العـاصـفـة

العـاصـفـة

مقدمة

أيها القارئ الصغير:

أنا شديد الإعجاب بك: كثير الاغتباط، شديد الفرح، بما أحرزته (نلته) من نجاح، عظيم الأمل في تقدمك السريع.

وكيف لا أغتبط وتمتلئ نفسي سروراً منك، وإعجاباً بك، وأملاً فيك، بعد أن رأيتك تتدرج في قراءتك في مكتبة الأطفال بخطىً سريعة: من قصص رياض الأطفال إلى القصص الفكاهية إلى قصص ألف ليلة وليلة إلى القصص الهندية إلى قصص جحا، ثم إلى قصص شكسبير هذه.

فإذا انتهيت من قراءة هذه القصص الرائعة (التي تعجبك بحسنها)، وأتممت قراءة ما يليها من القصص، أصبح من اليسير عليك أن تقرأ أساطير العالم وأشهر القصص والقصص العلمية والقصص الجغرافية والقصص العربية وما يليها.

ومتى أتمتت قراءتها أصبح في قدرتك أن ترتقي منها إلى مكتبة الشباب.

وقد أخذت على نفسي أن أسهل عليك القراءة، فأبهجك وأمتع نفسك، من غير أن أكلفك أي عناء، وأحسبني قد يسّرت أمامك هذه الطريق الصعبة، ومهدت لك كل ما كان يعترض طريق غيرك من الأطفال، من عقبات مضجرة، ومتاعب مملة، مما عانيناه نحن في طفولتنا وقاسيناه.

ولعلك أيها الصديق الصغير، تنتفع بما في هذه القصص من عظات وعبر؛ هي اللب (الخلاصة والصميم) الذي اخترناه لك في طيّها، ليكون غذاء رجولتك النبيلة، وإلهام روحك العالي، في مستقبل أيامك السعيدة إن شاء الله.

شكسبير
1- نشأته

ولد مؤلف هذه القصص الرائعة، الشاعر العظيم وليم شكسبير في بلدة استرفرد؛ وهي مدينة صغيرة في انكلترا. وكانت ولادته في شهر أبريل عام 1564م.

kelani1aوكان أبوه جون شكسبير قصاباً (جزاراً)، وهو إلى ذلك يتجر في الأصواف في تلك المدينة. ولم تكن أمه السيدة ماري أردن متعلمة. وكان شكسبير أكبر إخوته.

وقد اشتهر أبوه بالكرم وطيبة القلب. وتفشى الوبأ، وكثر الطاعون وانتشر في شهر يوليو عام 1564م، أي في السنة التي ولد فيها شكسبير؛ فلم يقصّر أبوه في معاونة البائسين والمعوزين، فاستنفد ذلك ماله وأفنى مال زوجه، وأغرقها الدين، فعجزا عن الوفاء بما عليهما للدائنين. ولم يستطع شكسبر أن يتم دروسه التي كان يتلقاها في إحدى المدارس الريفية، بعد أن عجز أبواه عن الإنفاق عليه بسبب فقرهما؛ فلم يمكث في مدرسته إلا زمناً قصيراً.

2- في دكان أبيه

ولم يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى اضطر إلى احتراف مهنة أبيه، بعد أن سُدّت في وجهه كل أبواب الرزق.

ومما يحكونه عنه: أنه كان إذا ذبح عجلاً أو شاة (نعجة)، تألم لذلك أشد الألم، ووقف يخطب رفاقه- في بلاغة مؤثرة- ويظهر أمامهم ما يشعر به من الألم العميق كلما همّ بذبح حيوان.

ولقد قضى شكسبير حياته الأولى في همّ وضنك، وغم وضيق، وتزوج وهو في الثامنة عشرة من عمره، ورزق ثلاثة أطفال: ولداً وبنتين. ولم يكن سعيداً في زواجه؛ فقد ألحّ عليه الفقر والبؤس حتى ساءت حاله واضطرب أمره.

3- هربه إلى لندن

ولم يبلغ العشرين حتى أوقعه فقره في مأزق حرج وضيق شديد. فقد خرج ذات يوم مع بعض رفاقه، وظلوا يصطادون الغزلان والأرانب على عادتهم حتى ضبطهم السيد توماس لوسي وهم يصطادون في مزرعته في شريكونت ورافعهم (شكاهم) إلى القضاء؛ فقضى عليهم بالسجن، وفرض عليهم غرماً فادحاً (عقوبة مالية كبيرة)، فاضطر شكسبير إلى الهرب. ولم يصيل إلى مدينة لندن حتى نظم بعض الأشعار في هجو السيد توماس لوسي.

4- kelani1bفي مسرح لندن

وظل شكسبير يبحث في مدينة لندن عن عمل يقتات منه، فلم يجد أمامه غير المسرح، وهو بطبعه ميّال إليه؛ فالتحق به، وتحققت فيه كل أمانيه.

وكان أول عمل عهدوا به إليه أن يحرس جياد النظارة (الخيل التي يملكها جمهور الناظرين من شهود التمثيل)، ثم ارتقى فصار ملقناً، ثم ممثلاً ثم مؤلفاً صغيراً، ثم نابغة فذاً (مفرداً) منقطع النظير (لا مثيل له).

ولم يكن في مدينة لندن حينئذ إلا مسرح واحد مبني بالخشب، وليس له سقف. فلما جاء عام 1591، ظهرت أول رواياته، وهي قصة “روميو وجوليت”، فنجحت نجاحاً باهراً، وأعجب بها جمهور النظارة إعجاباً شديداً، وكانت سنّه حينئذ سبعة وعشرين عاماً.

5- في ذروة المجد

ثم توالى نجاحه وذاع فضله، حتى دعته ملكة انكلترا “إليصابات” ليمثل أمامها روايته التي ألفها عن أبيها “هنري الرابع”. وقد كان لتشجيعها أكبر أثر في نفسه، فتغنى بفضلها في شعر رائع.

ولم يبلغ السابعة والأربعين حتى أتم ستاً وثلاثين رواية تمثيلية، بعضها درامة وبعضها كوميديا، وكان يؤلف في كل عام روايتين تقريباً.

وهكذا ابتسم له الحظ، وصفت له الأيام، ونمت ثروته؛ فأنقذ أباه من الفقر ووفى دينه وأسعد أسرته.

وما زال يرتقي ويكبر شأنه ويذيع فضله، حتى أصبح من أفذاذ شعراء العالم وعظماء الفكر الإنساني، فترجمت رواياته الرائعة (التي تروعك وتعجبك بحسنها) إلى أكثر اللغات.

وسترى أيها القارئ الصغير في هذه الروايات ما يبهجك من أسمى ألوان الخيال العالي التي جاد بها هذا الشاعر العظيم، وبدائع الصور البيانية التي ابتدعتها طبيعة نفسه الفتية الشاعرة.

فاتحة القصة
1- تمهيد

لعلك تعرف أيها القارئ الصغير اسم ذلك البحر الكبير الذي يصل القارة الافريقية عن القارة الأوروبية. ولعلك قد وقفت ذات يوم على شاطئ هذا البحر العظيم، ورأي ماءه الأزرق! فإذا كنت ترى هذا البحر في حياتك مرة واحدة، فما أحسبك تجهل اسمه؛ فقد أخبرتك به كتب الجغرافية.

لعلك تذكر الآن اسم هذا البحر الواسع العميق، هو البحر الأبيض المتوسط. ولعلك تعرف إلى هذا أن في ذلك البحر كثيراً من الجزائر!

على أن الجزائر الكثيرة لا تعنينا في هذه القصة.

إنما تعنينا جزيرة واحدة كانت بين إيطاليا وتونس.

فلأحدثك بما وقع في تلك الجزيرة.

2- برسبيرو وميرندا

لم تكن الجزيرة مقفرة (خالية من الناس). ولو كانت كذلك لما حدثت فيها هذه القصة الجميلة التي أريد أن أقصها عليك.

