقل وجمال الخلق. وقد رأيت من حسن أدبك ما أقنعني بكرم عنصرك، وطيب أصلك. ولست أرى أحداً أحق منك بزواجها، فكيف تقول”؟

8- دهشة فضل الله

فدهش فضل الله مما قاله المرامق، وعجب من طيبة قلبه، وكذّب ما كان يسمعه من قبل قدومه إلى بغداد من الشوائع (أي الأخبار الذائعة)، عن لؤم المرامق وخبث نيته. وأعجب بذكائه وبعد نظره، لأنه استطاع بما وهبه الله من فطنة أن يهتدي إلى سره، ويتعرف ما كان يجول بخاطره.

وقال فضل الله في نفسه: “لقد خرجت من بلدي وأنا عزم على الزواج بهذه الفتاة، ولكن قطاع الطريق سلبوني كل ما أملك، ولم يتركوا لي إلا أسمالاً أي ثياباً خلقة بالية، فخجلت من التوجه إلى أبيها وأنا بهذه الحال المزرية. وكأنما ألهم الله سبحانه هذ الرجل الكريم أن يقرأ ما دار بخاطري من الأفكار. فما أسعدني به، وما أعظم توفيقي بلقياه، أي بلقائه.

وقد شكر فضل الله للمرامق صنيعه (أي معروفه)، وعجب مما رأى. ولم يكن يدور بخاطره حقيقة ما يفكر فيه. وبعد قليل أمر المرامق بعض خدمه أن يذهب بالفتى: فضل الله إلى الحمام.

9- دهاء المرامق

ثم بعث إلى السيد الموفق يدعوه إلى داره ليفضي إليه بأمر خطير. فجاء الموفق على عجل أي مسرعاً. وما كاد المرامق يراه حتى اسرع إلى لقياه. وأقبل عليه يقبله ويعانقه، ويتظاهر بالإخلاص والمودة له. فدهش السيد الموفق لما رأى، وعجب من تلك الحفاوة التي لم يألفها من المرامق. ولم يكن يعرفه طول عمره إلا خصماً لدوداً، لا يكف عن إيذائه والكيد له- منذ الطفولة- كلما أمكنته الفرصة. فأدرك الموفق أن في الأمر سراً يحاول صاحبه جهده أن يخفيه عنه.

10- مصاهرة الأمير

ولكن صاحبه لم يترك له مجالاً للتفكير والشك في أمره. فالتفت إليه قائلاً: “لقد أرد الله – يا أبا حمزة- ألا يطول أمد عدائنا (أي زمن عداوتنا)، فأتاح لنا فرصة نادرة نخمد أي نطفئ فيها شعلة أحقادنا، ونضع حداً لتلك الخصومة التي ابتلى (أي امتحن) الله بها قلبينا، وأشقى بها نفسينا”. فساله السيد الموفق: وماذا جدّ عندك من الأنباء أي الأخبار؟ فقال له المرامق في لهجة خبيثة، وهو يتظاهر بالجد والإخلاص:

“لقد وفد عليّ أمس الأمير فضل الله أمير الموصل، وحلّ في ضيافتي. وهو عازم على الزواج بابنتك، التي اشتهر جمالها وفضلها وذكاؤها في جميع الآفاق. ولم يكد يفاتحني في ذلك حتى رأيت الفرصة سانحة لاستجلاب الودّ والصفاء بيننا، وإحلال المحبة والولاء، محل القطيعة والجفاء”.

11- فرح الموفق

فقال له السيد الموفق، وقد امتلأت نفسه بهجة وحبوراً بهذه البشرى السعيدة: “شدّ ما أدهشني هذا النبأ السار. فإن من العجب حقاً أن يفكر أمير الموصل في الزواج بابنتي زمرّد، وأن يجيء هذا الخير العميم على يديك أنت، بعد أن وقفت حياتك كلها على الإساءة إليّ والإضرار بي. فقال المرامق: لا حاجة إلى استثارة الأحقاد ونبش ذكريات الماضي المؤلمة يا أبا حمزة. فليس يخلق بكريم مثلك أن يذكر الإساءة، بعد أن سنحت الفرصة للتكفير عنها. وسيكون زواج الأمير بابنتك فاتحة عهد الصداقة والإخاء الجديد بيننا، وخاتمة عهد المشاكسة البائد الذي لا عودة له ولا رجعة، إن شاء الله. وما أحسن أن نغتنم هذه المناسبة السعيدة فنتعاهد على المودة والإخاء، ونقسم على المحبة والوفاء. وكان السيد الموفق طيب القلب، فانخدع بكلام المرامق، ونسي قديم حسده له، وسابق حقده عليه، فقام يعانقه ويعاهده مخلصاً على الصفاء.

12- لقاء الأمير

ولما عاد فضل الله من الحمام أدخله الخادم غرفة الاستقبال بعد أن ألبسه أفخر الثياب. وما كان يراه المرامق حتى صاح متظاهراً بالفرح والسرور: “على الرحب والسعة قدمت (أي جئت) أيها الأمير الكريم. لقد شَرُفَت بك بغداد، وأعليت من قدر داري، بعد أن نزلت فرضيتها داراً لك ومقاماً. ولقد- والله- أعجزتني عن أن أشكر لك هذا الشرف العظيم الذي أوليتنيه. وليس فرح السيد الموفق بأقل من فرحي بمقدمك السعيد. وقد عدّ رغبتك في الزواج بابنته شرفاً لا يدانيه شرف. ورأى في مصاهرة الأمير: فضل الله فرصة له عزيزة المنال”.

