الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

وفيما هم سائرون، دخل قرية فقلبته امرأة اسمها مرثا في بيتها، وكانت لهذه أخت تدعى مريم والتي جلست عند قدمي يسوع، وكانت تسمع كلامه، وأما مرثا فكانت مرتبكة في خدمة كثيرة فوقفت وقالت:
- يارب، أما تبالي بأن أختي قد تركتني أخدم وحدي، فقل لها أن تعينني. فأجاب يسوع وقال لها:
- مرثا ! مرثا، أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الصالح الذي ينزع منها.


إنجيل لوقاه الإصحاح العاشر 38 -

 

:: تمهيـد ::


تناول الخيميائي بيده كتاباً، كان قد أحضره أحد أفراد القافلة، لم يكن للكتاب غلاف، ولكنه استطاع على الرغم من ذلك التعرف على اسم الكاتب " أوسكار وايلد " وهو يقلب صفحاته، وقع نظره على قصة كانت تتحدث عن " نرجس " … لاشك أن الخيميائي يعرف أسطورة " نرجس " هذا الشاب الوسيم الذي يذهب كل يوم ليتأمل بهاءه المتميز على صفحة ماء البحيرة.
كان متباهياً للغاية بصورته، لدرجة أنه سقط ذات يوم في البحيرة، وغرق فيها، في المكان الذي سقط فيه، نبتت وردة سميت باسمه: "وردة النرجس".
لكن الكاتب " أوسكار " لم ينه روايته بهذا الشكل، بل قال أنه عند موت نرجس، جاءت الإريادات (آلهة الغابة) إلى ضفة البحيرة العذبة المياه، فوجدتها قد تحولت إلى زير من الدموع المرة، فسألتها:
- لماذا تبكين؟
- أبكي نرجساً . اجابت البحيرة.
فعلقت الإريادات قائلة:
- ليس في هذا مايدهشنا، وعلى الرغم من أننا كنا دوماً في إثره في الغابة، فقد كنت الوحيدة التي تمكنت من تأمل حسنه عن كثب.
- كان نرجس جميلاً إذاً ؟
مكثت البحيرة صامتةً للحظات ثم قالت:
- أنا أبكي نرجساً لكنني لم ألحظ من قط أنه كان جميلاً، إنما أبكيه لأنه في كل مرة انحنى فيها على ضفافي كنت أتمكن من أن أرى في عينيه انعكاساً لحسني.
- إنها لقصة جميلة جداً. قال الخيميائي.


:: الجزء الأول ::


كان يُدعى سنتياغو.
كان النهار يتلاشى عندما وصل بقطيعه أمام كنيسة قديمه مهجورة، سقفها قد انهار منذ زمن بعيد. وفي الموضع الذي كان يوجد فيه الموهف نمت شجرة جميز عملاقة.
قرر أن يقضي الليل في هذا المكان، أدخل نعاجه من الباب المحطم، ووضع بضع ألواح بطريقه بمنعها بها من الفرار أثناء الليل. لم يكن هناك ذئاب في تلك المنطقة، فذات مرة هربت دابة فكلفه ذلك إضاعة نهار بكامله في البحث عن النعجة الفارة.
مد معطفه على الأرض وتمدد، وجعل من كتابه الذي فرغ من قراءته وسادة.
قبل أن يغرف في النوم أكثر فكر بأن عليه قراءة كتب أكبر، وسيكرس لإنهائها وقتاً أكبر، وسوف يكون له منها وسادات أكثر راحة من أجل الليل.
عندما أفاق، كانت العتمة لاتزال قائمة، نظر إلى الأعلى فرأى النجوم تلمع، من خلال السقف الذي انهار نصفه.
فقال في نفسه:
- كنت أتمنى فعلاً لو نمت لوقتٍ أطول.
فقد رأي حلماً، إنه حلم الأسبوع الفائت، ومن جديد أفاق قبل نهايته. نهض وشرب جرعة من الخمر، ثم تناول عصاه، وأخذ بإيقاظ نعاجه التي كانت ما تزال راقدة، وقد لاحظ أن معظم البهائم تستعيد وعيها وتتخلص بسرعة من نعاسها ولمّا يسعد وعيه هو، وكأنما هناك قدرة غريبة قد ربطت حياته بحياة تلك الأغنام، والتي تطوف معه البلاد منذ عامين سعياً وراء الماء والكلأ.
- قد تعودت على فعلاً لدرجة أنها صارت تعرف مواقيتي ـ قال في نفسه بصوت منخفض، وبعد لحظة من التفكير تراءى له أن العكس هو الصحيح، إذ أنه هو الذي قد اعتاد عليها وعلى مواقيتها.
كانت بعض النعاج تماطل بالاستيقاظ، فكان يوقظها واحدة إثر أخرى بعصاه، منادياً كل نعجة منها باسمها، فقد كان مقتنعاً دائماً بمقدرة النعاج على فهم ما يقول، وكان يقرأ لها مقاطع من بعض الكتب، أو يتحدث إليها عن عزلة أو سرور راع، بحياته في الريف، ويفسر لها آخر المستجدات التي قد رآها في المدن التي اعتاد أن يمر بها.
مع ذلك منذ قبل يوم أمس، لم يكن لديه عملياً، موضوع محادثة آخر سوى تلك الشابة التي تسكن في المدينة التي سيصل إليها بعد أربعة أيام، لم يكن قد زارها إلا لمرة واحدة في العام الفائت.
كان التاجر يملك متجراً للقماش، وكان يحبذ أن يجز صوف أغنامه على مرأى منه، كي يتحاشى الوقوع ضحية للغش، لقد قاد الراعي قطيعه إليه لأن أحد أصدقائه قد دلّه على المتجر.

× × ×

- أنا بحاجة لأن أبيع قليلاً من الصوف ـ قال للتاجر.
كان المتجر يغص بالزبائن، لذا فقد طلب التاجر من الراعي الانتظار حتى المساء، فذهب ليجلس على رصيف المتجر وأخرج من حقيبته كتاباً.
- لم أكن أعلم أن بإمكان الرعاة قراءة الكتب.
قال صوت امرأة كانت بجانبه، كانت هذه الشابة تمثل نموذجاً لنساء منطقة الأندلس بشعرها الأسود المسدول، وعينيها اللتين تذكران نوعاً ما بالفاتحين العرب القدماء.
- ذلك لأن النعاج تعلم أشياء أكثر مما هو في الكتب ـ أجاب الراعي الشاب.
بقيا يثرثران أكثر من ساعتين، هي أخبرته بأنها ابنة التاجر، وتحدثت عن الحياة في القرية، وعن رتابة الأيام فيها، والراعي حدثها عن الأندلس، وعن آخر المستجدات التي رآها في المدن التي مرّ فيها.
كان سعيداً لأنه لم يكن مجبراً على التحدث مع أغنامه دائماً.
- كيف تعلمت القراءة؟ سألت الشابة لتوها.
- كسائر الناس، في المدرسة.
- لكن، وربما أنك تعرف القراءة، لماذا لم تصبح إلا مجرد راعٍ؟
وارب الراعي كي لا يرد على هذا السؤال، لأنه كان متأكداً من أن الفتاة لن تفهمه.
تابع رواية سير ترحاله، وعيناها العربيتان الصغيرتان تحملقان ثم تنغلقان بفعل الإنذهال والمفاجأة.
كان يشعر أن الوقت يمر سريعاً، وتمنى لهذا اليوم ألا ينتهي، ولوالد الفتاة أن يبقى مشغولاً لزمن أطول، وأن يطلب منه الانتظار ثلاثة أيام.
وانتابه إحساس لم يكن قد ألم به من قبل أبداً: إنه الرغبة في الاستقرار في مدينة بالذات مع الشابة ذات الشعر الأسود، فلن تكون الأيام رتيبة متشابهة، لكن التاجر، ظهر أخيرا، فطلب منه أن يجز له صوف أربع نعاج، دفع إليه التاجر ثمن الصوف ودعاه إلى المجيء في السنة القادمة.
حتى الآن لم يكن يعوزه إلا أربعة أيام، من أجل الوصول إلى تلك البلدة نفسها، كان مبتهجاً وبالوقت نفسه مرتاباً من أن تكون الفتاة قد نسيته، فالرعاة الذين يمرون من هنا لجز صوف أغنامهم ليسوا قلائل.
- غير مهم ـ قال متحدثاً إلى أغنامه _ فأنا أيضاً أعرف فتيات أخريات، في مدن أخرى.
لكنه كان في قرارة نفسه يعترف أن لقاءه بها له أهميته، وأن الرعاة كالبحارة أو التجار المتجولين، يعلمون دائماً أن مدينة يوجد فيها من يجعلهم ينسون متعة التجوال في العالم بملئ حريتهم.

بينما أخذت تبدو خيوط الشمس الأولى، بدأ الراعي يتقدم بأغنامه باتجاه الشمس المشرقة.
- إنها تتبعني، فهي ليست بحاجة على الإطلاق إلى اتخاذ قرار – فكر- ربما لهذا السبب فإنها تبقى بقربي، وبقدر ماسيبقى راعيها عارفاً بأفضل المراعي الأندلسية بقدر ماستبقى تلك الأغنام صديقاته، فحتى لو تشابهت الأيام بعضها ببعضها الآخر، مكونة ساعات ممتدة بين طلوع الشمس وغروبها، حتى لو أن تلك النعاج لم تقرأ قط أي كتاب خلال حياتها القصيرة، حتى لو جهلت لغة البشر الذين يرون ما كان يحصل في القرى، فهي تكتفي بالماء والكلأ، وهذا بالمحصلة كافٍ. وفي المقابل فهي تمنح صوفها، وصحبتها بسخاء، ومن وقت لآخر لحمها أيضاً، ولو أنني بين لحظة وأخرى قد تحولت إلى غول وأخذت بذبحها وحدة إثر الأخرى. فإنها لن تستوعب ما يحصل، إلا عندما يوشك القطيع على الهلاك، وذلك لأنها تثق بي، ولم تعد تعتمد على غرائزها، وهذا كله لأنني أنا الذي أسوقها إلى المراعي.
أخذ الراعي يفاجأ بأفكاره، وصار يجدها غريبة.
ربما بدت الكنيسة، مع شجرة الجميز المنتصبة في الداخل مسكونة بالأرواح. هل كان هذا هو السبب الذي جعل هذا الحلم يعاوده أيضاً، وهل لهذا يعاني من شعور الغضب تجاه نعاجه، صديقاته المخلصات دوماً؟
شرب قليلاً من الخمر الذي تبقى لديه من عشاء ليلة الأمس، وشد معطفه على جسده، فهو يعلم أن الشمس ستكون في أوجها بعد بضع ساعات، وسيصبح الطقس حاراً جداً، لدرجة لن يستطيع معها اصطحاب قطيعه عبر الريف.
في تلك الساعة من الصيف، كانت إسبانية كلها غافية، الحرارة مرتفعة حتى في الليل، وخلال ذلك الوقت كله يتوجب عليه أن يحمل معطفه معه.
وكلّما كانت تتملكه الرغبة في الشكوى من هذا العبء تحديداً، كان يتذكر أنه بفضله يجابه برودة الصباح الباكر.
- علينا أن نكون مستعدين دائماً لمفاجآت الطقس ـ تخيل عندئذٍ وتقبّل بامتنان ثقل معطفه الذي كان هناك مبرر لوجوده كمثل الشاب، فبعد سنين من تطواف سهول الأندلس، صار يعرف عن ظهر قلب، أسماء مدن المنطقة كلها، وكان هذا ما أعطى لحياته معنى، إنه الترحال ...


كان ينوي هذه المرة أن يشرح للفتاة الشابة، لماذا يعرف راع بسيط القراءة؟ فقد كان يتردد حتى سن السادس عشرة عاماً على المدرسة الأكليريكية، وأهله أرادوا له أن يصبح قسيساً، تتشرف به عائلة متواضعة، من وسط فلاحي، تكد من أجل لقمتها وهي بذلك كأغنامه.
درس اللاتينية والإسبانية واللاهوت، لكنه منذ طفولته المبكرة كان يحلم بمعرفة العالم، ويكسب معرفة أفضل من مجرد معرفة الذات الإلهية أو آثام البشر.
ذات مساءٍ جميل، وهو ذاهب لرؤية ذويه، تسلّح بالشجاعة وأخبر والده بأنه لايريد أن يكون راهباً بل يريد السفر.
- ياولدي، رجال من العالم بأسره قد أتوا إلى هنا، ومرّوا آنفاً بهذه القرية، إنهم يأتون إلى هنا ليبحثوا عن أشياء جديدة، لكنهم يبقون الرجال أنفسهم، يذهبون إلى الهضبة لزيارة القصر ويجدون أن الماضي أفضل من الحاضر، أكانوا ذوي شعر فاتح، أو ذوي بشرة غامقة، فهم يشبهون رجال قريتنا.
قال الشاب:
- لكنني لا أعرف قصور البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال.
تابع الأب:
- عندما رأى هؤلاء الرجال حقولنا ونساءنا حبذوا العيش هنا إلى الأبد.
قال الإبن:
- أريد أن أتعرّف على نساء وحقول وأراضي البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال، إنهم لا يديمون البقاء بيننا.
قال الأب:
- لكن هؤلاء الرجال يملكون المال الوفير، أما عندنا فالرعاة وحدهم من يستطيع رؤية مختلف البلدان.
- إذاً سأصبح راعياً.
لم يضف الأب شيئاً بعد، وفي صباح اليوم التالي أعطى لولده كيس نقود يحتوي على ثلاث قطع ذهبية إسبانية قديمة.
- ذات يوم، وجدتها في أحد الحقول، وكنت أفكر أنها حق للكنيسة بمناسبة ترقيتك فيها، لكن خذها واشتر لنفسك بها قطيعاً، واذهب عبر العالم، إلى أن يأتي اليوم الذي تعلم فيه أن قصرنا هو الأعظم، ونساءنا هن أجمل النساء، ومنحه بركته.

قرأ الولد في عيني والده الرغبة في تطواف العالم أيضاً، رغبة كانت تحيا معه رغم عشرات السنين التي حاول أن يمضيها مقيماً في المكان نفسه يأكل ويشرب ويغفو فيه كل ليلة.

× × ×

تلوّن الأفق باللون الأحمر، ثم بدت الشمس.
تذكر الشاب المحادثة التي دارت بينه وبين أبيه، فأحس بالسعادة، كان قد عرف من قبل كثيراً من القصور، وكثيراً من النساء، لكن أياً منهن لا تعادل تلك التي ينتظرها بعد مسيرة يومين من الآن، كان يمتلك معطفاً، وكتاباً وبإمكانه أن يبادله مقابل آخر، وقطيعاً من الغنم، والأكثر أهمية من هذا كله أنه كل يوم يتحقق حلم حياته الكبير: الترحال ...
وعندما سيتعب من التجوال في ريف الأندلس، فإنه سيستطيع بيع أغنامه ليصبح بحاراً، وعندما سيمل البحر، فإنه سيكون قد تعرّف على مدن كثيرة، ونساء كثيرات، وفرص عديدة ليظل سعيداً.
ثم تساءل وهو يشاهد بزوغ الشمس:
- كيف يمكن للمرء أن يبحث عن الإله في مدرسة إكليريكية؟.
لم يكن قد جاء إطلاقاً حتى هذه الكنيسة، مع أنه مرّ من هنا مرات عديدة.
العالم كبير، لامتناهٍ، ولو ترك أغنامه تقوده، ولو لبعض الوقت، لوصل إلى اكتشاف أشياء جديدة ومفعمة بالفائدة.
- المشكلة هي انها لا تعي أنها تعبر دروباً جديدة كل يوم، ولا تلاحظ أن المراعي تغيرت، وأن الفصول متباينة، لأنها لا تملك من هاجس سوى الماء والكلأ.
- إن الشيء نفسه يجري لكل الناس ـ فكر الراعي ـ حتى بالنسبة لي أنا الذي لم أفكر بنساء أخريات منذ التقيت ابنة ذلك التاجر.
نظر إلى السماء، وقدّر أنه سيكون ـ تبعاً لحساباته ـ في " طريفه " قبل وقت الغداء، هناك ... سيستطيع مبادلة كتابه بآخر أكبر حجماً، وتعبئة زجاجته خمراً، وأن يحلق ذقنه، ويقص ضعره، عليه أن يكون على أتم استعداد للقاء الفتاة الشابة، ولم يكن يريد حتى أن يتصور احتمال امكانية وصول راعٍ آخر قبله، يملك من الغنم أكثر منه، قاصداً طلب يدها.
- إنها تماماً إمكانية تحقيق حلم يجعل الحياة ذات أهمية ـ تخيل رافعاً نظره نحو السماء وهو يسرع في خطواته.
لقد تذكر لتوه أن هناك في " طريفه " امرأة عجوز تعرف تفسير الأحلام، في هذه الليلة حلم بالحلم الذي كان يراوده ... الحلم القديم نفسه ..

× × ×

قادت المرأة العجوز الشاب إلى داخل المنزل، إلى غرفة يفصلها عن الصالة ستار من البلاستيك متعدد الألوان، كانت هناك طاولة، وصورة للأب المقدس السيد المسيح، وكرسيان.
جسلت العجوز، ورجته أن يفعل مثلها، ثم أمسكت بيديه وأخذت بالدعاء بصوت منخفضٍ جداً، كان هذا أشبه مايكون بصلاة غجرية، لقد التقى كثيراً من الغجر في دربه من قبل، فقد كانوا يسافرون أيضاً، لكنهم لم يكونون يهتمون بالغنم، بل ان الشائع بين الناس هو أن الغجري يقضي وقته في خداع الناس، ويقال أيضاً أن هناك عهداً بينهم وبين الشيطان، وأنهم يسرقون الأطفال، ليجعلوا منهم عبيداً لهم في مخيماتهم الغامضة.
عندما كان الراعي الشاب طفلاً صغيراً كان كثير التخوف وتراوده فكرة أن يختطفه العجر، وعاوده هذا الخوف القديم عندما كانت العجوز تمسك بيديه.
- لكن توجد هنا صورة السيد المسيح _ فكّر محاولاً أن يطمئن نفسه، لم يكن يريد ليديه أن ترتجفا، أو أن تلاحظ العجوز خوفه، وفي صمت تلا صلاةً .
- أمرٌ مثير ! قالت العجوز دون أن تفارق عيناها يد الولد.
وابتسمت من جديد، أما هو فقد كان يشعر من وقت إلى آخر بثورة أعصابه، يداه أخذتا ترتجفان رغماً عنه، ولاحظت العجوز ذلك، صمم أن يسحبها على الفور ثم قال:
- أنا لم آتِ إلى هنا من اجل قراءة خطوط يدي.
وهو الآن يتأسف دخوله هذه الدار وحسب أنه سيكون من الأفضل أن يدفع قيمة الاستشارة وينصرف دون أن يعرف شيئاً، فقد علق دون شك أهمية كبرى على حلم تكرر.
قالت العجوز:
- أتيت تسألني على الأحلام، والأحلام هي لغة الله، وعندما يتكلم الله بلغة البشر فأنا أستطيع تفسيرها، لكنه عندما يتكلم بلغة روحك، فلن يفهمه أحد سواك، وعلى أية حال، عليك أن تدفع قيمة استشارتي.
- حيلة أخرى ـ فكر الشاب، وعلى الرغم من كل شيء فإن الراعي قد قرر المجازفة. إنه يتعرض دائماً لخطر الذئاب، أو لخطر الجفاف، وهذا تماماً ما يجعل من مهنته مهنة هامة ومثيرة.
قال الشاب:
- حلمت بالحلم نفسه مرتين على التوالي. كنت متواجداً مع أغنامي على أرض أحد المراعي، حينما ظهر طفل وأخذ يلعب مع البهائم، وأنا لا أحبذ كثيراً أن يأتي أحد ليلهو مع نعاجي، فهي تخاف من رؤية أشخاص لا تعرفهم، لكن الأطفال ينجحون دائماً في اللهو معها دون أن يسببوا لها الخوف، إنني أجعل لماذا، ولا أعرف كيف تستطيع الحيوانات معرفة أعمار الكائنات البشرية.
- ارجع إلى حلمك ـ قالت العجوز ـ فلدي قدر على النار، بالاضافة إلى أنك لاتملك الكثير من المال وتأخذ وقتي كله.
- تابع الطفل اللعب مع النعاج لفترة ـ أردف الراعي مرتبكاً قليلاً ـ وفجأة أخذ بيدي وقادني حتى أهرامات مصر.
عدل الشاب عن الكلام لحظة، ليرى إن كانت العجوز تعرف ماتكون أهرامات مصر، لكنها بقيت خرساء، ثم تابع:
- عندئذٍ أمام أهرامات مصر، (لفظ هذه الكلمى بمنتهى الدقة، لتستطيع العجوز فهمها جيداً)، كان الطفل يقول لي: " إن تأتِ حتى هنا، فستجد كنزاً مخبأ " . وفي اللحظة التي كان يكاد أن يريني فيها المكان المحدد كنت استيقظ في المرتين.
مكثت العجوز صامتة للحظات، ثم عادت وأمسكت بيدي الشاب اللتين تفحصتهما بانتباه.
- لن أدعك تدفع الآن أي شيء، لكنني أريد عشر الكنز إن وجدته.
أخذ الشاب يضحك، إنها ضحكة انشراح ورضا، فهكذا سيدخر القليل من المال الذي يملكه بفضل حلم صار عبارة عن مسألة كنز مخبأ ! لابد أن تكون المرأة الطيبة العجوز غجرية، فالغجر أغبياء.


- حسنٌ، كيف تفسرين هذا الحلم ؟ .
- أولاً يجب أن تقسم. اقسم لي أنك ستعطيني العشر من كنزك مقابل ما سأقوله لك.
أقسم الراعي، وطلبت منه العجوز أن يكرر القسم، وهو يثبت عينيه في صورة السيد المسيح.
قالت العجوز:
- إنه حلم باللغة الكونية، حلم أستطيع تأويله، لكنه تأويل صعب جداً، يبدو لي أني استحق حصتي مما ستجد، والتأويل هو ذا:
" عليك أن تذهب حتى أهرامات مصر، لم أسمع عنها مطلقاً لكن إن كان من أراك إياها طفل، فهذا يعني أنها موجودة فعلاً، هناك ستجد كنزاً سيجعل منكَ رجلاً غنياً ".
ذهل الشاب للوهلة الأولى، ثم غضب، لم يكن بحاجة للمجيء، لرؤية هذه المرأة من أجل شيء تافه، لكنه تذكر في نهاية الأمر أنه لم يدفع شيئاً.
- لم تك لدي حاجة لإضاعة وقتي مادام الأمر هكذا ـ قال الشاب.
- أنت ترى، لقد كنت قد قلت لك أن حلمك صعب التفسير، الأشياء البسيطة هي الأشياء الأكثر روعة والعلماء وحدهم من يراها، وبما أنني لست واحدة منهم فإنه يتوجب عليّ معرفة فنون أخرى: قراءة الكف مثلاً.
- وماذا عليّ أن أفعل من أجل الذهاب حتى مصر ؟
- أنا لا أقوم إلا بتفسير الأحلام وليس بمقدوري تحويلها إلى حقيقة، ولهذا السبب عليّ أن أعيش مما تعطيني إياه بناتي.
- وإن لم أصل حتى مصر ؟
- حسنٌ، عندها لن أوفى أجري ولن تكون هذه المرة الأولى.
ولم تضف العجوز شيئاً، بل طلبت من الشاب الانصراف لأنه جعلها تضيع الكثير من الوقت.

× × ×

انصرف الراعي خائباً وعازماً على ألا يعتقد بالأحلام بعد الآن، ثم تذكر أن عليه القيام بأشياء مختلفة، ذهب للبحث عن شيء يأكله، ولمبادلة كتابه مقابل آخر أكبر حجماً، وجلس على مقعد في الساحة، ليتذوق الخمرة الجديدة التي ابتاعها.
إنه نهار حار، ولعلّ الخمر، بفضل أحد تأثيراته الخفيّة التي يملكها، يستطيع أن يكون مرطباً له.
كانت أغنامه عند مدخل المدينة، في حظيرة أحد الأصدقاء الجدد. تعرف على الكثير من الناس في هذه الأنحاء، وهذا ما جعله يحب السفر لأيام متتالية، فعندما نرى الأشخاص أنفسهم كما هي الحال عليه في المدرسة الإكليريكية ـ فإننا نتوصل إلى اعتبارهم جزءاً من حياتنا، وبما أنهم يشكّلون جزءاً من حياتنا، فإنهم يبحثون في نهاية الأمر عن تغييرها كما يرغبون بغير رضى، لأن كل الناس يعتقدون معرفة كيف يجب أن نعيش تماماً، لكن أياً كان لا يعرف قطعاً كيف يتوجب عليه أن يعيش هو نفسه حياته الخاصة، كما لدى هذه المرأة المنجمة التي تجهل كيف تحول الأحلام إلى واقع.
قرر الانتظار حتى حلول الظلام، قبل أن يذهب إلى الريف مع نعاجه، فبعد ثلاثة أيام سيلتقي ثانيةً ابنة التاجر.
بدأ بقراءة الكتاب الذي كان قد حصل عليه من خوري طريفه. كان مؤلفاً ضخماً يتعرض لمسألة دفن من بدايته، بالاضافة إلى ذلك كانت أسماء الشخصيات معقدة للغاية. ثم حدث نفسه، بأنه لو قدر لو يوماً أن يؤلف كتاباً، فسوف يورد الشخصيات واحدة واحدة، كي يوفر لقرائه حفظ أسمائها دفعة واحد عن ظهر قلب.
عندما كان يقرأ بتركيز تلك القصة الجميلة عن دفن في الثلج، والتي منحته احساساً بالرطوبة رغم الشمس المحرقة ... جاء رجل عجوز للجلوس بجانبه والحديث معه.
- ماذا يفعل هؤلاء ؟ سأل العجوز مشيراً إلى المارة في الساحة.
أجاب الراعي بلهجة جافة:
- إنهم يعملون ... وتظاهر بالقراءة.
وفي الواقع، فقد كان يحلم بالذهاب لجز صوف نعاجه أمام ابنة التاجر كي تلمس بنفسها مقدرته على القيام بالكثير من الأمور الهامة، كان قد تخيّل هذا المشهد عشرات المرّات. وأن الشابة تبدو له مندهشة عندما يشرح لها عن الغنم وكيف يجز الصوف من الخلف إلى الأمام، لقد بذل ما بوسعه لتذكر بعض القصص الجيدة وروايتها لها أثناء عملية الجز، كانت في الغالب قصصاً قرأها في الكتب، وهو يرويها، كما لو أنه عاشها بنفسه، ولن تعرف مطلقاً الفرق طالما أنها تجهل قراءة الكتب.
أصرّ العجوز على الكلام حينذاك، واخبره أنه متعب وعطش، وطلب أن يشرب جرعة من الخمر، فقدم له الشاب زجاجته علّه يذهب ويتركه بحاله.
لكن العجوز كان يريد الثرثرة بإلحاح، فسأل الراعي عن الكتاب الذي يقرأه.
فكر الشاب أن يكون فظّاً ويغير مقعده، لكنه تذكر أن أباه قد علّمه أن يحترم المسنين، عندها ناول الرجل العجوز الكتاب لسببين: أولاهما، لأنه كان يجد نفسه فعلاً غير قادر على لفظ العنوان، وثانيهما، كي يغير العجوز مقعده إن كان يجهل فعلاً القراءة حتى لا يشعر بالذل.
- هِمْ ـ تنحنح العجوز متفحصاً الكتاب من وجوهه كلها كما لو كان شيئاً غريباً ـ إنه كتابٌ مهم ولكنه ممل جداً.
ولشد ما تفاجأ الراعي عندما وجد أن العجوز يجيد القراءة. وأنه كان قد قرأ من قبل هذا الكتاب. وأنه كتاب ممل كما أكد العجوز، فالوقت لا يزال مناسباً كي يستبدله بآخر.
تابع العجوز:
- إنه كتاب يتحدث عن الشيء نفسه الذي تحدثت عنه الكتب كلها تقريباً، عن عجز الناس في اختيار مصيرهم، وأخيراً يجعلنا ندرك أكبر خدعة في العالم.
- ما هي أكبر خدعة في العالم ؟! سأل الشاب مندهشاً.
- هي ذي: " في إحدى لحظات وجودنا، نفقد السيطرة على حياتنا التي ستجد نفسها محكومة بالقدر، وهنا تكمن خديعة العالم الكبرى. "
قال الشاب:
- بالنسبة لي، لم تجر الأمور بهذه الطريقة، فقد كانوا يريدون أن يجعلوا مني كاهناً لكنني قررت أن أكون راعياً.
- هكذا أفضل لك، لأنك تحب الترحال.
- لقد حدس أفكاري ـ قال لنفسه سنتياغو، بينما كان العجوز يتصفح الكتاب، دون أن يظهر أية نية لردّه.
لاحظ الراعي أن العجوز يرتدي زيّاً غريباً، فقد كان يبدوا أنه عربي الهيئة، وهذا شيء مألوف في تلك المنطقة، فإفريقية على بضع ساعات من " طريفة " ويكفي اجتياز المضيق الصغير بواسطة القارب وغالباً ما يأتي العرب للتسوق من المدينة فالناس يشاهدونهم وهم يصلون عدة مرات في اليوم بطريقة تدعو للفضول.
- من أين أنت ؟ سأل الشاب.
- من أماكن عدة.
- لا يمكن لأحد أن يكون من أماكن عدة، فأنا راعٍ، ومن الممكن أن أتواجد في أماكن مختلفة، لكنني أنتمي لمكانٍ واحد، مدينة قريبة من قصر قديم جداً، فهناك وُلدت.
- لنقل إذن إنني ولدت في سالم
لم يكن الراعي يعرف أين تقع سالم، لكنه لم يطرح سؤالاً، كي لا يشعر بأنه سخيف نتيجة جهله.
انهمك بمراقبة الساحة للحظة، فالناس يذهبون ويجيئون، ويبدون منشغلين للغاية.
سأل الشاب:
- كيف هي سالم؟ باحثاً عن أية علامة لا على التعيين.
- كما هي دائماً من الأزل.
لم يكن في هذا أية علاقة تدل عليها، لكن على الأقل كان يعلم أن سالم ليست في الأندلس، وإلا لكان عرفها.
- وماذا تفعلون أنتم في سالم؟
- ما أفعله في سالم؟!
انفجر للمرة الأولى العجوز ضاحكاً، لكنني أنا ملك سالم، أي سؤال هذا ! ...
الناس يقولون الكثير من الكلمات الغريبة، ومن المستحسن أحياناً أن يعيش المرء مع النعاج الخرساء، ويكتفي بالبحث عن الماء والغذاء، أو مع الكتب التي تحكي قصصاً لا تُصدّق، أما عندما يتكلم المرء مع البشر فإن هؤلاء يقولون بعض الأمور التي تجعلنا جاهلين كيف نتابع الحديث.
قال العجوز:
- أنا أدعى " ملكي صادق "، كم تملك من الغنم؟
- ما يلزم.
كان العجوز يريد أن يعرف الأكثر عن حياته.
- لدينا مشكلة إذن، فأنا لا أستطيع أن أساعدك، مادمت تفكر بامتلاك ما يلزمك من الغنم.
بدأ الشاب يعاني نوعاً من الضيق، فهو لم يكن قد طلب منه أية مساعدة. فالشيخ العجوز هو الذي كان قد طلب خمراً، وأراد أن يثرثر، وهو الذي كان قد اهتم بالكتاب.
- أعد إلي الكتاب، يجب أن أذهب للبحث عن أغنامي ومتابعة طريقي.
- أعطني منها العشر، وسأعلّمك كيف تصل إلى كنزك المخبأ.