كان يعيش في الجزيرة شيخ طيب القلب، صافي النفس، اسمه: برسبيرو، ومعه فتاة وديعة هائدة، كريمة النفس، اسمها ميرندا. وقد عاشت مع أبيها برسبيرو في تلك الجزيرة مدةً من الزمن، وكانت قد وفدت (قدمت) معه إليها وهي طفلة صغيرة؛ فلم تذكر أنها رأت وجه إنسان آخر غير أبيها.

وكانت ميرندا هذه لطيفة، جميلة الخَلق والخُلُق (حسناء الصورة، كريمة الفعال). أما شعرها فمرسل على كتفيها (مسبل غير مضفور)، وأما صوتها فمنسجم موسيقيّ، لا ترفعه ثورة اليأس والغضب.

وصفوة القول أن ميرندا قد جمعت إلى جمال الوجه، رجاحة العقل؛ فأحبها أبوها حباً شديداً، وأصبحت سلوته وعزاءه وسعادته في الحياة. وقد مرت بهما الأيام هنيئة رغيدة، وصفا عيشهما، وطاب لهما المقام.

3- بيت برسبيرو

وكان برسبيرو قد اتخذ له بيتاً في تلك الجزيرة في أحد الكهوف، وقسمه ثلاثة غرف: أولاها لميرندا، والثانية للمائدة حيث يأكل مع ابنته، والثالثة لمكتبته حيث يقضي جزءاً من وقته في مطالعة كتب السحر ودرس فنونه.

وقد كان يحرص على تلك الكتب أشد الحرص، ويعلق عليها أكبر الآمال.

ولم يكن برسبيرو يعرف هذه الجزيرة قبل مجيئه إليها، ولم يخترها سكناً له. ولم يدر بخلده (لم يمر بخاطره) من قبل أن هذه الجزيرة المجهولة ستكون وطنه ووطن ابنته عدة سنوات. فقد جاء الجزيرة كما اتفق (مصادفة)، واضطرته المقادير (ما يقدره الله من الحوادث) إلى البقاء فيها حتى يأذن الله له أن يعود إلى وطنه.

4- الساحرة سكوركسkelani1c

ولما حل برسبرو بالجزيرة عرف كثيراً من الأسرار العجيبة التي هدته إليها فنون سحره. ولم يكن ليستطيع أن يتعرف هذه الأسرار لولا خبرته الواسعة باساليب السحر وفنونه.

فقد علم أن ساحرة خبيثة اسمها سكوركس كانت تسكن الجزيرة من قبله، وأنها استطاعت بما أوتيت من قوة السحر وسلطانه أن تملأ الجزيرة بطائفة من أشرار الجن.

ولم تشأ أن تترك أخيارهم أحراراً، وأبى عليها خبثها ولومها إلا أن تسجنهم في جذوع الأشجار.

فلما ماتت تلك الساحرة الخبيثة، استطاع برسبيرو بما أوتي من سلطان السحر أن يطلق سراح هؤلاء الجن الأخيار الذين أسرتهم الساحرة، وأن يتخذ منهم أعواناً وخدماً يؤدون له كل ما يحتاج إليه.

5- آريـل

وكان من بين هؤلاء الجن الأخيار الذين أطلق برسبيرو سراحهم بعد موت الساحرة الخبيثة جني كريم النفس، قوي البأس (عظيم الشجاعة، شديد البطش والفتك)، اسمه آريل. وكان جميع سكان الجزيرة من الجن يخضعون له، ويدينون (يذعنون) بالزعامة لقوته.

وقد أخلص ذلك الجني الكريم لسيده برسبيرو الذي أنقذه من سجنه، وأصبح له خادماً أميناً لا يعصي له أمراً، ولا يتردد في تلبية كل ما يطلبه.

وكان آريل يبدو (يظهر) لسيده في ثوب شفاف، في مثل لون الضباب، وفي وسطه حزام سماوي اللون. وكان له جناحان شفافان يشع النور من خلالهما، وتدلّ سيماه وهيئته على إخلاصه وذكائه، وكرم نفسه.

6- كليبان

وكان إلى جانب ذلك الجني الظريف الوفي شيطان آخر اسمه كليبان، وهو ابن الساحرة الخبيثة سكوركس التي حدثتك عنها من قبل.

وكان كليبان دميم الصورة، قبيح الوجه، سيء الخلق، خبيث النفس؛ كما كان أشعث (متفرق الشعر)، كريه المنظر. وقد نبت الشعر الكثيف على ذراعين وساقيه فغطاها، وجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.

فهو في أغلب الأحايين يصرخ ويهدر (يردد صوته في حنجرته كما يفعل الجمل)، ويعوّي في صخب (ضجيج) مفزّع، وتستولي عليه بواعث الغضب لأتفه الأشياء؛ فتتجلى الشراسة (سوء الخُلق وكثرة العناد) والقسوة والعنف في كل حركة من حركاته.

7- بين آريل وكليبان

وكان هذا الشيطان الخبيث أسوأ رفيق لبرسبيرو. ولم يكن لصاحبنا برسبيرو بدٌ من مصاحبته. وكان برسبيرو والد ميرندا على ما وهبه الله من جمال الخلق، وصفاء النفس، مضطراً إلى معاملة كليبان بقسوة وفظاظة، وغلظة وخشونة. فأصبح يسخّره ويستخدمه في قطع الأخشاب وحملها إلى داره، كما يسخره في أداء كل عمل شاق؛ حتى لا يدع لذلك الشرير الخبيث وقتاً من أوقات الفراغ يصرفه في الشر والضرر.

وكان كلما عمد إلى الكسل، أو تهاون في أداء ما عليه من الفروض والواجبات، هدده آريل بالعقاب، وصرفه إلى واجبه، وأنذره في قسوة وعنف بأنه إذا لم يخفّ إلى أداء واجبه في إخلاص ونشاط، سحق، أو نكّل به شرّ تنكيل وآذاه شر أذية، أو لقي به في أقذر مستنقع.

وكان آريل قادراً على التحول في أي شكل شاء: فتارة تراه في شكل وحش، وثانية في شكل قرد، وثالثة في شكل قنفذ، وغير ذلك من الأشكال المفزّعة التي تملأ نفس كليبان رعباً، وتضطره إلى تلبية أمره، والخضوع لإشارته.

وليس في وسع كليبان أن ينتقم لنفسه من آريل إلا بالسباب والشتم وتعبيس الوجه وتقطيبه. ولم يكن شيء من هذا ليضير آريل أو يخيفه منه؛ فإن الشتم والسباب أضعف حيلة يلجأ إليها العاجز الضعيف، وهما دليلان على سوء الأدب وخبث النفس.

وما أحسبك أيها الصغير العزيز ترضى عن خلق كليبان أو ترضى عمن يقلده فيه.

8- مزايا آريل

أما آريل فهو على العكس من صاحبه، دائم الابتسام، شديد النشاط، كثير الحركة. وهو كما قلنا قادر على التحول إلى أي صورة أراد، وفق ما يحلو له. فتارة تلفيه قد تحول إلى فتاة جميلة تحمل في يدها طاقة من الزنبق، وتارة تراه في صورة عصفور، وكان إلى ذلك مغنياً حسن الصوت، رائع الغناء؛ فأصبح أنس رفاقه الجن. وقد كانوا يحبونه أشد الحب، وكثيراً ما غناهم أطيب الأغاني وأعذب الأناشيد.

وكان إلى ذلك يهيمن على الرياح، ويسيطر على أمواج البحر. فإذا شاء أحدث عاصفة هوجاء (زوبعة تهب في نواحٍ مختلفة)، وأثار أمواج البحر، وأغرق السفن وراكبيها، وإذا شاء سكّن العاصفة، وجعل أمواج البحر هادئة، فسارت السفن في سلام وطمأنينة.