فقام السيد الموفق يشكر للأمير فضل الله تنزله بقبول ابنته زوجاً له، وقال له فيما قال: “شد ما أخجلني يا سيدي الأمير، وملأت نفسي فرحاً وسروراً بهذا الشرف الذي تفضلت به عليّ، إذ طلبت الزواج بابنتي. ولن ننسى لك طول حياتنا هذا الصنيع”. فتحيّر فضل الله ولم يدر كيف يقول؟ وانعقد لسانه عن الكلام، فاكتفى برد تحية السيد الموفق. وخشي المرامق أن يظهر الاضطراب على صاحبه، فيرتاب الموفق فيما حدثه به.

13- زواج الأمير

فالتفت المرامق إلى فضل الله قائلاً:

“أرجو أن تضيف إلى أفضالك الجميلة- يا سيدي الأمير- فضلاً جديداً، فتقبل أن يتم عقد زواجك في داري”. ولم ينتظر المرامق موافقة أحد، بل أسرع- على فوره- فأمر غلمانه بإحضار الشهود. ثم كتب عقد الزواج، وتلاه بعد كتابته على الشهود الذين أحضرهم.

ثم التفت إلى السيد الموفق باسماً وقال:

“لقد أتم الله نعمته عليك يا أبا حمزة. فاذهب مع صهرك الأمير إلى بيتك، وانعم بهذا الشرف العظيم الذي ساقه الله إليك، فأنت جدير به، أي مستحق له”.

فشكر له كلاهما صنيعه أي: معروفه، وخرجا من بيته، وركبا بغلين فاخرين كانا في انتظارهما، ثم ودّعا أبا ثعلبة المرامق، وما زالا سائرين حتى بلغا القصر.

14- بنت الموفق

ثم صعدا إلى غرفة الاستقبال، واستدعى السيد الموفق ابنته، وأخبرها بما تم، فأقرت أباها على ما فعل. وعلم كلّ من في القصر بزواج زمرد بنت أبي حمزة الموفق بالأمير فضل الله، فاستولى عليهم الفرح والسرور.

وقد ابتهج العروسان، وحمدا الله- سبحانه- على ما كتب لهما من توفيق. فقد رأى كلّ منهما في شمائل صاحبه وحديثه مثالاً رائعاً لرجاحة العقل، وكمال الخلق، وسعة الأفق، فشكرا لله ما يسّره لهما من سعادة وتوفيق.

الفصل الثالث
1- هدية المرامق

وما كادت تشرق شمس اليوم التالي حتى سمعا طرقاً بالباب. فذهب فضل الله ليتعرف من الطارق؟ فرأى زنجياً مديد القامة (أي طويل القد) يحمل ريطةً (أي ملاءة) كبيرة، فيها ثياب. فتوهم فضل الله أن المرامق أرسله إليه بهدية يعبر بها عن سروره وتهنئته بزواجه السعيد الذي تم على يديه. ولكن فرح الفتى لم طل. فقد فاجأه الزنجي أسوأ مفاجأة، حين قال له، في لهجة الشامت الساخر:

“إن سيدي يحييك، ويتمنى لك التوفيق والسعادة في زواجك، ويطلب منك أن ترد له الثياب الفاخرة التي استعرتها منه أمس لتظهر بمظهر أمير الموصل. وها هي ذي أسمالك (أي ثيابك القديمة البالية) قد بعثها إليك سيدي أبو ثعلبة لتظهر أمام سادتك بمظهرك الحقيقي، فلا ينخدعوا فيك بعد اليوم”.

2- دهشة زمرد

فاشتدت دهشة فضل الله لهذه المفاجأة، وأدرك في الحال خبث المرامق ودهاءه. ولم ير بداً من الإذعان (أعني لم يجد مفراً من الخضوع) لقضاء الله وقدره. فخلع ما عليه من الثياب، وردّ إلى الزنجي أثواب مولاه. ثم ارتدى ثيابه الخلقة، وهو حائر في أمره، لا يدري ماذا يصنع؟ ولا يعرف كيف يقول؟ وكانت زوجه زمرد تصغي إلى الحوال، أي تميل بسمعها نحو المناقشة. فلما رأت زوجها يرتدي الأسمال، أي يلبس الثياب البالية، قالت متعجبة حائرة:

“يا ألله! ماذا حدث؟ وأي كارثة (أي مصيبة) حلّت بنا؟ وبماذا حدثك الزنجي؟

3- أمير الموصل

فقال لها زوجها، وقد عادت إلى نفسه الطمأنينية والثقة: “لقد كشف الله لي خبث هذا الرجل وسوء نيته، ولكن الله سبحانه أبى لي أن يرجع إليه السهم الذي سدده إليّ، ويرد كيده في نحره، والنحر: أعلى الصدر. فقد سوّلت (أي زينت) له نفسه أن يزوجك برجل فقير أفّاق، رغبة في الكيد لأبيك والانتقام منه. وقد خدع في منظري حين رآني مع جماعة من اللصوص فحسبني طلبته. وكنت لحسن حظي قد كتمت حقيقة أمري عنه، وحجبت سري دونه. فقد قلت له إنني من الموصل ولكنني لم أقل له: إنني أميرها ووليّ عهدها، ووريث ملكها. وقد كنت أعجب كيف فطن إلى حقيقتي من غير أن أخبره بها؟ وقد استولت الدهشة عليّ حينئذ فلم أدر: كيف عرف أنني لم أسافر من الموصل إلى بغداد إلا لأتزوج بنت أبي حمزة الموفق؟ ولم أعلم كيف أدرك من ملامحي أنني أمير؟

فالآن زال عني العجب وانجلى اللبس أي: الإشكال، وعرفت أنه اختلق لي (أي كذب عليّ وافترى) هذه الإمارة، وهو يحسبني أفاقاً متعطّلاً، أو صعلوكاً متبطّلاً. ولقد خيل إليه أنه قد نجح في تدبير مؤامرته ليوقعكم في أحبولته أي شبكته. وأبى الله إلا أن يخيب ظنه، ويحبط كيده أي يبطله، فقسم لك الزواج بأمير أصيل في الإمارة، هو أمير الموصل وولي عهدها”.