تذكر الفتى حلمه، وفجأة صار كل شيء واضحاً له.
فالمرأة العجوز لم تجعله يدفع شيئاً، لكن هذا الشيخ، سينجح في تحصيل مبلغ أكبر مقابل معلومة لم تكن تتعلّق بأي واقع، لابد أنه غجري أيضاً ويمكن أن يكون زوجها.
في تلك الأثناء، ودون أن يقول أية كلمة، انحنى العجوز، والتقط غصناً من الأرض، وشرع يكتب شيئاً على رمل الساحة، وفي اللحظة التي انحنى فيها، لمع شيء ما على صدره، كان الضوء باهراً لدرجة جعلت الشاب شبه أعمى.
لكن وبحركة سريعة ومدهشة لرجل في عمره، سارع العجوز لشد معطفه على صدره.
زال انبهار عيني الفتى، فاستطاع أن يرى بوضوح ما كان الرجل يكتبه، قرأ اسم أبيه، واسم أمه على رمال الساحة الرئيسية للمدينة الصغيرة، ألعاب طفولته، ليالي المدرسة الإكليريكية الباردة، ثم قرأ سيرة حياته حتى هذه اللحظة، قرأ أشياء لم يكن قد رواها لأحد قط، كتلك المرة التي سرق فيها سلاح أبيه وذهب لاصطياد الوعول الجبلية، أو كتجربته الجنسية الأولى والوحيدة.
- أنا ملك سالم ـ قال العجوز.
- لماذا يثرثر ملك مع راع؟ تساءل الفتى في ذهول وحيرة.
- توجد عدة أسباب، لكن لنقل أن أهمّها هو أنك كنت قادراً على انجاز " أسطورتك الشخصية " .
لم يكن الشاب يعرف ما كان العجوز يقصد بقوله: " أسطورة شخصية " .
- هي ما كنت دائماً تتمنى أن تفعل، فكل واحد منا يعرف ما هي أسطورته الشخصية وهو في ريعان شبابه، في هذه الفترة من الحياة، يكون كل شيء واضحاً، كل شيء ممكناً، ولا يخاف المرء من أن يحلم أو يتمنى ما يحب أن يفعله في حياته. وكلما جرى الوقت، فإن قوى خفيّة تنشط لإثبات استحالة تحقيق الأسطورة الشخصية.
لم يكن لقول العجوز أي معنى بالنسبة للراعي الشاب.
لكنه كان يريد معرفة ماهية هذه " القوى الخفية ". إن ابنة التاجر ستبقى فاغرة فاها !
- إنها قوى قد تبدو سيئة، ولكنها في الواقع هي تلك التي تعلّمك كيف تحقق أسطورتك الشخصية، إنها هي التي تعد عقلك، وإرادتك لأن هناك حقيقة كبرى في هذا العالم:
" فأياً كنت، وأيّ شيء فعلت، فإنك عندما تريد شيئاً بالفعل، فهذا يعني أن هذه الرغبة قد ولدت في " النفس الكليّة " ، وأنها رسالتك على الأرض . "
- حتى لو كانت الرغبة فقط هي رغبة في الترحال ؟ أو في الزواج من ابنة تاجر أقمشة؟
- أو البحث عن الكنز، فإن النفس الكليّة تتغذى من سعادة الناس أو من شقائهم، من الرغبة، من الغيرة، وإنجاز الأسطورة الشخصية هو الالتزام الأول والأوحد للناس، وكل شيء ليس إلا شيئاً واحداً.
" وعندما تريد شيئاً ما، فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك " .
احتفظا بالصمت للحظة، راقبا فيها الساحة والمارّة، وكان العجوز هو المبادر في إعادة فتح الحديث:
- لماذا ترعى الغنم؟
- لأنني أحب الترحال.
أشار العجوز إلى بائع البوشار بعربته الحمراء في إحدى زوايا الساحة وقال:
- هذا الرجل أيضاً كان دائماً يريد الترحال عندما كان طفلاً، لكنّه فضّل شراء عربة صغيرة ليبيع البوشار ويجمع المال طيلة سنين عديدة، وعندما يصبح عجوزاً سيسافر ليمضي شهراً في إفريقية، إنه لم يدرك أبداً أن الانسان يمتلك القدرة لينفذ ما يحلم به.
- كان عليه أن يكون راعياً ـ فكّر الشاب بصوتٍ عالٍ.
- لقد فكّر في ذلك ـ قال العجوز ـ لكن باعة البوشار ذوو شخصيات أكبر من تلك التي هم عليها الرعاة، فباعة البوشار لديهم بيوت تؤويهم، بينما الرعاة ينامون تحت النجوم، والناس يفضّلون تزويج بناتهم من باعة بوشار على تزويجهم من الرعاة.
شعر الراعي بغصّة في الصميم، وهو يفكّر بابنة التاجر، ففي المدينة حيث تعيش يوجد بالتأكيد بائع بوشار.
- وأخيراً ـ أردف العجوز ـ فإن ما يفكّر به الناس عادة عن باعة البوشار وعن الرعاة يصبح لديهم أهم من الأسطورة الشخصية.
تصفّح العجوز الكتاب وتسلّى بقراءة صفحة منه، انتظر الراعي قليلاً ثم قاطعه بنفس الطريقة التي قوطع هو بها:
- لماذا قلت لي هذه الأشياء؟
- لأنك تحاول أن تعيش أسطورتك الشخصية، ولأنك على وشك العدول عنها.
- وأنت تظهر دائماً في هذه اللحظات؟
- ليس بهذا الشكل دائماً، لكنني لا أتخلّى عنه أبداً ... فمرة أظهر على شكل فكرة جديدة، أو كطريقة للتخلص من ورطة، ومرة اخرى أظهر في لحظة روحانية، أجعل فيها الاشياء سهلة المنال، وهكذا ... لكن أغلب الناس لا يلاحظون شيئاً.
روى أنه في الاسبوع الماضي، كان مجبراً على الظهور لأحد المنقبين على شكل حجر، فقد كان هذا الرجل قد تخلّى عن كل شيء، ورحل سعياً للحصول على الزمرد.
خمس سنوات عمل خلالها بتكسير الاحجار على طول أحد الأنهار، كان قد كسر خلالها تسعمائة وتسعاً وتسعين ألفاً وتسعمائة وتسعاً وتسعين حجراً، محالاً أن يجد زمردة، في تلك الأثناء فكّر بالتراجع، ولم يكن ينقصه عندئذٍ إلا حجر واحدة، ليكتشف زمردته، وبما أنه كان رجلاً دأب في الجد خلف أسطورته الشخصية، فقد قرر العجوز التدخل، فتحول إلى حجر تدحرجت عند أقدامه، وتحت وطأة غضبه وإحساسه باستلابه خلال خمس سنوات ضاعت من عمره، قذف بتلك الحجر إلى البعيد، ورماها بقوة كبيرة جعلتها ترتطم بحجر أخرى، فتفتت لتكشف عن أجمل زمردة في العالم.
قال العجوز وفي عينيه شيء من المرارة:
- إن الناس يتعلّمون مبكراً مبرر حياتهم، وربما لهذا السبب نفسه أيضاً، يتخلّون عاجلاً عن المتابعة، لكن هكذا هي الدنيا.
تذكر الشاب حينئذٍ أن نقطة البداية بالنسبة للمحادثة التي دارت بينهما كانت الكنز المخبأ.
- لقد نُبشت الكنوز بفعل السيل الجاري ـ قال العجوزـ ودُفنت نتيجة ارتفاع مياه السيل نفسها، وان كنت تريد معرفة المزيد عن كنزك، عليك أن تتنازل عن عشر قطيعك.
- أفلا يمكن لعشر الكنز أن يفي بالأمر؟
بدا الشيخ خائباً:
- إذا وعدت بشيء لا تملكه بعد، فإنك ستفقد الرغبة في الحصول عليه.
قال له الراعي بأنه كان قد وعد الغجرية بعشر الكنز.
تأوه العجوز وصرخ:
- محتالون، على أية حال، انه لجميل أن تتعلم أن لكل شيء في الحياة ثمناً، وهذه هي الفكرة التي حاول مجاهدو عهد الأنوار تعليمها.
ثم أعاد الكتاب إلى الشاب قائلاً:
- غداً وفي مثل هذه الساعة تصحب لي عشر قطيعك، وسوف أرشدك كيف تجد كنزك بنجاح، هيّا عمت مساءً.
واختفى عبر إحدى زوايا الساحة.

× × ×


حاول الشاب الرجوع إلى قراءته، لكنه لم يتمكّن من التركيز، فقد كان مضطرباً ومتوتراً، لأنه أدرك أن العجوز يقول الحقيقة، ذهب للبحث عن البائع المتجول، واشترى منه كيساً من البوشار متسائلاً في قرارة نفسه هل عليه أن يخبره بما قال العجوز.
من الأفضل أحياناً، أن نترك الأشياء كما هي عليه ـ فكّر دون أن يقول شيئاً، فلو تكلم لأمضى بائع البوشار ثلاثة أيام بالتفكير ليقرر إن كان سيتخلّى عن كل شيء، لكنه كان قد اعتاد العربة الصغيرة.
كان يستطيع أن يوفر عليه هذا الارتياب المؤلم، أخذ يهيم في المدينة، ونزل حتى الميناء، حيث يوجد مبنى كبير، ذو نوافذ خاصة، كان الناس يأتون لشراء بطاقات السفر منها مصر ... إنها توجد في إفريقية.
- ماذا تريد؟ سأل موظف الحجز.
- ربما غداً ـ أجاب مبتعداً.
عندما يبيع واحدة من نعاجه، فإنه سيستطيع الانتقال إلى الجهة الأخرى من المضيق، لكن هذه الفكرة أرعبته.
- هاهو حالم آخر ـ قال قاطع التذاكر لزميله بينما كان الشاب يبتعد ـ ليس لديه ما يغطي نفقات سفره.
في حين أنه عندما كان أمام الكوة، كان قد فكّر بنعاجه، وامتلكه الخوف من الذهاب إليها. فخلال هاتين السنتين تعلّم كل شيء عن تربية الغنم، وتعلم كيف يجز الصوف، والعناية بالنعاج الحوامل، وحماية قطيعه من الذئاب، كان يعرف حقول ومراعي الأندلس كلها، ويعرف السعر الدقيق ومبيع كل واحده من دوابه.
قرر العودة إلى حظيرة صديقه عبر أطول الطرق، كان في المدينة قصر أيضاً، أراد تسلّق المنحدر الحجري والذهاب للجلوس على حائط السوق ليستطيع رؤية أفريقية، فأحدهم كان قد شرح له أن العرب الذين احتلوا إسبانية كلها تقريباً، ولزمن طويل قد جاؤوا من هناك، لكنه يكره العرب لأنهم جاؤوا بالغجر.
ومن الأعلى، يستطيع أن يرى أيضاً الجزء الأكبر من المدينة والساحة التي تحدّث فيها مع العجوز.
- لعن الله الساعة التي التقيت فيها بهذا العجوز ـ فكّر ـ فهو قد ذهب بكل بساطة للبحث عن امرأة قادرة على تفسير الاحلام، فلا تلك المرأة، ولا ذاك العجوز، لم يعلّقا أية أهمية على كونه راع، فقد كانا شخصين منعزلين لا يعتقدان بشيء في الحياة، ولا يفهمان أن الرعاة ينتهون في الارتباط بدوابهم، فالراعي يعرف بدقة كل واحدة منها، ويعرف أن كانت بينها واحدة عرجاء، وأيا منها ستضع بعد شهرين، إنه يعرف الكسولات منها ومتى يكون جزّها وذبحها. وان قرر الرحيل يوماً، فإنها ستتألم كثيراً.
أخذت الريح الشرقية تعصف، فمع هذه الريح جاء قوم من السفهاء الكفار، وقبل أن يعرف " طريفه "، لم يكن ليخيل إليه أن إفريقية كانت قريبة جداً، الأمر الذي يشكّل خطراً كبيراً، فالعرب يستطيعون غزو البلاد من جديد. أخذت الريح تعصف بقوة أكبر.
- هاأنذا بين أغنامي والكنزـ قال لنفسه، وكان عليه أن يقرر أن يختار بين شيء ألفه وآخر يحب كثيراً لو يحصل عليه، وهناك ابنة التاجر، لكنها ليست بأهمّية النعاج بالنسبة إليه، وما جعله يتأكد من ذلك هو لو أنها لن تلتقيه ما بعد الغد، لما كانت انتبهت إلى ذلك: الأيام كلها متشابهة لديها، وعندما تكون الأيام تشبه بعضها بعضاً، فهذا يعني أن الناس قد توقفوا عن ملاحظة الأشياء الطيبة التي تخطر في حياتهم طالما أن الشمس تعبر السماء باستمرار.
- لقد غادرت أبي، أمي، وقصر المدينة التي وُلدت فيها ـ حدّث نفسه ـ لقد تعودنا على ذلك، والاغنام سوف تعتاد على غيابي.
من هناك، في الاعلى، راقب الساحة، كان البائع المتجول يتابع بيع بوشاره، جاء زوجان شابان ليجلسا على المقعد الذي شهد حواره مع العجوز، ثم تبادلا قبلة طويلة.
- بائع البوشار ... ـ تمتم في نفسه دون أن يتم الجملة، لأن الرياح أخذت تعصف بشكل أقوى، وشعر بها تلطم وجهه، إنها جلبت العرب بلا شك، لكنها كانت تأتي أيضاً برائحة الصحراء، وبالنساء المحجبات، وتحمل عرق وأحلام أولئك الذين كانوا قد رحلوا ذات يوم بحثاً عن المجهول، أو عن الذهب، والمغامرات والأهرامات.
أخذ الشاب يغبط الريح على حريتها، وأدرك أن لاشيء يمنعه أن يكون شبيهاً بها، فالأغنام، وابنة التاجر، وحقول الأندلس لم تكن إلا مراحل من أسطورته الشخصية.

× × ×

عند ظهيرة الغد التقى الراعي الشاب بالعجوز، وكان قد أحضر معه ستاً من أغنامه، وقال له:
إنني مندهش فصديقي اشتري مني القطيع على الفور، فطيلة حياته كان يحلم بأن يكون راعياً، إذن هذا فأل خير.
قال العجوز:
- الأمور تسير دائماً هكذا، ونحن نسمي هذا: " المبدأ المناسب"، فأنت عندما تلعب للمرة الأولى فإنك ستربح ربحاً مؤكداً، إنه حظ المبتدئ.
- ولماذا هذا؟
- لأن الحياة تريدك أن تعيش أسطورتك الحقيقة.
ثم بدأ يتفحّص النعاج الست، وقد لاحظ إن إحداها عرجاء، لكن الفتى قد شرح له بأن هذا ليس بذي أهمية، لأنها كانت الدابة الأكثر ذكاءً والأوفر صوفاً، ثم سأله:
- أين يوجد الكنز؟
- الكنز موجود في مصر قرب الأهرامات.
اعترته رجفة، فالغجرية العجوز كانت قد قالت له الشيء نفسه، لكنها لم تأخذ أجرها.
- كي تصل إلى كنزك عليك أن تكون يقظاً للعلامات، فقد كتب الله قدرنا على جبيننا، واختار لكل منا الحياة التي عليه أن يحياها، وليس عليك إلا أن تقرأ ما كُتب لك.
وقبل أن يتمكن الشاب من أن يقول أي شيء، أخذت فراشة ليل تحوم بينه وبين الرجل العجوز، فتذكر جده، ذاك الذي سمعه يقوم عندما كان طفلاً، إن فراش الليل علامة حظ، والشيء نفسه بالنسبة للجنادب، والجراد الأخضر، والسحالي الرمادية، والحندقوقات ذات الأوراق الأربعة.
- هذا هو تماماً ـ قال العجوز الذي كان بمقدوره قراءة أفكاره ـ كما علّمك جدك، هنا تكمن العلامات.
ثم فتح المعطف الذي يلتف به، فتأثر الفتى بما رآه عندئذٍ، وتذكر الألق الذي بهر عينيه عشيّة البارحة، فقد كان العجوز يتقلّد قلادة من الذهب مرصّعة بالاحجار الكريمة.
قد كان ملكاً حقيقياً، وكان لزاماً عليه أن يتنكّر بهذا الزي ليتحاشى قطاع الطرق.
- خذ ـ قال وهو ينتزع حجراً بيضاء وأخرى سوداء، كانتا مثبتتين في وسط قلادته ـ إنهما تسمّيان " أوريم وتوميم "، السوداء تعني نعم والبيضاء تعني لا. فعندما لا تتوصل إلى فهم العلامات، فإن هاتين الحجرين سيفيدانك، لكن ليكن سؤالك الذي تطرحه موضوعياً دائماً، اسعَ باستمرار لاتخاذ قرارك بنفسك، فالكنز موجود قرب الأهرامات وهذا تعرفه مسبقاً، وعليكَ أن تدفع مقابل ذلك ست غنمات، فأنا من ساعدك على اتخاذ القرار.
وضع الشاب الحجرين في جعبته، وسيأخذ من الآن فصاعداً قراراته بنفسه.
- لاتنسَ أن الكل ليس إلا شيئاً واحدً، لاتنسَ لغة العلامات، ولاتنسَ على الخصوص أن تمضي حتى آخر أسطورتك الشخصية. وقبل أن أودعك أحب أن أروي لك حكاية صغيرة.
" ثمة تاجر كبير، أرسل ابنه ليكتشف سر السعادة عند أكثر الرجال حكمة، مشى الولد أربعين يوماً في الصحراء، ووصل إخيراً أمام قصر جميل يقع على قمة جبل، وهناك كان يعيش الحكيم الذي يجدُّ في البحث عنه.
فبدل أن يلتقي رجلاً مباركاً، فإن بطلنا داخل صالة تعج بنشاط كثيف: تجار يدخلون ويخرجون، وأناس يثرثرون، وفي إحدى الزوايا فرقة موسيقية صغيرة تعزف ألحاناً هادئة، وكان هناك مائدة محمّلة بمأكولات من أطيب وأشهى ما تنتج تلك البقعة من العالم. هذا هو الحكيم الذي يتحدث مع هذا وذلك، وكان على الشاب أن يصبر طيلة ساعتين حتى يأتي دوره.
أصغى الحكيم إلى الشاب الذي كان شرح له دوافع زيارته، لكن الحكيم أجابه أن لا وقت لديه كي يكشف له سر السعادة، وطلب منه القيام بجولة في القصر ثم العودة لرؤيته بعد ساعتين.
- أريد أن أطلب منك معروفاً ـ أضاف الحكيم وهو يعطي إلى الشاب ملعقة كان قد صب فيها قطرتين من الزيت ـ ، أمسك الملعقة بيدك طوال جولتك وحاول ألا ينسكب الزيت منها.
أخذ الشاب يهبط، ويصعد سلالم القصر، مثبتاً عينيه دائماً على الملعقة، وبعد ساعتين عاد إلى حضرة الحكيم.
- إذاً ـ سأل هذا، هل رأيت السجاد العجمي الموجود في صالة الطعام؟ هل رأيت الحديقة التي أمضى كبير الحدائقيين سنوات عشرة في تنظيمها؟ هل لاحظت أروقة مكتبتي الرائعة؟
كان على الشاب المرتبك أن يعترف بأنه لم يرَ شيئاً من كل هذا على الاطلاق، فشاغله الوحيد كان ألا تنسكب قطرتا الزيت التي عهد له الحكيم بهما.
- حسن، عد وتعرّف على عجائب عالمي ـ قال له الحكيم ـ فلا يمكن الوثوق برجل تجهل البيت الذي يسكنه.
اطمأن الشاب أكثر، وأخذا الملعقة، وعاد يتجول في القصر، معيراً انتباهه هذه المرة لكل روائع الفن التي كانت معلقة على الجدران، وفي السقوف، رأي البساتين والجبال المحيطة بها وروعة الزهور، والاتقان في وضع كل واحدة من تلك الروائع في مكانها المناسب، وعند عودته إلى الحكيم، روى له ما رآه بالتفصيل.
- ولكن أين قطرتي الزيت اللتين كنتُ عهدت لك بهما؟
نظر الشاب إلى الملعقة ولاحظ أنه قد سكبها.
- حسنٌ ـ قال حكيم الحكماء ـ هاك النصيحة الوحيدة التي سأقولها لك: " سرّ السعادة هو بأن تنظر إلى عجائب الدنيا كلّها، ولكن دون أن تنسى أبداً وجود قطرتي الزيت في الملعقة " .
مكث الراعي صامتاً، كان قد فهم حكاية الملك العجوز، فيمكن لراعٍ أن يحب السفر، لكن ليس له أن ينسى نعاجه أبداً.
نظر العجوز إلى الشاب، وبكفيه المبسوطتين، قام ببعض الحركات الغريبة فوق رأيه ثم جمع غنامه ومضى.

× × ×

على أحد مرتفعات مدينة " طريفة " الصغيرة كان هناك حصن قديم بناه العرب فيما مضى، ومن يجلس على أسواره يستطيع أن يرى من هناك بائع البوشار وجزءاً من إفريقية.
" ملكي صادق " ملك " سالم "، يجلس هذا المساء على متاريس الحصن، ويشعر بالريح الشرقية تلطم وجهه، كانت الأغنام قريبة منه تتوقف عن الحركة كدرة وقلقة بسبب تبدل راعيها وسيّدها، والتغيرات التي حصلت، فإن كل ما كانت ترغب به، هو ما تأكله وتشربه.
كان يراقب القارب الصغير الذي يبتعد عن الميناء، لن يلتقي هذا الشاب من جديد، وذلك بعد أن يجعله يدفع العشر مثلما أنه لم يكن قد لقى إبراهيم، لأن للآلهة أساطير خاصة، وليس لها أمنيات.
غير أن ملك " سالم "، ومن عميق ضميره قد تمنى للشاب النجاح.


للأسف ! سينسى إسمى عما قريب، كان عليّ أن أكرره له مرات عديدة، حتى إذا ماتحدّث عني استطاع أن يقول إنني " ملكي صادق " ملك " سالم ".
ثم رفع عينيه إلى السماء، مشوشاً قليلاً مما كان يفكّر به لتوّه:
- أنا أدرك أن هذا ليس إلا أباطيل، كما قلت أنت نفسك يا إلهي، لكن الملك العجوز يشعر أحياناً بالحاجة للشعور بالاعتزاز بالنفس.

× × ×

- يالها من بلد غريب إفريقية هذه ! حدّث الشاب نفسه.
كان جالساً في مكان ما يشبه المقهى، وسائر المقاهي التي استطاع رؤيتها، وهو يعبر أزقّة المدينة الضيقة. كان هناك رجال، يدخّنون غليوناً ضخماً يتبادلونه من فم إلى فم.
وخلال عدة ساعات رأى رجالاً يتجولون يداً بيد، ونساء محجبات، ورجال دين يصعدون إلى قمم أبراج عالية، ويؤذنون، بينما كان سائر الناس يركعون، ويلطمون رؤوسهم بالأرض.
- إنها ممارسات الكفّار ـ قال في سرّه.
فعندما كان طفلاً، اعتاد أن يرى في كنيسة قريته تمثالاً للقديس " جاك الأعظم " ممتطياً حصانه الأبيض، مجرّداً سيفه، واطئاً بقدميه شخصيات مشابهة لهؤلاء الناس.
كان يشعر بالغم والوحدة بشكل مخيف، نظرة تشاؤم، زد على ذلك أنه في غمرة الترحال الطويل قد نسي واحدة من الجزيئات، يمكن لها أن تبعده عن كنزه كثيراً من الوقت: في تلك البلاد يتكلّمون العربية.
اقترب صاحب المقهى، فأشار إليه بإصبعه أن يحضر له مشروباً كان قد رآه يقدّمه لطاولة أخرى، إنه الشاي المرّ، وتمنى لو كان خمراً.
لكن الوقت كان غير مناسب بالتأكيد لأن يشغل باله بمثل هذه الأمور، فأولى به ألا يفكّر الآن إلا بكنزه، والطريقة التي تمكّنه من الحصول عليه، فبيع أغنامه مكّنه من امتلاك مبلغ مهم نسبياً، كان يعلم أن للمال جانبه السحري، فهو يمنح الانسان الشعور بالأمان وبأنه ليس وحيداً تماماً، ومن الممكن أن ينتهي الأمر خلال أيام، ويجد نفسه عند أقدام الأهرامات، فالرجل المسن، وبهذا الذهب اللامع على صدره، ليس بحاجة مطلقاً لأن يروي الأكاذيب كي يحصل على ست غنمات.
لقد حدّثه الملك العجوز عن علامات، وخلال عبور المضيق، فكّر كثيراً بها.
نعم إنه يدرك تماماً عما يتحدّث، فطيلة الوقت الذي كان قضاه في أرياف الأندلس كان معتاداً أن يقرأ على الأرض وفي السماوات المؤشرات المتعلّقة بالدرب التي عليه أن يسلكها، وان طائراً معيّناً يدل على وجود أفعى بالقرب منه، وشجرة تدل على وجود الماء على بضع كيلومترات من المكان، الأغنام علّمته كل هذه الأشياء.
- الإله هو الذي يهدي الأغنام فعلاً، وهو الذي سيهدي الإنسان ـ قال لنفسه، فشعر بالاطمئنان، وبدا له الشاي أقل مرورة.
- من أنت؟ سمع سؤالاً باللغة الاسبانية.
شعر بارتياح كبير، فهو كان يحلم بعلامات، وهاهو قد ظهر من ينبئ بها.
- كيف لك أن تتكلم الإسبانية؟ سأل الشاب.
كان القادم الجديد، شاباً يرتدي الزي العربي، أما لون بشرته يجعل المرء يحسبه من أبناء المدينة، وكانا يبدوان متقاربين في السن والطول.
- كل الناس هنا يتكلّمون الإسبانية تقريباً، فليس بيننا وبين أسبانية إلا أقل من ساعتين.
- اجلس واطلب لنفسك شيئاً على حسابي، أما أنا فاطلب لي خمراً، فأنا أشمئز من هذا الشاي.
- لايوجد خمر في بلادنا، فالدين يمنعه.
عندئذٍ أخبره الشاب بأن عليه أن يتوجه إلى الأهرامات.
وقد أوشك أن يتحدث عن كنزه، لكنّه فضّل أخيراً ألا يقول شيئاً، فقد كان بمقدور العربي أن يقوده إلى هناك مقابل حصة من الكنز، وتذكر ما كان قد قاله العجوز حول موضوع الاقتراحات.
- أود لو تقودني إلى هناك إن كان هذا ممكناً، أستطيع أن أدفع لك ما تستحقه كدليل.
- هل لديك فكرة عن كيفية الذهاب إلى هناك؟
لاحظ عندئذٍ أن صاحب المقهى كان على مقربة منه، يصغي بانتاه إلى المحادثة، أزعجه حضوره قليلاً، لكن لا بأس فقط حظي بدليل ولن يضيّع هذه الفرصة.
- قال القادم الجديد: عليك اجتياز الصحراء الإفريقية الكبرى، وهذا سيتطلب منك المال، فقبل كل شيء أريد أن أعلم إن كنت تملك ما يكفي.
وجد الشاب في سؤال الفتى شيئاً من الفضول، لكنّه كان يثق بالرجل العجوز، الذي قال له أنه عندما يصمم المرء على تحقيق شيء ما، فإن العالم كله يتضافر في صالحه.
سحب نقوده من جيبه، وأراها لرفيقه الجديد، اقترب صاحب المقهى ونظر أيضاً، تبادل الرجلان بضع كلمات باللغة العربية، وبدا صاحب المقهى غاضباً.
- هيّا بنا ـ قال الفتى ـ فهو لا يريد بقاءنا هنا.
أحس الشاب بنفسه أكثر اطمئناناً، قام لكي يدفع الحساب، لكن صاحب المقهى أخذه من ذراعه، وراح يملي عليه محاضرة طويلة دون توقف، كان الشاب قوياً لكنه في بلد غريب، أما صاحبه الجديد، فقد دفع صاحب المقهى جانباً وصحبه للخارج.
- إنه يريد مالكَ، فـ " طنجة " ليست كسائر إفريقية، نحن هنا في ميناء، والموانئ تكون دائماً وكراً للصوص.
كان يستطيع أن يثق بصديقه الجديد، الذي هبّ لمساعدته، في الوقت الذي وجد نفسه في موقف صعب، سحب ماله من جيبه وعدّه.
قال الآخر وهو يتناول المال:
- غداً نستطيع الوصول إلى الأهرامات، لكن يجب أن أشتري جملين.
وانطلق الإثنان في أزقّة " طنجة " الضيّقة، وفي كل الزوايا والحنايا، كانت هناك بضائع معروضة على مباسط للبيع، وصلا أخيراً إلى وسط ساحة كبيرة كان يشغلها سوق أسبوعي، آلاف من الأشخاص يتحادثون، يبيعون ويشترون، لم يرفع الشاب نظره عن صديقه الجديد، فهو لم ينسَ أن ماله كلّه صار الآن بين يديه، كان يود لو يستطيع أن يطلب استرجاعه، لكن شعر في قرارة نفسه أن في هذا شيئاً من عدم اللباقة، فهو لم يكن يعرف عادات هذه البلاد العربية التي يطأ أرضها الآن.
- تكفي مراقبه، فهو أقوى منه ـ قال في نفسه.
فجأة، وفي وسط هذه الأكوام من البضائع، وقعت عيناه على أجمل سيف رآه في حياته، غمده من فضة، ومقبضه أسود، مرصّع بالأحجار الكريمة. فعاهد نفسه على أن يشتري هذا السيف عندما يعود من مصر.
قال لصاحبه:
- اسأل التاجر كم سعره؟
وقد لاحظ أنه استغرق ثانيتين من الغفلة فقط وهو يتأمل السلاح، انقبض قلبه كما لو أن صدره تقلّص فجأة، خشي الالتفات حوله، فهو يعلم جيّداً ما الذي ينتظره، وبقي مسمّر العينين في السيف، وأخيراً تسلّح بالشجاعة واستدار، كان كل شيء حوله، السوق، الناس الذين كانوا يروحون ويجيئون، يصرخون، يشترون السجاد، والبندق والخس بجوار أطباق النحاس، والرجال الذين كانوا يسيرون يداً بيد، والنساء المحجبات، والعطور الغريبة، لكن ما من أثر لصديقه، ما من شيء على الإطلاق، لا ظل له.
حاول أن يقنع نفسه في بداية الأمر، أنه وصديقه قد ضلاّ بعضهما وغابا عن أبصار بعضهما بعضاً صدفةً، فقرر أن يبقى في مكانه على أمل أن يعود إليه صديقه قريباً.
وبعد وقت قصير صعد رجل إلى أحد تلك الأبراج المشهورة، وبدأ بالآذان، وكل الموجودين جثوا، ولطموا الأرض، بجباههم، وأخذوا يرتلون، ثم بعد ذلك، وكمستعمرة من النمل في غمرة العمل، حزموا بضائعهم وانصرفوا.
راقب الشاب الشمس فترة طويلة، إلى أن اختفت هي أيضاً خلف البيوت البيضاء المحيطة بالساحة، وتخيّل كيف أنه عندما أشرقت عليه ذات صباح كان ما يزال على أرض قارة أخرى. كان راعياً، وكان لديه ستون غنمة، وكان على موعد مع الفتاة الشابة، وفي الصباح أثناء تجواله في الأرياف، كان يعلم ما يمكن أن يتعرض إليه، والآن ومع الشمس التي تغيب في بلدٍ آخر، يجد نفسه غريباً على أرض غريبة لا يستطيع حتى أن يفهم اللغة التي يتكلمونها.
لم يعد راعياً، ولم يعد يمتلك شيئاً، ولا حتى المال اللازم كي يعود على أعقابه ويستدرك كل شيء.
- حصل كل هذا مابين شروق وغروب الشمس نفسها ـ قال في نفسه ـ راثياً لحاله، مفكّراً بأن الأشياء تتغير أحياناً في الحياة في مدى وجيز لا يسمح للمرء بالتعود على ما آلت إليه.
كان يخجل من الاستسلام للبكاء، لم يكن قد بكى إطلاقاً أمام أغنامه، لكن ساحة السوق كانت خاوية، وكان هو بعيداً عن وطنه.
بكى وبكى، لأن الإله كان ظالماً، ولأنه يجازي الناس الذين يؤمنون بأحلامهم الخاصة.
- عندما كنت مع أغنامي، كنت سعيداً أشارك بسعادتي كل من يحيطون بي، وكان الناس يرونني قادماً، ويستقبلونني استقبالاً جيداً، أما الآن فأنا حزين وتعيس، ماذا سأفعل؟ سأصبح أشد لؤماً، ولن أثق بأي إنسان كان بعد الآن. هناك شخصاً خانني، وسأكل كل هؤلاء الذين وجدوا كنوزاً مخبأة لأنني لم أجد كنزي، وسأسعى باستمرار لادخار المال الذي املكه، فأنا مازلت ضعيفاً لمواجهة العالم.
فتح جعبته ليتفحّص ما كان لديه فيها، فربما بقي شيء من الوجبة التي كان يأكلها على حافّة القارب، لكنه لم يجد إلا الكتاب الضخم، والمعطف، والحجرين الكريمتين اللتين كان العجوز قد أعطاه إياهما، وعند رؤيته لهما اعتمل في صدره شعور بالعزاء، فقد كان دفع مقابلها ست غنمات، إنهما حجران ثمينتان انتزعتا من قلادة ذهبيّة، كان بمقدروه بيعهما وهكذا يستطيع أن يحصل على بطاقة عودته.
- سأصبح من الآن أكثر خبثاً ـ فكّر وهو يستخرج الحجرين ليخبئهما في قعر جيبه، كان في الميناء والشيء الصادق الوحيد الذي قاله ذلك اللص: الميناء يعجّ دائماً باللصوص.
فهم الآن جهود صاحب المقهى اليائسة، فقد كان يحاول أن يقول له بألا يثق بذلك الرجل، أنا ككل الآخرين: أنظر إلى العالم كما أتمنى أن يكون، وليس كما تجري الأمور في الواقع.
بقي يتفحّص الحجرين الثمينتين، داعبهما بلطف وتحسس حرارتهما ونعومتهما، إنهما نزه الوحيد، ومجرّد لمسهما كفيل لأن يزرع في نفسه نوعاً من الشعور بالسكينة فقد كانتا تذكّرانه بالرجل العجوز: " عندما تريد شيئاً بالفعل، فإن الوجود كلّه يتضافر ليهيئ لك الحصول عليه ".
كان يتمنّى لو يفهم كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحاً.
الآن يجد نفسه هناك على ساحة سوق مقفرة، لا يملك درهماً في جيبه، دون أغنام يحرسها في الليل، أما الحجران فقد كانتا تشكّلان الدليل الذي يثبت أنه قد التقى ملكاً يعرف أسطورته الشخصية، وعلى اطّلاع بما قد فعله بسلاح أبيه، وبتجربته الجنسيّة الأولى.
الحجران تفيدان في التنبؤ وتدعيان " أوريم وتوميم "، أعادهما إلى مكانهما في الجعبة وقرر أن يقوم بالتجربة، فالعجوز كان قد قال له أن عليه طرح أسئلة واضحة، لأن الحجرين لا تفيدان السائل في شيء إن لم يكن يعرف ما يريد.
عندئذٍ سأل الشاب إن كانت بركة العجوز ترافقه دائماً، سحب من جيبه واحد من الحجرين فكانت "نعم"، ثم سأل هل سأجد كنزي؟ وضع يده في جيبه ليمسك بواحدة منها، عندها انزلقتا كلتاهما من ثقب موجود في القماش، لم يكن قد لاحظ قط أن جعبته مثقوبة، انحنى ليلتقط أوريم وتوميم، ليعيدهما إلى الكيس، ولكن عند رؤيته لهما على الأرض، مرّت في ذاكرته جملة أخرى: " تعلّم أن تتبع وأن تحترم العلامات "، هذا ماكان قد قاله الملك العجوز أيضاً.
علامة ! وشرع الشاب بالضحك لوحده، ثم التقط الحجرين، أعادهما إلى جعبته المفتوقة، والتي لم يكن لديه أية رغبة في إصلاحها. تستطيع الحجران الهرب من هذا الثقب إن أرادتها، كان قد فهم أن هناك بعض الأشياء التي لا يجوز للمرء أن يطلبها كي لا يهرب من قدره المحتوم.
- لقد وعدت أن أتخذ قراراتي الخاصة بنفسي ـ قال في نفسه، لكن الحجرين كانتا قد أحبرتاه بأن العجوز كان دائماً إلى جانبه، وهذا الجواب أعاد له الثقة بنفسه. نظر مليّاً من جديد إلى السوق المقفرة، ولم يعد يشعر باليأس الذي كان يعذّبه من قبل، ولم يعد العالم الذي يحيط به عالماً غريباً، بل صار عالماً جديداً، فبعد كل شيء، هذا ماكان يرمي إليه: " معرفة عوالم جديدة، فحتى لو لم يصل إلى أهرامات مصر، فقد ذهب إلى أبعد مما يذهب إليه أي راعٍ آخر ".
- آه ! ليتهم يعلمون أنه بأقل ساعتين من السفر في القارب يوجد الكثير من الأشياء المختلفة ... ـ قال لنفسه.
تبدى العالم الجديد أمام ناظريه على شكل سوق أسبوعية مقفرة، في حين كان قد رأى هذا المكان من قبل يغصّ بالحياة، وهو لن ينساه، تذكّر السيف الذي دفع ثمناً غالياً من أجل تأمله لحظة، وفجأة شعر أن بإمكانه أن ينظر للعالم إما من خلال نظرة ضحية السارق البائسة، أو من خلال نظرة المغامر الذي يسعى وراء كنز.
- إنني مغامر يسعى بحثاً عن كنز ـ فكّر قبل أن يغط منهكاً في نومٍ عميق.