الفصل الأول
1- هبوب العاصفة

اثار برسبيرو ذات يوم عاصفة هوجاء في ذلك البحر العظيم. ولم يدر أحد حينئذ لأي سبب خفيّ أثار برسبيرو هذه العاصفة؟ وقد كان من المستطاع أن يرى الإنسان في ذلك الوقت إذا وقف على شاطئ الجزيرة، ارتفاع الأمواج واصطخابها (تخبطها وشدة اختلاط أصواتها)، ويشهد اضطراب البحر وهياجه، حتى ليخيل إليه أن أمواج البحر تريد أن ترتفع لتبلغ أعنان السماء (نواحيها)، فتشتبك معها في حرب طاحنة. وقد اربدّ لون السماء واغبرّ، وأصبح كالرصاص، واستحال ضوء النهار إلى ظلام حالك.

ولاحت من بعيد سفينة ملتهبة ترقصها الأمواج، وتلعب بها وتتقاذفها كالكرة.

2- حزن ميرندا

ولم تر ميرندا هذا المنظر المفزع حتى صاحت مذعورة وقد ملأ الخوف قلبها وقالت لأبيها:

“انظر يا أبت إلى هذه السفينة الحائرة، واستمع إلى صرخات من فيها واستغاثاتهم المتصاعدة في الفضاء، وقد أشرفوا على الغرق! إن قلبي ليكان ينفطر (ينشق)، حزناً على من فيها من الناس. وما أحسب هؤلاء المساكين إلا هالكين الآن!

“ترى يا أبت، من الذي أثار العاصفة الهوجاء؟ وأي قسوة دفعت إلى إثارتها؟ ألا ترحم يا أبي هؤلاء المساكين وتنقذهم من الهلاك؟ ألا تأمر العاصفة بالسكون، فتنقذ حياة المعذبين”؟

فأجابها برسبيرو في حنان وعطف:

“هوني عليك يا بنيتي وثقي أن العاصفة ستنتهي بسلام، ولن يصاب أحد ممن في السفينة بأقل ضرر”.

فقالت ميرندا وقد فاضت عيناها بالدموع: “آه! يا له من يوم مشئوم مفزع”!

3- حوار عجيب

فقال برسبيرو لابنته ميرندا: “سكني يا عزيزتي من روعك، وهدئي من فزعك، ولا تخشي شيئاً؛ فإني لم أثر العاصفة إلا حباً فيك، وتوخياً لمصلحتك (تحرياً لمنفعك)، وإن كنت لا تزالين تجهلين الأسباب التي تحفزني (تدفعني) إلى هذا العمل، وتحكمين عليّ بالقسوة من غير أن تعلمي حقيقة ما أريد!

ألم تسألي نفسك يا بنيتي في بعض الأحيان عن أبيك؟ من هو؟ كيف كان؟ ولماذا نفي إلى هذه الجزيرة النائية (القصيّة البعيدة)؟

فقالت له ميرندا: كلا يا أبت، لم أفكر في شيء من هذا قط.

فقال لها: “إذن فقد حان الوقت الذي أكاشفك فيه بالحقيقة. فأصغي إلى ما أقصه عليك لتتعرفي حقيقة أمرنا جميعاً.

على أنني أحب أن أطمئنك قبل كل شيء على مصير السفينة وراكبيها، فأقرر لك أن العاصفة التي أزعجتك ومرأت قلبك فزعاً وخوفاً وهلعاً، ستنتهي بسلام. فقد أثرتها بفنون السحر وبعثتها، ولكنني أخذت على نفسي عهداً وثيقاً ألا أغرق أحداً من ركب السفينة. ونويت أن أنقذهم جميعاً بعد أن أذيقهم من ضروب الأهوال ما لا يمرّ لهم على بال. فلا يهولنك ما ترينه، ولا يفزعنك ما تبصرينه (لا يخوّفنك ما تنظرينه).

وكوني على ثقة يا بنيتي العزيزة أن هذه السفينة التي ترينها، وقد أوشكت أن تتحطم الآن، لن يغرق أحد ممن فيها. ولن يمر عليهم زمن يسير حتى تريهم قد خرجوا جميعاً إلى البر سالمين؛ فإنني لم أرد بأحد منهم شراً”!

4- ذكريات محزنة

وحينئذ توقف برسبيرو عن الكلام قليلاً، ثم استأنف (عاد إلى الكلام) قائلاً: “ألا تستطيعين يا ميرندا أن تعودي بذاكرتك إلى أيام طفولتك الأولى، لعلك تذكرين وقتاً قضيته في غير هذه المغارة؟ ما أحسبك تذكرين شيئاً من ذلك، فقد كنت في الثالثة من عمرك”.

فجمعت ميرندا كل فكرها، ثم قالت لأبيها: “نعم، بدأت أذكر يا أبت شيئاً من ذلك العهد السعيد. وإني لأذكره كما أذكر حلماً، وأحسبني كنت أرى خمس نساء يخدمنني”!

فقال لها برسبيرو: “لقد مضى يا بنيتي على ذلك العهد اثنا عشر عاماً، وكان أبوك حينئذ أمير ميلان وحاكمها”.

فقال له ميرندا وقد عراها (اصباها وألمّ بها) شيء من الذهول والاضطراب: “لست أفهم ما تعنيه يا أبي بهذا القول؛ فافصح لي عما تريد، وخبرني إذن: كيف حالت بعد ذلك حالنا (كيف تحولت وتغيرت)؟ وكيف أقصوك عن إمارة ميلان؟ ولماذا أبعدوك وجردوك من حكمها”؟

5- قصة برسبيرو

– ألا تذكرين يا بنيتي أين كنا قبل أن نجيء إلى هذه الجزيرة؟

– كلا. لا أذكر شيئاً من ذلك يا أبت؟

– كنت منذ اثني عشر عاماً أمير ميلان، وكنتِ أنت وارثتي الوحيدة.

– فماذا حدث يا أبت؟ وكيف انتقلنا إلى هذه الجزيرة؟

– لقد نفينا من بلادنا نفياً، وقد أوشكت (قربت) دسائس الأعداء أن تقودنا إلى الهلاك. ولكن عناية الله وحده قد أنقدتنا من كيدهم، وأوصلتنا إلى الجزيرة سالمين.

– أي كيدٍ، وأي دسائس، يا أبي؟ إن الحزن ليملأ نفسي لهول ما أسمع!

– كيد أخي أنطنيو ودسائسه.

نعم، كيد أنطنيو عمك الغادر. فقد فوضت إليه إمارتي، وتركت له إدارة الحكومة، وانصرفت إلى درس فنون السحر. وكان عمك.. آه.. أمنتبهة أنت إلى ما أقول؟

– كل الانتباه يا أبي.

– كان عمك طامعاً في الانفراد بالملك: فبذل جهده عاملاً على إقصائي عن بلادي، ليخلو له الجو.. أمصغية أنت إليّ؟

– نعم، فإن كلامك يا أبي يشفي الأصمّ من صممه (يعيد حاسّة السمع إلى من فقدها).

– وكان أخي هذا غادراً خئوناً كالثعبان. وقد صفوت له، ووثقت كل الثقة به، ومنحته كل حبي؛ كان جزائي على ذلك أن غدر بي، ونسي ما غمرته به من عطف وحب. فتحالف هو وملك نابولي واتفقا جميعاً على نفيي من المدينة. واستولى أخي على السلطان، وأمر بوضعنا أنا وأنت في زورق، حتى أصبحنا في عرض البحر. فنقلونا إلى سفينة طال عليها القدم، ولم يكن فيها شراع ولا حبال.