4- ثياب الإمارة

ثم قصّ عليها الأمير فضل الله قصته كلها. ولم يكد ينتهي منها حتى تهلل وجه عروسه، وأشرقت أساريرها أي: خطوط وجهها، ثم قالت له: “لقد رأيت من نبل أخلاقك أيها الأمير ما أقنعني بكرم أصلك. ولن يكون إن شاء الله إلا ما يسرّك. فلا تجزع مما حدث، ولا تحزن مما فعله ذلك المسيء الحاقد. فإن الله لا يهدي كيد الخائنين”.

فشكر لها الأمير فضل الله بُعد نظرها، وأصالة رأيها. وأسرعت زمرد فنادت إحدى جواريها، وأمرتها أن تذهب من فورها (أي للحال) إلى السوق، لتشتري منها ثياباً فاخرة للأمير. ولم يمض زمن يسر حتى عادت الجارية ومعها أكياس فاخرة، وحلل ثمينة، جديرة بأمير مثله. فارتداها الأمير، فعادت إليه رواؤه (أي حسن منظره) وبهاؤه بأحسن مما كان بالأمس.

5- وعيد زمرد

فقالت زمرد ضاحكة مستبشرة: “ترى كيف يكون شعور المرامق الآن؟ لقد حسب أنه أوقعنا في أحبولته (أي شبكته)، ولم يعلم أنه قد هيّأ لنا سعادة لم تكن لتيسّر لنا لولاه! لقد أراد أن يزوج بنت أبي حمزة الموفق بلص أفّاق، فخيب الله أمله، وأنقذنا من كيده، فزوجها بأمير جليل، من سلالة عريقة (أي من نسل أصيل) في الإمارة والملك؛ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. على أنني سأعرف كيف أنتقم منه انتقاماً لا ينساه إلى الأبد، وأعاقبه عقاباً لا يخطر له على بال، ليكون له في ذلك درس بليغ يردعه (أي يرده) عن الكيد للناس، فكيفّ عن خداعهم والمكر بهم”. وحاول الأمير أن يرجعها عن عزمها على الانتقام من المرامق، فذهبت جهوده أدراج الرياح. ثم حاول أن يتعرف منها ما دبرته لخصمها من كيد، فلم تخبره بشيء من سرها.

6- انتقام باطش

ولقد صدقت زمرد وعيدها (أي كانت صادقة في التهديد والتخويف)، وكانت انتقامها من خصمها وخصم أبيها عنيفاً باطشاً (أي متناهياً في الشدة). فقد اعتزمت أن تجعله مضغة في أفواه الناس من خاصة وعامة يتفكهون بها،وترويها الأخلاف عن الأسلاف (أي الأبناء عن الآباء). فتم لها ما أرادت على الرغم من رجاء الأمير: فضل الله، الذي كان لا يحب الانتقام، ولا يرضى مقابلة الإساءة مهما عظمت بغير الإحسان والصفح والغفران.

الفصل الرابع
1- في ديوان المرامق

وفي اليوم التالي خرجت زمرد بعد أن ارتدت ثيابها، واسدلت على وجهها قناعها (أي البرقع الذي تستر به وجهها)، واستأذنت في الخروج زوجها. وما زالت تسرع خطها، حتى بلغت ديوان المرامق، فوقفت بحيث يراها.

وما كادت تقع عليها عيناه، حتى بعث رسولاً إليها يسألها عن سبب قدومها، فأخبرت رسوله أنها تريد أن تسرّ أمراً خطيراً إلى سيده أبي ثعلبة، اي تحدثه به سراً.

2- بين أرنب وثعلب

فذهب المرامق إلى الحجرة الأخرى، وأرسل في طلبها. فلما مثلت (أي وقفت) بين يديه، حنت رأسها متظاهرة بإجلاله واحترامه، فأمرها بالجلوس على أريكة مجاورة. ثم رفعت قناعها وقالت بعد أن أذن لها في الحديث: “لقد نمت ليلة أمس يا أبا ثعلبة وأنا مشغولة بما أنا فيه من سوء الحظ. فرأيت في المنام حلماً عجيباً: رأيت ضباً يتكلم، وقد وفد عليه أرنب وثعلب. وعلمت من حديثهما أن الأرنب التقطت تمرة. ولم تكد تظفر بها، حتى احتال عليها الثعلب فخطفها منها. ولم يكد الثعلب يخطفها حتى نشب الخلاف بينه وبين الأرنب.

3- بيت الضب

ثم اجتمع رأياهما على الذهاب إلى بيت أبي الحسل وهو الضب بعد أن تعاهدا على الرّضى بما ينتهي إليه قضاؤه وحكمه. فلما بلغا بيت الضب، سمعت حواراً طريفاً ما أظنني سمعت أعجب منه.