× × ×

أفاق وهو يحس بأن أحداً ما يهزّه من كتفه، كان قد نام وسط ساحة السوق الأسبوعي الذي بدأت تدب فيه الحركة، نظر حوله باحثاً عن أغنامه، لكنّه تنبه إلى أنه الآن في عالمٍ آخر، واستبدل الإحساس بالحزن الذي يكابده بإحساس السعادة، وأصبح بمقدوره الآن الانطلاق، وأن يكد للبحث وراء الطعام والشراب، وصار أكثر إصراراً في البحث عن الكنز، لم يكن لديه درهم في جيبه، لكنّه يملك الإيمان بالحياة، ومساء الأمس اختار أن يكون مغامراً مشابهاً لشخصيات اعتاد أن يقرأ عنها في الكتب.
أخذ يتنزّه على أرض الساحة بتريّث، حيث كان التجار قد أخذوا بنصب براكاتهم، فساعد رجلاً يبيع السكاكر على نصب براكته، وكانت ترتسم على وجه هذا الرجل ابتسامة لا مثيل لها، كان جذلاً للغاية، يفيض حبوراً، ومنفتحاً على الحياة، ومستعداً للقاء يوم عمل جيّد.
ابتسامته تذكّر نوعاً ما بالشيخ، ذلك الملك العجوز الغريب، الذي كان قد تعرّف عليه.
- هذا لا يصنع الحلوى، لأنه يريد السفر، أو الزواج من ابنة تاجر، كلاّ إنه يصنع السكاكر لأنه يحب هذه المهنة ـ فكّر الشاب ـ ثم لاحظ أنه كان قادراً على فعل ما يفعله الشيخ، وهو معرفة إن كان المرء قريباً أو بعيداً عن أسطورته الشخصية.
- هذا سهل مع أنني لم أكن قد تبيّنت ذلك أبداً.
عندما فرغا من تركيب البراكة، قدّم له الرجل ما أعدّ من الحلوى، فأكلها بسرور كبير، ثم شكره وانطلق في طريقه، وبعد أن ابتعد قليلاً عنه رواده التفكير بأن البراكة قد نصبت من قبل شخصين اثنين، أحدهما يتكلّم العربية، والآخر الأسبانية، ومع ذلك كانا متفاهمين.
- توجد لغة فيما وراء الكلمات ـ حدّث نفسه ـ لقد حصلت على هذه الخبرة من قِبَل الأغنام وهاأنذا أتوصّل إلى ذلك مع البشر.
إنه يتعلّم أشياء جديدة ومتنوعة كان قد اختبرها من قبل، ومع ذلك فهي جديدة لأنها قد وجدت مصادفة عبر دربه دون أن يكون قد حسب لها حساباً، هذا لأنه اعتاد على مثل هذه الأشياء.
- لو أستطيع أن اتعلّم فك رموز هذه اللغة التي تتجاوز الكلمات لاستطعتُ فكّ رموز العالم.
- " كل شيء هو شيء واحد وفريد " ، هذا ماقاله الرجل العجوز.
قرر أن يجوب بكل هدوء شوارع " طنجة " الصغيرة، فبهذه الطريقة فقط سينجح بإدراك العلامات، وهذا يتطلّب دون شك قدراً كبيراً من الصبر، لكن الصبر هو الفضيلة الأولى التي يتعلّمها الراعي.
ومرة أخرى فهم كيف يطبّق عمليّاً، في هذا العالم الغريب، الدروس نفسها التي تعلّمها من أغنامه.
- " فكلّ شيء هو شيء واحد وفريد "، كان قد قال الرجل العجوز.

× × ×

رأى تاجر الزجاجيّات شروق الشمس، فأحس بالغم الذي كان يكابده عند مطلع كل صباح، فهو في المكان نفسه منذ مايقارب الثلاثين عاماً، وكان متجره يقع في قمّة طريق منحدرة، ومن النادر مرور زبون واحد من هناك، وقد فات الأوان على التاجر كي يغيّر مهنته، فكل ماكان قد تعلّمه عبر حياته كلّها هو بيع وشراء الزجاجيّات.
جاء وقت صار فيه متجره معروفاً من قِبل كثير من الناس.
تجار عرب، جيولوجيون فرنسيون وإنكليز، وجنودٌ ألمان، وكلّهم لديهم المال الوفير، في حين أن بيع الزجاج في ذلك الوقت كان يشكّل مغامرة كبيرة، وقد تخيّل كيف سيصبح رجلاً غنيّاً، وسيكون عنده تلك االنسوة الجميلات كلهنّ عندما يشيخ.
مضى الوقت بطيئاً، والمدينة على حالها، وازدهرت مدينة " سبتة " أكثر من " طنجة " وأخذت التجارة منحنى آخر، ولم يبق بعد زمن قليل إلا بعض المحلاّت القليلة في المرتفع، ولن يأتي من يتسلّق طريقاً منحدرة من أجل هذه المخازن التعيسة.
أما تاجر الأواني فلم يكن ليملك الخيار، فقد عاش الثلاثين عاماً من عمره في بيع وشراء الزجاجيّات، وصار الوقت متأخراً كي ينخرط باتجاه آخر.
طوال فترة الصباح، كان يراقب الرائحين والغادين القلائل في الطريق الصغيرة، وهذا ماكان يفعله منذ سنوات حتى صار يعرف عادات المارّة فرداً فرداً.
وقبل موعد الغداء بلحظات قليلة توقف شاب غريب أمام واجهة المتجر. كان يرتدي كسائر الناس، لكن تاجر الزجاجيّات اكتشف ببصيرته الثاقبه أنه لم يكن يملك المال.
وعلى الرغم من ذلك، فقد قرر أن يعود إلى متجره وينتظر بضع دقائق حتى ينصرف الشاب.

× × ×

على باب المتجر، كانت قد علقت يافطة تشير إلى أن صاحبه يجيد التكلّم بعدة لغات. لمح الشاب أحدهم يظهر خلف طاولة مبسط السلع، فقال له:
- إنني أستطيع تنظيف هذه المزهريات، ففي هذه الحالة التي هي عليها، فإن أحداً لن يشتريها، هذا إن أردت ذلك.
نظر التاجر دون أن ينبس ببنت شفة.
- بالمقابل، فإنك سوف تعطيني شيئاً آكله، اتفقنا؟
بقي الرجل صامتاً، وفهم الشاب أن عليه أن يتّخذ قراراً. كان معطفه في جعبته، ولم يكن بحاجة إليه في الصحراء، تناوله وأخذ ينظّف به الأواني الزوجاجية، وبعد نصف ساعة كان قد نظّف ماكان يوجد في الواجهة بينما دخل زبونان واشتريا عدداً منها، وعندما فرغ من تنظيفها كلّها، طلب من صاحبها أن يعطيه شيئاً يسد به رمقه.
- هيّا نتغدَّ ـ قال تاجر الزجاجيّات.
علّق لوحة على الباب، وذهبا إلى مقهى صغير في أعلى المرتفع، وبينما كانا جالسين على الطاولة الوحيدة هناك، قال بائع الزجاجيّات مبتسماً:

- لم يكن هناك أي داعٍ لتنظيف أي من الزجاجيّات، فالشرع القرآني يرغم على إطعام الجائع كائناً من كان هذا الجائع.
- لكن لماذا تركتني أقوم بهذا العمل؟
- لأن الزجاجيّات كانت متّسخة، وأنت مثلي، كلانا بحاجة لتطهير رأسه من الأفكر السيئة.
عندما فرغا من الطعام، التفت التاجر نحو الشاب:
- أريدك أن تعمل في متجري، فقد دخل اليوم زبونان بينما كنتَ تنظّف الزجاجيّات، إن في ذلك لعلامة حسنة.
- يتكّلم الناس كثيراً عن العلامات ـ فكّر الراعي ـ لكنّهم على الأصح لا يعلمون عمّ يتكلّمون، مثلهم مثلي، أنا الذي لم أكن قد لاحظت أنه طيلة كثير من السنين كنت أتكلّم مع أغنامي لغة دون كلمات.
- هل تريد أن تعمل لدي؟ ألح تاجر الزجاجيّات.
- أستطيع أن أعمل طيلة الوقت المتبقي من اليوم ـ أجاب الشاب ـ سأنظّف حتى طلوع الفجر الزجاجيّات كلّها، بالمقابل يلزمني بعض المال كي أكون غداً في مصر.
فجأة أخذ التاجر بالضحك وقال:
- لو نظّفت زجاجيّاتي طيلة عام بأكمله، أو كسبت عمولة جيّدة لقاء بيع أي قطعة منها، سيلزمك اقتراض المال الكثير كي تذهب حتى مصر، فآلاف الكيلومترات الصحراوية تفصل " طنجة " عن أهرامات مصر.
عندها خيّم فاصل من الصمت، وفجأة بدت معه المدينة غافية، فما عاد يُلمح فيها أي نشاط، وانتهت محادثات التجار فيما بينهم، وآذان الرجال الذين كانوا يصعدون إلى المئذنة قد توقف، ولم يقد يرى تلك السيوف الجميلة ذات المقابض المرصّعة.
لا رجاء، لا مغامرة، لا ملوك كبار لا أساطير شخصيّة، لا كنز ، لا أهرامات بعد الآن، كان يشعر كم لو أن العالم بأسره قد صار أخرس، لأن روحه قد غُلِّفت بالصمت.
لم يبقَ هناك ألم، أو عذاب، أو إخفاق، بكل بساطة لم يكن يملك إلا نظرة جوفاء تعبر باب الحانة ورغبة عارمة في الموت لدى رؤيته كل شيء ينتهي في هذه اللحظة وإلى الأبد.
نظر إليه ذلك التاجر محتاراً، فذلك السرور الذي كان قد لمحه على وجهه في ذاك الصباح قد اختفى فجأة.
- أستطيع أن أعطيك المال كي ترجع إلى بلادك يا بني ـ قال تاجر الزجاجيّات، لكن الشاب بقي صامتاً، ثم نهض، أصلح ثيابه، ولملم جعبته.
- سأعمل عندك ـ قال، ثم أضاف بعد فترة أخرى من الصمت.
- يلزمني المال لشراء بعض الأغنام .


× × ×

 


:: الجزء الثاني ::


لم يكن قد مضى أكثر من شهر على عمل الشاب عند بائع الزجاجيّات، لكن هذا العمل لم يكن هو الذي يطمح إليه حقاً، فالتاجر لم يكن يكفّ عن التذمر طوال النهار، آمراً إيّاه من وراء طاولته بأن ينتبه على الدوام إلى الحاجات المعروضة خشية أن ينكسر منها شيء، ولكنه بقي، فعلى الرغم من أن التاجر كان متذمّراً، فهو على الأقل لم يكن ظالماً، فقد كان يتلقّى منه عمولة لابأس بها لقاء كل قطعة تُباع، وقد استطاع حتى الآن ادخار بعض المال، وبعد أن قام بحساباته هذا الصباح، ألفى أنه لو عمل طوال اليوم، وبنفس هذه الشروط للزمه عام كامل كي يستطيع شراء بعض الأغنام.
- إنني أود ولو أقوم بعرض الزجاجيّات خارج المخزن، سيكون من المستطاع وضع رف في الخارج، إنه سيجذب المارّة من هناك في أسفل الجبل.
- لم يسبق لي أن فعلتُ شيئاً مماثلاً ـ أجاب التاجر ـ رفّ ! إن الناس ستصطدم به في الممر، والزجاج سوف يتهشّم.
- عندما كنتُ اطوف بأغنامي في القرى، فقد كان من الممكن أن يتعرّض بعضها للدغة أفعى، وتذهب ضحيّة ذلك، هذا الخطر يشكّل جزءاً من حياة الأغنام والرعاة.
راح التاجر يلبّي طلبات أحد الزبائن، لقد باع الآن ثلاث مزهريات من الكريستال، فقد نشط البيع أكثر من أي وقت مضى، وكأن العالم قد عاد إلى ماكان عليه عندما كانت الطريق المؤديّة إليهم واحدة من أهم الطرق التي تجذب الزبائن في " طنجة ".
- أصبح المارّة يتزايدون أكثر فأكثر ـ قال التاجر لمستخدمه عندما انصرف الزبون ـ وإن مانكسه الآن يمكن أن يؤمّن لي معيشة أفضل، ويمكن أن يسمح لك بشراء أغنامك في وقتٍ وجيز، ماذا نريد من الحياة أكثر من هذا؟
- هذا لأنه يتوجد علينا أن نقتفي العلامات ـ أجاب الشاب دون تفكير ـ لكنّه تأسف لأنه تكلّم هكذا، فالتاجر لم يكن قد مُنّي أبداً بفرصة لقاء ملك.
- هذا هو ماداعه الشيخ " المبدأ المناسب " أو " حظ المبتدئين "، لأن الحياة تريد للإنسان أن يحيا أسطورته الشخصية.
على كل حال، فهم التاجر جيداً عم كان يتحدثه مستخدمه، فحضور هذا الأخير يمثّل بحد ذاته علامة، وعلى مر الأيام وبازدياد المال الذي صار يكسبه بعد مجيئه لم يعد نادماً على استئجار هذا الشاب الأسباني، غير أن أجر هذا الأخير كان أكثر من العادي، وبما أنه كان يعتقد بأن البيع سيسر أيضاً نحو الأفضل، فإنه قد دفع للشاب مايستحقه كعمولة. لكن حدسه كان ينبئه أن الشاب سيعود عمّا قريب إلى أغنامه، سأله كي يغيّر الحديث بخصوص عرض البضائع:
- لماذا كنتَ تريد الذهاب لرؤية الأهرامات؟
- لأنهم تحدّثوا لي كثيراُ عنها ـ أجاب الشاب متحاشياً الكلام عن حلمه.
فالكنز صار الآن مسألة ذكرى مؤلمة باستمرار، وكان يحاول أن يمنع نفسه من التفكير به بعد.


قال التاجر:
- إنني ماعرفت أحداً هنا أراد اجتياز الصحراء فقط كي يرى الأهرامات، فهي ليست إلا كومة من الحصى، حتى أنك لتستطيع أنت أن تبني لنفسك هرماً في حديقتك.
- إنك لم تحلم إطلاقاً بالسفر ـ قال الشاب وهو يمضي ليلبي طلب زبون آخر آتى لتوّه إلى المخزن.
وفي اليوم الثالث، عاد الشاب إلى التحدّث مع معلّمه عن رف البضائع، قال:
- أنا لا أحب التغيير كثيراً، فأنتَ وأنا لسنا من " حسان "، ذلك التاجر الغني الذي لن يتأثر أبداً في حال خسارته بصفقة، أما نحن الإثنين، فسوف يتوجب علينا أن نتحمّل تبعة أخطائنا.
- هذا صحيح ـ أجاب الشاب.
سأل التاجر:
- لماذا تصرّ كثيراً على رفّ العرض هذا؟
- أريد العودة بسرعة إلى أغنامي، وعندما تهب رياحنا فعلينا أن نغتنمها، وأن نعمل مابوسعنا كي يحالفنا مايسمونه بـ " المبدأ المناسب " أو " حظ المبتدئ " .
بقي التاجر صامتاً للحظة ثم قال:
- منحنا النبي القرآن، الذي فرض علينا خمسة فروض فقط، علينا مراعاتها في حياتنا، الأكثر أهميّة منها هو ذا: وحدانية الإلة، والفروض الأخرى هي: الصلاة خسمة أوقات في اليوم، صيام رمضان، وواجب الزكان لمساعدة الفقراء، صمت بينما كانت عيناه مغرورقتين بالدموع وهو يتحدّث عن النبي. كان رجلاً ورعاً للغاية، وحتى لو كان يبدو غالباً لجوجاً ونافذ الصبر، فإنه يجهد للعيش منسجماً مع الشرع الإسلامي.
- وماهو الفرض الخامس ؟ ـ سأل الشاب
- منذ يومين سألتني إن لم أكن قد حلمتُ إطلاقاً بأحلام السفر. الفرض الخامس هو أن يقوم كل مسلم مؤمن بالسفر. فأنه يتوجب علينا أن نقوم خلال عمرنا برحلة واحدة على الأقل إلى مدينة "مكة المكرّمة". فـ " مكّة " أيضاً هي مدينة تبعد عنا أكثر من الأهرامات. وعندما كنت فتيّاً فضّلت أن أستثمر القليل نم المال الذي كنت أملكه في شق طريقي في هذه التجارة، على أمل أن أصبح غنيّاً، وأملك المال، لكنني لم أكن لأستطيع أن أعهد لأحد بعناية الزجاجيّات، لأنها أشياء حساسة، حينذاك كنت أرى مجموعات من الناس يمرّون على مخزني، في طريقهم إلى " مكة " ، كان من بينهم حجاج أثرياء يرافقهم موكب من الخدم، وجمال لكن معظمهم كان أكثر فقراً مني. كلّهم كانوا يذهبون ويعودون سعداء، وكانوا يضعون على أبواب مساكنهم رموز قيامهم بالحج، وأحد أولئك الحجيج كان حذّاءً، وكان يعيش من خلال إصلاح أحذية هذا وذاك، وقد أخبرني أنه قد مشى عاماً بكامله في الصحراء، ولكنّه كان يشعر بالتعب أكثر عندما كان يتوجّب عليه المرور على منازل كثيرة في " طنجة " لشراء الجلد.
سأل الشاب:
- لماذا لاتذهب الآن إلى مكّة ؟

- لأن مكة تجعلني اتمسّك بالحياة، وهي التي تمنحني القوة لتحمّل هذه الأيام الرتيبة، وهذه المزهريات المنضدة على الرفوف، والغداء والعشاء في هذا المطعم البائس، وأخشى أن أحقق حلمي، ثم أفقد كل رغبة بأن أبقى حيّاً. أما أنت ... فإنك تحلم بالأغنام، وبالاهرامات، أنت لست مثلي لأنك تريد تحقيق أحلامك، أما أنا فكل ما أريده هو أن أحلم بـ " مكة "، لقد تخيّلت من قبل آلاف المرات، عبور الصحراء ووصولي إلى الساحة التي يوجد بها الحجر المقدّس، والدورات السبع التي عليّ ان أتمّها قبل أن أستطيع لمسه، وتخيّلت من سيكون بجانبي أو أمامي، من الأقاويل والدعوات التي سنقولها ونتبادلها معاً. لكنني أخشى ألا يكون ذلك سوى خيبة كبيرة، ولهذا أفضّل أن أكتفي بالحلم.
وفي ذلك اليوم سمح التاجر للشاب بإنشاء رف عرض البضائع، فليس بنفس الطريقة يعيش الناس كلّهم أحلامهم.


× × ×

مرّ شهران، وصار رفّ البضائع يجذب إلى المتجر عدداً كبيراً من الزبائن، الأمر الذي جعل الشاب يحسب أنه سيستطيع خلال أشهر ستة العودة إلى أسبانية وشراء ستين غنمة، فبأقل من عام سيستطيع مضاعفة قطيعه، وأن يتاجر مع العرب لأنه نجح في تعلّم هذه اللغة الغريبة.
منذ هذا الصباح المشهود على أرض ساحة السوق، لم يعد يستخدم أبداً أوريم وتوميم، لأن مصر قد أصبحت بالنسبة له حلماً بعيد المنال، حلماً يبعد عنه كما تبعد مكّة عن بائع الزجاجيّات، على كل حال صار مقتنعاًَ بعمله الآن، ولم يكن يتوقف عن التفكير باليوم الذي سيرسو فيه كمنتصر في "طريفه".
- تذكّر دائماً أن تعرف ماتريد ـ هكذا كان قد قال الملك العجوز، والشاب كان يعرف مايريد أن يعمل في هذا الصدد.
فمن الممكن أن يكون كنزه هو أن يأتي إلى هذه الأرض الغريبة، وأن يلتقي بسارق، وأن يضاعب أغنامه مرتين دون أن ينفق قرشاً واحداً.
كان فخوراً بنفسه، لأنه تعلّم أشياء هامّة كتجارة الأواني الزجاجيّة، لغة دون كلمات، وتفسير العلامات.
في عصر ذات اليوم، رأي رجلاً في أعلى المرتبفع، كان هذا الرجل يشكو لأنه لم يستطع أن يجد مكاناً مناسباً يشرب فيه شيئاً مابعد كل هذا العناء، من تسلّق المنحدر.
كان الشاب يعرف الآن لغة العلامات فراح يبحث عن معلّمه ليكلّمه قائلاً:
- علينا أن نقدّم الشاي للناس الذين يتسلّقون المنحدر.
أجاب التاجر:
- يوجد هنا الكثر من الأماكن التي يمكن أن يُشرب فيها الشاي.
- سيكون بإمكاننا تقديم الشاي إلى الزبائن في أقداح من الكريستال، بهذه الطريقة سيُعجبون بالشاي، وسيبتاعون الأواني الزجاجية لأن أكثر مايفتن الناس هو الجمال.
أخذ التاجر يطلب رأي مستخدمه دون أن يجيب بشيء لكن في ذلك المساء بالذات، وبعد أن أدى صواته، وأغلق مخزنه، جلس على الرصيف، ثم دعاه إلى تدخين النرجيلة، هذا الغليون الغريب الذي يدخّنه العرب !
- وراء أي شيءٍ أنت تجري؟ سأل تاجر الزجاج العجوز.
- كنت قد أخبرتك أنني بحاجة إلى تعويض أغنامي، ومن أجل هذا يلزمني المال.
وضع الرجل جمرات جديدة في النرجيلة وأخذ نفَساً طويلاً.
- ثلاثون عاماً مرّت على إدارتي هذا المخزن، فإنا أعرف الرجاج الجيّد من الرديء، واعرف بعمق خصوصيات هذه التجارة كلّها، فأنا معتاد على مخزني، وعلى حجمه، وعلى زبائني، ولو شرعت في بيع الشاي بأقداح من الكريستال، فإن القضيّة ستزداد أهميّة أكثر فأكثر، وسيتوجب علي أن أغير طريقتي في الحياة.
- ألن يكون في هذا شيء حسن ؟
- أنا معتاد على نمط حياتي، فقبل مجيئك كنت أفكر بأنني قد أضعت وقتي بالمكان نفسه، بينما أصدقائي كلهم، على العكس، قد غيّروا أعمالهم، فبعضهم خسر، وبعضهم من ازدهر عمله، وهذا ماجعلني أغرق في الغم، وأنا أعرف أن الأمر لم يكن فعلاً هكذا،
- فقد أصبح مخزني بالمستوى الذي كنت أتمناه دائماً، ولا أريد التغيير لأنني لا أعرف كيف أتغير، وقد أصبحتُ منسجماً مع نفسي.
لم يكن الشاب يعرف مايقول، عندئذٍ أردف العجوز:
- لقد كنتَ بالنسبة لي بركة وها أنذا اليوم أفهم شيئاً: أن أية نعمة تُرفض يمكن أن تنلقب إلى نقمة، فأنا لا أنتظر بعد شيئاً من الحياة، وأنت، أنت تجبرني على استشفاف ثروات، وآفاق لم تخطر على بالي، وقد عرفتها الآن، وعرفت إمكانياتي اللامحدودة، وسأتألم كثيراً لأنني لم أكن هكذا من قبل، لأنني أدرك الآن إنني أستطيع امتلاك كل شيء، لكنني لا أريد ذلك.
- لحسن الحظ أنني لم أكن قد قلت شيئاً لبائع البوشار ـ قال الشاب في نفسه.
تابع الإثنان تدخين النرجيلة والتحدث باللغة العربية، بيمكا كانت الشمس تميل للغروب...
كان الشاب مسروراً لأنه يتكلم العربيو فمنذ عهد بعيد اعتقد أن نعاجه تستطيع تعليمه كل شيء، لكنها كانت عاجزة عن تعليمه اللغة العربية.
- هناك أشياء أخرى في العالم لا تُحسن النعاج تعليمها للإنسان، فكّر وهو ينظر للتاجر دون أن يقول شيئاً، هذا لأنها لاتبحث عن أي شيء آخر غير الماء والكلأ، أظن أنها ليست هي التي تعلم، وإنما انا من يتعلم.
- " مكتوب " ـ قال التاجر أخيراً.
- ماذا يعني هذا؟
- كان يجب أن تولد عربياً كي تفهم ذلك، لكن يمكن أن تكون الترجمة شيء من هذا القبيل: " هو شيء قد كُتب علينا"، وبينما كان يُطفي جمرات النرجيلة قال للشاب إنه يستطيع أن يقدّم للزبائن الشاء في أقداح من الزجاج،

في بعض الأحيان، يستحيل على المرء أن يسيطر على مجرى الحياة.


× × ×

 

صار الناس يتسلّقون الطريق المنحدرة، وكانوا يشعرون بالتعب لدى وصولهم أعلاها.
في علية ذلك المنحدة كان هناك متجر للزجاجيّات الجميلة، وشاء بالنعناع يُشرب كمرطب لذيذ، كان الناس يدخلون لتناول الشاس الذي يقدّم لهم في كؤوس زجاجيّة رائعة.
- لم تخطر ببال زوجتي إطلاقاً هذه الفكرة ـ قال رجل وقد اشترى بضع أكواب زجاجية، فقد كان لديه زوار في ذلك المساء، وسوف يُفتنون بروعة هذه الأكواب، زبون آخر أكّد من جهته أن الشاي سيكون أفضل عندما يُقدّم بكؤوس زجاجيّة، فهي تحافظ على طيب نكهته، فشرب الشاي بكؤوس زجاجيّة واحد من تقاليد الشرق بسبب مغرياته السحرية.
وفي وقت قصير انتشر الحبر بين الناس، وبدأ الكثير منهم يتقصّدون الصعود حتى قمة المنحدر، ليتعرّفوا على المتجدر الذي دشّن هذا التجديد لتجارة مندثرة، وافتتحت متاجر آخرى تقدّم الشاي في كؤوس من الزجاج، لكن موقعها لم يكن في عالية طريق منحدرة، الأمر الذي لم يجلب لها الزبائن بسرعة كبيرة واضطرّ التاجر إلى تشغيل عاملين جديدين، وقد توجب عليه أن يستورد بالاضافة إلى الزجاجيّات كميّات كبيرة من الشاي كي تفي بحاجة الاستهلاك المتزايد يوماً إثر يوم، من قِبل الناس والرجال المتعطّشين للأشياء الجديدة.