– فكيف وصلنا إلى الجزيرة إذن؟

– ساقتنا إليها عناية الله وكان معنا قليل من الطعام والماء العذب، وضعه في سفينتنا أحد أشراف نابولي واسمه جنزالو. وقد اختاره لحسن حظي رئيساً لإنفاذ مؤامرتهم. فوضع في سفينتنا كتبي، وهي أنفس ما أحتاج إليه، وهي عندي خير من ملكي الذي فقدته. ووضع إلى ذلك كثيراً من الثياب والحلل الثمينة. وقد لطف بنا الله، وقيّض لنا ريحاً رخاءً (أتاح ويسّر لنا ريحاً هينة رفيقة)، حتى بلغنا الجزيرة سالمين.

– شد ما كابدت (قاسيت من العناء) بسببي يا أبت!

– لقد كنت لي على العكس مما تظنين، ملكاً (روحاً سماوياً) كريماً يا بنيتي. وكنت لي خير مشجع في الحياة. وكنت أكبر أمل أتغلب به على ما ألقاه من المصاعب. ولولاك لكانت حياتي مجدبة (مقفرة غير مثمرة)، لا سلوى فيها ولا أمل.

– ولكن خبرني يا أبي، أي صلة بين هذه القصة وبين العاصفة التي أثرتها على هؤلاء المساكين؟

– إن المصادفات العجيبة هي التي ساقت أعداءنا الذين تآمروا على اغتصاب الملك مني، وأوصلتهم إلى هذا المكان.

وقد انتهزت لافرصة لأضطرهم إلى النزول بجزيرتنا صاغرين (أذلاء خاضعين)؛ فأثرت عليهم هذه العاصفة الهوجاء (المنبعثة هنا وهناك) ليعرّجوا علينا (يميلوا إلينا). ومتى تم لنا ذلك، سهل علينا أن ننفذ الخطة التي تمكننا من استعادة الملك.

6- نوم ميرندا

فنظرت ميرندا إلى أبيها مدهوشة. وعجبت مما قصّه عليها أشد العجب. ولم تعرف ما تقول، ولا كيف تجيبه.

فنظر إليها محدّقاً (موجهاً نظره بشدة) وقال لها:

لا أشك يا بنيتي أن هذه القصة قد حزنتك، ونهكت قواك وأضعفتك. فنامي.

ما أتم كلامه حتى خضعت ميرندا لتأثير نظراته السحرية؛ فأغمضت عينيها، واستسلمت لنوم عميق.

الفصل الثاني
1- بين برسبيرو وآريل

ولم تستسلم ميرندا للنوم، حتى نادى برسبيرو خادمه الجني المخلص الأمين آريل وقال متلطفاً: “هلمّ إلي يا عزيزي آريل، ونفذ ما آمرك به في الحال، بلا توان (بغير بطء ولا تراخ). هلمّ أيها الرفيق الكريم”.

فتقدم آريل في نشاط وخضوع وقال لسيده متأدباً: “تحيتي إليك يا مولاي الكريم، يا ذا المجد والرفعة والسلطان. هأنذا يا سيدي ألبيك وأجيبك مطيعاً خاضعاً”.

فمرني: أطر في الجو، أو أسبح في قاع البحر، أو أعد في فجاج الأرض (أجر في نواحي الدنيا).

مرني أجلس على متون الغمام، وظهور السحاب.

مرني بما تشاء يا مولاي تجدني أطوع إليك من بنانك (أطراف أصابعك).

فقال له برسبيرو: “هل أنفذت كلّ ما أمرتك به في دقة وإخلاص أيها الجني العزيز”؟

فقال له آريل: “نعم يا مولاي، فقد أثرتها عاصفة هوجاء مروعة (مخوفة مفزعة)، ملأت قلوبهم ذعراً وخوفاً وهلعاً؛ فكانوا حيثما أداروا لخاظهم (طافوا بعيونهم) رأوا هلاكاً يتهددهم، وموتاً يتوعدهم، ولهباً يكتنفهم، وناراً تحيط بهم من كل جانب! فاستولى عليهم اليأس، وتملكهم الفزع والرعب من هول ما رأوا”.

فقال له برسبيرو: “وهل استطاع أحد منهم أن يثبت للهول، ويحتفظ برزانته وعقله في تلك الغاشية (المصيبة النازلة)؟

فقال له آريل: “كلا يا سيدي، فقد عرتهم الحمى (أصابتهم)، وتملكهم الخوف، واستولى عليهم اليأس والذهول جميعاً؛ فألقوا بأنفسهم في اليم (البحر)، مؤثرين (مفضلين) الأمواج الهائجة المزبدة (القاذفة بالزبد) على ذلك الجحيم المستعر (الملتهب)، ولم يبق في السفينة إلا الملاحون (النوتيون) وحدهم)!

وكان فردنند ابن الملك أول من ألقى بنفسه في الأمواج الثائرة الهائجة، وقد قفّ (قام) شعر رأسه من شدة الذعر، فأصبح كأعواد الغاب وقد تملكه الخوف والرعب.

يا ألله! لقد انتقلت الجحيم كلها إلى هذه البقعة وفتحت أبوابها لنا”!

2- آريل يلتمس الحرية

فقال له برسبيرو: “ما أصدق ما قال! فخبرني أيها الجني العزيز، هل أنقذتهم جميعاً من الغرق”؟ فقال له آريل: “نعم يا سيدي، فقد سلموا جميعاً، ولم يهلك منهم أحد. وهكذا أنفذت إشارتك في دقة وأمانة، وفرقتهم شيعاً (طوائف) في أنحاء الجزيرة، وأقصيت فرنند ابن الملك عن أصحابه، وجعلته في عزلة تامة (انفراد ووحدة)”.

فقال له برسبيرو: “شد ما أحسنت يا أريل، فقد أديت ما طلبته إليك خير أداء، ولكن أمرهم لن يقف عند هذا الحد”.

فقال له آريل: “أيسمح السيد أن أرفع إليه ملتمساً”؟

فقال له برسبيرو: “أطلب ما شئت، أيها الجني المتردد الموسوس”. فقال له آريل: “ألتمس يا سيدي أن يمنحني حريتي بعد هذا”.

فقال برسبيرو: “أناة أيها الجني (مهلاً وصبراً)؛ فإن الوقت لم يحن بعد، ولكل شيء أجل وميقات (موعد ووقت)”.

3- برسبيرو يهدد آريل

فأجابه آريل: “أيريد السيد مني أن أفعل أكثر مما فعلت”؟ فقال له برسبيرو: “أتَمُنّ عليّ أن أتيت أمراً هيناً (سهلاً) لم يكبدك أي عناء؟ لعلك نسيت سكوركس الساحرة الخبيثة الفظة (الخشنة الطبع)، وما كانت تلحقه بك من نكال (عقوبة وعذاب) وتبريح (أذىً شديد)!

تُرى هل نسيت الصرخات المؤلمة التي كنت ترسلها في الفضاء من شدة الأملن كعواء الذئاب، فترجف (ترتعد) الدبب والوحوش من هولها، وأنت سجين مقهور في جذع شجرة الصنوبر”؟

فأجابه آريل في ضراعة النادم، وتذلل الآسف: “رحمة بي، وتجاوز عن هذه السيئة التي اقترفتها (ارتكبتها)”! فقال له برسبيرو ضاحكاً”: “يا لك من منكر للجميل! على أنك إذا تكلمت بعد هذا: شققت شجرة بلوط وجعلتها سجنك إلى الأبد. فاذهب الآن وأنجز (أتمم ونفذ) ما آمرك به، فإني إذا فعلت معتقك بعد يومين. هأنذا آمرك، فأحضر لي فردنند، فإنني أريد أن أرى عن كثب (أشهد عن قرب) ابن الرجل الذي ضيع الملك مني”.

فقا له آريل: “السمع والطاعة لك”!

ثم قفز في خفة ونشاط واستخفى عن عينيه ليحضر له ما طلب.

4- يقظة ميرندا

وثمة انحنى برسبيرو على ابنته وهي نائمة، وقال لها: “استيقظي يا بنيتي العزيزة، وهبّي (قومي وانهضي) من رقادك. هلمي إلي لتنظري ما فعل كليبان”.