قالت الأرنب منادية: يا أبا الحسل. kelani3b

فقال الضب: سميعاً دعوت.

قالت الأرنب: أتيناك لنحتكم.

فقال الضب: عادلاً حكّمت.

قالت الأرنب: فاخرج إلينا.

فقال الضب: في بيته يؤتى الحكم (يعني أن القاضي لا ينتقل إلى دار المختصمين، بل هم الذين ينتقلون إلى داره ليحكم بينهم).

قالت الأرنب: إني وجدت تمرة.

فقال الضب: حلوة فكليها.

قالت الأرنب: فاختلسها الثعلب أي استلبها.

فقال الضب: لنفسه بغى الحير، أي طلبه.

قالت الأرنب: فلطمته.

فقال الضب: بحقك أخذت.

قالت الأرنب: فلطمني.

فقال الضب: حرّ انتصر لنفسه.

قالت الأرنب: فاقض بيننا.

فقال الضب: قد قضيت.

فذهب الثعلب والأرنب راضيين بحكمه.

4- حوار الضب

وهذه قصة حفظتها في المدرسة في زمن الطفولة، وكنت شديدة الإعجاب بها. ولكن إعجابي قد اشتد حين تمثلت لي في المنام، كأنها حقيقة راهنة أي: دائمة ثابتة. وازددت لها تقديراً حين رأيت بعيني رأسي شخوص هذه الأسطورة يتكلمون ويتحاورون أي يتناقشون. وأبصرت الضب يقضي بين الأرنب والثعلب، وقد ظهري لي أبو الحسل أي الضب في صورة عجيبة: جسم ضب رُكّب في رأسه وجه إنسان ولسان إنسان. فتوجهت لأبي الحسل، أحاوره أي أناقشه كما حاورته الأرنب منادية:

يا أبا الحسل!

لبيك يا كريمة الأصل.

باكية جئتك متألمة.

بل شاكية قدمت متظلمة.

أتنصت إلى قصتي؟

عرفتها يا بنيتي!

كيف، وما رويتها؟

عرفتها، عرفتها، كأنني رأيتها!

من قبل أن أقصها؟

نصّها وفصّها!

فبماذا تقضي فيها؟

أتركها إلى قاضيها.

أي قاض عنيت، وبحكمه ارتضيت؟

رجل من أهل الرشاد، هو حاكم بغداد، العدل سجيته، وأبو ثعلبة كنيته، والصواب حكمه، وزياد اسمه. فتوجهي إليه وقصي شكواك عليه.

5- أذان الفجر

وهممت أن أتمادى في الحوار (أي أردت أن أستمر في المناقشة)، وإذا بصوت المؤذن يجلجل (أي يسمع شديداً عالياً في الفضاء، مؤذناً (أي معلماً ومخبراً) بالفجر، فاستيقظت من نومي مستبشرة مسرورة، وقد أيقنت أنني أدركت بغيتي، وظفرت بطلبتي، أي نلت ما أريده وأبتغيه، وبلغت ما أطلبه وأرتجيه.

6- نصير المظلوم

فتهلل المرامق (أي تلألأ وجهه فرحاً وسروراً)، وامتلأت نفسه إعجاباً برجاحة عقلها، وحسن أدبها، وبلاغة تعبيرها، وفصاحة بيانها، وطلاقة لسانها. فقال لها: “يسعدني أن أنصفك أيتها الفتاة الراشدة الكريمة”.kelani3c

7- شكوى زمرد

فقالت زمرد: “لقد جئت ألتمس (أي أطلب) من مولاي أبي ثعلبة أن يعيد العدل إلى نصابه (أي يرجعه إلى أصله)، ويرفع عني ما حاق بي من الجور، أي ما أحاط بي واشتمل عليّ من الظلم. ولا عجب في ذلك، فإن على أيدي العادلين من أمثال سيدي: أبي ثعلبة القليلين، يعلو الحق، وينهزم الباطل، وينتصف المظلوم من الظالم”.

فقال لها المرامق: “أمظلومة أنت يا بنيتي؟ فلا والله لن أدخر وسعاً (أي لن أترك جهداً) في رفع ظلامتك. فحدثني بقصتك”.

8- مجمع الأمراض

فقالت له: “إذا زعم إنسان، أي: إذا تحدث حديثاً مشكوكاً في صحته: إنني عوراء، أو صلعاء (أي ليس في مقدّم رأسي شعر، أو قال إنني دميمة السحنة أي قبيحة الوجه، أو بكماء (أي خرساء)، أو بخراء (أي منتنة الفم)، أو كتعاء، والكتعاء هي من رجعت أصابعها إلى كفها، وظهرت مفاصل أصابعها، أو شلاء، أو مقعدة، وهي التي أصابها داء في جسدها فأعجزها عن المشي، أو ومعاء، وهي التي التوت إبهام رجلها فأقبلت على السبابة حتى يُرى أصلها خارجاً كالعقدة، أو حدباء، وهي التي خرج ظهرها ودخل صدرها وبطنها، أو مورمة الجسم، أو جرباء، أي مصابة بالجرب، فهل تراه (أي تظنه) أنصفني فيما زعم، أم تراه كذب عليّ وافترى”؟

9- على نهر دجلة

فقال لها: “ما رأيت في حياتي كلها أكمل منك أدباً، ولا أحسن خَلْقاً (أي خِلقًة) وخُلُقاً (أي طبعاً وعادة). فخبريني من تقصدين؟ وممن تشكين”؟

فقالت: “فكيف تحكم يا أبا ثعلبة إذا قلت لك: إن أبي هو الذي يشيع عني هذ الشوائع أي يذيع هذه الأخبار؟ لعل له في ذلك حكمة أجهلها، فما علمته يسعى لغير إسعادي. وما كان ليخطر ببالي أن أتحدث بما تحدثت به إليك، لولا ذلك المنام العجيب الذي قصصته عليك”. فقال المرامق: “ألا تخبرينني باسم أبيك وصناعته وعنوانه”؟

فقالت: نعم يا سيي، فهو أبو نصر عمر الصباغ، وبيته معروف على الضفة الشرقية (أي الجانب الشرقي) لنهر دجلة”.