وهكذا مرّت أشهر ستة .


× × ×


أفاق الشاب قبل طلوع السمي، أحد عشر شهراً وتسعة أيام قد مرّت عليه منذ أن وطئت قدميه إفريقية للمرة الأولى.
لبس البدلة العربية المصنوعة من الكتّان الأبيض، لقد اشتراها خصيصاً من أجل هذا اليوم. غطّى رأسه بعمامة مثبتاً إيّاها بعقال مصنوع من جلد الجمل، وأخيراً انتعل صندلاً جديداً، ونزل بهدوء.
كانت المدينة ماتزال غافية، تزوّد بفطور خفيف مكوّن من خبز وسمسم، وشرب الشاي الساخن في كأن زجاجيّة، ثم جلس على عتبة المخزن وأخذ يدخّن النرجيلة وحده.
دخّن بصمت، دون أن يفكّر بشيء، دون أن يسمع إلا وشوشة الريح المستمرّة التي كانت تصفر حاملة معها رائحة الصحراء، ثم عندما انهى تناول الشاي، وضع يده داخل واحدة من جيوبه، وظلّ للحظات يتأمل ماكان قد سحبه منها، إنه مبلغٌ جيّد من المال يمكن أن يشتري له مائة وعشرين غنمة، مع بطاقة عودته ورخصة استيراد وتصدير من بلده والبلد الذي يقيم فيه في الوقت الحاضر.
انتظر بفارغ الصبر استيقاظ التاجر العجوز من نومه، قم جاء لفتح المخزن. وهكذا سيتناولا الشاي سويّة هذا الصباح.
- في هذا اليوم سأنصرف ـ قال الشاب ـ فقد صار لدي المال اللازم لشراء أغنامي، وأنت أيضاً لديك مايكفي كي تذهب إلى مكّة.
لم يقل التاجر العجوز شيئاً.
- أطلب مباركتك ـ ألحّ الشاب ـ ساعدتني كثيراً.
تابع العجوز تحضير الشاي بصمت، وبعد لأي استدار نحو الشاب وقال:

- أنا فخور بك، لقد أنعشت مخزني، ولكنني لن أذهب إلى مكن، أنت تعرف ذلك جيّداً مثلما أنت على يقين بأنك لن تشتري الأغنام أبداً.
- من قال لك هذا؟ سأل الشاب مندهشاً.
أجاب تاجر الزجاجيّات العجوز بكل بساطة:
- " مكتوب " ، ثم باركه.


× × ×


ذهب الشاب إلى غرفته، وجمع متاعه الذي ملأ ثلاثة أكياس، ولحظة الرحيل تماماً انتبه إلى جعبته العتيقة، جعبته كراعٍ، التي كانت ماتزال في إحدى زوايا الغرفة، وهي في حالة يرثى لها، لقد تناسى تماماً وجودها، وفي داخلها يوجد كتابه القديم، ومعطفه، والذي عندما سحبه منها، فكّر أن يقدمّه كهديّة لأول ولد يلتقيه في طريه، ثم تدحرجن الحجران أرضاً " أوريم وتوميم " فتذكّر عندئذٍ الملك العجوز، وقد اندهش تماماً لدى إدراكه أن زمناً طويلاً قد مرّ دون أن يفكّر في لقائه معه، فانصرافه كليّاً إلى العمل دون انقطاع لكسب المال الذي يجنّبه العودة ذليلاً، خافض الرأي إلى أسبانية، هذا الشعور سيطر عليه ومنعه من تذكّر ذلك.
- " لاتتراجع عن أحلامك، وكن متيقّظاً إلى العلامات " ـ كان قد قال له العجوز.
التقط أوريم وتوميم من على الأرض، وقد تملّكه من جديد إحساس غريب بأن الملك على مقربة منه، وأنه قد عمل بشكل شاق طيلة سنة، وهاهي العلامات تشير إلى أن لحظة الانطلاق قد بدأت.
- سألفي نفسي على ماكانت عليه تماماً ـ فكّر ـ فالنعاج لم تعلمّني أبداً أن أتحدّث العربيّة.
ومع ذلك فقد علّمته شيئاً مهماً آخر، وهو أن هناك لغة ما في العالم يفهمها الجميع، وقد استخدمها هو طيلة ذلك الوقت كي يعمل على الارتقاء بالمتجر، إنها لغة الحماي، أشياء يقوم بها المرء بحب وولع كي يحصل على نتيجة يأملها أو يؤمن بها، لم تعد " طنجة " بالنسبة إليه مدينة غريبة، فقد توّلد لديه شعور بأنه مثلما استطاع اكتشاف هذا المكان، فإنه بالمثل يستطيع اكتشاف العالم.
- عندما تبتغي شيئاً بالفعل، فإن العالم بأسره يسعى ليسمح لك تحقيق مبتغاك، كان قد قال الملك العجوز.
لكن الملك العجوز لم يتكلّم عن لصوص الصحراء الشاسعة، ولا عن الناس، الذين يعرفون أحلامهم ولا يريدون تحقيقها، الملك العجوز لم يتحدّث عن الاهرامات على أنها كومة من الحصى، وقد نسي أن يقول أيضاً أنه عند امتلاك المال لشراء قطيع أكبر من ذلك الذي كنت تملكه من قبل فلا تتردد بشرائه.
التقط الجعبة، وتناولها مع بقية الأمتعة الأخرى ونزل السلّم. كان التاجر العجوز يلبّي طلبات زوجين أجنبيين، بينما زبائن أخرون يتناولون الشاي في المخزن في أقداح من الزجاج. بالنسبة لهذه الساعة من الصباح، كانت بداية جيّدة لنهار جديد.
ومن المكان الذي نظر فيه للتاجر، لاحظ للمرة الأولى أن شعره كشعر الملك العجوز. ثم تذكّر ابتسامة بائع السكاكر أول يوم أفاق فيه " طنجة " حيث لم يكن لديه أية فكرة أين يذهب، ولم يكن لديه مايؤكل، فقط تلك الابتسامة التي استدعت في خاطره ذكرى الملك العجوز.
- إنه قد مرّ من هنا وترك بصمة ـ فكّر الشاب، ربما كا واحد من هؤلاء الأشخاص سنحت له فرصة التعرف على الملك في لحظة أو أخرى من حياته، لقد قال في الحقيقة أنه يظهر دائماً لمن يعيش أسطورته الشخصية.
رحل دون أن يودع تاجر الزجاجيّات فهو لايريد أن يبكي: كان بالامكان رؤيته في هذا الوضع، لكنه سيتحسّر على تلك الحقبة وعلى كل الأشياء الحسنة التي تعلّمها.
وازدادت ثقته بنفسه وأحس برغبة عارمة في اكتشاف العالم.
- لكنني ذاهب باتجاه الريف الذي أعرفه جيّداً من قبل لأرعى أغنامي من جديد.
لم يعد مقتنعاً بقراره، إذ أنه عمل سنة بكاملها من أجل تحقيق حلم، صار مع مرور الوقت يفقد أهميّته شيئاً فشيئاً، ربما لأنه لم يكن في المحصّلة حلمه.
- من يعلم؟ في نهاية الأمر، أليس من الأفضل أن نكون كتاجر الزجاجيّات الذي قرر عدم السفر مطلقاً إلى مكة والعيش مع رغبة السفر إليها؟ لكنه تناول "أوريم وتوميم"، هاتان الحجران اللتان كانتا تمدّانه بقوة وإرادة ذلك الملك العجوز، ولعلّه بفعل مصادفة أو علامه ـ حدّث نفسه، فإنه دخل المقهى الذي دخله في اليوم الأول، سارقه لم يكن هناك، أما صاحب المقهى، فقد أحضر إليه كوباً من الشاي.
- بمقدوري دائماً أن أعود راعياً ـ حدّث نفسه ، فقد تعلّمت العناية بالاغنام، وهذا مالا أنساه أبداً، لكن ربما، لن تتوفر لي بعد فرصة أخرى للذهاب إلى أهرامات مصر، فالرجل العجوز كان يمتلك على قلادة من ذهب، وكان يعرف قصتي، إنه ملك حقيقي، ملك عالِم.
فهو على بعد أقل من ساعتي سفر بالقارب من سهول الأندلس، لكن بينه وبين الاهرامات هناك صحراء شاسعة.
لقد فهم أنه يمكن أيضاً تصوّر الموقف كما يلي: أنه الآن على بعد ساعتين من كنزه، لكن حتى هذه المسافة التي لا تستغرق أكثر من ساعتين من السفر قد كلّفته تكريس سنة كاملة من العمل.
- إنني أعرف جيداً لماذا أريد العودة إلى اغنامي، لأنني أعرف أنها لا تتطلب كثيراً من العمل، وأن المرء يستطيع أن يحبها، لكن لا أعرف إن كانت يمكن للصحراء أن تُحب، علماً بأن الصحراء هي التي تحتوي على كنزي، وإذا لم أستطع إيجاده فبإمكاني الرجوع إلى بلدي، ومع ذلك فإن الحياة قد أعطتني فجأة المال الكافي، ولدي كل الوقت الذي أحتاجه، فلماذا أحجم إذن؟
في هذه اللحظة عاوده شعور عارم بالغبطة، فهو يستطيع أن يعود راعياً، ويستطيع أن يعود بائع أوان زجاجيّة، وربما يخفي العالم كثيراً من الكنوز الأخرى، لكنّه حلم بحلم تكرر، والتقى ملكاً، وهذا لا يحصل لكل الناس.
كان مسروراً للغاية عندما خرج من المقهى، فقد تذكر أحد ممولي التاجر بالبضائع، والذي كان يحمل إليه أوانيه الزجاجية بواسطة القوافل التجارية العابرة للصحراء.
احتفظ بأوريم وتوميم بين يديه، فبسبب هاتين الحجرين هاهو يعود إلى الدرب التي تؤدي به إلى كنزه.
- إنني دائماً مع هؤلاء الذين يعيشون أسطورتهم الشخصية. كان قد قال الملك العجوز.
ولم يفته الذهاب حتى المرفأ، ليعلم إن كانت الأخرامات بعيدة فعلاً.

× × ×

كان الانكليزي جالساً في مدخل مبنى تصدر منه رائحة الدواب والعرف والغبار، وكأنه ليس بمرفأ وإنما حظيرة للماشية.
- أمضي جلّ هذه الأيام لأمرّ على مكان كهذا ـ حدّث الانكليزي نفسه وهو يتسلّى بتقليب مجلة كيميائة ـ عشر أعوام من الدراسة كي أنتهي إلى حظيرة ماشية !
كان عليه أن يتابع طريقه وأن يؤمن بالعلامات، فكل حياته ودراساته قد كرّست في البحث عن اللغة الفريدة، التي يتحدث بها الكون، في البداية كان قد اهتم بالاسبرانتو، ثم بالأديان، ولينتهي بالخيمياء، لقد أجاد التكلّم بلغة الاسبرانتو وانسجم تماماً مع مختلف الأديان، لكنّه لم يصبح خيميائياً بعد، وقد نجح دون شك بتحليل أشياء هامة، لكن أبحاثه وصلت إلى مرحلة لم يعد يستطيع تجاوزها.
حاول إقامة علاقة مع أحد الخيميائيين، لا على التعيين، فالخيميائيون شخصيات غريبة لا يفكّرون إلا بأنفسهم، ويمتنعون في أكثر الأحيان عن تقديم مساعدتهم، من يعلم إن كانوا لم يكتشفوا بعد سر الانجاز العظيم، وبعبارة أخرى، " حجر الفلاسفة " ، ولهذا السبب يتغلّقون على أنفسهم بصمت.
لقد أنفق جزءاً من الثروة التي تركها له والده باحثاً دون جدوى عن حجر الفلاسفة، وتردد على أكبر مكتبات العالم، واشتري أهم وأندر الكتب المتعلّقة بالخيمياء، ففي إحداها كان قد اكتشف أن خيميائياً عربياً زار أوروبا منذ سنوات عديدة، قيل أن عمره أكثر من مائتي عاماً وأنه اكتشف حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة. لقد أثّرت هذه القصة بالانكليزي كثيراً، وكان يمكن لهذه الرواية أن تبقى مجرّد أسطورة من بين سائر الأساطير الكثيرة، لولا أن واحداً من أصدقائه العائدين من رحلة أثرية في الصحراء كان قد حدّثه عن أعرابي يملك قدرات خارقة.
إنه يعيش في واحة " الفيّوم " ـ كان قد قال له ـ والناس يروون أن عمره مائتي عاماً، ويستطيع تحويل أي معدن إلى ذهب، عندها عرف الانكليزي الذي أثارته القصة انفعالاً بلا حدود، فألغى في الحل كافة التزاماته السابقة، وجمع أهم كتبه والآن هاهو ذا هنا في هذا المرفأ المشابه لحظيرة الماشية.
وفي هذه الأثناء كانت قافلة تجارية كبيرة على أهبة الاستعداد للانطلاق لاجتياز الصحراء. وكانت هذه القافلة ستمر في طريقها إلى الفيوم.
- لابد لي من أن ألتقي هذا الخيميائي اللعين ـ فكّر الإنكليزي.
وأصبحت رائحة الحيوانات محتملة بعض الشيء.
دخل شاب عربي يحمل أمتعته أيضاً إلى المبنى الذي يحل فيه الانكليزي وحيّاه.
- أين تذهب؟ سأل العربي.
أجاب الانكليزي:
- إلى الصحراء، وعاد إلى قراءته، لم تكن لديه الرغبة في المحادثة حينذاك، إذ كان بحاجة لمراجعة ماكان قد تعلّمه خلال تلك السنوات العشرة، لأن الخيميائي سيُخضعه بالتأكيد لنوع من الاختبار.
تناول الفتى العربي كتاباً أيضاً وأخذ يقرأ بدوره، لقد كتب الكتاب باللغة الأسبانية ـ ياللحظ ـ فكّر الانكليزي، فهو يجيد الأسبانية أكثر من العربية، وإن كان هذا الفتى سيذهب إلى الفيّوم، فسوف يتحدث معه عندما لاينهمك بأشياء ذات قيمة.


× × ×

- هذا مضحك، على أية حال ـ فكّر الشاب بينما كان يحاول قراءة مشاهد الدفن الذي بدأت به القصة.
سنتان مرتا على بداية قراءتي لهذا الكتاب، وحتى الآن لم أتوصل إلى تجاوز أكثر من بضع صفحات منه، لم يستطع التركيز، فهو مازال متردداً في القرار الذي عليه اتخاذه، لكنه يدرك الآن أن الأمر هاماً، وهو أن القرارات لاتمثّل إلا البداية، فعندما يتّخذ أي انسان قراراً فإنه ينجرف في الحقيقة ضمن تيار عنيف يحمله نحو مصير لم يكن قد استشفه مطلقاً. حتى في الحلم، في اللحظة التي اتخذ فيها القرار.
- عندما اخترت الرحيل بحثاً عن كنزي، فإنني لم أكن اتصور أبداً أنني سأعمل في متجر الزجاجيّات ـ فكّر في نفسه ليؤكد استنتاجه ـ وبالطريقة نفسها، فإنه يمكن لهذه القافة أن تنسجم مع قرار اتخذته، لكن مسيرتها ستبقى دائماً غامضة.
في قبالته، أوروبي يقرأ كتاباً أيضاً، إنه سمج، فقد نظر إليه باحتقار لدى دخلوه، كان من الممكن أن يكونا صديقين حميمين، لكن الأوروبي قطع الطريق في الحال، أغلق الشاب كتابه ولم يرد أن يتصرّف بأي شيء يبدو فيه مشابهاً لهذا الأوروبي، تناول من جيبه " أوريم وتوميم " وأخذ يلعب بالحجرين.
فجأة أطلق الغريب صرخة:
- أوريم وتوميم !
- وبأقصى سرعة أعاد الشاب الحجرين إلى جيبه.
- ليستا للبيع.
- إنهما لا تشكّلان شيئاً قيّماً ـ قال الانكليزي، إنما بلّورات صخرية ليس إلا، فهناك ملايين البلّورات الصخرية على الأرض، ولكن بالنسبة لها إنها أريم وتوميم، لم أكن أعرف أنهما موجودتان في هذه البقعة من العالم.
- لقد قدّمهما لي ملك كهدية ـ قال الشاب.
مكث الغريب مطرق الرأس ثم غرز يديه في جيبه وأخرج منها وهو يرتجف حجرين مماثلتين.
- لقد تحدثت عن ملك ؟!
- لكنك لا تعتقد بأن ملكاً يستطيع التحدث إلى راعٍ ـ أجاب الشاب راغباً هذه المرة أن يضع حداً للحديث.
- بالعكس تماماً، إن الرعاة أول من رد الاعتبار لملك رفض بقية الناس الاعتراف به، وليس من الغرابة أن يتحدث الملوك إلى الرعاة.
ثم أضاف خشية أن يستعصي الفهم على الراعي:
- لقد ورد هذا في التوراة، فهو الكتاب، الذي علمني كيف أصنع هاتين الحجرين، كانتا الأداة الوحيدة للتنبؤ الذي يبيحه الله، والأساقفة يحملونها ضمن قلادة ذهبية.
أحس الشاب بالسعادة لوجوده في هذا المكان.
- ربما في هذا علامة ـ قال الانكليزي، كما لو كان يفكّر بصوت عالٍ.
- من حدّثك عن العلامات؟ قال الشاب الذي كان اهتمامه يزداد شيئاً فشيئاً.
- كل شيء في الحياة علامة ـ قال الانكليزي الذي أغلق الآن المجلة التي يقرأهاـ لقد صنع الكون بلغة يستطيع العالم فهمها، لكن الأنسان نسيها، وأنا أبحث، من بين أشياء أخرى، عن هذه اللغة الكونية، ولهذا أنا هنا، عليّ أن ألتقي رجلاً يعرف هذه اللغة الكونية. إنه خيميائي.
لكن المحادثة قط قطعت من قِبل مسؤول المرفأ:
- ستنطلق قافلة الفيّوم بعد ظهر هذا اليوم.
- لكنني ذاهب إلى مصر ـ قال الشاب.
- الفيّوم في مصر ـ أجاب الرجل الضخم، وأنت تبدو لي كعربي غريب.
- إنني إسباني.
سرَّ الانكليزي بذلك، حتى لو ارتدى الشاب الزي العربي، فهو على الأقل أوروبي.
- إنه يسمى العلامات بالحظ ـ قال الانكليزي لدى خروج الآخر ـ ولو كنت استطيع لألّفت موسوعة ضخمة بخصوص كلمتي حظ ومصادفة، فبهاتين الكلمتين كتبت اللغة الكونية.
ثم تابعا الحديث، وقد قال له الانكليزي بأنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون التقاه وهو يمسك بأوريم وتوميم، وسأله إن كان هو أيضاً يمضي للبحث عن الخيميائي.
- انا أمضي للبحث عن كنز ـ اجاب الشاب، وقد ندم على ذلك حالاً .
لكن الأنكليزي لم يعلّق أية أهميّة على ماقاله الشاب لتوّه، ثم قال:
- بشكل أو بآخر أنا أيضاً.
- إنني لا أعرف ماتكون الخيمياء ـ أجاب الشاب في اللحظة التي ناداهما فيها رئيس المرفأ في الخارج.


× × ×


- أنا رئيس القافلة ـ قال رجل ذو لحية طويلة وعينين سوداوين ـ وإن حياة أو موت هؤلاء الذين أقودهم منوط بي، لأن الصحراء امرأة متقلّبة الأهواء، فهي تجعل الرجال مجانين أحياناً.
كانت القافلة تضم مايقارب المائتي شخصاً، وكثيراً من الحيوانات: جمالاً، خيولاً، بغالاً، وطيوراً. وإلى جانب الرجال الذين كان بعضهم يحمل سيفاً في حزامه، أو بندقية على كتفه كان هناك نسوة وأطفال، كان في حوزة الأنكليزي عدة حقائب سفر، مليئة بالكتبة، جلبة كبيرة كانت تهيمن على الساحة، وقد توجب على الرئيس أن يكرر خطابه عدة مرات كي يفهمه الجميع.
- يوجد هنا أنواع مختلفة من الناس، في قلوبهم مختلف أنواع الآلهة، أما أنا فإلهي الوحيد هو الله، وأقسم بالله أنني سأفعل مابوسعي، وسأبذل قصارى جهدي كي أقهر الصحراء ثانية، لكنني أريد أن يقسم كل منكم بالإله الذي يؤمن به من أعماق قلبه، بأن يمتثل لقيادتي في كل الظروف، لأن التمرّد في الصحراء يعني الموت.
ارتفع ضجيج يصمّ الآذان من الحشد الذي أخذ كل فرد من أفراده يقسم متخذاً إلهه شاهداً لقسمه.

أقسم الشاب بالسيد المسيح، أما الإنكليزي فقد احتفظ بصمته، وقد استمرت التمتمة وقتاً يتجاوز أداء القسم، فقد كان الناس يرجون عناية السماء أيضاً.
انطلق رنين بوق يؤذن بالانطلاق، وامتطى كل واحد سرج دابته. الإنكليزي والشاب كانا قد اشتريا جملين، وواجها صعوبة بارتقاء ظهري مطيتيهما، وقد عبّر الشاب عن شفقته على مطية الانكليزي المحمّلة بأكياس ثقيلة مليئة بالكتب.
- ليس هناك مصادفات ـ قال الانكليزي محاولاً متابعة المحادثة التي بدأت في المرفأ ـ إنه واحد من أصدقائي من دفعي إلى المجيء إلى هناك لأنه كان يعرف عربياً يـ ...
لكن القافلة انطلقت وصار من المستحيل أن يسمع ماكان يرويه، لكن الشاب فهم في الحال ماكان يرمي إليه، فهذه السلسلة الغامضة التي تربط شيئاً بآخر والتي قادته ليصبح راعياً، وأن يحلم مرات عديدة بالحلم نفسه، وإلى تواجده في مدينة قريبة من إفريقية، وأن يلتقي ملكاً في ساحة، وليُسرق، وليتعّرف على تاجر الزجاجيّات و ...
- كلّما اقتربنا من تحقيق أحلامنا ، أصبحت الأسطورة الشخصيّة دافعاً حقيقياً للحياة ـ استنتج الشاب محدّثاً نفسه.
اتّخذت القافلة في سيرها وجهة المشرق، فكانوا يجدّون في المسير في الصباح ويتوقفون للإستراحة عندما تصبح الشمس حارقة ، ثم يواصلون السفر عندما تبدأ بالانخفاض، لم يكن الشاب يتكلّم كثيراً مع الانكليزي، الذي كان يمضي معظم وقته غارقاً في كتبه.
بدأ يرقب بصمت مسير الحيوانات والناس عبر الصحراء، حيث صار كل شيء مختلفاً عما كان عليه يوم الانطلاق، ففي ذلك اليوم عمّت الفوضى، وعلا الصراخ، وبكاء الاطفال، وحمحمة الدواب، وفي وسط هذه المعمعة كان هناك أوامر الادلاء والتجار اللجوجة.
أما في الصحراء، فلم يكن هناك سوى الريح الأزليّة، والصمت الذي لا يبدده إلا وقع حوافر الدواب، حتى الأدلاء لم يتحدّثوا فيما بينهم إطلاقاً.
- لقد اجتزت مرات عديدة امتدادات من الرمال كهذه ـ قال أحد الجمّالة ذات مساء ـ لكن الصحراء واسعة والآفاق بعيدة بحيث يشعر الإنسان بأنه صغير جداً أمامها، ويُجبر على أن يلوذ بالصمت.
فهم الشاب ماكان يريد الجمّال قوله على الرغم من أنه لم يكن قد طرق الصحراء من قبل، ولكن في كل مرة كان ينظر فيها إلى البحر أو النار ، كان بمقدوره أن يقضي ساعات عديدة دون أن ينطق بكلمة، غارقاً في قلب البعد الهائل والقدرة العجيبة لهذه العناصر.
- لقد تتلمذت من معاشرة أغنامي، وتعلّمت وأنا أبيع الزجاجيّات، أستطيع أيضاً أن أتعلم من الصحراء، فهي تبدو لي أكثر شيخوخة وأكثر حكمة.
كانت الريح نفسها في " طريفه " عندما كان جالساً على الأسوار، ربما تداعب هذه الريح صوف نعاجه الآن، وهي تطوف أرياف الأندلس سعياً وراء الماء والكلأ.
- لم تعد أغنامي ـ قال لنفسه دون أن يشعر بحنين حقيقي إلى مسقط رأسه ـ ولعلّها تعودت على راعٍ آخر ونسيتني بالتأكيد، فالوضع أفضل فكذا، فمن اعتاد على الترحال، كالأغنام يعرف أنه لا بد أن يأتي وقت يكون فيه الرحيل أمراً لامفر منه.
تذكّر من ذلك ابنة التاجر، وشعر كأنه متأكد من انها قد تزوجت، ربما من بائع بوشار، أو من راع يجيد القراءة، يقص عليها عجائب الحكايات فهو ليس الوحيد الذي يستطيع أن يفعل ذلك، لكن هنا الاحساس الباطني ولّد عنده شيئاً من الاضطراب: هل كان يتعلّم بدوره هذه اللغة الكونية الشهيرة التي تعرف ماضي وحاضر الناس قاطبة؟ إنها هواجس ـ كانت أمه تقول ذلك باستمرار.
وقد بدأ يدرك أن هذه الأحاسيس عبارة عن غطسات سريعة للروح في التيار الكوني للحياة، والذي في رحمه تاريخ كل الناس مُتحِد بتاريخ واحد : بطريقة نتمكّن معها أن نعرف كل شيء، لأن كل شيء مكتوب.
- " مكتوب " ـ قال وهو يفكّر بتاجر الزجاجيّات.
كانت الصحراء من رمل ومن حجارة، فلمّا كانت القافلة تصل أما حجر كبير كانت تلف حولها، وإن كانت كتلة صخرية فإنها كانت ترسم لتجاوزها منعطفاً واسعاً، وعندما يكون الرمل ناعماً جداً بالنسبة لخف الجمال، فقد كانوا يبحثون عن ممر يكون فيه الرمل أكثر مقاومة، وأحياناً تكون الأرض مغطاة بالملح وذلك في موقع بحيرة قديمة، وعندما كانت الحيوانات تعاني من التعب، كان الجمّالة ينزلون الأحمال عن ظهورها ويساعدونها بحمل الامتعة على ظهورهم، وهكذا كانوا يعبون المرر الصعب، ثم يعيدون تلك الأمتعة من جديد إلى ظهور الدواب، وإذا مرض أو مات أحد الأدلاّء، فإنهم كانوا يقترعون ليختاروا بديلاً عنه.
لم يكن لكل هذا إلا سبب واحد: فقيام القافلة بكل هذه الأنعطافات لا يهم كثيراً ، طالما أن القافلة تيمم شطر هدف واحد.
وبعد أن تغلّبت على كل العقبات لمحت أماها النجم الذي كانت تهتدي به إلى الوجهة التي توجد فيها الواحة، وعندما رأى الناس أمامهم عند الفجر بريق هذا النجم في السماء أدركوا أنه يدلّهم على مكان فيه الماء والنساء والنخيل والتمر.
كان الانكليزي الشخص الوحيد الذي لم يلاحظ البتة شيئاً من كل هذا، لقد كان منهمكاً بقراءة كتبه.
والشاب أيضاً كان معه كتاب، وقد حاول قراءته منذ الأيام الأولى من السفر ولكنه وجد في مراقبة القافلة والاصغاء إلى الريح أمراً أهم من القراءة بكثير.
فمنذ أن تآلف مع جمله، وتعلّق به، ألقى كتابه، واستراح من عبئه، ومع ذلك فإنه في كل مرة كان يفتح فيها هذا الكتاب كان يتخيّل أنه سيلقى أحداً ذا أهميّة.
صداقة وثيقة قامت بينه وبين الجمّال الذي كان يتواجد باستمرار إلى جانبه، وعند استراحة المساء، أثناء السهرة حول النار، كان يروي له مغامراته عندما كان راعياً.
وخلال إحدى تلك المحادثات، أخذ الجمّال يحدّثه أيضاً عن حياته، وقال له:
- كنت أسكن في بلدةٍ قرب القاهرة، كان لدي بستاني، وأطفالي، وحياة من الممكن ألا تتغير حتى مماتي، وفي إحدى السنوات أعطى البستان محصولاً أفضل بكثير من المعتاد، فسافرنا جميعاً إلى مكة لأداء الفرض الوحيد الذي لم أكن قد أديته حتى ذلك الحين، فأحسست بعد ذلك بالطمأنينة والراحة، وباستعدادي للقاء الموت بسلام. وفي يوم من الأيام أخذت الأرض تهتز، وأخذ نهر النيل الفائض يخرج من مجراه، والذي كنت أعتقد أنه لن يحصل إلا للآخرين، حصل لي أيضاً، خاف جيراني من فقد بساتين الزيتون بسبب الفيضان، وخافت زوجتي أن ترى الأطفال يغرقون، وخفت أنا من رؤية ماقد جنيته طيلة عمري ينهار.
وبعد لحظة تابع:
- لم يكن في اليد حيلة، ولم يكن هناك مايمكن الحصول عليه من الأرض، فصرت مضطراً لإيجاد وسيلة أخرى للعيش، فها أنذا اليوم جمّال. لكنني تمكّنت أن استجيب لكلام الله، يجب على الانسان ألا يخاف من المجهول، لأن كل انساء قادر على اكتساب مايريد، وماهو ضروري له. فكل مانخشاه هو أن نخسر مانملك، سواء مايتعلّق بحياتنا أو بزروعنا، لكن هذا الخوف يتلاشي عندما نفهم ان صيرورتنا وصيرورة العالم قد خطّتها يد واحدة .