فقال له ميرندا وهي ترفع جفنيها: “كلا يا أبت، لا أحب أن أرى أمامي هذا الشيطان”.

فقال لها: “الحق معك يا عزيزتي، فإنه فظ بغيض إلى كل نفس. على أننا لا نستطيع أن نستغني عنه. فهو الذي يجيئنا بالخشب، ويحتطب (يحضر الحطب) لنا كل يوم ويوقد النار”.

5- بين برسبيرو وكليبان

ثم صاح: “هلمّ إليّ يا كليبان. إليّ أيتها السلحفاة الخبيثة. ألا تلبي ندائي؟

فسكت كليبان لحظة ثم قال لسيده برسبيرو غاضباً: “أنسيت أن هذه الجزيرة التي تعيش فيها هي ملك لي وحدي، وأنني قد ورثتها عن أمي سكوركس”؟ ثم سلبتنيها واغتصبتها مني بقوتك، وظلمك وجبروتك؟ على أنك لم تحل بهذه الجزيرة حتى علمتني كيف أنطق وأصف ما حولي من الأشياء، وقد أحببتك حينئذ ومحضتك الود، وأخلصتك الحب، فأريتك كل ما في الجزيرة من الينابيع العذبة والآبار الملحة، والمروج (الأرض المملوءة بالنبات) والهضاب.

فعليّ اللعنة إذ أرشدتك إلى كل هذه الخيرات.

نعم، ولتسقط عليك لعنات سكوركس يا جنس الخفافيش، ونسل الضادع وسليل الثعابين”!

ثم وقف كليبان عن الكلام لحظة واستأنف يقول: “لقد كنت وحدي ملك الجزيرة، فلمّا حللتما سلبتني حريتي، وملكت رقّي، وصيرتني عبداًن واغتصبت مني ملكي، ولم تدع لي من الجزيرة إلا مكاناً ضيقاً في هذه الصخرة المقفرة (الخالية). فيالك من جاحد منكر للجميل!

ألا فلتسقط عليك لعنات أمي سكوركس، ولتنغص عليك حياتك الضفادع والخنافس والخفافيش”!

6- برسبيرو يتوعد كليبان

ولم يطق برسبيرو أن يدع كليبان ماضياً في سبابه (مستمراً في شتمه)، متمادياً في وقاحته، فقاطعه قائلاً: “صه (اسكت) أيها الأثيم، فليس يجدر بك إلا السوط، أما الجميل فلا يترك في نفسك إلا أسوأ الآثار. أنسيت ما أسلفته (قدمته إليك) من إحسان، وما غمرتك به من عطف وحنان؟ كيف ارتضيت أن تقابل معروفي بالإساءة وجميلي بالكفران؟

هيه أيها الجاحد، لقد لقيتك أول أمرك حيواناً أبكم، ولم تكن تعرف من الكلام إلا الصراخ والعواء، فعلمتك كيف تنطق وكيف تبين عن أغراضك”.

فأجابه كليبان حانقاً غاضباً ثائراً: “لقد علمتني اللغة، فشكراً لك إذ علمتني كيف ألعنك، وأدعو عليك أن يهلكك الطاعون جزاء ما علمتنيه”!

فقال له برسبيرو: “صه. إخرس أيا الساقط المروءة، وحذار أن تتمادى في سفاهتك وشتمك، وهذرك ومزاحك وهذيانك. اذهب من هنا يا ابن سكوركس فأحضر لنا وقوداً. أسرع بتلبية أمري، ولا تتوان في ذلك ولا تبطئ، وإلا ملأت عظامك بالأوجاع والآلام المبرحة (الشديدة الأذى والألم) جزاء عصيانك ولؤم نحيزتك(خبث طبيعتك)، وفساد ضميرك وطويتك”.

فملأ الخوف نفس كليبان الغادر وتملكه الذعر، وقد خشي أن ينفذ فيه وعيده، فقال له ضارعاً (خاضعاً): “كلا، لا تفعل، وتجاوز بفضلك عن خطيئتي وذنبي، وستراني مذعناً لأمرك، مطيعاً، ملبياً كل ما تطلبه مني”.

ثم أسرع كليبان لينجز (ليتم) ما أمره به سيده برسبيرو وهو يقول في نفسه: “يا له من متسلط جبار. فمتى تخلص من إساري، وأنجو من حبسي، فأستريح من وعيده؟ لا بد لي من تلبية أمره. والويل لي إذا هممت بعصيانه”!

الفصل الثالث
1- حيلة آريل

ذهب آريل ليحضر فردنند كما أمره برسبيروة. وكان آريل- كما قلنا- ذكياً لبقاً (حسن التصرف)؛ فسلك طريقة عجيبة جداً لا تخطر على بال. فقد ذهب إلى فردنند، وأخفى نفسه عن عينيه، وظل يردد أغنية جديدة ينعى بها أبا فردنند ويعلن وفاته، لييئسه من لقاء أبيه.

وكان فردنند حينئذ محزوناً على أبيه، لا يعرف: هل كتبت له السلامة، أم كان من المغرقين؟ ولم يسمع أغنية آريل حتى أرهف أذنيه، وتسمّع بانتباه وأنصت كل الانصات.

وكان آريل يغني وهو سائر في طريقه إلى برسبيرو. وكان فردنند يسير في طريقه على غير قصد متتبعاً الصوت الساحر الذي ينعى له أباه، ويخبره بموته، في شعر مؤثر محزن.

2- نشيد آريل

وقد عجب فردنند مما سمع، وظل يتتبع في انتباه شديد صوت الجني، وهو يغنيه من غير أن يظهر له. وقد بدأ آريل أغنية بقوله:

أبوك يا فردنند قد مات، وهو غريق
طواه بحر خضمٌ نائي الشطوط عميق
والبحر منذ قديم إلى الهلاك طريق

فجزع فردنند على أبيه وعجب من غناء الهاتف (الذي يُسمع صوته ولا يُرى شخصه)، وسار يتبع الصوت، فسمعه يقول:

أبوك يا فردنند قد مات، وهو غريق
ونام نوماً عميقاً فما تراه يفيق
عظامه مرجان، وكل عين عقيق

فاشتد جزع فردنند، وامتلأت نفسه حزناً وألماً على مصير أبيه، ويئس من لقائه اليأس كله.

وإنه لغارق في أحزانه وآلامه، إذ سمع صوت الجني وهو يغنيه:

أبوك يا فردنند قد مات، وهو غريق
هوى إلى القاع لما طواه بحر سحيق
فاحزن، فأنت عليه بكل حزن خليق

فاستسلم فردنند لأحزانه، وبكى أباه العزيز بعد أن سمع الهاتف يخبره في لهجة الجازم (المتحقق المؤمن) المستيقن أن أباه قد مات وطواه البحر، واصبحت عظامه مرجاناً وعيناه عقيقتين، ولم يعد له أمل في لقياه بعد هذا اليوم المشؤوم!

3- أمام الكهف

وما زال فردنند سائراً وقد تملكه سحر الإنشاد الرائع حتى وصل إلى كهف برسبيرو، فرآه واقفاً على رأس صخرة مرتفعة، وإلى جانبه ميرندا. فعجب فردنند مما رأى. فأما ميرندا فلم تر هذا الإنسيّ حتى استولت عليها الدهشة والحيرة، فالتفتت إلى أبيها تسأله متعجبة: “تُرى من هذا القادم يا أبي؟

لعله جني أو ملك (روح سماوي) هبط من السماء! فلست أذكر أنني رأيته، أو رأيت من يشبهه قبل اليوم”!

وكان لها العذر في هذا السؤال؛ فقد علمت أيها القارئ الصغير أن عيني ميرندا لم تقعا من قبل على إنسيّ سوى أبيها. فلما رأت فردنند عجبت من رؤيته، وسحبته جنياً أو ملكاً، فسألت أباها عنه فقال لها: “ليس هذا القادم من الجن ولا من الملائكة كما تحسبين يا عزيزتي، بل هو إنسي مثلنا. وقد كان بين ركب تلك السفينة التي رأيتها (مقبلة) على الغرق). وهو يسير في الجزيرة باحثاً عن أبيه ورفقائه؛ لعله يظفر بلقائهم”.