فقال المرامق: “عودي إذا شئت يا سيدتي إلى بيتك، فلن تري إلا ما يسرك”.

10- حوار الزوجين

فشكرت زمرد للمرامق عطفه، ولثمت يده (أي قبّلتها)، وأسدلت قناعها (أي أرخت برقعها على وجهها)، وخرجت من الغرفة عائدة في طريقها إلى بيتها.
ثم قصّت على زوجها كل ما فعلته، وختمت حديثها قائلة: “لقد رددنا إلى المرامق سهمه الذي سدّده إلينا، قد ائتمر بنا ليجعلنا سخرية الناس أجمعين، فتردّى (أي سقط) في مثل البئر التي أراد أن يحفرها لنا”.

ودارت محاورة (أي مناقشة) طويلة بين الزوجين، فقد كان الأمير فضل الله يرى دائماً أن التجاوز (أي الصفح) عن الإساءة خير من مقابلتها بمثلها. أما زمرد فكانت على العكس مما يراه الأمير، ترى في معاقبة الجناة (أي المجرمين) وقصاصهم (أي جزائهم وعقابهم) خير وسيلة لتأديبهم وتخويف من تسول (أي تزين) له نفسه أن يقلدهم.

كما ترى أن من واجب القادرين ألا يتهاونوا في زجر الأشقياء والضرب على أيديهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. فإنهم إذا أفلتوا من القصاص عاثوا (أي أفسدوا) في الأرض.

وقد ختمت حوارها مع زوجها بالحديث المأثور:

“من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.

الفصل الخامس
1- فزع وطمأنينة

أما المرامق فقد رأى في تلك الفتاة البارعة الفصيحة الراجحة العقل مثلاً كاملاً للزوج الفاضلة التي كان ينشدها (أي يطلبها) ويتمناها.

فأرسل يستدعي عمر الصباغ إليه. وما كاد الصباغ يرى رسول المرامق حتى امتقع وجهه، أي تغير لونه، وحسب أن أحد أعدائه قد شكاه إلى الحاكم. فذهب يتوجس شراً، أي أحسّ صوتاً خفياً يهجس في نفسه بالضرر. وما كاد يصل، حتى هشّ المرامق به وبشّ (أي خفّ إليه وارتاح)، وأدناه (أي قربه) من مجلسه، واستولت عليه البهجة (أي تملكه الفرح) بلقائه.

2- سبب الحفاوة

فجب الصباغ مما رأى من بشاشة المرامق وحفاوته به، أي مبالغته في إكرامه وإلطافه والعناية به. ولم يدر لهذا التكريم سبباً، وظهر الارتباك على وجهه. ثم قال له المرامق:

“إني لسعيد الحظ إذ أراك يا أبا نصر قد سمعت عنك ثناءً مستطاباً. وقد استفاضت بين الناس شهرتك بالاستقامة والورع (أي التقوى والاصلاح)”.

فأجابه الصباغ: “أشكر لسيدي أبي ثعلبة حسن رأيه فيّ وثناءه عليّ، كما أشكر له أن أتاح لي هذه الفرصة السعيدة للقياه والتعرف به. فليس في الدنيا سرور أعظم من التعرف إلى الكبراء الصالحين، والأتقياء البررة من أمثال مولاي”.
3- الفتاة التاعسة

فقال المرامق: “لقد علمت أن لك بنتاً لما تتزوج”. فقال له الصباغ: “لست أكذبك القول يا سيدي أبا ثعلبة، فإن بنتي قد أربت سنها (أي زاد عمرها) على الثلاثين عاماً. ولكنها مخلوقة تاعسة لا تصلح للزواج، لأنها عوراء، صماء، بكماء، حدباء، شوهاء، دميمة الخلقة، جرباء، مقعدة (أي عاجزة عن المشي) وهي على ذلك شلاء. وقد جمع الله فيها من العيوب الجسمية، ما لو وزّع على مائة واحدة لشوّه حسنهن (أي قبّح جمالهن)، وأصبح كافياً للتنفير منهن، أي لجعل من يراهنّ يتباعد عنهن”.

4- حديث المخدوع

فقال المرامق مبتسماً: “مرحى! مرحى! يا أبا نصر، فإنك لم تعد ما في نفسي. فقد كنت على يقين من أنك لن تتمدح بجمال ابنتك، ولن تصفها بغير ما وصفت، لبعدك عن الخيلاء (أي الزهو). ولكن اعلم يا صاحبي أن هناك رجلاً يريد أن يتزوج بهذه الفتاة التاعسة الجرباء، المقعدة الشوهاء، الشلاء العوراء الصماء. وإنه لمصر على ذلك بالغة ما بلغت بنتك من الدمامة والقبح والتشويه”.