× × ×


كانت القوافل تتلاقى في محطة المساء، لدى كل واحدة مايلزم للأخرى، كم لو أن كل شيء كان فعلاً قد كتب بيد واحدة.
كان الجمّالة يتبادلون المعلومات عن العواصف الرملية، ويجتمعون حول المواقد ليسردوا حكايات الصحراء، وفي أوقات أخرى يزورهم رجال مثلثّمون، كانوا من البدو الذين يراقبون الطريق التي تسلكها القوافل، ويقدّمون المعلومات عن قطّاع الطرق أو عن القبائل المتمردة، يصلون بصمت، ويرحلون بصمت ملفحين بجلابياتهم ذات اللون القاتم، ومثلثّمين بطريقة لا تظهر منها إلا عيونهم.
وفي إحدى السهرات التي عقدت حول النار، انضم الجمّال إلى الشاب والانكليزي اللذين كانا يجلسان قرب النار، فقال الجمّال:
- تنتشر إشاعات بأن حرباً ستقوم بين القبائل.
ظل الرجال الثلاثة صامتين، لاحظ الشاب الأسباني أن نوعاً من الخوف الغامض يسري بينهم، علماً بأن أحداً منهم لم يتفوه بكلمة، لمرة أخرى ميّز لغة دون كلمات، إنها اللغة الكونية.
بعد فترة من الوقت سأل الانكليزي إن كان هناك ثمّة خطر.
أجاب الجمّال:
- إن من يتوغل في الصحراء لايستطيع العودة على اعقابه، وعندما لانستطيع الرجوع إلى الخلف، فلن يكون أمامنا سوى التفكير بالطريقة الأفضل للمضي إلى الأمام، والباقي على الله، بما في ذلك الخطر.
وختم قوله وهو يلفظ هذه الكلمة الغامضة : " مكتوب " !
- عليك أن تعطي انتباهك أكثر إلى القوافل ـ قال الشاب للانكليزي بعد رحيل الجمّال ـ فهي تلف وتدور كثيراً، لكنها تتوجه دائماً نحو النقطة نفسها.
- وأنت عليكَ أن تقرأ أكثر عن العالَم ـ علّق الانكليزي ـ فالكتب هي تماماً كالقوافل.
ذلك الرتل الكبير من الرجال والحيوانات، أخذ مذ ذلك الحين يتقدّم متسارعاً أكثر، لم يعد الصمت يخيّم في النهار وحسب، وإنما بدأ يحل شيئاً فشيئاً في المساء أيضاً، حتى في اللحظة التي اعتاد فيها الناس على الثرثرة وهم مجتمعون حول النار، كما أن رئيس القافلة قرر ذات يوم عدم إشعال النار ليلاً كي لايلفتوا الانتباه، صار المسافرون عندئذٍ ينامون ضمن حلقة مكوّنة من الحيوانات كي يحموا أنفسهم من برد الليل.
كذلك عيّن الرئيس خفراء مسلّحين لحماية المخيّم.
وفي إحدى الليالي، لم يستطع الانكليزي النوم، فذهب إلى الشاب الأسباني يثم تمشيا معاً بين الكثبان القريبة، كان القمر بدراً وروى الشاب للإنكليزي كل شيء عن حياته، بدا الانكليزي مهتماً بشكل خاص لما رواه الشاب عن فترة عمله في متجر الزجاجيّات الذي ازدهر يوماً عن يوم منذ أن بدأ الشاب يعمل به.
- هنا يكمن المبدأ الذي يؤثر في كل شي ـ قال ، هذا مايسمّونه في الخيمياء بـ " النفس الكليّة "، فعندما تمتلك الرغبة في شيء ما بكلّ جوارحنا نكون أكثر قرباً من النفس الكلّية، إنها لقوة إيجابيّة دائماً.
ثم قال أيضاً بأن هذا ليس من امتيازات البشر فقط: فكل ماهو موجود على سطح الأرض له روح أيضاً سواء كان معدناً ، او نباتاً ، أو حيواناً ، أو فكرة.
وكل ماهو موجود تحت أو فوق سطح الأرض لا يتوقف عن التحوّل، لأن الأرض كائن حي ولها روح، ونحن جزء من هذه الروح التي نادراً ماندرك أنها تعمل في مصلحتنا، وحتى في متجر الزجاجيّات عليك أن تعلم أن المزهريات نفسها كانت تتعاون لمساعدتك على النجاح.
احتفظ الشاب بالصمت لبعض الوقت متأملاً القمر والرمل الأبيض، ثم قال أخيراً :
- من خلال مراقبتي للقافلة التي كانت تسير عبر الصحراء، أدركت أنها هي والصحراء تتكلّمان اللغة نفسها، ولهذا السبب سمحت لها بعبورها، ولم تتوقف الصحراء عن مراقبة كل خطوة من خطواتها لتتحقق إن كانت على ائتلاف كامل معها، وإن كان الأمر كذلك، فإن القافلة ستصل حتى الواحة، ولو أن الواحد منا وعلى الرغم من الشجاعة التي يملكها، لم يفهم هذه اللغة لهلك من اليوم الأول.
ثم تابعا معاً مراقبة القمر الوضّاء.
- هذا هو سحر العلامات ـ أردف الشاب ـ لقد رأيت كيف يقرأ الأدلاّء علامات الصحراء، وكيف أن روح القافلة تتحاور مع روح الصحراء.
وبعد فترة وجيرة من الزمن جاء دور الانكليزي في الحديث، فقال:
- عليّ في الواقع أن أمنح القافلة انتباهاً أكثر.
فأردف الشاب:
- وأنا عليّ أن أقرأ كتبك.

× × ×


كانت كتباً غريبة فعلاً ، إذ أنها تتحدث عن الزئبق، عن الملح، عن التنبؤات، عن الملوك، لكنه لم يكن ليفهم منها شيئاً على الاطلاق، مع ذلك كانت هناك فكرة تُذكر دوماً في كل الكتب تقريباً، وهي أن الاشياء كلها ليست إلا تجليّات لشيء واحد وفريد.
واكتشف في أحد الكتب أن النص الأكثر أهمية هو عن الخيمياء ويشتمل على بضعة أسطر فقط، وكانت مكتوبة على زمرّدة بسيطة.
- هذا هو لوح الزمرّد ـ قال له الانكليزي بكل فخر، فقد استطاع أن يعلّم رفيقه شيئاً.
- ولكن لماذا هذا العدد الكبير من الكتب؟
- لكي أتمكّن من فهم هذه السطور القلائل ـ اجاب الانكليزي دون أن يكون هو نفسه مقتنعاً تماماً بهذا الجواب.
أما الكاتب الذي أثار اهتمام الشاب أكثر من بقيّة الكتب كلها، فقد كان يروي تاريخ مشاهير الخيميائيين، لقد كانوا رجالاً نذروا حياتهم كلها في تنقية المعادن في مختبراتهم. وكانوا يعتقدون بأنه لدى تسخين معدن ما لسنوات وسنوات، فإنه يتحرر من كل خواصه النوعيّة، فعندئذٍ لن يبقى في مكانه إلا النفس الكليّة، وهذا الشيء الفريد سيمكّن الكيميائيين من فهم كل مايوجد على الأرض، لأنه اللغة التي بفضلها كانت الأشياء تتواصل مع بعضها بعضاً، هذا هو الاكتشاف الذي سمّوه بـ
" الانجاز العظيم " والذي يتآلف من جزء سائل وجزء صلب.
سأل الشاب:
- ألا تكفي مراقبة البشر والعلامات لاكتشاف هذه اللغة؟
أجاب الانكليزي بانزعاج:
- لديك هوَس مفرط في تبسيط الأشياء، فالخيمياء عمل جاد ودؤوب، ومن المحتّم متابعة كل طور من السيرورة كما علّمها المعلّمون.
اكتشف الشاب أن الجزء السائل من الانجاز العظيم هو المادة التي كانت تدعى " إكسير الحياة المديد "، وهذا الإكسير لم يكن يشفي الأمراض فحسب، بل يحمي الخيميائي من الشيخوخة أيضاً. أما الجزء الصلب فهو ماكان يُدعى " حجر الفلاسفة " .
قال الانكليزي:
- ليس من السهل أبداً اكتشاف " حجر الفلاسفة "، فالخيميائيون كانوا يمضون سنوات عديدة في مختبراتهم لمراقبة النار التي تنقّي المعادن، وطوال مراقبتهم للنار، كانوا يتخلّصون من ضمائرهم شيئاً فشيئاً من كل أباطيل العالم، إلى أن لاحظوا ذات يوم أن تنقية المعادة كانت تطهّر نفوسهم أيضاً.
تذكّر الشاب حينذاك بائع الزجاجيّات الذي قال أن عليهما تنظيف أوانيهما الزجاجيّة لأنهما سيجدان نفسيهما أيضاً قد تخلّصا من الأفكار السيئة، ولقد اقتنع أكثر فأكثر بأنه يمكن تعلّم الخيمياء في الحياة اليومية أيضاً.
- بالإضافة إلى ذلك ـ تابع الانكليزي ـ فإن حجر الفلاسفة يمتلك خاصيّة خارقة للمألوف تماماً، فيكفي جزء صغير منها لتحويل كميّات كبيرة من معدنٍ بخس إلى ذهب.
انطلاقاً من هذا، فإن اهتمام الشاب بالخيمياء صار أكبر بكثير، فقد فكّر بأنه بقليل من الصبر سوف يستطيع تحويل كل شي إلى ذهب.
لقد قرأ سير الحياة لشخصيات مختلفة، كانوا قد وفقوا إلى ذلك، هيلفيتيوس، إيلي، فولكانولي، جابر، وكانت سيرهم جذّابة، فكلّهم عاشوا أساطيرهم الشخصية حتى النهاية، كانوا يسافرون، يتلقون العلماء ويصنعون المعجزات على مرأى من عيون المشككين، وكانوا يملكون حجر الفلاسفة وإكسير الحياة المديدة.
لكنه عندما كان يريد أن يتعلّم بدوره كيفية استخلاص هذا الانجاز العظيم، فقد كان يجد نفسه محتاراً، فلم يكن يجد في تلك الكتب إلا رسوماً، وتعليمات مرمّزة ونصوص غامضة.
- لماذا يستعملون لغة يصعب فهمها جداً ؟ سأل الانكليزي ذات مساء.
بالاضافة إلى ذلك لاحظ ـ وفي هذه المناسبة ـ أن الانكليزي لم يكن صافي المزاج، كما لو انه كان يفتقد كتبه.
- كي لايكون هذا مفهوماً إلا من قِبل هؤلاء القلّة الذين لديهم المسؤولية الكافية للقدرة على الفهم _ أجابه _ تصوّر لو أن كل الناس أخذوا يحوّلون الرصاص إلى ذهب، عندئذٍ وخلال زمن قصير جداً، فإن الذهب سيفقد قيمته ولن يساوي شيئاً أبداً. وحدهم فقط أصحاب العقول العنيدة من الباحثين المثابرين هم الذين يتوصلّون إلى الإنجاز العظيم. هذا هو سبب وجودي في وسط الصحراء، وبالتحديد كي ألتقي خيميائياً حقيقياً يعينني على فك الرموز.
سأل الشاب:
- في أي وقت كُتبت هذه الكتب؟
- منذ عدة قرون، زفي ذلك الزمن لم تكن المطبعة قد اختُرعت بعد، فلم يكن يتسنّى لكل الناس التوصّل إلى معرفة الخيمياء.
- لماذا إذن هذه اللغة الغريبة؟ وكل هذه الرسوم والأشكال؟
على الرغم من هذا الإلحاح، فإن الانكليزي لم يجب على هذا السؤال، بل اكتفى بأنه قال أنه منذ عدة أيام يراقب القافلة دون أن يكتشف شيئاً جديداً، وأنه لم يلاحظ إلا شيئاً واحداً، إنهم يتحدّثون أكثر فأكثر عن الحرب.


× × ×


أعاد الشاب الكتب إلى الانكليزي ذات يوم.
- حسن، هل تعلّمت الكثير؟ ـ سأل الانكليزي بفضول لجوج، فقد كان بحاجة إلى من يثرثر معه لينسى الخوف من الحرب.
- تعلّمت أن للعالم روحاً، وأن من يستطيع إدراك هذه الروح سيكون مقدوره إدراك لغة الأشياء، علمت أن خيميائيين عديدين قد عاشوا أساطيرهم الشخصية، وتوصلوا إلى اكتشاف النفس الكليّة وحجر الفلاسفة وإكسير الحياة المديدة. لكنني تعلّمت على الأخص أن هذه الأشياء على درجة من البساطة بحيث يمكن أن تُنقش على زمرّدة.
شعر الانكليزي بالخيبة لدى رؤيته أن حصيلة سنوات الدراسة والرمزو الغامضة، والكلمات المتعذّرة الفهم، وأجهزة المختبرات، لاشيء من كل هذا قد جذب انتباه الشاب.
- لابد أن نفسه فظّة وغير مصقولة لتحسس هذه الأشياء ـ قال في نفسه، ثم تناول كتبه وأعادها إلى الأكياس المعلّقة بسرج الجمل.
- عد إلى قافلتك، هي أيضاً لم تعلّمني شيئاً يُذكر.
عاد الشاب إلى تأمّل اتساع الصحراء الصامت والرمال التي تثيرها الحيوانات في سيرها.


- لكل طريقته في التعلّم ـ كرر الشاب في سرّه ـ فنهجه ليس نهجي، ونهجي ليس نهجه، ولكن كل واحد منا يسعى وراء اسطورته الشخصية، ولهذا فإنني احترمه.
صارت القافلة تسير ليلاً نهاراً، وفي كل لحظة كان يظهر لهم الرسل ذوو الوجوه الملثّمة، والجمّال الذي غدا صديقاً للشاب، نبأ بأن الحرب بين القبائل قد شبّت، وانهم سيكونون محظوظين لو نجحوا في الوصول إلى الواحة، فلقد أنهكت الحيوانات، والناس سادهم الصمت أكثر فاكثر، وأصبح رغاء جمل ما يخيف كل الناس، والذي لم يكن سابقاً سوى جمل يرغي، لعلّ في ذلك مؤشر لبدى هجومٍ ما ؟
ومع ذلك فإن الجمّال، لايبدو مضطرباً جداً من خطر اندلاع الحرب.
- أنا حي ـ قال الشاب وهو يلتهم حفنة من البلح في ليلة غاب فيها القمر وخمدت النار.
- عندما آكل فإنني لا أفعل شيئاً آخر سوى الأكل، وعندما أمشي، فإنني أمشي، هذا كل شيء، وإذا اضطررت يوماً للقتال، فكل الأيام تتساوى عند الموت، فأنا لا أحيا في ماضيَّ ولا في مستقبلي، فليس لي سوى الحاضر لأعيشه، وهو وحده الذي يهمّني، وإن كنت تستطيع ان تعيش الحاضر دوماً، فأنتَ إذاً رجل سعيد. ستدرك أن في الصحراء حياة، وفي السماء نجوم، وأن المتقاتلين يتحاربون لأن هذا جزءٌ من الحياة الإنسانية، والحياة ستصبح عندئذٍ احتفالاً كبيراً لأنها تمثّل دائماً اللحظة التي تعيشها فقط.
بعد انتقضاء ليلتين، وبينما كان الشاب على وشك النوم، نظر الفتى إلى السماء، نحو النجم الذي كان يرشدهم إلى وجهة سيرهم، تراءى له أن الأفق أكثر انخفاضاً بقليل من المعهود، لأن مئات النجوم كانت تعلو الصحراء.
- إنها الواحة ـ قال له الجمّال .
- لماذا إذن لانذهب إليها حالاً ؟
- لأننا بحاجة للنوم.


× × ×

 


فتح عينيه عندما كانت الشمس تنبثق من الأفق وأمامه، هناك حيث كانت النجوم الصغيرة تتلألأ في الليل، كان يمتد صف لانهاية له من أشجار النخيل ويحتلّ كل اتساع الصحراء.
- وصلنا إليها ـ هتف الانكليزي الذي أفاق لتوّه فرحاً.
ظلّ الشاب صامتاً، فقد تعلّم الصمت من الصحراء، واكتفى بمشاهدة أشجار النخيل تنتصب أمامه، كان مايزال عليه أن يقطع درباً طويلة كي يصل إلى الأهرامات، وفي يوم ما لن يكون هذا الصباح سوى ذكرى، أما الآن، إنها لحظة الحاضر، العيد الذي تكلّم الجمّال عنه، وكان يحاول أن يعيش هذه اللخظة مع العِبر التي استقاها من ماضيه، والأحلام التي يرسمها من أجل مستقبله، ويوماً ما لن تكون رؤية هذه الآلاف من أشجار النخيل سوى ذكرى، لكنها الآن تعني بالنسبة إليه الظل والماء وملاذاً من الحرب.
بالطريقة نفسها التي يبدو فيها جمل يرغي علامة للخطر، والشيء نفسه عندما يمكن لصف من أشجار النخيل أن يمثّل معجزة.
- العالم يتكلّم بأكثر من لغة ـ قال لنفسه.


× × ×


عندما يتسارع مرور الزمن، فإن القوافل أيضاً تَغُذّ بالمسير ـ فكّر الخيميائي وهو يرى مئات الأشخاص والحيوانات يصلون إلى الواحة، وسكّانها الذين يندفعون للقاء القادمين الجدد، والغبار المتصاعد الذي كان يحجب شمس الصحراء والأطفال يقفزون مبتهجين لدى رؤية الغرباء.
لاحظ الخيميائي أن شيوخ القبائل كانوا يتجمّعون من أجل لقاء رئيس القافلة، وان اجتماعهم معه قد طال، لكن هذا لم يثر اهتمامه بشيء، لقد استطاع أن يرى من قبل الكثير من الناس يصلون ويرحلون، ومع ذلك كانت الواحة والصحراء ثابتتين لا تتغيران، كان قد رأي ملوكاً، ومتسوّلين يجوبون هذه المساحات المديدة والرمال التي يتغير شكلها بفعل الرياح، لكنها كانت هي نفسها تلك التي عرفها مذ كان صغيراً، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يكن يستطيع أن يخمد في أعماق قلبه شيئاً من ذلك الحبور الذي يشعر به كل مسافر، وذلك عندما رأى اخضرار النخيل يحلّ محلّ صفرة الأرض وزرقة السماء.
- ربما قد خلق الله الصحراء كي يبتهج الإنسان عند مشهد أشجار النخيل ـ فكّر ـ عزم إذن أن يفكّر بمسائل أكثر عملية، كان يعلم أن مع هذه القافلة سيصل الانسان الذي يتوجب عليه أن يعلّمه جزءاً من أسراره، أخبرته العلامات بذلك. لم يكن يعرف بعد هذا الإنسان، لكن عينيه الخبيرتين ستتعرفان عليه لمجرّد رؤيته، كان يأمل أن يكون موهوباً كتلميذه السابق.
- لستُ أدري لماذا ينبغي لهذه الأشياء ألا تُنقل إلا بالسر فقط ـ فّكر الخيميائي ـ هذا ليس إلا لأن الأمر يعني تماماً أسراراً حقيقية، فالله قد كشف أسراره بحريّة إلى كل المخلوقات.
لم يكن يرى لهذا إلا تفسيراً واحداً، هو أن هذه الأشياء قد توجّب عليها الانتقال بهذه الطريقة، لأنها دون شك قد استخلصت من حياة طاهرة. وأنه من الصعب لهذا النموذج من الحياة أن يُحَدَّ على شكل رسوم أو كلمات، لأن الناس يستسلمون لإغراء الرسوم والكلمات، واخيراً ينسون اللغة الكونية.


× × ×


اقتيد القادمون الجدد في الحال إلى حضرة شيوخ قبائل واحة الفيّوم، لم يكن الفتى ليستطيع أن يصدّق ماتراه عيناه: فبدل أن يرى يئراً محاطة ببعض أشجار النخيل (حسب الوصف الذي كان قد قرأه مرة في أحد كتب التاريخ).
لاحظ أن الواحة أكبر بكثير من العديد من قرى في إسبانية، فهي تحتوي على ثلاثمائة بئراً، وخمسين ألف نخلة، وعدد كبير من الخيام الملوّنة تنتشر بين أشجار النخيل.
- كأننا نعيش حكاية ألف ليلة وليلة ـ قال الانكليزي المستعجل لمقابلة الخيميائي.
وخلال لحظات أُحيطوا بأطفال ينظرون بفضول إلى المطيات والجمال والناس القادمين، كان الرجال يريدون أن يستعلموا عن علامات معركة، والنساء كنَّ يتنازعن على الاقمشة والأحجار الكريمة التي أحضرها الباعة، حينئذٍ بدا صمت الصحراء حلماً بعيداً، فالجيمع يتكلّمون دون انقطاع، يضحكون، ويهزجون ويغنّون بأعلى أصواتهم، وكأنهم خرجوا من عالم الروح، ليجدوا أنفسهم في عالم البشر، كان الناس فرحين وراضين، على الرغم من الحفظّات التي اتُخذت أمس، فإن الجمّال قد شرح للشاب أن الواحات في الصحراء، تُعتبر دائماً أرضاً حياديّة، لأن معظم من يعيش بها هم من الأطفال والنساء، وهناك واحات في هذا الجانب كما في الجانب الآخر، بحيث أن المتحاربين كانوا يذهبون ليتعاركوا وسط رمال الصحراء تاركين الواحات بسلام كأماكن ملاذ.
جمع رئيس القافلة كل أفرادها، ولم يكن هذا ليتم بسهولة، واعلمهم أنهم سيحلّون ضيوفاً لدى سكّان الواحات الذين سيستقبلونهم في خيامهم وسيقدّمون لهم صدر المكان طالما أن الحرب قائمة بين العشائر، فهذا هو قانون الضيافة التقليدي. ثم طلب من الجميع بما فيهم حرّاسه، بتسليم أسلحتهم إلى الرجال الذي عيّنهم رؤساء العشائر.
- هذه هي قواعد الحرب ـ وضّح ـ فالواحة لايمكن أن تكون ملاذاً للمتحاربين.
ولشدّ ما ذهل الفتى عندكا رأي الانكليزي يخرج من جيبه مسدساً مطلياً بمعدن الكرون ويسلّمه للرجل المكلّف بجمع الأسحلة.
- لماذا تحمل مسدساً؟ سأل الشاب.
- كي يساعدني على الثقة بالناس ـ أجاب الانكليزي الذي كان سعيداً لتوصّله إلى غاية هدفه.
من جهته كان الشاب يحلم بكنزه، وكلّما اقترب منه أكثر بدت الأمور تبدو أكثر صعوبة، ولم يعد يتجلى ماسماء الملك العجوز " بحظ المبتدئ "، والآن كان يعرف ذلك، يبدأ البرهان على الإصرار والشجاعة لمن يبحث عن أسطورته الشخصية، كما أن عليه ألا يُظهر أي تعجّل أو نفوذ صبر، كل لا يجازف بعدم رؤية العلامات التي وضعها الله في طريقه.
- إن الله من وضعها في دربي ـ فكّر مندهشاً، فهو نفسه حتى الآن يعتبر العلامات كشيء ينتمي إلى العالم، شيء ما كالأكل، أو النوم، كالرحيل بحثاً عن الحب أو عن العمل، لكنه لم يخطر بباله أبداً، أن يكون لغة يخاطب الله بها عبده ليرشده إلى ماعليه أن يفعل.
- لاتكن لجوجاً ـ كرّر في ذهنه ـ ومثلما قال الجمّال: " كل عندما يحين وقت الطعام، وسِر عندما تزف ساعة السير ".
في اليوم الأول كان الجميع نائمين تحت تأثير التعب، بما فيهم الإنكليزي، ألفى الشاب نفسه بعيداً في خيمة يشعلها خمسة فتيان آخرين من أقرانه.
كانوا من سكان الصحراء، ويتوقون إلى سماع قصص عن المدن الكبرى، تحدّث الشاب عن حياته كراع، وكان أن يأتي على ذكر تجربته في مخزن الزجاجيّات عندما تخل الانكليزي وقطع عليه ذلك.
- لقد بحثتُ عنك طوال فترة الصيف ـ قال الانكليزي وهو يصحب رفيقه إلى الخارج ـ يجب أن تساعدني على معرفة أين يسكن الخيميائي.
حاولا إيجاده بوسائلهما الخاصة، فلابد للخيميائي أن يعيش بنمط مختلف عن باقي سكان الواحة، ومن المُحتمل كثيراً وجود فرن مشتعل على الدوام في خيمته، وبعد طول مسير، انتهيا إلى إدراك شيء واضح وهو أن الواحة أكثر اتساعاً مما كانا يتصوّران، وأن فيها مئات ومئات من الخيام.
- لقد أضعنا نهاراً كاملاً ـ قال الانكليزي، وهو يجلس مع رفيقه قرب أحد آبار الواحة.
- ربما كان من الأفضل لو سألنا عنه ـ قال الشاب.

- لم يكن الانكليزي يرغب في أن يفصح عن سبب وجوده في الفيّوم، وبدا متردداً، لكنه وافق في النهاية وطلب من الشاب الذي يفوقه في تكلّم العربية، أن يأخذ الأمر على عاتقه.
تقدّم الشاب عندئذٍ من امرأة وصلت لتوّها كي تملأ قربتها ماءً وسألها:
- مساء الخير ياسيّدتي ! أودُّ لو أعرف أين يقيم خيميائي يعيش في هذه الواحة.
أجابت المرأة بأنها لم تسمع على الاطلاق أحداً أتى على ذكره. لكنها قبل أن ترحل نبّهت الشاب إلى عدم حقه في التوجه بالحديث إلى نساء يتّشحن بالسواد، لأنهن نساء متزوّجات، وهذا من التقاليد التي يجب احترامها، ثم انصرفت في الحال.
أحس الانكليزي بخيبة أمل حادة، هكذا يكون قد قام بكل هذه الرحلة من أجل لاشيء ! رفيقه أحس بالأسف أيضاً، فالانكليزي مثله كان يجري وراء اسطورته الشخصية، وعندما يكون المرء في هذا الصدد، فإن العالم بأسره يتضافر ليجعله يحصل على مبتغاه، هكذا كان قد قال الملك العجوز، ولايمكن له أن يُخطئ.
- لم أكن قد سمعت قط أحداً يتكلّم عن خيميائيين أمامي ـ قال الشاب ـ وإلا لكنتُ حاولت مساعدتك.
بريق من الأمل شع من نظرة الانكليزي وهتف قائلاً:
- لكن هذا مؤكد، فربما ليس هنا من يعرف ماهو الخيميائي ... استعلم عن الرجل الذي يعالج أمراض القرية كلها.
عدة نساء يرتدين السواد، جئن إلى البئر لإحضار الماء، لكن الشاب لم يتحدّث إليهن على الرغم من إلحاح الانكليزي، أخيراً اقترب رجل منهما، فسأله الشاب:
- هل تعرف أحداً يعالج الأمراض في القرية؟
- إن الله هو الذي يعالج الأمراض كلها، أجاب الرجل وقد بدا عليه الخوف من هذين الغريبين، انتما تبحثان عن سحرة، أنتما الإثنين ! ..
ومضي في طريقه بعد أن تلا عدة آيات من القرآن.
ظهر رجل آخر، كان أكبر عمراً من سابقه يحمل دلواً صغيراً، فطرح الشاب عليه السؤال نفسه.
- إن كان هناك وجود لهذا الرجل، فهو لابد أنه على درجة كبيرة من القوة ـ أجاب الرجل العجوز بعد قليل من التفكير ثم تابع ـ حتى أن شيوخ العشائر لايستطيعون رؤيته على هواهم عند الحاجة. يجب أن يقرر هو ذلك، انتظرا بالأحرى نهاية الحرب، وارحلا مع القافلة، ولاتسعيا أبداً إلى التوغل في حياة الواحة، ختم قوله مبتعداً.
عندئذٍ بدت شابة ترتدي ثياباً مختلفة، فابتهج الانكليزي، لقد كان على الطريق الصحيح، كانت تحمل جرّة على كتفها، وتضع خماراً حول رأسها، لكنها كانت سافرة الوجه. اقترب الشاب ليسألها عن موضوع الخيميائي.
أحس الشاب كما لو أن الزمن كان يتوقف، وكما لو أن النفس الكليّة كانت تنبعث بكل قوّتها أمامه.
وعندما رأى عينيها السوداوين، وشفتيها المترددتين بين الصمت والابتسام فهم الجزء الرئيسي من اللغة التي يتحدّثها العالم، والتي باستطاعة كائنات الأرض كلها أن تفهمها عبر القلوب.

كان هذا هو مايدعى بالحب، شيء أقدم من وجود البشر، ووجود الصحراء، والذي كان ومايزال ينبثق دائماً وبقوة، وفي كل مكان عندما تلتقي نظرتان كما تلتقي الآن هاتان النظرتان قرب البئر. انفرجت الشفتان عندئذٍ عن ابتسامة، إنها علامة، علامة كان قد انتظرها دون أن يعلم خلال فترة طويلة من حياته، ولطالما قد بحث عنها في الكتب، وقرب نعاجه، وفي الزجاجيّات، وفي صمت الصحراء.
هاهي ذي لغة الكون الخالصة، مفهومة دون أدنى شرح، لأن الكون ليس بحاجة إلى أي تفسير كي يتابع دورانه في الفضاء اللامتناهي.
إن مافهمه في تلك اللحظة هو انه أمام امرأة حياته، وعليها أن تعلم ذلك دونما أية ضرورة للكلام، كان متأكداً من هذا أكثر من تأكده من أي شيء آخر في العالم، على الرغم من أن آبائه وآباء آبائه كانوا قد قالوا إن على الانسان أن يحب أولاً، ثم يخطب، أن يعرف الآخر، وأن يملك المال قبل أن يتزوج. من كان يقول ذلك، لم يكن يعرف مطلقاً اللغة الكونية، لأن المرء عندما يغوص في هذه اللغة يسهل عليه أن يدرك أن في هذا العالم يوجد شخص ينتظر شخصاً آخر، سواء أكان هذا في وسط الصحراء أو في قلب المدن الكبرى، وعندما يلتقي هؤلاء الشخصان، وتتقاطع نظرتاهما، فإن الماضي والمستقبل لا أهميّة، ولحظة الحاضر وحدها هي التي تبقى. وهذا اليقين العجيب بأن كل شيء يوجد تحت قبة السماء قد خطّته اليد نفسها، اليد التي أنجحت الحب، وخلقت لكل كائن روح شقيقة، وهذا الكائن يعمل، ويستريح، ويبحث عن الكنوز في وضح النهار، ولو أن الأمر لم يكن كذلك، لما وجد أي معنى لأحلام الجنس البشري.
- مكتوب ـ قال في نفسه.
نهض الانكليزي الذي كان جالساً، وحرّك صاحبه قائلاً:
- هيا اذهب واسألها.
اقترب الشاب من الفتاة التي ابتسمت من جديد، فابتسم وسألها:
- ماذا تدعين؟
- فاطمة ـ أجابت وهي تغض من طرفها.
- إنه اسم تحمله بعض النسوة في البلد الذي جئتُ منه.
- إنه اسم ابنة النبي ـ قالت فاطمة ـ ومجاهدونا قد نقلوه إلى هناك.
كانت الشابة الحلوة تتحدث بفخر عن المجاهدين، والانكليزي يقف جانباً يلح، فسألها الشاب إن كانت تعرف شيئاً عن الرجل الذي يشفي الأمراض.
أجابت:
- إنه رجل يعرف أسرار العالم، وهو يتكلّم مع جن الصحراء، والجن هم جن الخير وجن الشر.
وأشارت الشابة بإصبعها باتجاه الجنوب، حيث تسكن هذه الشخصية الغريبة، ثم ملأت جرّتها ورحلت، وانصرف الانكليزي أيضاً للبحث عن الخيميائي، وبقي الشاب جالساً بجانب البئر لوقتٍ طويل، وقد أدرك أن ريح الشرق التي كانت قد حملت إليه ذات يوم عطر هذه المرأة، وأنه أحبها قبل أن يعلم إن كانت موجودة فعلاً، وأن الحب الذي يكنّه لها سوف يدفعه إلى اكتشاف أسرار الكون كلّها.
وفي الغد عاد الفتى إلى البئر لينتظر فتاته هناك، لكنه تفاجأ بوجود الانكليزي يتأمل الصحراء للمرة الأولى.
قال الانكليزي:
- لقد انتظرت طوال مابعد الظهر والمساء، لقد وصل عندما ظهرت أولى النجوم في السماء، أخبرته عن الشيء الذي أبحث عنه، وسألني إن كنت قد حوّلت الرصاص إلى ذهب، فأجبته بأن هذا ما أتمنى فعله على وجه التحديد، طلب مني عندئذٍ أن أحاول، ولم يقل شيئاً آخر سوى هاتين الكلمتين: " إذهب وجرّب ".
مكث الشاب صامتاً، وهكذا فإن الانكليزي قد قطع كل هذه المسافة ليسمع ماعرفه من قبل، وتذكّر الشاب أنه هو نفسه قد أعطى ست نعاج إلى الملك العجوز مقابل نتيجة مشابهة.
- حسن ! حاول ـ قال للإنكليزي.
- هذا فعلاً ما سأفعله، وسأباشر حالاً.
بعد انصرافه بقليل، وصلت فاطمة إلى البئر كي تملأ قربتها.
- أتيت لأقول لك شيئاً واحداً ـ قال الشاب ـ أريد أن تكوني زوجتي، فإنني قد أحببتك.
تركت الشابة آنيتها تطفح بالماء، وتابع الشاب:
- سأنتظرك هنا كل يوم، فقد عبرت الصحراء باحثاً عن كنز موجود قرب الأهرامات، كانت الحرب بالنسبة لي نقمة، والآن اعتبرها نعمة لأنها تبقيني هنا قربك.
- لابد للحرب أن تنتهي يوماً ما ـ قالت الفتاة.
تأمل أشجار النخيل، لقد كان راعياً وكان يملك قطيعاً من الغنم، أما فاطمة فهي بالنسبة له أهم من الكنز بكثير.
- المقاتلون يبحثون عن كنوزهم ـ قالت فاطمة، كما لو أنها كانت تقرأ أفكاره ـ ونساء الصحراء فخورات بمقاتليهم، ثم ملأت جرّتها من جديد وانصرفت.
صار الشاب يأتي كل يوم إلى البئر ينتظر قدوم فاطمة، يحدّثها عن حياته كراع، عن لقائه بالملك، وعن مخزن الأواني الزجاجيّة.
صارا صديقين، وصار يجد الوقت طويلاً جداً بقيّة النهار ماعدا الخمس عشرة دقيقة التي كان يقضيها بصحبتها.
كان قد مضى على وجوده في الواحة شهر تقريباً، عندما دعا رئيس القافلة الناس كلّهم إلى الاجتماع، وقال لهم:
- نحن لانعرف أبداً متى ستنتهي الحرب ولن نستطيع استئناف السفر، فالمعارك ستستمر دون شك وقتاً طويلاً، وربما سنوات... وفي كل جانب يوجد مقاتلون شجعان وأشدّاء، وكلٌ من الجيشين يعتز بالقتال، ليس هناك حرب بين الأخيار والأشرار، إنها حرب بين قوى تتصارع للوصول إلى السلطة نفسها، وعندما تنشب معركة من هذا النوع، فإنها تستمر أكثر لأنه في مثل هذه الحالة يكون الله مع الجانبين في آنٍ واحد.
تفرّق الناس، وفي ذلك المساء رأى الشاب فاطمة من جديد ونقل لها مادار في الاجتماع.