4- حوار فردنند وميرندا

وما رأت ميرندا فردنند وسمعت قصته من أبيها، حتى أشفقت وحزنت له، وعطفت عليه، وفرحت برؤيته الإنسي الظريف، في الجزيرة النائية (البعيدة) المقفرة (الخالية)، وظهرت على أساريرها (خطوط جبينها) أمارات الفرح والسرور. أما فردنند فلم ير ميرندا أمامه حتى حسبها كما حسبته من قبل، ملكاً هبط من السماء، أو جنية حسناء، تسكن الجزيرة المنعزلة. فتقدم إليها متأدباً، وسألها، في حياء وخجل: “هل تسمح لي مولاتي أن تخبرني: أهي من الملائكة أم من الجن”؟

فأجابته ميرندا متلطفة باسمة: ” كلا يا سيدي، ما أنا بملك ولا جنية، بل أنا إنسية مثلك”.

فاشتدت جهشة فردنند وفرح برؤية ميرندا وامتلأت نفسه رجاءً وأملاً.

5- بين فردنند وبرسبرو

وما رأى برسبيرو فردنند وميرندا متآلفين، حتى ملأ السرور قلبه، وأدرك أن خطته التي أحكم تدبيرها قد نجحت نجاحاً باهراً. فقد رأى أنهما متحابان، وإن لم يتعارفا قبل هذه اللحظة. ولكنه لم يشأ أن يتسرع في أمره، وأراد أن يحكم خطته، وأن يؤيس فردنند من زواجه بابنته ميرندا؛ ليختبر بذلك أخلاقه؛ ثم ليملأ نفسه أملاً بعد يأس فيكون لهذا النجاح أحسن الأثر في نفس فردنند، وثمة (هنا) نظر إليه برسبيرو وقال له وهو يتظاهر بالقسوة عليه: “ماذا أتى بك إلى هذه الجزيرة؟ لعلك أتيت لتغتصبها مني”.

فقالت له ميرندا متعجبة: “لماذا تعنف به (تقسو عليه) في كلامك، يا أبت؟ وما بالك تغلط له القول، وتعامله كما تعامل جارماً أثيماً (مرتكباً إثماً)؟

فتظاهر برسبيرو بالغضب من كلام ابنته، وأسكتها، ثم التفت إلى فردنند وقال له في لهجة الجاد المعبس (المقطب جبينه): “ما أجدرك أن تكون الجحيم مأواك، والنار مثواك (مسكنك)، وأن تلقى ما أنت أهله من عذاب ونكال، حتى ينحني جسمك ويتقوس، ويلتصق رأسك بقدميك، فلتبق في هذه الجزيرة عبداً سجيناً، وليكن ماء البحر شرابك وحشائش الأرض غذاءك”.

6- خضوع فردنند

فلم يستطع فردنند الشجاع النبيل أن يحتمل الإهانة من برسبيرو، وامتلأت نفسه غضباً؛ فأسرع إلى سيفه، فاستلّه من عمده (أخرجه من جرابه)، وقد عزم على قتل خصمه الذي أهانه وحقّره. ولكنه لم يهمّ بذلك حتى تخاذل وضعف أمام نظرات برسبيرو الساحرة وتفككت أوصاله، وتخاذلت أعضاؤه؛ فلم يعد يقوى بذلك على مناجزة خصمه (محاربة) عدوه القوي. فتشفّعت ميرندا عند أبيها ألا يؤذيه، وركعت أمامه تسأله في ضراعة المتوسل، وذلة المستعطف راجية أن يصفح عن فردنند وأن يتجاوز عن هفوته (سقطته).

فقال لها برسبيرو وهو يتظاهر بالغيظ والحنق على فردنند، ويتصنع الإزراء والاستخفاف به:
“إن جميع الناس أيتها الساذجة البلهاء خونة غادرون، مثل كليبان، وما رأيت أحداً منهم يختلف عن الآخر في الخبث والمكر والخديعة والغدر”.

ورأى فردنند أنه قد عجز عن مقاومة خصمه، فلم يجد بداً من الإذعان له والخضوع لسلطانه، ولم يكن يعلم أن برسبيرو قد أخضعه بقوة السحر وفنونه.

7- فردنند في الأسر

وقد عجب فردنند مما رأى وقال في نفسه: “ما أغرب هذا الرجل، وما أقوى سلطانه عليّ! وما أدري: بأي قوة استطاع أن يستولي عليّ، ويقيّدني من غير قيد ويجعلني مفكك الأوصال (منحل الأعضاء)، وكأنني في حلم مضن (مضعف ممرض)، وقد اصبحت أمامه ضعيفاً، لا حول لي ولا قوة؟ شد ما أذلني هذا الرجل، حتى لأوثر الموت على الخضوع لأمره، لولا أنني أجد في عطف هذه الفتاة الطاهرة الرحيمة التي أراها إلى جانبه، ما يعزّيني ويصبرني ويسرّي عن نفسي (يكشف عنها همومها)، ويهون علىّ كل ما أحسه من القهر والغيظ”.

وإنه لغارق في هذه التأملات إذ نبهه صوت برسبيرو من أحلامه وهو يقول: “هلم أيها الأمير الفتى، فاحتطب (اجمع من الحطب) لنا ما تستطيع، ثم أحضر إلى كهفنا (بيتنا في الجبل) ما تحتطبه من خشب للوقود. وحذار أن تتردد في تلبية ما آمرك به”.

والتفت برسبيرو إلى ميرندا قائلاً: “حذار أن تأخذك في أمره شفقة أو رحمة؛ فهو جدير بكل شقاء”.

ثم سارع مع فردنند إلى حيث الخشب والوقود، وأرشده إلى مكانهما ليحتطب لهما كل يوم.

الفصل الرابع
1- عطف ميرندا على فردنند

kelani1dوبينما كان فردنند سائراً في طريقه، عائداً إلى غار برسبيرو (راجعاً إلى المغارة التي اتخذها بيتاً له في الجبل)، إذ لقيته ميرندا وكان مشغولاً بالتفكيرا فيها حينئذ، فلم ترحه حتى أشفقت عليه، وأرادت أن تساعده في حمل الخشب الذي كلّفه أبوها إحضاره إلى كهفه.

فدهش فردنند من كرم نفسها، وأكبر (عظّم) منها ذلك الشعور النبيل، وقال لها:

“إني لأوثر أن تشلّ يدي (أختار أن تقف يدي عن الحركة)، أو تبتر ساعدي (تقطع ذراعي) على أن أكلفك شيئاً من العناء”!

فقالت له ميرندا: “أراك عيّان (عاجزاً عن العمل)، وألمح على وجهك أمارات الجهد والإعياء (علامات المشقة والعجز). فماذا عليّ إذا خففت شيئاً من عنائك”؟

فقال لها: “حسبي أن أعرف منك هذا العطف النادر، وأن أتمثل أمامي هذا الروح النبيل، فتمتلئ نفسي قوة أتغلب بها على كل ما ألقاه من عناء وتعب”!

2- مفاجأة برسبيرو

ووقفا يتحدثان قليلاً، وكان برسبيرو على مقربة منهما يستمع إلى أحاديثهما بحيث لا يريانه، لأنه قد أخفى نفسه عن عيونهما بما أوتيه من فنون السحر وسلطانه.

ثم ظهر أمامهما فجأة؛ فعجبا من رؤيته، ولم يعرفا كيف جاء، ومن أي مكان ظهر، وخشيا أن يدفعه الغضب إلى إيذائهما والتنكيل بهما.