فعجب الصباغ مما سمع، وقال له: “ومن هو هذا الرجل يا سيدي أبا ثعلبة، فإنني شديد الشوق إلى التعرف به”. فقال له المرامق: “يسرني أن أخبرك أن ذلك الرجل هو محدثك”.

5- حيرة الصباغ

وهنا اشتدت حيرة الصباغ وزاد ارتباكه، ثم حدّق (أي سدد نظره) في وجه الحاكم، وبرّق عينيه (أعني وسعها وأحدّ النظر) وهو يحسبه هازلاً غير جا، وقال له وهو لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه: “لا ضير أن يمزح سيدي ما شاء أن يمزح، وأن يمعن في السخرية من ابنتي، ما دام يجد في ذلك دعابة له وتسلية”.

فقال له المرامق: “كلا! كلا! فما خطرت ليّ الدعابة (أي المزاح) على بال. وما كنت لأداعبك (أي أمزح معك) أو أسخر منك (أي أهزأ بك) أو أتظاهر بما لا أعتقده. لقد عزمت على الزواج بابنتك. أفهمت ما أقول؟ عزمت على ذلك عزماً لا تردد فيه ولا هوادة. فهل تسمع؟ عزمت ولا سبيل إلى العدول (أي الرجوع) عن رأيي، ولن يثنيني عن عزمي كائن كان”.

فلم يتمالك الصباغ أن قهقه ضاحكاً، وقال للمرامق: “أقسم بالله وبأنبيائه ورسله وكتبه واليوم الآخر (يعني يوم القيامة) إن ابنتي مقعدة، شوهاء، شلاء، بكماء، صماء، وإنها إلى ذلك صلعاء، عوراء، حدباء، وإنها قد جمعت من صنوف القبح، وألوان الدمامة، ما لم تقع على مثله عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال متخيل”.

فقال المرامق، وقد حسب أن الصباغ يخدعه: “لقد عرفت عنها كل هذه الصفات: وعلمت من دمامتها وقبح وجهها وتشويه جسمها أكثر مما رويته لي، وحدثتني به، وقصصته عليّ. ومن العجيب أنني لا أتمنى الزواج بفتاة إلا إذا اكتملت لها أسباب الدمامة، واجتمعت لها وسائل التشويه والقبح. وقد بحثت طول عمري عن واحدة تجتمع لها كل هذه الصفات، فلم أعثر عليها إلا اليوم. فعلمت أن أمنيتي تحققت ورغبتي تمت، فلا تعجب مما تسمع، فللناس فيما يعشقون مذاهب”.

6- بنت الصباغ

فزاد عجب الصباغ، واشتدت حيرته مما سمع، وقال مرتبكاً: “أقسم لك جهد أيماني (أي مبالغاً في اليمين، باذلاً جهدي في القسم): إنني صادق فيما وصفت به ابنتي، وإن دهشتي مما رزقها الله من صنوف الدمامة والتشويه لا يعدلها (أي لا يساويها) إلا دهشتي من رغبة مثلك في مثلها، وإصرارك على الزواج بها. أقسم لك والله يعلم أنني صادق فيما أقول، إنني لم أكذبك شيئاً مما حدثتك به. وحسبك أن تعلم أن اسمها: “عفريت النهار”. وليس يجوز لمثلي أن يغرّ (أي يخدع) أحداً أو يغرّر به، أي يعرضه للهلاك”.

فقال الحاكم، وقدنفد (اي فرغ) صبره، واشتد به الغضب، حتى أخرجه عن وقاره (أي حلمه ورزانته): “مه أيها الرجل (أي اكفف عن الحديث)، فقد أضجرتني بثرثرة لا طائل تحتها، ولا فائدة منها. لقد عقدت نيتي (أي تفكري في الأمر)، ولقد أقسمت لأنفذن مشيئتي، ولن أرضى عنها بديلاً. فقد اخترتها أياً كانت، وبالغة ما بلغت من الدمامة والتشويه. فأقصر (أي كف وامتنع) عن مكابرتك وعنادك. وحسبك ما ألصقته بالفتاة من قبيح الأوصاف والنعوت. قلت لك إنني لن أعدل عن الزواج بعفريت النهار، فكيف تقول”؟

7- حيلة بارعة

ولما رأى الصباغ إصرار المرامق وتشبثه برأيه، أدرك أن في الأمر حيلة، وقدر أن يعض خصوم المرامق وأعدائه ممن ألحق بهم الأذى وهم كثيرون، أراد أن يتلهى أي يتسلى به وينتقم منه. فزيّن له الزواج بعفريت النهار، بعد أن مثلها له في أحسن صورة: ذكاءً وعلماً، وفصاحة لسان، وجمال خلق وخُلق. ولم يشك الصباغ في أن المرامق قد انخدع في حقيقتها، وأن خادعه كان ماهراً بارع الحيلة لبقاً، أي حاذقاً رفيقاً بما يعمله.

8- مهر العروس

ورأى الصباغ أن ينتهز الفرصة، فهي بلا شك فرصة لا تسنح (أي لا تعرض) في العمر كله إلا مرة واحدة، فإذا ضاعت، ضاعت إلى الأبد. فاشتطّ في طلب المهر: ألف دينار معجلة ومثلها مؤخرة، فأعطاه المرامق ما طلب من المهر كاملاً على فداحته (أي على ثقله وكثرته).