- في مقابلتك الثانية ـ قالت الشابة ـ حدّثتني عن حبك، ثم علّمتني الكثير من الأشياء الجميلة كلغة النفس الكليّة مثلاً، وكل هذا قد جعل مني شيئاً فشيئاً جزءاً منك.
كان الشاب يصغي إلى صوتها فيجده أجمل من حفيف سعف النخيل، ثم تابعت:
- منذ زمن طويل وأنا أجيء إلى هنا، قرب البئر لانتظارك، إنني لم أتوصّل لأتذكر ماضيَّ والتقاليد، ولا للطريقة التي يرغب بها الرجال أن تسلكها نساء الصحراء، منذ صغري كنتُ أحلم بأن تمنحني الصحراء يوماً ما أجمل حاضر في حياتي، وهاهي ذي تمنحني هذا الحاضر الذي هو أنت.
أراد الشاب أن يمسك بيدها، لكن فاطمة كانت تمسك بعروتي الجرّة. ثم أردفت:
- لقد حدّثتني عن أحلامك، عن الملك العجوز، عن الكنز، حدّثتني عن العلامات، ذاك مايجعلني لا أخشى شيئاً، لأن العلامات هي التي قادتك إليَّ، وصرتُ جزءاً من حلمك ومن أسطورتك الشخصيّة، مثلما تقول باستمرار، ولهذا السبب بالذات، أريد لك أن تتابع طريقك نحو ماجئت من أجله، إن كان يتوجّب عليك الانتظار حتى تنتهي الحرب فهذا عظيم، أما إذا كان عليك أن تسافر، فانطلق إذن نحو أسطورتك الشخصيّة، فإن الكثبات تتغير بفعل الرياح، لكن الصحراء تبقى دائماً نفسها، وهذا ماسيكون عليها حبنا، إنه لقدرٌ مكتوب، ولو كنتُ حقاً أمثّل جزءاً من أسطورتك الشخصيّة فإنكَ ستعود يوماً ما.
لقد أحس بالحزن حين غادرها، كان يفكّر بالناس الذي عرفهم، فالرعاة كانوا يعانون كثيراً لإقناع زوجاتهم بالضرورة التي تفرض عليهم التجوال في الأرياف، لكن الحب يتطلّب البقاء قرب المحبوب.
وفي الغد حدّث فاطمة عن كل هذه الأشياء، فقالت:
- الصحراء تأخذ منا رجالنا، ولاتعيدهم في بعض الأحيان، ينبغي علينا أن نعتاد على ذلك، وعندئذٍ نراهم حاضرين في السحب التي تمرّ دون أن تمطر، وفي الحيوانات التي تختبئ وسط الحجارة، والماء الفيّاض الذي ينبجس من الأرض، فهم ساعتها يشكّلون جزءاً من كل شيء ويصبحون النفس الكليّة، البعض يعود، وحينذاك تلقى النساء الأخريات سعيدات لأن الرجال الذين ينتظرنهم يمكن ان يعودوا ذات يوم. سابقاً، كنتُ أرى تلك النسوة، وأحسدهن على سعادتهن، وها أنذا الآن مثلهن، وسيكون لي من انتظر عودته، فأنا إحدى نساء الصحراء وأنا فخورة بذلك. أريد لزوجي أيضاً أن يسير حرّاً كالريح التي تحرّك الكثبان، أريد أن أحظى برؤيته في السحب، وفي الحيوانات، وفي الماء.
ذهب الشاب للقاء الانكليزي ليحدّثه عن فاطمة وقد تفاجأ عندما لاحظ أنه قد بنى فرناً صغيراً بجانب خيمته، كان فرناً غريباً، وُضعت فوته قارورة شفّافة، وكان الانكليزي يلقم النار بالحطب، ويتأمل الصحراء.
عيناه كانتا تبدوان أكثر لمعاناً مما كانت عليه عندما كان يمضي كامل وقته غارقاً بين الكتب.
بادر الانكليزي قائلاً:
- هذه أولى مراحل العمل، عليَّ أن أفصل الكبريت الشائب، وحتى أتوصّل إلى ذلك ينبغي عليّ ألا أخشى الاخفاق، لأن خوفي هو الذي منعني من اكتشاف هذا الانجاز العظيم، ها أنذا الآن أبدأ ماكان يجب ان أقوم به منذ عشرات السنوات، لكنني مع ذلك سعيد، لأنني لم انتظر عشرين سنه أخرى. وتابع إذكاء النار وهو يرقب الصحراء، بقي الشاب قربه بعض الوقت، حتى الساعة التي تلوّنت بها الصحراء بلون غروب الشمس الوردي، عندئذٍ شعر برغبة عارمة بالذهاب إلى هناك لعلّ بمقدور الصمت الإجابة على أسئلته.
مشى لبعض الوقت دون هدف، دون أن تغيب عن ناظريه نخلات الواحة، مصغياً إلى الريح، متحسساً الحصى تحت أقدامه، كان يجد بعض الأصداف، وكان يعلم أن هذه الصحراء كانت منذ عهد بعيد بحراً واسعاً، جلس على حجر كبيرة، وتركنفسه يسحر بالأفق الذي كان قبالته. لم يكن يستطيع أن يتصوّر الحب مجرّداً من فكرة التملّك، لكن فاطمة كانت واحدة من نساء الصحراء، ولعل أهم شيء بمقدوره أن يعينها على الإدراك هو الصحراء.
مكث هكذا دون أن يفكّر بشيء، إلى أن احسَّ بشيء يتحرّك فوق رأسه، نظر في الجو فرأى صقرين يحلّقان عالياً في السماء.
راقب الطيرين الجارحين والأشكال التي كانا يرسمانها في طيرانهما، كانت في الظاهر خطوطاً غير منتظمة، لكنها مع ذلك كانت بالنسبة له ذات معنى، إلا أنه لم يستطع تحليل معناها، قرر أن يتابع حركات الطائرين بنظره علّه يكتشف رسالة ما، ربما يمكن للصحراء أن تفسّر له الحب دون تملّك.
أحس بالنعاس يتلسلل إليه، لكن قلبه كان يأبى عليه ذلك، وبالعكس تماماً ينبغي عليه أن يستسلم ـ ها أنذا من يدخل صميم لغة الكون، فكل شيء في الأرض صار له معنى حتى طيران الصقور نفسه.
لقد أحسَّ بنفسه مكنّاً بالعرفان لهذا الحب الذي يحمله لإمرأة، فقال لنفسه:
- عندما نحب يصبح للأشياء معنى أكبر.
وفجأة انتفض أحد الصقرين لمهاجمة الآخر، في هذه اللحظة بالتحديد لاحت للشاب رؤيا مفاجئة ووجيزة: زمرة مسلّحة كانت تجتاح الواحة، والسويف كانت مسلولة، وامَّحت الرؤيا في الحال تاركة فيه انطباعاً حاداً. كان قد سمع من قبل عن السراب، وكان قد رأي بعضها، إنها رغبات تتجسد على رمال الصحراء، ومع ذلك لم يكن يرغب بالتأكيد رؤية جيس يستولي على الواحة.
أراد أن ينسى هذا ويعود إلى تأمله، وهو يحاول من جديد أن يركّز على الصحراء الوردية وعلى الحجارة، لكن شيئاً ما في داخله كان يخطف السكينة من قلبه.
تذكّر قول العجوز: " اتبع العلامات دائماً " .
فكّر بفاطمة، ثم تذكّر الرؤيا التي تجلّت له، وحدس بأنها قريباً سوف تتحوّل إلى واقع، بصعوبة استطاع أن يتغلّب على الضيق الذي يختنقه. نهض ثانية وبدأ يمشي صوب أشجار النخيل، ومن جديد أدركَ لغة الأشياء الجديدة: أصبحت الصحراء الآن موطن الأمان، طالما أن الواحة قد غدت موطن الخطر.
كان الجمّال جالساً قرب إحدى النخلات، يرقب أيضاً غروب الشمس، عندما رأى الشاب قادماً من وراء الكثبان، فبادر الشاب قائلاً:
- هناك جيس يتقدّم، فقد حصلت لديّ رؤيا.
- الصحراء توحي إلى قلوب الناس بالكثير من الرؤى ـ أجاب الجمّال.
لكن الشاب حدّثه عن الصقرين، لقد كان يراقب طيرانهما، عندما غاص فجأة في النفس الكليّة.
لم يجب الجمّال بشيء لقد فهم ماكان محاوره يقول، كان يعلم أن أي شيء على وجه الأرض يمكن له أن يحطي قصة الأشياء كلّها وعندما نفتح كتاباً على صفحة ما لا على التعيين، أو عندما نتفحصّ كفّ انسان ما، أو نراقب طيران الطيور، أو ننظر في ورق اللعب، أو أي شيء آخر كائناً ماكان، فإن كل واحد منا سيستطيع اكتشاف تلك الرابطة بين كل ماهو حي. وفي الحقيقة ليست الأشياء هي التي تكشف أي شي بذاتها، وإنما هم البشر الذين يراقبون هذه الأشياء ويكتشفون الطريقة التي تمكّنهم من دخول النفس الكلية.
الصحراء آهلة برجال يكسبون معيشتهم لأن باستطاعتهم اقتحام النفس الكليّة بسهولة، وقد عُرفوا باسم " العرّافين "، وكان المسنّون والنساء يهابونهم، ولم يكن المحاربون ليستشيرونهم إلا فيما ندر، لأنه لاداعي للذهاب إلى المعركة عندما تعرف مسبقاً اللحظة التي تموت فيها. كان المقاتلون يفضّلون نكهة القتال، وركوب المخاطر، ولمس المجهول، فالمستقبل قدر كتبه الله، وأيّاً كان هذا المكتوب، فإنه دائماً لخير الناس. إذن، فالمحاربون يعيشون الحاضر فقط لأن الحاضر يعجّ بالمفاجآت، وعليهم أن يكونون متيقظّين للكثير من الأشياء: أين يوجد سيف العدو، أين فرسه وأين عليه أن يضرب ليتحاشى الموت.
لم يكن الجمّال مقاتلاً، وكان قد استشار العرّافين، الكثيرون منهم ذكروا أشياء حقيقية وأخبره آخرون بأشياء خاطئة إلى أن ٍاله أحدهم ذات يوم وهو الأكبر سناً والأكثر هيبة عن سرّ اهتمامه بمعرفة المستقبل.
أجاب الجمّال:
- كي أستطيع القيام بأشياء عدة، ولكي أغيّر مجرى مالا أحب أن يقع لي.
- عندئذٍ لن يكون هذا مستقبلك ـ علّق العرّاف.
- لكن ربما أريد معرفة المستقبل لأحضّر نفسي لتلقي ماينبغي أن يحصل
أجاب العرّاف:
- لو كانت أموراً جيّدة، لحصلت على مفاجأة جميلة، ولو كانت سيئة فإنها ستسبب لك العذاب قبل وقوعها.
قال الجمّال:
- أريد أن أعرف المستقبل لأنني إنسان، والناس يعيشون تبعاً لمستقبلهم.
مكث العرّاف لحظة دون أن ينطق بشيء، اختصاصه كان بلغة العيدان، التي يلقيها أرضاً، يفسّر الطريقة التي توزّعت بها على الأرض، لكنّه في ذلك اليوم لم يستعمل العيدان، بل لفّها في قماش قطني، وأعادها إلى جيبه قائلاً:
- إنني أكسب معيشتي كعرّاف يتنبأ بمستقبل الناس، إنني أعرف علم العيدان، وأعرف كيفية استعمالها، كي أوغل في هذا الفضاء، حيث كل شيء كُتب مسبقاً، واستطيع فيه أن أقرأ الماضي، واكتشف المنسي، وأفهم علامات الحاضر، وعندما يستشيرني الناس فإنني لا أقرأ مستقبلهم، أنا أخمّنه لأن المستقبل ملك لله ووحده يكشف ستره، كيف لي أن أخمّن المستقبل؟ الفضل في ذلك يعود لعلامات الحاضر، فالسرّ يكمن في الحاضر. وإذا تنبّهت إلى حاضرك، بإمكانك جعله أفضل، وإن حسّنت الحاضر، فإن مايعقبه يكون جيّداً، انسَ المستقبل وعش كل يوم من حياتك حسب تعاليم الشريعة، وثق بعناية الإله تجاه أبنائه، فكل يوم يحمل الخلود في طيّاته.
أراد الجمّال أن يعرف ماهي تلك الظروف الاستثنائية التي يسمح الإله فيها بمعرفة المستقبل.

- هذا عندما هو نفسه يزيح الستر عنه، ونادراً مايكشفه، وذلك لسبب واحد: إنه مستقبل كُتب ليتغير.
- لقد أظهر الله للشاب مستقبلاً ما، لأنه أراد أن يجعل منه أداته ـ حدّث الجمّال نفسه، ثم قال للشاب:
- اذهب للقاء شيوخ القبائل، وحدّثهم عن المقاتلين الذين يقتربون.
- سيسخرون مني.
- إنهم من أبناء الصحراء، وهم معتادون على العلامات.
- إذاً فهم يعلمون ذلك مسبقاً.
- ليس هذا همّهم، فهم يعتقدون بأنه لو أراد الله لهم أن يعلموا بشيء، فإن الله سيعمل على ذلك وسيأتي من يخبرهم به، وهذا ماحدث مراراً، أما اليوم فإنك أنت هذا الرسول.
فكّر الشاب بفاطمة، وقرّر الذهاب للقاء شيوخ القبائل.
- إنني أحمل رسالة من الصحراء ـ قال للحارس الذي كان يقوم على حراسة خيمة بيضاء كبيرة مقامة في مركز الواحة ـ أريد التحدّث إلى الشيوخ.
لم يجب الخفير بشيء، دخل الخيمة، مكث فيها وقتاً طويلاً ثم خرج بصحبة أعرابي شاب يرتدي ثياباً بيضاء ويتقلّد الذهب، وروى له الشاب ماكان قد رآه، فطلب منه العربي أن ينتظر قليلاً ثم عاد إلى خيمته.
هبط الليل، عرب وتجار كثر، دخلوا وخرجوا، وشيئاً فشيئاً كانت نيران الوقد تخمد، وأضحت الواحة خلال لحظات صامتة كصمت الصحراء، لم يبقَ مشتعلاً إلا ضوء الخيمة الكبيرة، وبمرور الوقت لم يتوقف الشاب عن التفكير بفاطمة، دون أن يفهم جيداً ما أسفرت عنه المحادثة التي تمّت مابعد الظهر.
أخيراً، وبعد ساعات عديدة من الانتظار أدخله الحارس.
مارآه جعله يشرد في ذهول شديد، فلم يكن ليتخيّل قط وجود خيمة كهذه في وسط الصحراء، كانت أرضها مغطاة بأجمل السجاد الذي لم يسبق له أن مشى عليه، من الأعلى ثريات تتدلى، شمعدانات مذهّبة ومنقوشة تحمل شموعاً مشتعلة، وشيوخ العشائر يجلسون في الخيمة على شكل نصف حلقة، متكئين على أرائك حريرية مطرّزة بأبهة، خدم يأتون ويروحون حاملين أطباقاً عليها مالذ وطاب من الطعام ويقدّمون الشاي، آخرون يسهرون على إبقاء جمرات النراجيل مشتعلة، ورائحة تبغ طيبة تعطّر الجو.
لكنه فهم في الحال أيّهم الأعلى قدراً، إنه عربي يرتدي البياض ويضع الذهب، وكان يجلس في مركز نصف الحلقة، وبجانبه يجلس الشاب الذي كان قد تحدّث معه منذ وقت قصير.
- من هو الغريب الذي يتحدّث عن رسالة؟ سأل احد الشيوخ وهو ينظر إليه.
- إنه أنا، وروى ماكان قد رآه.
- هل للصحراء أن تقول هذه الأشياء لرجل قدم من مكان آخر، وهي تعلم أننا نقيم هنا منذ أجيال عديدة؟ قال شيخ آخر.
- لأن عينيّ لم تعتادا بعد على الصحراء بحيث أنني أستطيع أن أرى مالا تستطيع العيون المعتادة عليها أن تراه، ولأنني أعرف ماهي النفس الكليّة ـ قال لنفسه، لكنه لم يضف شيئاً لأن العرب لايعتقدون بتلك الأشياء.
قال شيخ ثالث:
- الواحة أرض محايدة، ولن يهاجمها أحد.
- إنني أروي مارأيته، وإذا كنتم لا تريدون تصديقي، فلا تفعلوا شيئاً.
أطبق الصمت على الخيمة، ثم أعقبته مشاورة حادة بين الشيوخ العشائر، كانوا يتكلّمون بلغة عربية محلية، لم يفهمها الشاب، لكنه عندما تظاهر بأنه يريد الخروج، طلب منه الحارس أن يبقى. بدأ يكابد بعض الخوف، فالعلامات كانت تنبئه بأن شيئاً ما لايسير على مايرام وتأسّف لأنه أخبر الجمّال عن هذا الأمر.
فجأة ابتسم الرجل المسن الذي كان يحتل مركز الخيمة ابتسامة شبه خفيّة، فاطمأن الشاب. لم يكن الشيخ العجوز قد ساهم في النقاش، ولم يكن بعد قد نطق بأية كلمة، لكن الشاب كان معتاداً على اللغة الكونية، واستطاع أن يشعر برعشة سلام تجوب الخيمة من طرف إلى آخر، حدسه قال بأنه قد فعل خيراً بمجيئه.
انتهى النقاش، وصمت الجميع لينصتوا إلى ذلك الرجل العجوز يتكلّم، وقد التفت إثر ذلك إلى الغريب، وقد بدت الآن تعابير وجهه صارمة ومتحفظّة.
- منذ ألفي عام، في بلاد بعيدة، أُلقي برجل في بئر، وبِيع كعبد، كان يؤمن بالاحلام وقد اشتراه تجار من عندنا، واصطحبوه إلى مصر، وكلنا يعلم أن من يعتقد بالأحلام يعرف تفسيرها.
- ومع أنه لايصل دائماً إلى تحقيقها ـ فكّر الشاب متذكّراً الغجرية العجوز.
وتابع الشيخ:
- وبفضل الحلم بالبقرات العجاف، والبقرات السمان، الذي حلمه فرعون، فقد استطاع ذلك الرجل إنقاذ مصر من المجاعة، كان يُدعى " يوسف "، وكان مثلك غريباً في أرضٍ غريبة، وكان له تقريباً نفس عمرك.
امتد الصمت، وبقيت نظرة العجوز صارمة.
- نحن نتّبع التقاليد دائماً ـ ردّد ـ فالتقاليد قد انقذت مصر من المجاعة آنذاك، وجعلت من شعبها أكثر الشعوب ثراءً، التقاليد تعلّم كيف ينبغي على الرجال عبور الصحراء، وتزويج بناتهم، التقاليد تقول أن الواحة تمثّل أرضاً محايدة لأن المعسكرين يمتلكان واحات وهي ضعيفة أمام العدوان.
لم يلفظ أحد أدنى كلمة عندما كان الرجل العجوز يتكلّم.
- لكن التقاليد أيضاً تدعونا للوثوق برسائل الصحراء، وكل مانعرفه، فإنما الصحراء علّمتنا إياه.
أشار بإصبعه، فهبّ كل الأعراب واقفين، فقد انتهى الاجتماع، واُطفئت النراجيل، وعدَّل الحرّاس وضعيتهم.
تهيأ الشاب لمغادرة المكان لكن العجوز استأنف الكلام:
- غداً سنفسخ الاتفاق القاضي بمنع حمل السلاح في الواحة، وسننتظر العدو أثناء النهار، وعندما تميل الشمس للغروب، فإن الرجال سيعيدون لي أسلتحهم، ومقابل كل عشرة قتلى من العدو ستلقى قطعة من الذهب. على كل حال، لا يمكن للأسلحة أن تخرج إلا إلى المعركة، إنها متقلّبة المزاج كالصحراء، وإن أخرجناها من أجل لاشيء فبإمكانها رفض إطلاق النار، وإن لم تُستعمل أياً منها غداً، فإن واحدة على الأقل ستُستخدم ضدّك.
عندما غادر الخيمة لم تكن الواحة مضاءة إلا بنور القمر، وعليه أن يمشي عشرين دقيقة كي يصل إلى خيمته، فمضى في دربه.
كان يقاسي ألماً شديداً من جرّاء ما حصل، لقد غاص في النفس الكليّة، وربما سيدفع حياته ثمناً لذلك، اختبار عسير، لكن كان قد راهن منذ اليوم الذي باع فيه أغنامه لكي يتبع أسطورته الشخصيّة.
ومثلما قال الجمّال: " الميتة واحدة سواء أكانت غداً، أو في يوم آخر، وماوُجد أيُّ يوم إلا لنعيشه أو لنخرج فيه من الدنيا، وكل شيء من الوجود مبني على كلمة واحدة: مكتوب "
سار بصمت، غير آسف على شيء، وإن كان سيفترض أن يموت غداً، فليس هذا إلا لأن الله لايريد تغيير المستقبل، ولكنه سيموت بعد أن اجتاز المضيق، وعمل في متجر الزجاجيّات، وعرف الصحراء، وعيون فاطمة، فمنذ أن غادر بلده وهو يعيش أيامه بحدّة، وكان هذا منذ زمن طويل، وإن قُدّر له أن يموت غداً، فلا بأس لأن مارأته عيناه من الدنيا يفوق مارأته عيون الكثيرين من الرعاة الآخرين، وهو فخور بذلك.
فجأة، رنَّ في أذنه صوت أشبه بالدوي، وسقط أرضاً، مدفوعاً بهبة ريح شديدة العنف، واجتاحت المكان سحابة من الغبار غطّت تقريباً ضوء القمر، وأمامه شب حصان ضخم ذو صهيل مرعب.
كان يميّز مايجري بصعوبة، ولكن عندما تبدد الغبار أحس برعب فظيع لم يسبق إطلاقاً أن أحسّ بمثله، فقد برز أمامه رجل يمتطي صهوة الحصان، ويرتدي ثياباً سوداء، يعلون كتفه الأيسر صقر، وقد غطّى رأسه بعمامة ولثام يحجب كل وجهه ماعدا عينيه، يبدو أنه رسول الصحراء، وله حضور لايرتقي إليه أحد في العالم.
وامتشق هذا الفارس الغريب سيفاً كبيراً ذا نصل مقوّس، كان معلّقاً بسرج حصانه، إنه من الفولاذ ويتألّق تحت ضوء القمر.
- من تجرّأ أن يفسّر طيران الصقرين؟
سأل بصوت قوي، حتى لكأنه يرجع صدى خمسين ألف شجرة نخيل.
- أنا من تجرأ ـ قال الشاب متذكّراً في الحال تمثال القدّيس جاك، شاطر العرب إلى شطرين، ساحقاً الكفار بسنابك حصانه الأبيض، إنه الشيء نفسه تماماً، ماعدا أن الوضع الآن معكوس !
- أنا تجرّأت ـ كرّر الشاب، وأحنى رأسه مستعداً لضربة السيف، العديد من الأرواح البشرية سيُكتب لها النجاة، لأنك لم تحسب حساباً للنفس الكليّة.
لم يخفض السلاح بسرعة، ويد الفارس نزلت على مهل، ورأس السلاح الذي لامس جبهة الشاب كان حاداً، فسالت منه قطرة من الدماء.
كان الفارس والشاب كلٌّ في مكانه لا يتزحزح، وحتى فكرة الهروب لم تخطر بباله، جذل غريب استحوذ على فؤاده، سيموت في سبيل اسطورته الشخصيّة ومن أجل فاطمة، والعلامات في النهاية لم تخطئ، فالعدة هنا وليس عليه أن يأبه بالموت طالما أن النفس الكليّة حاضرة، بعد قليل سيصبح جزءاً منها، وغداً سيصبح العدو جزءاً منها.


اكتفى الغريب بتثبيت رأس السيف على جبهته.
- لماذا قرأت في طيران الصقرين؟
- قرأت فقط ماكانت تريد الطيور أن تحكيه، فهي تريد أن تنقذ الواحة وأنت وجماعتك ستموتون، فرجال الواحة أكثر عدداً منكم ـ وطرف السيف الحاد مايزال موضوعاً على حبهته.
- من أنت كي تغيّر القدر الذي خطته يد الله؟
- خلق الله الجيوش، وخلق الطيور أيضاً، والله هو الذي أطلعني على لغة الطيور، فكل شيء قد كُتب بيد واحدة ـ قال الفتى، متذكّراً ماقاله الجمّال.
أخيراً رفع الفارس سيفه، وأحس الشاب بالانفراج، غير أنه لم يكن يستطيع الهرب.
- حذار من التنبؤات، فعندما تكون الأمور مكتوبة، فليس هناك مجال لتلافيها.
- لقد رأيت جيشاً، ولم أرَ نهاية المعركة.
بدا الفارس مقتنعاً بالاجابة، لكنه بقي محتفظاً بسيفه في يده، ثم سأله:
- ماذا يفعل غريب في أرض غريبة؟
- أبحث عن أسطورتي الشخصيّة، هذا شيء لن تستطيع فهمه أبداً.
أعاد الفارس سيفه إلى غمده، أطلق الصقر الجاثم على كتفه صرخة غريبة، فبدأ الشاب يستريح.
- كان عليَّ أن أمتحن شجاعتك، فالشجاعة هي الفضيلة الأولى لمن يبحث عن اللغة الكونية.
دهش الشاب، هذا الرجل يتحدّث عن أشياء لايعرفها إلا قلّة من الناس.
- يجب عدم الاستسلام إطلاقاً، حتى لو توصّل الانسان في معرفته إلى مدى بعيد ـ تابع الفارس ـ فعليه أن يحب الصحراء، ولكن عليه ألا يثق بها تماماً، فالصحراء هي محك الرجال: إنها تمتحن الانسان من خلال خطواته وتقتل من ينصرف للعبث.
كلماته كانت تذكّره بكلمات الملك العجوز.
ثم أضاف الفارس:
- إن جاء المقاتلون، وإن بقي رأسك فوق كتفيك، فغداً وبعد غروب الشمس تعالَ لأراك.
واليد التي كانت تقبض بالسيف صار فيها سوط، ثم شب الحصان من جديد، مثيراً سحابة من الغبار.
ودلّت اليد الممسكة بالسوط على جهة الجنوب.
الشاب كان قد التقى الخيميائي.


× × ×


صباح الغد كان هناك ألفا رجل مدججين بالسلاح وسط أشجار نخيل الفيّوم، وقبل أن تبلغ الشمس أوج السماء، ظهر عند الأفق خمسمائة محارب.
دخل الفرسان الواحة من الشمال، كانت الحملة سِلميّة، لكن الأسلحة كانت مخبّأة تحت برانسهم البيضاء، وعندما وصلوا بالقرب من الخيمة الكبيرة المنتصبة في مركز الواحة، أظهروا سيوفهم المعقوفة، وبنادقهم وهاجموا خيمة خالية.
طوّق رجال الواحة فرسان الصحراء، وفي ظرف نصف ساعة، كانت هناك أربعمائة وتسعة وتسعين جثة مبعثرة على الأرض، كان الأطفال في الجهة الأخرى من بستان النخيل، ولم يروا شيئاً، والنساء كنَّ في الخيم يبتهلن من أجل أزواجهن، وهنَّ لم يرين شيئاً أيضاً.
وعلى الرغم من كثرة الجثث الهامدة في كل مكان، فإن الواحة بدت وكأنها تعيش يوماً عادياً.
محارب واحد فقط نجا من الموت في الموقعة، هو ذاك الذي كان يقود المقتحمين، وقد اقتيد في المساء ليمثل أمام شيوخ القبائل الذين سألوه عن سبب انتهاكه لحرمة التقاليد.
أجاب أن رجاله كانوا يقاسون الجوع والعطش، منهكين من المعركة التي طال أمدها، فعزموا على الاستيلاء على واحة ما، كي يستطيعوا استئناف القتال.
أعرب شيخ الواحة عن حزنه تجاه هؤلاء المحاربين الذين كان ينبغي عليهم احترام التقاليد في أي ظرف كان، فالشيء الوحيد الذي يتغير في الصحراء هو الكثبان عندما تهب الريح.
ثم حكم الشيخ على المعادي بميتة غير مشرّفة، فبدل أن يُقتل بالسلام الأبيض، أو بطلقة من بندقية، فإنه سيموت شنقاً، معلقاً بجذع نخلة يابسة، وستبقى جثّته تتأرجح في مهب ريح الصحراء.
استدعى شيخ القبيلة الشاب الغريب، وأعطاء خمسين قطعة ذهبيّة، ثم ذكّر من جديد بسيرة يوسف في مصر، وطلب من الشاب أن يظل اعتباراً من الآن مستشار القبيلة.