ولكن برسبيرو أخلف ظنهما، وقال لهما مبتسماً مسروراً: “لقد أردت أن أمتحن صبركما، وأرى كيف تلقيان الشدائد. وقد رأيت من وفائكما وإخلاصكما ومروءتكما ما ملأ قلبي بهجة وانشراحاً. وقد عزمت على أن تكوني يا ميرندا زوجته وشريكه في الحياة؛ فأنتما متكافئان (متساويان) في النبل والشرف والمروءة والوفاء”!

3- شكر فردنند

وما سمعا هذا الكلام، حتى خيّل إليهما أنهما في حلم، وامتلأ قلبهما سروراً وغبطة. وتوجه فردنند إلى برسبيرو وشكر له صنيعه أحسن الشكر، ولثم يده (قبلها) عرفاناً لمروءته وكرمه، وقال له: “سأكون ابنك البار منذ اليوم وسأبقى لبنتك ميرندا نعم الصديق الوفي الأمين، وأبذل نفسي فداءً لها من كل سوء طول حياتي”.

فشكر له برسبيرو مروءته، وربته (ضرب بيده على كتفه متلطفاً)، ثم تركه مع ميرندا وعاد من حيث أتى وليتم إنجاز خطته.

4- انتقام آريل

ولم يشأ برسبيرو أن يضيع شيئاً من وقته عبثاً، فنادى خادمه الجني الأمين وقال له: “إليّ يا رفيقي آريل! إليّ أيها الخادم الوفي المخلص”! فحضر إليه آريل ولباه من فوره قائلاً: “هأنذا يا سيدي فمرني بما تشاء؛ فإني سامع مطيع”..

فقال له برسبيرو: “ماذا صنعت بشقيقي الغادر أنطنيو؟ وماذا صنعت بملك نابولي؟ وماذا صنعت برفقائهما جميعاً”؟

ما أحسبك قصّرت في شيء مما أمرتك به”.

فقال له آريل: “لقد أنجزت ما طلبت وفق ما تشتهي وتريد، فانتقمت منهم شر انتقام، وسخرت منهم جميعاً حتى كادوا يتميزون من الغضب(يتقطعون من الغيظ).

وقد أعددت لهم مائدة فاخرة عليها أشهى ألوان الطعام، وما رأوها حتى أسرعوا إليها متهافتين (متساقطين) في شره عجيب (شغف شديد بالأكل). وكان الجوع قد برّح بهم أذاه واشتد، فصبرت عليهم، حتى إذا دنوا منها ظهرت أمامهم في شكل حرباء مفزّعة (الحرباء: حيوان زاحف يتلون ألواناً مختلفة)، فخطفت المائدة وأخفيتها عن أعينهم. فتبدل سرورهم جزعاً ورجاؤهم بأساً. وامتلأت قلوبهم غيظاً مني، وحنقاً عليّ؛ فسلوا سيوفهم من أغمادها (أخرجوها من جرابتها) محاولين أن يفتكوا بي، فسخرت منهم قائلاً: “اخسئوا أيها الأثمة وتواروا خزياً أيها الغادرون!

ألا تذكرون تلكم المؤامرة التي دبرتموها ضد سيدكم برسبيرو النبيل: أمير ميلان؟ أنسيتم أنكم أسلمتموه مع طفلته البريئة إلى البحر ليموتا غريقين، وهما لم يقترفا إثماً، ولم يرتكبا ذنباً؟ اذكروا أن لكل جرم عقاباً، وأن ساعة القصاص (أخذ الحق) قد دنت (قربت).

فإذا شئتم النجاة من الهلاك الذي يتهددكم، فاستغفروا لذنوبكم وتوبوا من خطيئاتكم، وعاهدوا الله على ألا تعودوا بعد اليوم إلى الغدر والخيانة ومقابة الإحسان بالإساءة”.

فسأله برسبيرو: “هل ندموا على ما فعلوا، أيها الرفيق الأمين”؟

فقال هل آريل: “ندموا كل الندم. فقد بلغ بهم اليأس وتأنيب الضمير (توبيخه) كل مبلغ، وبرح بهم الألم كل مبرح، حتى تملكهم الذهول والحيرة، لشدة ما اعتراهم من الفزع، والحزن والجزع”.

فقال له برسبيرو: “إن الندم دليل الإخلاص. وقد صفحت عنهم أجمعين، بعد أن صفت نفوسهم. فأحضرهم إليّ يا عزيزي آريل، فقد اشتد شوقي إلى رؤية شقيقي أنطنيو وأصدقائي الذين معه.

أسرع يا آريل فحسبهم ما لقوا من عنت وشدة (مشقة وتضييق) وإرهاق، وتكليف بما لا يطاق”.

الفصل الخامس
1- عودة آريل

وفي مثل لمح البصر استخفى الجني آريل عن الأنظار؛ وطار في الجو. ووقف برسبيرو يرتقب عودته بفارغ الصبر، وقد اشتد شوقه إلى رؤية رفقائه القدماء.

وبعد قليل سمع صوت موسيقى مطربة؛ فعلم أن صفيّة آريل على مقربة منه. فناداه وطلب إليه أن يعجل بإحضار ثوبه وسيفه، ليبدو أمام رفقائه في زيه الذي ألقوه منه.

وما فعل حتى أصبح برسبيرو في ثياب الأمارة التي كان يرتديها أيام كان أمير ميلان.

2- بشرى الخلاص

ثم التفت برسبيرو إلى آريل وقال له: “أبشر، فقد دنت ساعة الخلاص من الأسر، وبعد وقت قصير سأمنحك حريتك كاملة، وأطلقك من إسارك، أيها الرفيق العزيز”.

وما سمع آريل من سيده أنه قد أصبح على وشك الخلاص من عبوديته، وقد اقترب موعد الظفر بحريته، والانطلاق من إساره، حتى امتلأت نفسه غبطة وسروراً وانشراحاً؛ فظل يغني مبتهجاً بحريته القريبة.

3- بين برسبيرو وأصحابه

وبعد قليل وصل أصحابه إليه، فكات مفاجأة عجيبة، ومباغتة غير منتظرة. وكان من بينهم جنزالو صديقه الحميم، وصفيه الحبيب (المتين الوداد)، الذي عُني بأمر برسبيرو وأحضر إليه كتب السحر، ووضع في سفينته إلى ذلك كثيراً من الثياب والزاد والماء العذب، كما علمت أيها القارئ الصغير في أول هذه القصة.

وقد فرح برسبيرو برؤية الصديق الوفي الكريم، ورأى شقيقه الغادر أنطنيو الذي سلبه ملكه، وكان سبب شقائه وتغريبه (تشتيته وإبعاده). كما رأى ألنزو ملك نابولي وسبستيان شقيق ملك نابولي، ورأى معهم اثنين من سراة نابولي (سادتها وأشرافها)، وهما أدريان وفرنسسكو.

وما رأى هؤلاء برسبيرو أمامهم حتى تملكهم الرعب والفزع واستولى على نفوسهم الخوف والهلع.

وحاروا في أمرهم وحسبوا أنهم حالمون (ظنوا أنهم في عالم الأحلام)؛ فقد كانوا يعتقدون أن برسبيرو هلك منذ زمن طويل. فلما رأوه أمامهم غلبتهم الحيرة، وتمكن منهم الذهول.

4- حوار برسبيرو وألنزو

والتفت برسبيرو إلى ألنزو ملك نابولي وقال له: “إيه يا ألنزو! أتذكر صاحبك برسبيرو أمير ميلان الذي ائتمرت به مع أنطنيو لتغتصب ملك؟

إنك تشك في أنني لا أزال حياً أرزق.

ولعلك تحسبني طيف برسبيرو (تظنني شبحه وخياله).

ولكنني أزيل ماعلق بنفسك من الوهم، فأعانقك لتكون على ثقة من أن برسبيرو لا يزال على قيد الحياة، بعد أن أسلمته المقادير إلى هذه الجزيرة النائية (البعيدة)”.

