قـطــرة الـمــاء

قصص قصيرة من الادب العالمي

أنت تعرف المكبرة بلا شك، زجاجة دائرية الشكل تُظهر الشيء أكبر من حقيقته مئات المرات، لو أمسكتها ووضعتها قرب إحدى عينيك ونظرت إلى قطرة ماء من بركة ستشاهد آلاف الحيوانات الغريبة التي ليس بالإمكان مشاهدتها بالعين المجردة، ولكن تلك هي الحقيقة. القطرة تبدو كأنها صحن مليء بروبيانات تتقافز وبشراهة ينهش بعضها أرجل وأذرع ومؤخرات البعض الآخر، لكنها كائنات سعيدة قانعة بطعامها. كان هناك رجل عجوز يدعى كريبل كرابل، يفعل كل شيء على أفضل وجه فإن لم يستطع بقدرته فسيحقق ذلك بطريقته الخارقة.

ذات مساء أمسك الزجاجة المكبرة مقرباً إياها من عينه متفحصاً قطرة ماء أخرجها من بركة آسنة. أوووه آلاف الحيوانات الصغيرة تتقافز وتتدافع ويفترس بعضها بعضاً. "منظر بشع، أليس بإمكان أحد أن يجعل هذه الحيوانات تحيا حياتها بسلام وسكينة؟”.

ردد العجوز مع نفسه وراح يفكر بصمت ويفكر ولكنه لم يجد حلاً غير أن يجرب طريقته الخارقة.
"يجب أن ألوّن هذه الحيوانات كي تبدو واضحة” فكر بذلك ثم صبّ قطرة صغيرة من سائل يشبه النبيذ الأحمر على قطرة الماء، لم تكن قطرة نبيذ بل إنها قطرة من دم سحري فاخر كانت تباع القطرة الواحدة منه بشلنغين. اصطبغت أجساد الحيوانات الغريبة باللون الأحمر فبدت قطرة الماء وكأنها مدينة مكتظة بعراة متوحشين.
"ما هذه؟" سأل طنطل(1) عجوز آخر لا إسم له.
"هل تستطيع أن تخمن ما هي؟" سأل كريبل كرابل وأضاف.
"سأهبها لك إن عرفت."
نظر الطنطل الذي لا إسم له في المكبرة الزجاجية فرأى مدينة ناسها يركضون عراة. كان مشهداً شنيعاً والأشنع من ذلك أنهم يتدافعون ويتناهشون، يعض بعضهم بعضاً ويسخل بعضهم بعضاً، الأعلى يصبح أسفل والأسفل يصبح أعلى.
"انظرْ!، انطرْ ساقه أطول من ساقي، هه، انظر ذلك الذي خلف إذنه ثؤلول يؤلمه، يؤلمه كثيراً، انظرْ، سحبوه، أكلوه، انظرْ إلى تلك الجالسة بهدوء كأنها عذراء، يبدو أنها تنشد الهدوء والسلام، أتوها، سحبوها، وأخيراً أكلوها."
"إنه منظر مُضحك حقاً" قال الطنطل.
"نعم وهل تستطيع أن تخمن ما هذه؟" سأل كريبل كرابل.
"واضح جداً" قال الطنطل وأضاف.
"إنها كوبنهاكن أو أية مدينة كبيرة أُخرى، فالمدن الكبرى تتشابه"
"هذه قطرة ماء من البركة" قال كريبل كرابل.

----------------------------------------------------------------------------------------------------

(1) trold أو troll كائن خرافي يسكن الكهوف في الميثولوجيا الاسكندنافية. وقد استخدمت كلمة (الطنطل) المعروفة في اللهجة العراقية لأنها الأكثر دقة معنىً ولفظاً. (م).