قصة الأصمعي

قصة الأصمعي

من كتاب البخلاء للجاحط

 

تمشى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته بخسران كان ناله، وسأله حسن النظر والحطيطة. فقال الأصمعي: أسمعتم بالقسمة الضيزى؟ هي والله ما تريدون شيخكم عليه! اشترى مني على أن يكون الخسران علي والربح له! هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس! اذهبوا فاشتروا على طعام العراق على هذا الشرط! على أني والله ما أدري أصادق هو أم كاذب.

وها هنا واحدة، وهي لكم دوني، ولابد من أن أحتمل لكم، إذ لم تحتملوا لي. والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه، وتوجبون رفده. لو كنت أوجب له مثل ما توجبون، لقد كنت أغنيته عنكم. وأنا لا أعرفه، ولا يصريني بحق. فهلموا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسوية. هذا أحسن ممن احتمل حقاً لا يجب عليه، في رضا من يجب ذلك عليه.

فقاموا ولم يعودوا. فخرج إليه التاجر من حقه، وأيس مما قبله.

حدثني جعفر ابن أخت واصل، قال: قلت لأبي عيينة: قد أحسن الذي سأل امرأته عن اللحم، فقالت: أكله السنور. فوزن السنور، ثم قال: هذا اللحم، فأين السنور؟ قال: كأنك تعرض بي! قال: قلت: إنك والله أهل ذلك: شيخ قد قارب المائة، وعليه فاضلة، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، والعلم لذته وصناعته. ثم يرقي إلى جوف منزله! وأنت رجل لك في البستان، ورجل في أصحاب الفسيل، ورجل في السوق، ورجل في الكلاء: تطلب من هذا وقر جص، ومن هذا وقر آجر، ومن هذا قطعة ساج. ومن هذا هكذا! ما هذا الحرص؟ وما هذا الكد؟ وما هذا الشغل؟ لو كنت شاباً بعيد الأمل، كيف كنت تكون؟ ولو كنت مديناً كثير العيال، كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار، وتمشي حافياً نصف النهار – قال: ثم أجمجم.

بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة عنها، فقيل لك: أكلها السنور. فرميت بباقي القطعة قدام السنور، لتمتحن صدقهم من كذبهم! فلما لم يأكله غرمتهم ثمن البطيخة كما هي! قالوا لك: كان الليل. فإن لم تكن التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه. فأنظرنا ولا تغرمنا، نمتحنه في حال غير هذه. فأبيت إلا إغرامهم! قال: ويلك! إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد، إلا ببعض. وقد قال زياد في خطبته: إني والله ما أصل منكم إلى أخذ الحق، حتى أخوض الباطل إليكم خوضاً. وأما ما لمتني عليه اتفاقاً، فإنما ذهبت إلى قوله: لو أن في يدي فسيلة، ثم قيل لي: إن القيامة تقوم الساع، لبادرتها فغرستها. وقد قال أبو الدرداء في وجعه الذي مات فيه: زوجوني، فإني أكره أن ألقي الله عزباً. والعرب تقول: من إلى دماغه في الصيف، غلت قدرته في الشتاء.

قال مكرز: العجز فراش وطئ، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور. وقال عبد الله بن وهب: حب الهويني يكسب النصب. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم والراحة، فإنها غفلة. وقال: لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب. وقال: تمعددوا واخشوشنوا، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا. وقال لعمرو بن معد يكرب حين شكا إليه الحقاء: كذبت عليك الظهائر. وقال: احتفوا، فإنكم لا تدرون متى تكو الحفلة. وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة. وقال لسعيد بن حاتم: احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي. وقال: أحذركم عاقبة الفراغ، فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل. وقال أكثم بن صيفي: ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا. قالوا: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز.

فتراني أدع وصايا الأنبياء، وقول الخلفاء، وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟ وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن خالد. فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن، وفضل ما بين الأنفاق وزيت الماء. فقال محمد: عندي زيت لم ير الناس مثله. قال يحيى: لا تؤتي منه بشيء؟ فدعا يحيى غلامه. فقال: إذا دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه بشيء. قال يحيى: ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه.

وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجاً، وكان يعجبه ما رطب من الشواء. فقال لخبازه: أتظن أن صنيعك يخفى علي؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه! فبلغت أخاه، فقال: رب جهل خير من علم! وكان رجل يغشى طعام الجوهري، وكان يتحرى وقته ولا يخطئ. فإذا دخل والقوم يأكلون، وحين وضع الخوان، قال: لعن الله القدرية! من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله؟ فلما أكثر من ذلك، قال له رياح: تعال بالعشي أو بالغداة. فإن وجدت شيئاً فالعن القدرية، والعن آباءهم وأمهاتهم! وجاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ – إما أن يكون هدية، وإما أن غلامه جاء به من البستان – فلما وضعه بين يديه قال: لولا أني أعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة! وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية. وكنت في الذنب، وكان في الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة، وفرخاً واحداً مبرداً. وأقبل يأكل ويتحدث، ولا يعرض علي. وليس في السفينة غيري وغيره! فرآني أنظر إليه مرة، وإلى ما بين يديه مرة. فتوهم أني أشتهيه واستبطئه. فقال لي: لم تحدق النظر؟ من كان عنده، أكل مثلي، ومن لك يكن عنده، نظر مثلك!.

قال: ثم نظر إلي وأنا أنظر إليه، فقال: يا هناه، أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيب الطعام. وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة، وعين مثلك سريعة. فاصرف عني وجهك.

قال: فوثبت عليه، فقبضت على لحيته بيدي اليسرى، ثم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى. فما زلت أضرب بها رأسه، حتى تقطعت في يدي! ثم تحول إلى مكاني فمسح وجهه ولحيته. ثم أقبل علي فقال: قد أخرتك أن عينك مالحة، وأنك ستصيبني بعين! قلت: وما شبه هذا من العين؟ قال إنما العين مكروه يحدث. فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه! فضحكت ضحكاً ما ضحكت مثله. وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحاً، وحتى كأني لم أفرط عليه.

هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا، وما رأينا بعيوننا. فأما أحاديث الأصمعي وأبي عبيدة وأبي الحسن، فإني لم أجد منها ما يصلح لهذا الموضع، إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب، وهي بضعة عشر حديثاً.

قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، وهو على الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسه، إذ كان هو لا يمسه! فأقدم عليه أعرابي يوماً، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه، فلم يرض بأكل لحمه، حتى تعرق عظمه. فقال له المغيرة: يا هذا! تطالب عظام هذا الجدي بذحل؟ هل نطحتك أمه؟ وكان الأصمعي يقول: إنما قال: يا هذا! تطالب عظام هذا البائس بذحل؟ هل نطحتك أمه؟.

قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق، فقال لرجل من الشرط: إن أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك نوبة سنة. فبلغه ذلك، فشكاه إلى الحجاج، فعزله، وولي مكانه زياد بن جديد. فكان أثقل عليه من عبد الرحمن. ولم يقدر على عزله، إذ كان من قبل الحجاج. فكان المغيرة إذا خطب قال: يا أهل الكوفة! من بغاكم الغوائل، وسعى بكم إلى أميركم، فلعنه الله، ولعن أمه العوراء! وكانت أم زياد عوراء. فكان الناس يقولون: ما رأينا تعريضاَ قط أطيب من تعريضه!.

قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه، ولا يمسه أحد! فعشي في شهر رمضان قوماً فيهم أشعب. فعرض أشعب للجدي من بينهم. فقال زياد: أما لأهل السجن إمام يصلي بهم؟ قالوا: لا. قال: فليصل بهم أشعب. فقال أشعب: أو غير هذا – أصلح الله الأمير – قال: وما هو؟ قال: أحلف بالمحرجات ألا آكل لحم جدي أبداً! قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلاً من أشراف أهل البصرة. وكان عبد الملك بخيلاً على الطعام، جواداً بالدراهم. فاستصحب الرجل ساكناً. فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعاً. فأقبل عليه فقال له: ألف درهم خير لك من احتباسك علينا! واحتمل غرم ألف درهم، ولم يحتمل أكل رغيف! وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك دجاجة، فقال له: يكفيك ما بين يديك وما يليك. قال الأعرابي: ومنها شيء حمى؟ قال: فخذها لا بورك لك فيها! قال: وكان معاوية تعجبه القبة. وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية. قال معاوية: إنك لبعيد النجعة! قال صعصعة: من أدب انتجع! وقال: دخل هشام بن عبد الملك حائطاً له، فيه فاكهة وأشجار وثمار، ومعه أصحابه. فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة! فقال هشام: يا غلام! اقلع هذا، واغرس مكانه الزيتون! قال: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمراً هو وأصحابه. فانطفأ السراج. وكانوا يلقون النوى في طست. فسمع صوت نواتين، فقال: من هذا الذي يلعب بكعبين؟ وقالوا: باع حويطب بن عبد العزى داراً من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار. فقيل له: أصبحت كثير المال. قال: وما منفعة خمسة وأربعين ألفاً مع ستة من العيال؟ وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهماً، فاستقله السائل، فقال: يا أحمق! إن الدرهم عشر العشرة، وإن العشرة عشر المائة، وإن المائة عشر الألف، وإن الألف عشر العشرة الآلاف. أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية مسلم! قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام، وهو والي البصرة. فوصفوا له الاستنقاع في السمن.