ولما تمت صيغة العقد أبى الصباغ أن يمضيه إلا إذا أحضر الحاكم مائة من سراة الدولة (أي أشرافها) وأعيانها ووجهائها وأولي الأمر فيها، ليشهدوا بما رأوا وسمعوا.

9- شهود العقد

فعجب المرامق من تشكك الصباغ وارتيابه وأحضر له جمهوراً كبيراً من العلماء والفقهاء والأعيان يربو (أي يزيد) على مائة. ولما اكتمل المجلس قال الصباغ:

“هل يأذن لي سيدي الحاكم أن أشهد الحاضرين على أنني لم أقبل أن أزوج ابنتي إلا بعد أن رأيت إصرارك على رأيك؟ وإنني لم أذعن لمشيئتك إلا بعد أن يئست من مقاومة إرادتك؟ وهل يأذن لي سيدي في أن أشهد هذا الجمع الحافل بأعيان الدولة وسراة المدينة أنني لم أبصّر في إخبارك ان ابنتي مثال للتشويه والدمامة (أي القباحة)؟ فإذا أصررت على البناء (أي على الزواج) بها ثم ظهر لك من عيوبها ما حذرتك، فلم تطق البقاء معها، فلن أمكنك من تركها والخلاص منها، إلا إذا دفعت لها ألف دينار أخرى من الذهب تعويضاً لها، وهو المبلغ الذي اتفقناعلى أن يكون مؤخر صداقها (أي مهرها).

10- ليلة العرس

فقال المرامق وقد نفد صبره من ثرثرة الصباغ: “أللهم إنني قبلت، اللهم إنني رضيت، قبلت ورضيت فليشهد الحاضرون وليبلّغوا الغائبين، أنني قبلت زواج بنت عمر الصباغ بالغة ما بلغت من الدمامة والتشويه، كما قبلت أن أدفع له عن طيب خاطر ألف دينار ذهباً مهراً لها وألف دينار أخرى إذا فكرت في فراقها. فهل يرضيك هذا”؟

فقال الصباغ: “الآن قد هدأ بالي، وارتاح خاطري واطمأن ضميري، وستحضر إليك عروسك بعد قليل”.

ثم استأذنه الصباغ في الانصراف، كما استأذنه سائر الحاضرين. ولبث المرامق ينتظر عروسه بفارغ الصبر، وهو يعد الدقائق والثواني، ويخيل إليه أن كل دقيقة تمر كأنها يوم، وأن كل ساعة تنقضي كأنها شهر.

11- قدوم العروس

وجلس المرامق تتمثل له عروسه التي رآها في الصباح، ويصور لنفسه أنها قد أصبحت سيدة بيته وشريكته في الحياة. ويحمد الله على أن يمنحه بعد الصبر الطويل فتاة كاملة الفضل، راجحة العقل، فصيحة اللسان، بارعة البيان.

ثم أمر إحدى جواري قصره أن تطلق البخور في غرفة الاستقبال احتفاءً بمقدمها.

وطال به الانتظار فأرسل الزنجي إلى بيت الصباغ ليستحثّه (أي ليتعجله) على الإسراع، كما استحثّه أمس على الإسراع بإحضار الثياب التي وهبها للأمير فضل الله. وبعد زمن يسير سمع الحاكم جلبة (أي اصواتاً) وضوضاء، ورأى حمالاً يحمل صندوقاً من الخشب ويصعد به إلى غرفة الاستقبال. فسأله الحاكم مدهوشاً: “ماذا تحمل أيها الرجل”؟

فوضع الحمال الصندوق أمامه، ثم قال: “احمل عروس مولاء الحاكم. فإذا شئت يا سيدي رفعت الستر عنها لترى العروس التي اخترتها وفضّلتها على نساء المدينة جميعاً”.

12- عفريت النهار

ولا تسل عن دهشة المرامق وحيرته وذعره حين رفع الستر، فرأى أشنع ما رأته عينان، وأقبح ما سمعت به أذنان وأبصر أمامه طفلة عجوزاً، لا يزيد طولها كله عن متر، ولا يقل طول وجهها وحده عن نصف حجمها، إن لم يزد عليه. وقد شوّه الجرب وجهها وجسمها أشنع تشويه. فغارت عيناها، وظهر احمرارهما، وتورّم أنفها، وتبدى لها فم تمساح. ما أصدق من سماها “عفريت النهار”.

13- فزع المرامق

وهال الحاكم ما رأى، فلم يكد يصدق ما تبصره عيناه. فأسرع بإسدال الستر عليها، وصرخ في الحال قائلاً: “أي حيوان فظيع هذا الذي تحمله إليّ؟ أترى عروسي لا تحب أن تتسلى بغير هذا المخلوق العجيب”؟

فقال له الحمال: “كلا يا سيدي، ليست هذه لعبة لعروسك، كما تخيلت، بل هي عروسك نفسها، هي بنت الصباغ، هي عفريت النهار، وليس للصباغ بنت سواها”.

فصاح المرامق متألماً: “يا ألله، وكيف يخطر بالبال أن يتزوج أحد مثل هذا الحيوان البشع، الذي جمع فنون التشويه وصنوف الدمامة ما لا يدور بخاطر إنسان”.