× × ×


عندما غابت الشمس، وبدأت أولى النجوم بالظهور، ( لم تكن تلمع كثيراً لأن القمر كان بدراً)، ذهب الشاب نحو الجنوب ولم يكن هناك إلا خيمة واحدة، وحسب بعض العرب الذين كانوا يمرّون من هناك فإن المكان مسكون بالجن، لكنّه جلس وانتظر طويلاً.
ظهر الخيميائي بينما كان القمر مايزال عالياً في السماء حاملاً على كتفه صقرين ميتين.
- ها أنذا ـ قال الشاب.
- كان ينبغي عليك أن تكون هنا، أم أن أسطورتك الشخصيّة اقتضت عليك المجيء؟
- هناك حرب بين العشائر وليس من الممكن عبور الصحراء.
نزل الخيميائي عن حصانه، وأشار إلى الشاب أن يدخل معه خيمته، كانت مشابهة لكل الخيام التي تمكّن من رؤيتها في الواحة، باستثناء الخيمة المركزية الكبيرة التي تذكر فخامتها بحكايات الجن.
جال بنظره باحثاً عن أجهزة وعن أفران خيمياء، لكنه لم ير شيئاً من ذلك، كان هناك فقط أكداس من الكتب، وموقد صغير لتحضير الطعام، وسجادات مزخرفة برسوم غريبة.
- أجلس سأحضر الشاي ـ قال الخيميائي ـ وسوف نأكل معاً هذين الصقرين.
تساءل الشاب، إن كان هذان الصقران، هما نفسهما اللذان رآهما عشيّة البارحة، لكنه لم يقل شيئاً.
أشعل الخيميائي النار، وبعد قليل عبقت في الخيمة رائحة لحم شهيّة، كانت ألطف بكثير من رائحة النرجيلة.
- لماذا كنت تريد رؤيتي؟ سأل الشاب.
أجاب الخيميائي:
- بسبب العلامات، فالريح قد أخبرتني بأنك ستأتي وبأنك ستحتاج للمساعدة.
- لا ليس أنا، إنه الغريب الآخر، فالانكليزي هو الذي كان يبحث عنك.
- سينبغي عليه أن يجد أشياء أخرى قبل أن يراني، لكنه على الطريق الصحيحة، فقد بدأ بتمعّن الصحراء.
- وأنا؟
- عندما يريد الإنسان شيئاً، فإن الكون كلّه يتضافر ليسمح له بتحقيق حلمه ـ قال الخيميائي مردداً كلمات الملك العجوز.
فهم الشاب، أن إنساناً آخر ينتظره، كي يقوده إلى أسطورته الشخصيّة.
- ستعلّمني إذن.
- كلا، فأنت تعرف مسبقاً ماعليك معرفته وبكل بساطة سأرشدك فقط إلى الدرب التي تقودك إلى كنزك.
- هناك الحرب بين العشائر ـ كرّر الشاب.
- لكنني أعرف الصحراء.
- لقد وجدتُ كنزي، لدي جمل، والمال الذي كسبته من متجر الزجاجيّات، والقطع الذهبيّة الخمسون، فأنا أسطيع أن أكون إنساناً غنيّاً في بلدي.
- لاشيء من كل هذا يوجد قرب الأهرامات.
- لديَّ فاطمة، إنها أعظم كنز استطعت الحصول عليه.
- هي أيضاً ليست قرب الأهرامات.
أكلا الصقرين بصمت، وفتح الخيميائي زجاجة، وصبَّ منها سائلاً أحمر في قدح ضيفه، كان نبيذاً من أطيب انواع النبيذ التي شربها في حياته.
- لكن الشرع يحرّم الخمر.
رد الخيميائي:
- الشر ليس بما يدخل فم الانسان، وإنما بما يخرج منه.
وما إن شرب حتى أخذ يحس بأنه على أحسن مايرام، لكن الخيميائي كان يخيفه قليلاً. ثم ذهبا ليجلسا خارج الخيمة، وبدآ يتأملاّن نور القمر الذي يغمر ضوء النجوم.
- اشرب وتمتع بجزء من وقتك ـ قال الخيميائي ملاحظاً أن الشاب أصبح مرحاً أكثر فأكثر ـ واستراح دائماً كما يستريح مقاتل قبل ذهابه إلى المعركة، لكن لاتنسَ أن فؤادكَ يوجد حيث يوجد كنزك، ولابد لكنزك أن يُكتشف، حتى يكون هناك معنى لكل ماكتشفته في دربك.
- بعْ جملكَ غداً، واشترِ حصاناً، فالجمال غدّارة، لأنها تقطع آلاف الخطوات دون أن تدعك ترى أية دلالة على أنها متعبة، وفجأة تخرّ على ركبها وتموت، أما الخيول فإنها تتعب تدريجياً وستعرف دائماً الحدّ الذي يمكنك أن تطالبها به، واللحظة التي ستموت فيها.


× × ×


وفي الغد وصل الفتى أمام خيمة الخيميائي، ممتطياً حصاناً، انتظر لحظة حتى ظهر له راكباً بدوره حصاناً، والصقر جاثم على كتفه الأيسر.

قال الخيميائي:
- أرني الحياة في الصحراء، فوحده الذي يستطيع أن يجد فيها الحياة يستطيع أن يكتشف فيها الكنوز.
مضيا في طريقهما عبر الرمال، وضوء القمر يغمرهما.
- لستُ أدري إن كنت سأنجح في إيجاد ثمة حياة في الصحراء ـ فكّر الشاب ـ فأنا لا أعرف الصحراء بعد.
أراد أن يلتفت كي يعلن للخيميائي عن فكرته، لكنه كان يخافه، وهاهما قد وصلا الآن إلى المكان الكثير الحصى حيث كان قد رأى فيه الصقرين في السماء.
الآن، كل شيء كان يلّفه الصمت والريح.
لا أستطيع التواصل إلى لقاء الحياة في الصحراء، فأنا أعلم أنها موجودة، لكنني لا أتوصل إلى إيجادها.
- الحياة تجذب الحياة ـ أجاب الخيميائي.
فهم الشاب ماكان يقصد بقوله، وفي الحال أرخى عنان حصانه الذي أخذ يعدو على هواه وسط الحجارة والرمال، كان الخيميائي يتبعه واستمر حصان الشاب يسير هكذا لمدة نصف ساعة.
لم يكن الرجلان يستطيعان أن يميّزا نخيل الواحة، لم يكن هناك إلا صفاء السماء العجيب، يجعل الصخور تلمع كلمعان الفضّة، وفجأة وفي مكان لم يأت إليه مطلقاً من قبل أحس الشاب أن مطيته قد توقفت.
- هنا توجد الحياة ـ قال الخيميائي ـ فإنني لا أعرف لغة الصحراء، لكن حصاني يعرف لغة الحياة.
تسمرّا في الأرض، لم يقل الخيميائي شيئاً، بل أخذ في تأمّل الحجارة وهو يتقدّم ببطء.
توقف فجأة وانحنى بدراية فائقة، فإن جحراً كان هناك في الأرض بين الأحجار، أدخل الخيميائي فيه يده، ثم مدّ ذراعه كلّها حتى الكتف، شيء ما تحرّك هناك في الداخل، واغمضت عينا الخيميائي لتشهدا على الجهد الذي كان يبذله، يبدو أن اليد كانت في عراكٍ مع مايوجد داخل الجحر. وثب الكيميائي وثبة أخافت صاحبه وقد سحب ذراعه ونهض واقفاً، كانت يده تمسك بأفعى من ذيلها.
قفز الشاب إلى الخلف، حيث كانت الأفعى تتخبط بجنون، وتُصدر فحيحاً يقطع صمت الصحراء، إنه ثعبان كوبرا يمكن لسمّه أن يقتل رجلاً في بضعة دقائق.
- حذار من السّم ـ نبهه الشاب.
لكن الخيميائي الذي أدخل يده في الحجر لا بد أن يكون قد لُسع، على الرغم من ذلك كانت هيئته مشرقة.
الخيميائي رجل طاعنٌ في السن وهو يبلغ من العمر مائتي عام. هكذا كان قد قال له الانكليزي، ولابد أنه يعرف كيف يتعامل مع ثعابين الصحراء.
رأى الشاب صاحبه يعود إلى حصانه، ويتناول سيفه الهلالي الكبير، وبه رسم دائرة على الأرض، ثم وضع الأفعى وسط هذه الدائرة، وفي الحال شلّت حركتها.
- لاتقلق ـ قال الخيميائي ـ فهي لن تخرج من هنا أبداً، وقد اكتشفت الحياة في الصحراء، إنها العلامة التي أحتاجها.
- لِمَ ؟ هل لذلك أهميّة كبيرة؟
- لأن الأهرامات تقع وسط الصحراء.
لم يكن الشاب يريد أن يسمع حديثاً عن الأهرامات، فؤاده كان مُجهَداً وحزيناً منذ مساء الأمس، وجدّه في طلب الكنز يعني في الحقيقة تخليه عن فاطمة.
قال الخيميائي: سأقودك عبر الصحراء.
- أريد البقاء في الواحة ـ أجاب الفتى ـ لقد التقيت بفاطمة، وهي أغلى لدي من أي كنز,
- فاطمة بنت الصحراء، فهي تعلم أن على الرجال الرحيل كي يعودوا. هي وجدت كنزها الذي هو أنت، وهي تنتظر منك أن تجد ماتبحث عنه.
- وإن قررتُ البقاء؟
- ستكون مستشار الواحة، وستملك من الذهب مايكفي لشراء عدد جيد من الأغنام والجمال وستتزوج فاطمة، وستعيش سعيداً.
في السنة الأولى ستتعلم حب الصحراء، وستعرف كل نخلة من أشجار نخيلها الخمسين ألفاً، ستدرك كيف تنمو، وسوف تريك عالماً لا يتوقف أبداً عن الغيير، وستصبح ضليعاً في تحليل العلامات، لأن الصحراء أعظم معلّم بين المعلّمين.
في السنة الثانية، ستتذكر وجود الكنز، والعلامات ستحدّثك عنه بإلحاح، وستحاول ألا تهتم بذلك، وستسخّر معارفك لخير الواحة وساكنيها فقط، وسيكون شيوخ القبائل في غاية الامتنان لك، وجِمالك ستجلب لك الغنى والسلطة.
في السنة الثالثة، ستستمر العلامات في التحدّث عن الكنز، وعن أسطورتك الشخصيّة، ستقضي الليالي هائماً على وجهك في الواحة، وستصبح فاطمة حزينة لأن مسيرتك انقطعت بسببها، لكنك ستستمر في حبها لك وستتقاسمان هذا الحب، ستتذكر أنها لم تطالبك البقاء، لأنها امرأة من الصحراء، تحسن انتظار عودة زوجها، لن تحقد عليها، لكنك ستمشي الليالي في رمال الصحراء، وسط أشجار النخيل، ظانّاً أنك ربما كنت تستطيع متابعة طريقك، مُعتمداً أكثر على حبك لفاطمة، لأن ما سيجعلك تبقى في الواحة هو فقط خوفك من عدم تمكّنك من الرجوع إليها أبداً، وعندما تصل إلى هذا الحدّ فإن العلامات ستبيّن لك أن كنزك قد توارى إلى الأبد تحت التراب.
في السنة الرابعة، ستتخلى عنك العلامات، لأنك لم ترد الاصغاء لها وسيفهم ذلك شيوخ القبائل وسوف تُخلع من عملك كمستشار، ستصبح عندئذٍ تاجراً ثريّاً، يملك عدداً من الجِمال، ووفرة من البضائع، لكن ستقضي مابقي من أيامك هائماً وسط أشجار النخيل والصحراء، وأنت تعرف أنك لم تكمل أسطورتك الشخصيّة، وعندما يحصل ذلك فهذا يعني أنه لم يكن يحباً حقيقياً، ذاك الذي يتكلّم اللغة الكونية.
محى الخيميائي الدائرة التي خطّها على الرمل، وثعبان الكوبرا هرب بسرعة ليختفي بين الحجارة.
كان الفتى يتخيّل تاجر الزجاجيّات الذي طالما أراد الذهاب إلى مكة، والانكليزي الذي يبحث جاهداً عن الخيميائي، وامرأة تثق بالصحراء التي ساقت إليها الانسان الذي أحبه قلبها.
امتطيا حصانيهما، وفي هذا المرّة فإن الشاب هو الذي تبع الخيميائي. كانت الريح تحمل ضجيج الواحة، وكان الشاب يحاول التعرّف على صوت فاطمة، ففي ذلك اليوم لم يتمكّن من الذهاب إلى البئر بسبب المعركة. لكن في تلك الليلة، وبينما كان يشاهد الثعبان داخل الدائرة، فإن الفارس الغريب مع صقره الذي يحط على كتفه، قد تكلّم عن الحب والكنوز وعن نساء الصحراء وعن أسطورته الشخصيّة.
- سأذهب معك ـ قال الشاب، وأحس فوراً بالأمان يستقر في داخله.
- سننطلق غداً قبل شروق الشمس.
كانت هذه هي إجابة الخيميائي الوحيدة.


× × ×


لم يستطع الشاب أن ينام تلك الليلة، فقبل الفجر بساعتين أيقظ وحداً من الفتيان الذين في الخيمة، وطلب منه أن يرشده إلى مكان سكنى فاطمة.
خرج الإثنان وذهبا إلى هناك.
وبالمقابل أعطى الشاب لديله مايكفي لأن يشتري له نعجه، ثم ترجاه أن يبحث عن خيمتها، وأن يوقظها، ويخبرها بأنه ينتظرها في الخارج، نفذّ الفتى العربي مهمّته، وتلقى كأجر مالاً يكفي لشراء نعجة أخرى.
- الآن دعنا وحدنا ـ قال للفتى الذي عاد وهو يشعر بالسعادة لمساعدته مستشار الواحة، وماكسبه من مال يكفي لشراء نعجتين.
ظهرت فاطمة على باب الخيمة، فراحا يتمشيّان معاً وسط أشجار النخيل، كان يعلم أن هذا مُخالف للتقاليد التي يقدّر أهميّتها في هذه اللحظة.
قال:
- سأرحل وأريد أن تعلمي أنني سأعود، أنا أحبك لأن ...
- لاتقل شيئاً ـ قاطعته فاطمة ـ إننا نحب لأننا نحب، لايوجد سبب آخر كي نحب.
مع ذلك فقد استأنف:
- أحبكِ لأنني رأيت حلماً، ثم التقيتُ ملكاً، بعت الزجاجيّات، عبرت الصحراء، ثم تقاتلت العشائر، وجئت قرب بئر لأعلم أين يسكن خيميائي، أحبك لأن الكون كلّه قد تضافر ليوصلني إليكِ.
تعانقا، وكانت تلك المرة الأولى التي يتلامس فيها جسداهما.
- سأعود ـ قال الشاب أيضاً.
- من قبل، عندما كنت أنظر إلى الصحراء، فقد كنت أنظر إليه بشوق، أما الآن فسوف يستحيل هذا الشوق إلى أمل، فقد سافر والدي ذات يوم، لكنه عاد إلى أمي، ومايزال يعود في كل مرة يسافر فيها.
لم يقولا شيئاً بعد، وإنما مشيا قليلاً وسط صريمة النخيل ثم أوصلها حتى مدخل خيمتها.
- سأعود مثلما عاد أبوكِ إلى أمكِ ـ قال لها، وقد لاحظ أن عينيها قد اغرورقتا بالدموع.
- أنتِ تبكين؟
- صحيح أنني بنت الصحراء ـ أجابت وهي تخفي وجهها ـ لكنني امرأة فوق كل اعتبار.
عادت فاطمة إلى خيمتها، بينما كانت الشمس تشرف على الشروق، وعند مطلع النهار ستخرج لتفعل ماكانت تفعله منذ سنوات، لكن كل شيء قد تغيّر، فالشاب لم يعد في الواحة.

والواحة فقدت ذلك المعنى الذي كانت تنطوي عليه حتى ذلك الحين، لن تصبح بعد الآن، تلك البقعة الكبيرة ذات الخمسين ألفاً من أشجار النخيل، وذات الثلاثمائة بئراً، والتي كان يبتهج الحجيج عند الوصول إليها بعد سفر طويل، واعتباراً من هذا اليوم لن تكون الواحة سوى مكان خاو، منذ الآن ستكون الصحراء أكثر أهمية من الواحة، وستقضي وقتها مراقبة السماء، متسائلة أي نجم سيكون دليل الشاب في بحثه عن كنزه، ولسوف ترسل له قبلاتها عبر الأثير آملة أن تلامس وجهه وتخبره بأنها على قيد الحياة، وأنها بانتظاره، كامرأة تنتظر رجلاً جسوراً يتابع طريقه بحثاً عن الكنوز والأحلام.
من اليوم لن يكون من الصحراء إلا الأمل بعودته ثانيةً.


× × ×


- لاتفكّر بمن خلّفت وراءك ـ قال الخيميائي عندما بدءا مسيرتهما في الصحراء ـ كل شيء منقوش في النفس الكليّة وسيبقى فيها إلى الأبد.
قال الشاب الذي بدأ يألف صمت الصحراء من جديد:
- الرجال لا يحلمون بالعودة أكثر مما يحلمون بالرحيل.
- إن كان ماوجدته يتكوّن من المادة النقيّة فإنه لن يفسد مطلقاً، ولسوف تستطيع العودة إليه يوماً، وإن لم تكن إلا ومضة مؤقتة، كانفجار نجم، فإنك لن تجد شيئاً عند عودتك، ولكنك تكون قد رأيت ضوءاً يومض، وهذا وحده يستحق أن يُعاش.
كان الرجل يتحدّث بلغة الخيمياء، لكن رفيق دربه فهم بأنه يلمّح إلى فاطمة.
لقد كان من الصعب جداً عدم التفكير بمن خلف وراءه، فالصحراء ذات الشكل الواحد في كل مكان لاتتوقف عن الاكتناز بالأحلام، والشاب مازال يرى أشجار النخيل والآبار، ووجه محبوبته، كان يرى الانكليزي ومختبره، والجمّال الذي كان معلّماً وهو لا يعلم ذلك.
- قد يكون الخيميائي لم يحب امرأة في حياته ـ قال لنفسه.
كان الخيميائي يسير في المقدّمة، وعلى كتفه الصقر، إنه يعرف لغة الصحراء، فعندما كانا يتوقفان كان الصقر يفارق كتف الخيميائي ويطير للبحث عن الغذاء، وقد أحضر في اليوم الأول أرنباً بريّاً وفي اليوم التالي طائرين.
في المساء مدَّا أغطيتهما على الأرض، لكنهما لم يشعلا النار. كانت ليالي الصحراء باردة، وظلمتها تشتد أكثر كلما أخذ القمر يفك تصالبه في القبة الزرقاء.
خلال أسبوع بكامله، تقدّما بصمت، لم يتحدّثا إلا عن الاحتراسات التي صارت حتمية لتلافي الوقوع في خضم المعارك الدائرة، فحرب العشائر كانت مستمرة، والريح كانت تحمل أحياناً رائحة الدماء النقيّة، فلعلّ معركة قد شبّت في هذه النواحي، والريح مازالت تذكر الشاب بلغة العلامات المستعدة دوماً أن تكشف له مالا تستطيع عيناه أن تراه.
في مساء اليوم السابع من السفر، قرر الخيميائي أن يخيّم في العراء، أبكر من المعتاد.
انطلق الصقر بحثاً عن طريدة، فتناول الخيميائي قربة من الماء وقدّمها إلى الشاب قائلاً:
- ها أنت ذا ستصل قريباً إلى نهاية رحلتك، لقد تتبّعت أسطورتك الشخصيّة، وأنا أهنئك.
- لكنك قدتني دون أن تقول كلمة، لقد ظننت أنك ستعلّمني علمك كلّه، فمنذ بعض الوقت ألفيت نفسي في الصحراء، بصحبة رجل كان بحوزته كتب في الخيمياء لكنني لم أستطع أن أتعلّم شيئاً.
أجاب الخيميائي:
- ليس هناك إلا طريقة واحدة للتعلّم: " التعلّم بواسطة العمل "، إنه السفر من يعلّمك ماكنتَ بحاجة إلى معرفته، ولا ينقصك إلا شيء واحد.
أراد الشاب أن يعرف ماهو، لكن الخيميائي حافظ على نظره محدّقاً في الأفق يراقب عودة الصقر.
- لماذا يدعونك بالخيميائي؟
- لأنني كذلك.
- وماهو الأمر الذي جعل الخيميائيين يخفقون في بحثهم عن الذهب؟
- لقد اكتفوا بالبحث عن الذهب، فقد بحثوا عن أسطورتهم الشخصيّة دون رغبة بأن يعيشوا الأسطورة نفسها.
- وما الذي مايزال ينقص معرفتي؟ ألحّ الشاب.
- لكن الخيميائي ظل يحدّق في الأفق.
وبعد أن عاد الصقر بفريسته، حفرا حفرة، وأشعلا النار فيها حتى لا يتمكّن أحد من رؤية ضوء اللهب.
- إنني خيميائي، لأنني خيميائي ـ أجاب بينما كانا يحضّران وجبتهما ـ وقد أخذتُ هذا العلم عن أسلافي الذين أخذوه عن أسلافهم، وهكذا على التوالي منذ خلق الكون، حيث كان من الممكن للإنجاز العظيم كلّه أن يكون مكتوباً على زمرّدة بسيطة. لكن البشر لم يعطوا أية أهمية للأشياء البسيطة وبدأوا بكتابة مؤلفات وترجمات ودراسات فلسفية، وادّعوا بأنهم قد عرفوا السبيل بشكل أفضل مما عرفه الآخرون.
سأل الشاب:
- ما الذي كان مدوّناً على لوحة الزمرّد؟
بدأ عندها الخيميائي بالرسم على الرمل، ولم يستغرق معه هذا العمل أكثر من خمس دقائق.
وبينما كان يرسم فقد تذكّر الشاب الملك العجوز، والمكان الي ضمّهما في يوم غابر وقد بدا له ذلك مغرقاً في القدم.
قال الخيميائي:
- هذا ماسُجّل على لوح الزمرّدة.
عندما انتهى، اقترب الشاب وقرأ الكلمات المكتوبة على الرمل.
- إنها رموز ـ قال وقد خاب ظنّه قليلاً بلوح الزمرّد، وحسبها تلك التي كانت موجودة في كتب الإنكليزي,
أجاب الخيميائي:
- لا إنه كطيران الصقرين. ولا ينبغي لهذا أن يفهم وذلك لسبب وحيد: هو أن لوح الزمرّد معبر مباشر يفضي إلى النفس الكليّة، ولقد فهم الحكماء أن هذا العالم الطبيعي ليس إلا صورة مشابهة او نسخة عن الجنّة، وطالما أن العالم موجود، فهذا وحده دليل كاف على أن هناك عالماً أكثر كمالاً منه، وقد خلقه الله كي يستطيع البشر إدراك تعاليمه الروحانية، ومعاجز حكمته، وهو ما أدعوه بالعمل.
- هل يتوجب عليَّ أن أفهم لوح الزمرّد ـ سأل الشاب.
- ربما، فلو كنت في مخبر خيميائي، لتسنّت لك دراسة أفضل الطرق لفهم لوح الزمرّد، لكنك في الصحراء، فخير لك أن تتوغل بها أكثر، فهي تفيد بفهم الكون أكثر من أي شيء آخر على سطح الأرض، حتى أنك لست بحاجة إلى فهم الصحراء، بل يكفي أن تتأمل حبة رمل بسيطة، لترى فيها عجائب الخلق كلّها.
- كيف عليّ أن أتصرّف كي أوغل في رحم الصحراء؟
- أصغِ إلى قلبك، إنه يعرف كل شيء، لأنه وُلد من النفس الكليّة، وإليها ذات يوم سيعود.


× × ×


سارا بصمت طيلة يومين، بدا الخيميائي محترساً أكثر، لأنهما كانا يقتربان من منطقة المعارك الأكثر ضراوة، بينما كان الشاب يجهد نفسه في سبيل الإصغاء إلى قلبه.
كان قلباً عصيّاً على الاستجابة، فمن قبل كان مستعداً دائماً للرحيل، أما الآن فهو يريد الوصول مهم كلّف الثمن.
لقد روى له قلبه مرّات عديدة قصصاً تلهب عنده الحنين إلى الوطن، وأحياناً كان قلبه يتأثر عن شروق الشمس في الصحراء، فيجعله يبكي ويبكي في الخفاء، لكنّه كان يخفق بسرعة عندما يحدّثه عن الكنز، وتتباطأ دقاته كلّما شردت عينا الفتى في أفق الصحراء اللامتناهي.
غير أنه لم يكن ليصمت أبداً حتى عندما لم يكن الشاب يتبادل أية كلمة مع الخيميائي.
- لماذا علينا أن نصغي إلى قلوبنا ؟ ـ سأل في ذلك المساء بينما كانا يتوقفان في استراحة.
- لأنه حيث يكون قلبك يكون كنزك.
قال الشاب:
- قلبي مضطرب، إنه يحلم، يفكّر، وهو عاشق لفتاة من الصحراء، ويطالبني بأشياء تقضّ مضجعي عندما أفكّر بها.
- هذا جيّد فقلبك حيّ، واظب على الاصغاء لما يقوله لك.
وخلال ثلاثة أيام متتالية، التقيا عدة مقاتلين، ولمحا آخرين أيضاً عند خط الأفق، بدأ قلب الشاب يتحدّث عن الخوف، روى قصصاً قد سمعها من النفس الكليّة، قصص عن رجال ارتحلوا بحثاً عن كنوزهم، لكنهم لم يجدوها على الإطلاق.
كان قلبه يخيفه أحياناً، من احتمال فكرة عدم توفقه في إدراك الكنز، أو احتمال موته في الصحراء، أو كان يقول له بأنه الآن راضٍ من فوزه بلقاء حبه واكتسابه العدد كبير من القطع الذهبيّة.
- قلبي خائن ـ قال الشاب للخيميائي عندما توقفا لإراحة حصانيهما ـ إنه لا يريد لي أن أتابع طريقي.
أجاب الخيميائي:

- هذا جيّد، فهذا برهان على أن قلبك يحيا، وإنه لشيء طبيعي أن تخاف مبادلة كل مانجحت في الحصول عليه من قبل مقابل حلم.
- إذن لماذا عليّ أن أصغي إلى قلبي؟
- لأنك لن تتوصل أبداً إلى إسكاته، حتى لو تظاهرت بعدم سماع ما يقوله لك، سيبقى هنا في صدرك، ولن ينقطع عن ترديد مايفكّر به حول الحياة والكون.
- حتى وهو خائن.
- الخيانة هي الضربة التي لاتتوقعها، وإن كنتَ تعرف قلبك جيّداً، فإنه لن يستطيع مباغتتك على حين غرّة، لأنك ستعرف أحلامه، ورغباته وستعرب كيف تتحسب لها، لا أحد يستطيع التنكّر لقلبه، ولهذا يكون من الأفضل سماع مايقول كي لايوجه لك ضربة لم تكن تتوقعها أبداً.
تابع الفتى الإصغاء إلى قلبه بينما كانا يتقدّمان في الصحراء، وقد توصّل إلى معرفة حيله ومناوراته، وانتهى إلى قبوله كما هو عليه، عندئذٍ أحجم عن الخوف، وعن الرغبة في العودة على أعقابه، لأن قلبه قال له ذات مساء أنه كان مسروراً: " حتى لو تذمرت قليلاً، فهذا لأنني قلب رجل وقلوب الرجال هي هكذا دوماً، إنهم يخافون تحقيق أعظم أحلامهم، لأنهم يظنون إنهم إما لا يستحقّون بلوغها، أو لا يستطيعون النجاح في بلوغها، فنحن القلوب نموت لمجرّد التفكير بحب توارى إلى الأبد، أو بلحظات وُئِدت، وكان من الممكن لها أن تكون رائعة، وبالكنوز التي لم يُقدّر لها أن تُكتشف وبقيت مطمورة في الرمال، وأخيراً عندما يحصل هذا فإننا نتعذّب بشكل رهيب ".
- إن قلبي يخشى العذاب ـ قال الشاب للخيميائي في ليلة كانا يراقبان فيها السماء المظلمة.
- قل له إن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه، وليس هناك من قلب يتعذّب عندما يتبع أحلامه، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله و الخلود.
- كل لحظة في البحث هي لحظة لقاء ـ قال الشاب لقلبه ـ عندما كنت أبحث عن كنزي، فإن أيامي كلها كانت ساطعة، لأنني علمت أن كل ساعة تمر كانت جزءاً من حلم إيجاده، عندما كنت أبحث عن كنزي اكتشفت في طرقي أشياء لم أكن أحلم أبداً بمصادفتها لو لم أملك الشجاعة لمحاولة القيام بأشياء مستحيلة على الرعاة.
دبت الطمأنينة في قلبه طيلة مابعد ظهيرة ذلك اليوم، وفي الليل نام بهدوء، وعندما أفاق أخذ قلبه يقصّ عليه أشياء عن النفس الكليّة، قال إن كل رجل سعيد كان هو ذاك الذي اعتنق الله في داخله، وأنه يمكن للسعادة أن تكون موجودة في حبة رمل بسيطة في الصحراء على حد قول الخيميائي، لأن حبة الرمل هي لحظة من عملية الخلق، وأن الكون قد كرّس ملايين وملايين السنين في خلقها.
- " لكل امرئ على الأرض كنزه الذي ينتظره ـ قال له قلبه ـ فنحن القلوب، نادراً مانتحدّث عنها، لأن البشر لايريدون العثور على هذه الكنوز، نحن لا نتحدّث عنها إلا للأطفال الصغار، وبعد ذلك ندع للحياة أن تتحمّل مسئولية قيادة كل واحد نحو قدره، ولسوء الحظ فإن قليلاً من البشر يتبعون الدرب الذي خطّته لهم الحياة، والذي هو سبيل الوصول إلى الأسطورة الشخصيّة وإلى السعادة.
جلّ الناس ينظرون إلى العالم كمصدر تهديد، ولهذا السبب فإن العالم يصبح في الواقع شيئاً مهدداً، عندئذٍ فإننا نحن القلوب نبادر إلى الحديث بصوت منخفض أكثر فأكثر لكننا لانصمت إطلاقاً، ونتمنّى بألا يكون كلامنا مسموعاً، نحن لانريد للبشر أن يتعذّبوا لأنهم لم يسلكوا الطريق التي أرشدناهم إليها ".
- لماذا لاتقول القلوب للناس أن عليهم ملاحقة أحلامهم ؟ سأل الشاب الخيميائي.
- لأن القلب هو من يتعذّب في هذه الحالة، والقلوب لاتحب العذاب.
منذ ذلك اليوم، أصغى الشاب إلى قلبه فطلب منه ألا يتخلّى عنه أبداً، وأن ينقبض في صدره عندما يكون بعيداً عن أحلامه وأن يعطيه إنذار الخطر، وأقسم أنه سيأخذ حذره في كل مرة يسمع فيها هذا الإنذار.
- ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ سأل الشاب.
قال الخيميائي:
- واصل السير باتجاه الأهرامات، وابق متيقظاً للعلامات، فقلبك الآن قادر أن يدلّك على مكان الكنز.
- كان هذا إذن ما أجهله حتى الآن ؟!
- لا، والشيء الذي ماتزال معرفتك تفتقر إليه هو التالي:
" قبل تحقيق حلم ما، تريد النفس الكليّة أن تُقوّم كل ما اكتسبه المرء أثناء تجواله، وعندما تفعل، فليس ذلك نتيجة عدوانيّة تجاهنا، وإنما كي نستطيع وحلمنا اكتساب الدروس التي تعلمناها ونحن ماضون نحوها، إنها اللحظة التي يتراجع فيها معظم الناس، وهذا مانسميه بلغة الصحراء: الموت عطشاً عندما تكون أشجار النخيل على مرمى النظر في الأفق. إن أي بحث يبدأ بحظ المبتدئ، ويكتمل بامتحان الفاتح ".

تذكّر الشاب المثل الشعبي القديم والشائع في بلده الذي يقول:
" أشدّ ساعات اليوم ظلمة هي تلك التي تسبق طلوع الشمس ".