وكان يفطر الناس في شهر رمضان. فكانوا يجلسون حلقاً، وتوضع لهم الموائد.

فإذا أقام المؤذن، نهض بلال إلى الصلاة، ويستحي الآخرون. فإذا قاموا إلى الصلاة، جاء الخبازون فرفعوا الطعام! قال: واحتقن عمر بن يزيد الأسدي بحقنة فيها أدهان. فلما أدهان. فلما حركته بطنه كره أن يأتي الحلاء، فتذهب تلك الأدهان. فكان يجلس في الطست، ويقول: صفوا هذا، فإنه يصلح للسراج! قال: وخبرنا جار له قال: رأيته يتخلل من الطعام بخلال واحد شهراً، كلما تغدى حذف من رأسه شيئاً، ثم تخلل به، ثم وضعه في مجرى دواته.

وقالوا: كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان. فوضعوا بين يديه دجاجة، وبين يديه شيء من زيتون. فجعل يلحظ الدجاجة. فقال: كأنك تهم بها! قال: ومن يمنعني؟ قال: إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء! قال: ومد يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي، فقال: إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره.

قالوا: ومات وعليه للدقاق وحده ثمانون ألف درهم، لكثرة طعامه! وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملاً للحجاج على البصرة. واستعمل على العرق جرير بن بيهس المازني، ولقب جرير العطرق. فخرج الحكم يتنزه، وهو باليمامة. فدعا العطرق إلى غدائه. فكل معه، فتناول دراجة كانت بين يديه. فعزله، وولي مكانه نويرة المازني. فقال نويرة، وهو ابن عم العطرق:

 

قد كان في العرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن دراجة الحـكـم

وفي عوارض لا تنفك تأكـلـهـا لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم!

وفي وطاب مـمـلاة مـثـمـمة فيها الصريح الذي يشفي من القرم

ولما ولي مكانه نويرة، بلغه أنه ابن عم له فعزله. فقال نويرة:

 

أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ونصحي إذاً ما بعتني بالمحلـق

ولا ساق سراق العراقة صالـح بني ولا كلفت ذنب العـطـرق

 

وتناول رجل من قدام أمير كان لنا، ضخم، بيضة، فقال: خذها فإنها بيضة العقر. فلم يزل محجوباً حتى مات.

وأتي ضيعة له يتنزه إليها، ومعه خمسة رجال من خاصته، وقد حملوا معه طعام خمسمائة وثقل عليه أن يأكلوا معه، واشتد جوعه، فجلس على مشارة بقل. فأقبل ينتزع الفجلة فيطوي جزرتها بعرقها، ثم يأكلها، من غير أن تغسل، من كلب الجوع، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلساً: لو ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا! قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية، فرأى لقم عبد الرحمن.

فلما كان بالعشي، وراح إليه أبو بكرة، قال: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اعتل. قال: مثله لا يعدم العلة! وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي، فرأى له لقماً منكراً، وهاله ما يصنع. قال له: ما اسمك؟ قال لقمان. قال: صدق أهلك، أنت لقمان! قالوا: وكان له دكان لا يسع إلا مقعده، وطبيقاً يوضع بين يديه، وجعله مرتفعاً، ولم يجعل له عتباً، كي لا يرتقي إليه أحد. قالوا: فكان أعرابي يتحين وقته، ويأتيه على فرس، فيصير كأنه معه على الدكان. فأخذ دبة وجعل فيها حصى، واتكأ عليها. فإذا رأى الأعرابي قد أقبل، أراه كأنه يحول متكأه. فإذا قعقعت الدبة بالحصى نفر الفرس.

قالوا: فلم يزل الأعرابي يدينه، ويقعقع هو به، حتى نفر منه فصرعه. فكان لا يعود بعد ذلك إليه.