14- والد العروس

وكان الصباغ واثقاً من دهشة المرامق ونفوره (أي تجافيه وتباعده) وفزعه، متى رأى عروسه رأي العين. فأقبل الصباغ في اثر عفريت النهار، ولم يكد المرامق يرى صهره حتى ثار ثائره (أي اشتد غضبه)، وقال له وهو يكاد ينشق من الغيظ:

“كيف تخدعني أيها الشقي وتستهين بغضبي؟ وكيف سوّلت (أي زينت) لك نفسك أن تبعث إليّ بهذا الحيوان الفظيع ثم تزعم أنه ابنتك”؟

أما والله لئن أصررت (أي أقمت ودمت) على عنادك وخبثك ولم تبعث إليّ بابنتك الحسناء التي رأيتها في هذا الصباح، لأعذّبنك أشد العذاب، ولأذيقنّك من ألوان الشقاء والتبريح مالا قبل لأحد باحتماله.

فقال له الصباغ: “أتوسل إليك يا مولاي أن تخفف من غضبك عليّ. فليس لي بنت غير هذه الشوهاء التي تراها. وقد أقسمت لك من قبل جهد أيماني: إن ابنتي غاية في الدمامة، وآية في القباحة. فلم تسمع إليّ، وأبيت إلا الزواج بها. فأيّ لوم عليّ في ذلك؟ وتقول يا سيدي إن ابنتي حضرت إليك في هذا الصباح، فكيف كان ذلك؟ كيف حضرت إليك وهي كما ترى مقعدة لا تستطيع السير”؟

15- عودة العروس

ولما سمع المرامق كلام الصباغ أدرك نئيشاً (أي بعد فوات الوقت) أن في الأمر سراً خفياً، وعرف أن بعض خصومه قد ائتمر به، فلم ير حيلة أبلغ من هذه للانتقام منه. فأطرق برأسه ملياً، وقد كاد الغيظ يقتله، ثم قال للصباغ:

“لقد نفذ قضاء الله، ولا حيلة لأحد في رد القضاء، ودفع البلاء. فارجع ببنتك إلى بيتك، وحسبك ما ظفرت به من غنم، وما ألحقته بي من غرم”.

فلم ينبس الصباغ ببنت شفة (أي لم ينطق بكلمة)، وانصرف ومعه الحمال بحمل ابنته عفريت النهار إلى بيته.

خاتمة القصة
1- بين يدي الخليفة

وسرعان ما ذاعة قصة عفريت النهار في مدينة بغداد، وظلت ردحاً من الزمن فكاهة الناس في أحاديثهم وأسمارهم. وقد فرح الأهلون بما أصاب الحاكم الذي عمّ شره وأذاه كل من أوقعه سوء الحظ في شراكه.

وما زالت قصة بنت الصباغ تنتقل من مكان إلى مكان حتى سما خبرها إلى الخليفة، فدهش لها، وأعجب بما فيها من لطف الحيلة، وبراعة الوسيلة. وقد كشفت له تلك القصة ما كان مستوراً عنه من أخلاق المرامق، وأزاحت الستر عما كان يخفيه من ذميم الحِلال (أي قبيح الصفات)، فعرف عنه ما لم يكن ليخطر له على بال. وما عتّم الخليفة (أي لم يلبث) أن أمر باستدعاء الأمير فضل الله إليه. وقد سمع منه قصته كلها، وحزن لما لقيه من جهد وعنت (والعنت: الوقوع في أمر شاق).

2- عتاب الخليفة

ثم قال له الخليفة:

“أعزز عليّ ما لقيت يا ابن أخي من شقاء وبلاء! وليس لأحد حيلة في رد ما فات. على أنني لا أكتمك ما في نفسي من عتب عليك، لتهاونك في أمرك، وتقصيرك في لقائي. فقد كان أول واجب عليك منذ حللت بغداد أن تزورني لتهيئ لي الفرصة لتكريمك والحفاوة بك. ولست أدري: كيف يخجل مثلك مما يرتديه من أسمال بالية؟

وأنت تعلم أن المرء لا يكرم لماله وثيابه. وهل حسبت أن في استطاعة أحد كائناً من كان أن يدفع المقدور؟ وما أدري: كيف غاب عن فطنتك وذكائك ما بيني وبين أبيك من صلات المودة والإخاء”؟

فشكر الأمير فضل الله للخليفة فضله وحسن التفاته وكرم وفادته. ودعا له بطول العمر وراحة البال. وأنساه ما غمره به من رعايته كل ما لقيه من المصائب والأحداث في رحلته. ثم بعث إليه الخليفة بفيض (أي كثير) من الهدايا والنفائس.

3- إنصاف الموفق

وعرف الخليفة للسيد الموفق فضله الذي أوعز صدر خصمه (أي ملأه غيظاً)، وأغراه بالكيد له، واختلاق الأكاذيب عليه. فاستدعاه إليه، وأدناه من مجلسه، ورفعه إلى أعلى منصب، واصبح له منذ ذلك اليوم نديمه ومدبره وسميره.

4- جزاء المرامق

وفكر الخليفة ملياً (أي وقتاً طويلاً) في أمر ذلك الحاكم الدساس، فكان أول ما بدأ به عزله. ثم اجتمع رأيه على أن يعاقبه عقاباً لم يعاقب بمثله أحد. فلم ير أبلغ في إيذائه والنكاية به وتنغيص عيشه من البقاء طول حياته مع عروسه المختارة: عفريت النهار.

5- عاقبة الإساءة

ولم يكن للمرامق حينئذ بدّ (أي مفر) من طاعة الخليفة. فقضى حياته كلها مع بنت الصباغ معذباً منغصاً (أي مكدراً)، دون أن يجرؤ على مفارقتها والخلاص منها.

وكان ذلك وحده أبلغ انتقام وقع عليه، وأقسى عقاب حل به.