ومد برسبيرو ذراعيه إلى صديقه ألنزو ليعانقه، فذهل وتفوّه (نطق) بكلام متقطع، وقد أفحمته الحيرة فأسكتته (منعت صوته من الظهور) وقال: “أأنت برسبيرو حقاً؟ وكيف يمكن أن يكون برسبيرو على قيد الحياة، وأن يكون في هذه الجزيرة القصية (البعيدة)”؟

5- بين برسبيرو وجنزالو

وثمة التفت برسبيرو إلى صديقه جنزالو ومد إليه ذراعيه وقال له: “اسمح لي أيها الصديق الكريم أن أعانقك وأقبلك”.

وكان جنزالو صديقه الحميم لا يزال متردداً في معرفته، فقال له: “بربك: أصادق أنت فيما تقول؟ أأنت صديقي برسبيرو؟ ألست مخدوعاً في ذلك”؟

ولم يكن أحد من الحاضرين يستطيع أن يتحقق صدق ما رأى أمام عينيه، لما استولى على نفوسهم من الاضطراب والارتباك. فقد اجتمع الخوف والحيرة والذهول عليهم، ورأوا أنهم قد أصبحوا الآن رهن رحمة برسبرو سيد الجزيرة، وأن كلمة واحدة منه كافية أن توردهم موارد التهلكة. وشعروا بالندم ووزخز الضمير، وهم تحت تأثير الخوف الشديد.

6- بين برسبيرو وأنطنيو

والتفت برسبيرو إلى شقيقه أنطنيو وقال: “إليّ أيها الغادر! تعال، أيها الأثيم؛ فليس في قدرتي أن أدنس فمي فأدعوك شقيقي.

على أنني سأصفح عن أعمالك السود، بعد أن ترد إليّ إمارتي”.

7- دعاء ألنزو

وهنا انبرى ألنزو للكلام، فقال لصاحبه برسبيرو: “لقد حللت هذه الجزيرة منذ بضع ساعات، فخبرني: متى حللتها أنت؟ فإني فقدت فيها ولدي العزيز فردنند، وارجو أن تكون عارفاً بمناحيها (خبيراً بأنحائها وجهاتها)، لتبحث معي عن ولدي الضائع”.

فقال برسبيرو بصوت خافت منخفض: “وأنا أيضاً فقدت ابنتي منذ زمن وجيز”.

فصاح ألنزو متألماً: “يا للسماء! إني لأدعو الله أن يكون ولدي وابنتك مقيمين في نابولي، وان يصبحا ملكين عليها، إذا كتبت لهما السلامة من الهلاك”.

وما أتم قوله حتى أشار برسبيرو إلى الصخرة فانفتحت؛ وبدا خلفها فردنند وميرندا”!

8- عقد الزواج

وليس في قدرة إنسان أن يصف للقارئ ما ملأ قلب ألنزو من السرور والفرح حين وجد ولده، بعد أن ظن أن البحر قد طواه، وأنه قد أصبح في عداد المغرقين. فأقبل على ولده يضمه في حنوّ وشوق. وقد أعجب بجمال ميرندا، وامتلأت نفسه خجلاً من كرم برسبيرو وصفحه؛ فعاوده إحساسه الكريم وشعوره النبيل. وزال الفزع من قلوب الحاضرين؛ فأقبل ألنزو على فردنند وميرندا وأمسك بيديهما مهنّئاً إياهما بالسلامة وصاح قائلاً:

“لتملأ الأحزان واليأس في كل وقت قلب من لا يبارك لكما ولا يغتبط بزواجكما السعيد”.

9- صفح برسبيرو

وهمّ أنطنيو أن يظهر ألمه وحزنه لما وقع لأخيه برسبيرو فقاطعه برسبيرو وقال له في نبل وشمم (إباء وشرف):

“دعنا من الخوض في ذلك التاريخ القديم؛ فقد عفوت عما مضى كله”!

فبكى أنطنيو بكاءً شديداً، وقد كاد الندم يسحق فؤاده، والأسى يمحقه ويفتت قلبه، بعد ما سمعه ورآه من كرم شقيقه برسبيرو.

أما ألنزو فقد جفف دموع عينيه خفيةً، وقد أيقن (عَلِم عِلْم اليقين) مما حدث أن مملكة نابولي سيستولي على عرشها العروسان.

وقد شكروا جميعاً لتلك العناية الإلهية ما قيضته لهم من سرور وابتهاج، وما هيّأته من توفيق في عقد زواج العروسين السعيدين.

خاتمة القصة
1- وداع الجزيرة

رأى برسبيرو أن جميع أمانيّه قد تحققت، فتأهب (استعد) للسفر مع رفقائه، واصلح آريل سفينة الملك وأيقظ ملاحيها من نومهم العميق.

ودعاهم برسبيرو إلى كهفم فقضوا فيه ليلة أنس وسرور.

ولما لاح الصباح، خلّف (ترك) برسبيرو كتب سحره في الجزيرة، وحطّم عصاه السحرية (كسرها)، وأطلق سراح الجن الذين كانوا في أسره (أعاد الحرية إلى المسجونين منهم)، وعفا عن كليبان وترك له جزيرته.

2- أغنية آريل

ثم دعا آريل ومنحه حريته التي وعده بها، بعد أن شكر له إخلاصه ووفاءه. ففرح آريل وشكر لسيده أحسن الشكر، ودعا له بالتوفيق. ولم يطق أن يكتم فرحه وسروره؛ فانطلق يغني بصوته الساحر:

الآن حق لي الطرب وبلغت من دهري الإرب
سأكون حراً مطلقاً وأطير من فوق السحب
يا رفاقي تمّ لي اليوم هنائي وسروري
لن ألاقي في حياتي من شاقء ونكير
يا رفاقي: هنئوني بعد أن نلت السعادة
وجدير بالتهاني كل من نال مراده
سوف أمشي في اختيال وتأني، سوف أمرح
تم لي أنسي فمالي لا أغني حين أفرح؟
تم لي أنسي، وأدركت مرادي وأتى يوم خلاصي من إساري
سوف أقضي كل ليلي ونهاري طائراً كالنحل، أشدو كالهزاز
بين زهر الروض، أو فوق الروابي في متون السحب أو موج البحار
حق لي أن أطربا حق لي أن ألعبا
فقد تم رجا ئي وبلغت الأربا”!

3- في ميلان

وبعد قليل أقلعت بهم السفينة، وكانت الريح معتدلة والجو صافياً. وكان آريل يغنيهم ويساعدهم، حتى إلى نابولي سالمين.

وقضوا حياتهم بعد ذلك في ميلان هانئين واستراح بالُهُم، وساد الوفاق أهل برسبيرو وذويه. ولم يعد أحد منهم يفكر في أذية صاحبه، أو تنغيص عيشه والكيد له.

وتم في ميلان عرس ميرندا. ولم ينس أنطنيو وألنزو كرم برسبيرو وصفحة الجميل، وعفوه عن ذنوبهما، مع قدرته على الانتقام منهما.

أما برسبيرو فقضى شيخوخته وادعاً مسروراً بتحقيق آماله، ونجاح مساعيه.

4- ثمرة الصفح

فما رأيك أيها القارئ العزيز في مسلك برسبيرو النبيل؟ وكيف وجدت ثمرة الصفح والتسمّح ومقابلة الإساءة بالإحسان؟ وأيهما كان أجدى وأكرم، وأنفع وأشرف: العفو أم الانتقام؟

ترى لو استسلم برسبيرو لغضبه، عزم على الانتقام من أعدائه، والتنكيل بهم، أكان يصل إلى هذه النتائج الباهرة، ويظفر بتلك الثمار الطيبة؟

ولكنه كسب قلوب أعدائه، بعد أن صفح عنهم، وتجاوز من إساءتهم وغدرهم؛ فكان له فوز المحسن الكريم، وقضى حياته في محبة وسلام.