× × ×


أولى إشارات الخطر الحقيقي بدت في الغد، فقد ظهر ثلاث محاربين، وسألوا المسارفين لدى اقترابهم منها، عمَّ كانا يفعلان هناك.
أجاب الخيميائي:
- جئت لأصطاد مع صقري.
- علينا أن نفتّشكما كي نرى إن كنتما لاتحملان أسحلة ـ قال أحد المقاتلين.
نزل الخيميائي عن حصانه بكل هدوء، وصاحبه حذا حذوه.
- لماذا كل هذا المال؟ سأل المقاتل لذى رؤيته كيس نقود الشاب.
- للوصول حتى مصر.
الرجل الذي كان يفتّش الخيميائي وجد معه قارورة صغيرة من الزجاج مليئة بسائل، وبيضة من الزجاج صفراء اللون بحجم بيضة الدجاج تقريباً.
- ماهذا؟ سأل.
- إنه حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة، إنجاز الخيميائيين العظيم، من يشرب من هذا السائل لن يتعرّض للمرض أبداً، وإن كسرة صغيرة جداً من هذا الحجر تحوّل أي معدن إلى ذهب.
انفجر الرجال الثلاثة ضحكاً، وشاركهم الخيميائي بالضحك، فقد وجدوا الجواب مضحكاً، ثم سمحوا لهما بالذهاب مع كل مايملكانه دون أن يعرقلا مسيرتهما أكثر.
- هل أنت مجنون ؟! ـ سأل الشاب، عندما صارا على مسافة منهم ـ لماذا أجبتَ هكذا؟
- كي أظهر لك واحداً من قوانين العالم، قانوناً بسيطاً للغاية: " عندما تكون كنوزنا قريبة جداً منا، فإننا لا نلاحظها أبداً، أتعلم لماذا؟ لأن الناس لا يؤمنون بالكنوز ".
تابعا مسيرهما في الصحراء، وكلما كانت الأيام تمرّ كان قلب الشاب يميل أكثر فأكثر إلى الصمت. لم يكن ليهتم بأشياء الماضي أو المستقبل بل اكتفى بتأمل الصحراء والارتواء مع الشاب من النفس الكليّة. فقلبه وهو صارا صديقين حميمين غير قادرين بعد الآن على أن يخون أحدهما الآخر.
فعندما كان القلم يتكلّم، كان بقصد حث وتشجيع الشاب الذي كان يجد أيام الصمت الطويلة متعبة بشكل مقيت، وللمرة الأولى حدّثه قلبه عن مزاياه العظيمة: الشجاعة التي هوّنت عليه هجران أغنامه ليعيش أسطورته الشخصيّة، والحماس الذي أبداه في متجر الزجاجيّات.
أخبره بشي آخر لم يلاحظه الشاب من قبل: الأخطار التي كان يسير بمحاذاتها ولم يتبيّنها، ففي إحدى المرّات كان قد أخفى المسدس الذي اختلسه من أبيه، وأوشك فعلاً أن يصيب نفسه به، ذكّره في يوم كان قد تألّم فيه، وهو في وسط الريف: تقيأ، ثم نام زمناً لابأس به، بينما كان هناك اثنان من قطّاع الطرق على مسافة منه، وكانا قد عزما على سرقة أغنامه واغتياله، وعندما لم يأت فقد رحلا ظناً منهما بأنه غيّر خط سيره.
سأل الشاب الخيميائي:
- هل القلوب تكون عوناً للناس دائماً؟
- إنها تساعد فقط الذين يعيشون أسطورتهم الشخصيّة، لكنها تساعد كثيراً الأطفال، والسكّيرين والمسنّين.
- هل هذا يعني أن الخطر لاوجود له؟
- هذا يعني بكل بساطة أن القلوب تعمل كل مابوسعها ـ أجاب الخيميائي.
مرّا ذات مساء على مضرب خيام لإحدى العشائر المتحاربة، حيث كان هناك الكثير من الأعراب بزيّهم الرائع، وأسلحتهم الجاهزة، كان الرجال يدخّنون النرجيلة ويثرثرون، متحدّثين عن الحروب، لكن أحداً لم يعر اهتماماً للمسافرين.
- لايوجد أي خطر ـ قال الشاب بعد أن ابتعدا.
غضب الخيميائي قائلاً:
- ثق بقلبك، ولاتنسَ أبداً أنك في الصحراء، فعندما يتحارب الناس فإن النفس الكليّة هي أيضاً تسمع صيحات القتال، ولا أحد في منجى مما يمكن أن يحصل تحت السماء.
- كل شيء هو شيء واحد وفريد ـ قال الشاب في نفسه.
وفجأة ظهر فارسان وراء المسافرين، فكأن الصحراء كانت تريد أن تثبت حكمة الخيميائي الشيخ.
قال أحدهما:
- لن تستطيعا المضي بعيداً، فأنتما في منطقة المعارك.
- أنا لستُ بذاهب إلى أبعد من ذلك.

قال الخيميائي وهو ينظر في عيون المحاربين اللذين لم ينبسا ببنت شفة للحظات، ثم أذنا لهما بمتابعة المسير، كان الشاب قد عاين الموقف وهو مفتون.
- لقد قهرتهما بنظرتك ـ قال.
أجاب الخيميائي:
- العيون تظهر قوّة الروح.
- كان هذا صحيحاً ـ حدّث الشاب نفسه ـ فقد تذكّر أن مقاتلاً في جمهرة محاربي المخيّم قد حدّق بالخيميائي وبه، علماً بأنه كان بعيداً، بشكل لا يمكن للمرء أن يميّز ملامحه، لكنه كان متأكداً من مراقبته لهما.
أخيراً، وبينما كانا يتأهّبان لاجتياز سلسة جبلية كانت تمتج على طول الأفق، قال الخيميائي بأنهما صارا على مسافة يومين، حتى يصلا إلى الأهرامات.
- إن كان ينغي علينا أن نفترق عما قريب، فأرجو أن تعلّمني الخيمياء ـ قال الشاب.
- أنت تعرف مسبقاً مايجب عليك معرفته، ليس عليك إلا أن تنفذ داخل النفس الكليّة، وأن تكتشف الكنز، الذي تدّخره لكل واحد منا.
- ليس هذا ما أريد معرفته، إنني أتكلّم عن تحويل الرصاص إلى ذهب.
احترم الخيميائي صمت الصحراء، ولم يجب إلا في اللحظة التي توقفا فيها كي يأكلا:
- كل شيء يتطوّر في الكون، وبالنسبة للذين يعلمون، فإن الذهب هو أكثر المعادة تطوّراً، لاتسألني لماذا، فأنا أجهل ذلك، أنا أعلم فقط أن ما تعلمه التقاليد هو دائماً صحيح، لكن البشر هم الذين أخطئوا في تفسير كلام الحكماء، وبدل أن يكون الذهب رمزاً للتطوّر فقد صار علامة للحرب.
- الأشياء تتحدّث بلغات عديدة، فقد لاحظت أن رغاء الجمل، لم يكن إلا مجرّد رغاء، ثم تحوّل إلى إشارة تنذر بالخطر، ثم عاد أخيراً مجرّد رغاء ـ أراد الشاب أن يقوله لكنّه صمت، فلا شك أن الخيميائي يعرف هذا كلّه.
- عرفت خيميائيين حقيقين ـ أردف الخيميائي ـ كانوا ينزوون في مختبراتهم، وكانوا يحاولون التطوّر كالذهب، وقد اكتشفوا حجر الفلاسفة، هذا لأنهم قد أدركوا أنه عندما يتطوّر شيء ما فإن كل ماحوله يتطوّر أيضاً، وآخرون نجحوا مصادفة باكتشاف الحجر، فهم كانوا من الموهوبين، وأرواحهم كانت متيقظة أكثر من أرواح الآخرين، لكن هؤلاء لم يُؤخذوا بالحسبان لأنهم قلة، وأخيراً هناك آخرون كانوا يبحثون عن الذهب فقط، وهؤلاء لم يتوصلوا إلى السر أبداً، فقد غرب عن بالهم أن الرصاص والحديد والنحاس، هم أيضاً لهم أسطورتهم الشخصيّة التي يجم اتمامها، وأن من يدخل ويندمج في أسطورة الآخرين، فإنه لن يجد على الإطلاق اسطورته الخاصة.
كلمات الخيميائي كان لها وقع اللعنة في نفسه.
انحنى الخيميائي والتقط قوقعة من الأرض وقال:
- لقد كانت هذه الأرض بحراً من قبل.
- لقد سبق ولاحظتُ ذلك ـ ردّد الشاب.
طلب منه الخيميائي أن يضع القوقعة على أذنه، فهو قد قام بهذه الحركة كثيراً عندما كان طفلاً، وقد سمع منها صوت البحر. فالبحر يقبع دائماً في هذه الصدفة، لأنها أسطورته الشخصية، ولن يفارقها إلى أن تعود البحار وتغمر الصحراء ثانية.
إثر ذلك امتطيا حصانيهما، وأخذا وجهة أهرامات مصر.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما أحسّ الفتى بأن قلبه يعطي إشارة خطر ما، كانا قد أُحيطا بكثبان رميلة هائلة، والشاب نظر إلى الخيميائي، الذي يبدو أنه لم يلاحظ شيئاً، وبعد خمس دقائق لمحا أمامهما مباشرة فارسين، كان خيالاهما يبدوان واضحين من جهة الغرب، وقبل أن يتمكّن من أن يقول للخيميائي أي شيء، فإن عدد الفرسان قد تزايد، بدل الاثنين صار هناك عشرة، ثم مائة. وأخيراً غطّى عدد هائل منطقة الكثبان بكاملها.
كانوا محاربين يرتدون ثياباً زرقاء، ويضعون عقالات سوداء حول العمامات، وجوههم ملثّمة بألثمة زرقاء لا يظهر منها إلا فسحة صغيرة، إنها عيونهم. وعلى الرغم من بعد المسافة، كانت العيون تبدي قوة الروح وتنطق بالموت.

× × ×

اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط بأركانه.
- إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
- نحن لسنا إلا مسافرين ـ أجاب الخيميائي.
- لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
- أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
- من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
- إنه خيميائي ـ قال الخيميائي ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
كان الشاب يصغي وهو خائف.
- ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
- لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ تدخّل الخيميائي قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
- من هو الخيميائي؟ سأل العربي أخيراً.
- إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
- بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
- يلزمنا لذلك ثلاثة أيام ـ أجاب الخيميائي ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
- لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
- لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.

- لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
- وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
لاتستسلم لليأس ـ قال الخيميائي بصوت عذب للغاية ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
- لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
من يعيش أسطورته الشخصيّة، يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
- أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
- حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
- وإن لم أتوصل إلى ذلك.
- ستموت فداءً لنضالك في سبيل أسطورتك الشخصيّة، وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً من وجود أسطورة شخصيّة، لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.

- لاشيء يتغيّر بالموت ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
- كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
عند المساء ذهب الشاء يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
- لا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
- تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .
- ماذا تفعل؟
- أطعم صقري.
- إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
- أنت ستموت ـ أجاب الخيميائي ـ أما أنا، أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
كلاهما كان يتكلّم اللغة نفسها.
في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
- هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
- هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
- إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
- لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
- ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
- أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريخ
- ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
- الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
قالت الصحراء:
- إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
- ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
- هل هذا هو الحب؟
- هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
- لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
- إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
- أقدّم لك رمالي كي تستطيع الريح أن تهب، لكن بمفردي لا أستطيع شيئاً، أطلب مساعدة الريح.
نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
الخيميائي كان يبتسم.
وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
- ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
- من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
- قلبي ـ أجاب الشاب.
الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
- أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
- هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.
- لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
طلب الشاب:
- علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
- هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
قالت الريح:
- خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
أجاب الشاب:
- إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
- ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
- لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
- أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
قال الشاب للشمس:

- أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
اجابت الشمس:
- من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
كرّر الشاب:
- أنتِ تعرفين الحب؟
تابعت الشمس:
- إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.

قال الشاب:
- أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
- لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.
الخيميائيون يتوصّلون إلى تحقيق هذا التحوّل، ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
سألت الشمس:
- ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
- لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
- ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
- أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
- الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
- إلى من أتوّجه إذن؟
- صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
- توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
واندمج الشاب في النفس الكليّة، ورأى أن النفس الكليّة هي جزء من روح الإله، وأن روح الإله هي روحه الخاصة.
وأنه كان يستطيع منذ ذلك الوقت أن يحقق المعجزات. هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
كان الناس مذعورين من الشعوذة، وشخصان كانا يبتسمان آنذاك: الخيميائي لأنه وجد تلميذه الحقيقي، ثم الزعيم، لأن هذا التلميذ قد أدرك مجد الإله.
وفي الغد ودّع الزعيم الشاب والخيميائي، وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان الذي يبغيان الذهاب إليه.

× × ×

مشيا نهاراً كاملاً، وعند هبوط المساء وصلا أمام دير قبطي، فطلب الخيميائي من مرافقيه العودة وترجَّل، ثم قال للشاب:
- ستذهب منذ الآن بمفردك، لم يبق لك إلا ثلاث ساعات من السير كي تصل إلى الأهرامات.
أجاب الشاب:
- شكراً، إنك علّمتني اللغة الكونية.
- لم أعمل إلا على تذكيرك، بما كنت تعرفه مسبقاً.
قرع الخيميائي باب الدير، وجاء راهب يرتدي السواد ليفتح لهما الباب، تحادثا للحظات باللغة القبطية، ثم أدخل الخيميائي الشاب.
- طلبتُ منه أن يسمح لي باستعمال المطبخ لبعض الوقت ـ قال الخيميائي.
ذهبا إلى مطبخ الدير، أشعل الخيميائي النار، وأحضر الراهب قليلاً من الرصاص الذي صهره الخيميائي في وعاء من الحديد، وعندما صار الرصاص سائلاً تناول من جعبته البيضة الصفراء الزجاجية الغريبة التي كانت بحوزته، وكشط عنها قشرة لتتجاوز سماكتها الشعرة، وغلّفها بالشمع، ورماها في الإناء الذي كان يحتوي على الرصاص المصهور، تلوّن المزيج بالأحمر القاني، عندئذٍ رفع الخيميائي الوعاء عن النار، وتركه يبرد، وبانتظار ذلك تجاذب أطراف الحديث مع الراهب الذي كان مساءً ـ فمنذ زمن طويل، قد شلّت حركة القوافل في الجيزة بانتظار نهاية النزاع.
- لكنّها مشيئة الله.
- آمين ـ أجاب الخيميائي.
عندما برد المستحضر، نظر الراهب والشاب بتعجّب، فالمعدن كان قد جفّ حول الجانب الداخل للإناء، لكنّه لم يعد من الرصاص وإنما أصبح من الذهب.
- هل أستطيع أن أتعلّم مافعلته؟ سأل الشاب.
- إنها أسطورتي الشخصيّة، وليست أسطورتك ـ أجاب الخيميائي ـ لكنني أردت أن أبيّن لك أن هذا ممكن.
عاودا إلى مدخل الدير، وهناك جزّأ الخيميائي القرص إلى أربع قطع متساوية.
- هذه لكَ ـ قال وهو يقدّم واحداً من هذه الأجزاء إلى الراهب ـ لقاء كرمك تجاه الحجّاج.
- هذا أكثر مما أستحق بكثير ـ أجاب الراهب.
- لاتتكلّم هكذا، فإن الحياة تستطيع أن تسمعك، وتعطيك الأقل مرة أخرى.
ثم اقترب من الشاب:
- هذا لك كي أعوّضك الذهب الذي سُلب منك، وبقي في حوزة الزعيم الحربي.
أوشك الشاب أن يقول أن هذا أكثر بكثير مما خسره، لكنه سمع ماقال الخيميائي للراهب، فأمسك عن الكلام.

- أما هذه الحصة فهي لي ـ قال الخيميائي ـ لأنه ينبغي عليّ أن أعود من جديد مجتازاً الصحراء، والحرب مازالت مستمرّة بين العشائر.
تناول حينذاك القطعة الرابعة، وأعطاها للراهب أيضاً، هذا الجزء من أجل الشاب الموجود هنا في حال احتاج إليها.
أجاب الشاب:
- لكنني ذاهب للبحث عن كنزي، وها أنذا صرت قريباً جداً منه الآن.
- وأنا متأكد من أنك ستجده ـ قال الخيميائي.
- إذن لماذا هذا الجزء الإضافي؟
- ذلك لأنك فقدت المال الذي جنيته مرتين في غضون سفرك، مرة مع اللص، وأخرى مع الزعيم الحربي، وأنا عربي عجوز أعتقد بحكم وأمثال بلدي، وإليك واحداً منها: مايحصل مرة يمكن ألا يحصل ثانية أبداً، لكن مايحصل مرتين يحصل بالتأكيد مرة ثالثة.
ثم امتطيا فرسيهما.

أوّد أن أقصّ عليك قصّة عن الأحلام ـ قال الخيميائي.
قرّب الشاب حصانه منه.
- " في روما القديمة، وفي عهد الإمبراطور تيباريوس، عاش رجل طيب، كان أبا لولدين، الأول انخرط في الجيش، وأُرسل إلى أقصى أقاليم الإمبراطورية، والثاني كان شاعراً سحر روما بشعره، البديع.
ذات ليلة حلم الأب حلماً، فقد ظهر عليه ملاك ليقول له أن كلام واحد من أبنائه سيُعرف وسيُرَدّد في العالم بأسره، وعبر أجيال المستقبل كلّها. أفاق الرجل العجوز وهو يبكي من الفرح لأن الحياة أظهرت له سخاءها، وتجلّى له الوحي يبشّره بشيء يجعل من أي أب كان أباً فخوراً.
بعد زمن وجيز، مات الأب وهو يحاول إنقاذ طفل أوشك أن يُدهس تحت عجلات عربة، ولمّا كان عادلاً وطيّباً في سلوكه طيلة حياته، فقد صعدت روحه إلى السماء مباشرة، وهناك التقى الملاك الذي كان قد تراءى له في الحلم.
- لقد كنتَ رجلاً طيّباً ـ قال له الملاك ـ عشتَ مُحاطاً بالحب، ومت بكرامة، أستطيع الآن أن أحقق لك واحدة من أمنياتك.
- الحياة أيضاً كانت جميلة بالنسبة لي ـ أجاب العجوز ـ وعندما ظهرت لي في الحلم، قد فهمت أن في هذا مباركة لي، لأن أشعار ولدي ستبقى في ذاكرة الناس إلى الأبد، فأنا ليس لدي أيّ طلب من أجل نفسي، غير أن كل أب يعتزّ بمشاهدة من رعاه صغيراً وهذّبه يافعاً، ذائع الصيت، أتمنى أن تريني كلمات ابني في المستقبل البعيد.
ربّت الملاك على كتف العجوز، ومن ثم انقذفا معاً إلى مستقبل بعيد، فشاهدا أمامها ساحة مكتظّة بآلاف الناس الذين يتكلّمون بلغة غريبة.
بكى العجوز فرحاً، كنت اعلم ـ قال للملاك ـ أن أشعار ابني جميلة وخالدة، ألا تريد أن تقول لي أيّا من قصائده التي يرددها هؤلاء الآن؟
اقترب منه الملاك عندئذٍ، بكثير من اللباقة، وجلسا على أحد مقاعد تلك الساحة الفسيحة وقال له:
- قصائد ابنك الشاعر، كانت شعبيّة جداً في روما، وكل الناس قد أحبوها، واستمتعوا بها، ولكن عندما انتهى حكم تيباريوس، فإنهم نسوها، الكلمات التي يردّدها هؤلاء الناس الآن هي كلمات ابنك الآخر، الجندي.
نظر العجوز للملاك بدهشة، وتابع الملاك:
- ابنك ذهب للخدمة العسكرية في ولاية بعيدة، وصار قائد المائة (سانتوريون) لقد كان رجلاً طيّباً وعادلاً، ذات مساء مرض أحد خدمه وأشرف على الموت، وسمع ولدك برجل اسمه يسوع، كان يشفي المرضى، فقضى أياماً طوالا بالبحث عنه، أثناء تجواله، اكتشف أن من يبحث عنه هو ابن الإله، وقد التقى أشخاصاً آخرين، وقدّر لهم الشفاء على يديه.
فبدأ يتعلّم تعاليمه، ورغم أنه قائد مئة، فقد اعتنق دينه، أخيراً ذات صباح جاء إلى جوار يسوع، روى له أن أحد خدمه كان مريضاً وأبدى يسوع استعداده لمرافقته حتى بيته، لكن قائد المائة، كان رجلاً مؤمناً، فعندما نظر إلى يسوع بعمق، أيقن أنه كان بحق يقف أمام ابن الله، فقد كان الناس المحيطون به ينهضون إجلالاً له.
كانت هذه كلمات ابنك ـ قال الملاك للعجوز. الكلمات لم تكن لتُنسى إطلاقاً: " يارب لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة لاغير فيبرأ فتاي ".
حثّ الخيميائي حصانه على السير.
- على أية حال، إن كل شخص على الأرض يلعب الدور الرئيس في سيرة العالم وهو لايدري.
ابتسم الشاب، لم يكن قد تصوّر إطلاقاً، أنه من الممكن للحياة أن تكون مهمّة جداً بالنسبة لراعٍ.
- وداعاً ـ قال الخيميائي.
- وداعاً ـ أجابه.

× × ×

مشى في الصحراء لمدة ساعتين ونصف الساعة، محاولاً الاصغاء بانتباه لحديث قلبه، فهو الذي سيكشف له المكان المخبأ فيه الكنز.
وتذكّر ماكان الخيميائي يقول: حيث يكون كنزك، يكون قلبك.
لكن قلبي كان يتحدّث عن أشياء أخرى، فقد كان يروي بكبرياء سيرة راعٍ ترك أغنامه من أجل اللحاق بحلم حلم به مرّتين، كان يتحدّث عن الأسطورة الشخصيّة، بالنسبة لكل الرجال الذين قد عملوا الشيء نفسه، ورحلوا بحثاُ عن أراضِ جديدة أو نساء حسناوات، متصدّين لرجال عصرهم، بما حملوا من أفكار وادّعاءات.
طيلة هذه المسافة، كان يتحدّث عن الاكتشافات، عن الكتب، عن الاضطرابات الكبيرة، وبينما كان يجهّز نفسه لتسلّق كثيّب رملي، سمع قلبه يهمس ـ انتبه جيّداً إلى المكان الذي ستبكي فيه، لأنه هو المكان الذي أوجد أنا فيه، وهو المكان الذي تجد كنزك فيه.
أخذ بتسلّق الكثيّب ببطء، كانت السماء مليئة بالنجوم، والبدر يضيئهما من جديد، كانا قد مشيا شهراً كاملاً في الصحراء، وهاهو القمر يضيء الكثيب، وأخذ سحر الظلال يعطي الصحراء هيئة البحر الهائج، كان يعود ويذكر الشاب باليوم الذي أرخى فيه لجام حصانه، وأعطى للخيميائي العلامة التي كان ينتظرها. كان ضوء القمر يغمر صمت الصحراء، وذلك السفر الطويل الذي يقوم به الرجال بحثاً عن الكنوز.
وعندما وصل بعد عدة دقائق إلى قمّة الكثيّب خفق قلبه في صدره: هاهي ذي أمامه تنتصب بعظمة وجلال أهرامات مصر، يضيئهما ضوء القمر.
جثا على ركبتيه وبكى، وشكر الله لأنه آمن بأسطورته الشخصيّة، وللقائه ذات يوم ملكاً وتاجراً وانكليزياً وخيميائياً، وفوق كل ذلك لقاؤه بامرأة من الصحراء جعلته يفهم أنه لايمكن للحب أبداً أن يبعد الانسان عن أسطورته الشخصيّة.
كانت الأهرامات بما مر عليها من أجيال تراقب من عليائها ذاك الذي عند أقدامها، لو أراد لكان باستطاعته الآن العودة إلى الواحة، والزواج من فاطمة، والعيش كراعٍ بسيط للغنم، لأن الخيميائي كان يعيش في الصحراء، على الرغم من أنه يفهم لغة العالم، وعلى الرغم من انه خبر تحويل الرصاص إلى ذهب، ولم يكن بحاجة لأن يشرح لأحد علمه وفنّه. وبينما هو ذاهب لتحقيق أسطورته الشخصيّة، كان قد تعلّم كل ما كان بحاجة لمعرفته وعاش كل ما حلم أن يعيشه.
هاهو ذا قد توصّل إلى كنزه، والإنجاز لايتم إلا عند إدراك الهدف، هناك من على قمة الكثيّب بكى. نظر إلى الأرض فرأى في المكان الري سقطت فيه دموعه جعلاً يمشي، وقد تعلّم مما أمضاه في الصحراء أن الجعلان رمز للإله في مصر.
إنها علامة أيضاً، لذلك فقد بدأ يحفر، متذكّراً تاجر الزجاجيّات: حتى لو أمضى الانسان حياته كلّها في تكويم الأحجار، فإنه لن ينجح إطلاقاً في بناء هرم في حديقته.
حفر في المكان المحدد طيلة الليل، دون أن يجد شيئاً، ومن أعالي الأهرامات، كانت القرون الغابرة تتأمّله بصمت، لكنّه لم يتراجع، كان يحفر ويحفر دون توقف، مصارعاً الريح التي كانت تعيد أكثر من مرة الرمل إلى داخل الحفرة، وتعبت يداه وجُرحتا، لكنه استمر بالاعتقاد بقلبه، وقلبه قال له أن يحفر في المكان الذي ستسقط فيه دموعه.
فجأة، وبينما كان يحاول انتزاع بعض الأحجار التي كان قد كشف عنها في الصباح، سمع وقع خطى ... بضع رجال كانوا يقتربون، وبما أن القمر كان خلفهم فإنه لم يستطع رؤية عيونهم أو وجوههم.
- ماذا تفعل هنا؟ سأل أحد القادمين.
لم يجب بشيء، لكنه خاف، فعليه أن ينبش كنزه من التراب ولهذا خاف.
- نحن لاجئوا حرب ـ قال آخر ـ ونريد أن نعرف ما تخبئ هنا، فنحن بحاجة إلى المال.
- أنا لم أخبئ شيئاً ـ أجاب الشاب.
لكن أحد الرجال أخذه من ذراعه، وجرّه خارج الحفرة، وأخذ آخر بتفتيشه.
ووجدوا قطعة الذهب التي كانت في إحدى جيوبه.
- إنه يملك الذهب ـ قال أحد المهاجمين.
أضاءت أشعة القمر وجه ذلك الذي كان يفتّشه، وفي عينيه رأى حتفه.
- لابد أن يكون لديه أيضاً من الذهب المخبأ في الأرض ـ قال آخر:
اجبروه على مواصلة الحفر، ولأنه لم يجد شيئاً فقد انهالوا عليه ضرباً. ضربوه زمناً طويلاً، حتى ظهور خيوط الشمس الأولى، ثيابه صار مزقاً وأحسّ بأن الموت صار قريباً.

- مانفع المال، إن كان على المرء أن يموت؟ فإنه لمن النادر أن يستطيع المال إنقاء أحد من الموت ـ هكذا قال الخيميائي.
- ابحث عن الكنز ـ قال أخيراً، وعلى الرغم من الجروح التي أدمت فمه المتوّرم إثر اللكمات التي تلقّاها، فقد روى لمهاجميه أنه كان قد حلم مرّتين بكنزٍ مطمور على مقربة من أهرامات مصر.
ذاك الذي يبجو عليه زعيمهم، بقي صامتاً لفترة، ثم توجّه إلى واحد من أتباعه.
- نستطيع أن نتركه ينصرف، فليس معه شيء آخر، وهذا الذهب قد سرقه على الأرجح.
سقط الشاب منكبّاً على الأرض، وعينان اثنتان كانتا تبحثان عن عينيه، لقد كان زعيم العصابة، لكن الشاب كان ينظر صوب الأهرامات.
- هيا بنا نذهب ! قال الزعيم لأصحابه ثم التفت نحو الشاب قائلاً :
- لن تموت، سوف تعيش، وتعلم أنه ليس من حق المرء أن يكون غبيّاً بهذا القدر، فهنا بالضبط، وفي هذا المكان الذي أنت فيه الآن ومنذ عامين تقريباً، كنت قد حلمت بحلم تكرر، حلمتُ أنه كان ينبغي عليَّ الذهاب إلى إسبانيه، أبحث في الريف عن كنيسة صارت أطلالاً، حيث كان الرعاة يذهبون إليها غالباً مع أغنامهم، وحيث تنبت شجرة جميز في الموهف، وأنني لو حفرت عند أسفل شجرة الجميز، لوجدتُ كنزاً مخبّأ، لكنني لستُ غبيّاً للحد الذي يجعلني أجتاز الصحراء كلّها، فقط لأنني حلمت بالحلم نفسه مرّتين، ثم انصرف.

نهض الشاب بصعوبه، ونظر مرة أخرى إلى الأهرامات.
ابتسمت له الأهرامات، وابتسم لها هو بالمقابل، وقلبه مفعم بالفرح.
كان قد وجد كنزه !

× × ×

:: الخاتمة ::

كان يدعى سانتياغو
وصل إلى الكنيسة الصغيرة المهجورة، عندما كان الليل على وشك الهبوط.
كانت شجرة الجميز ماتزال في الموهف، وكان مايزال بالإمكان رؤية النجوم تلمع من خلال السقف المتهدّم، وتذكّر أنه جاء ذات مّرة إلى هناك مع أغنامه، وكان قد أمضى ليلة هادئة باستثناء الحلم الذي رآه.
إنه هناك الآن بلا قطيعه لكن كان معه مجرفة.
بقي وقتاً طويلاً يتأمّل السماء، ثم تناول من جعبته زجاجة من الخمر، وفجأة تذكّر تلك الليلة في الصحراء، والتي شاهد فيها النجوم وشرب الخمر أيضاً مع الخيميائي، لقد تذكّر كل الدروب التي سلكها، والطريقة الغريبة التي أظهر الله بها كنزه، ولو أنه لم يكن يؤمن بالأحلام التي كانت تتكرّر، لما كان قد التقى الغجريّة ولا الملك العجوز ولا اللص لا ... القائمة طويلة جداً، هذا صحيح، لكن الدرب كانت مرسومة بالعلامات، ولم يكن هناك سبب لأضلّ الطريق ـ قال في نفسه.
نام دون أن يعرف كيف نام، وعندما أفاق كانت الشمس في أوج إشراقها، عندها أخذ يحفر عند أسفل شجرة الجميز.
- أيها الساحر العجوز ـ حدّث نفسه ـ كيف تحيط علماً بكل شيء، حتى أنك كنت قد تركت لي قليلاً من الذهب كي أستطيع العودة حتى هذه الكنيسة. لقد ضحك الراهب كثيراً عندما رآني أعود بثوب رث ممزّق، ألم يكن بإمكانك أن توفّر علي كل هذا العناء؟
سمع الريح تجيبه:
- لا، فلو كنت قد قلت لك ذلك لما كنت رأيت الأهرامات، فهي جميلة جداً، ألم تجدها كذلك؟
كان هذا هو صوت الخيميائي، ابتسم ثم أخذ يحفر، وبعد انقضاء نصف ساعة، اصطدمت المجرفة بشيء قاس، وبعد ساعة كان هناك أمامه صندوق مليء بقطع الذهب الأسبانيّة القديمة، كان فيها أيضاً أحجار كريمة، وأقنعة ذهبيّة مزيّنة بريش أحمر وأبيض، وتماثيل مرصّعة بالألماس، إنها مخلّفات فتح كانت البلاد قد نسيتها منذ زمن بعيد، وكان الفاتح قد نسي أن يذكرها إلى أحفاده.
سحب من جعبته أوريم وتوميم، فهو لم يكن قد استخدم هاتين الحجرين إلا مرة واحدة ذات صباح في السوق الأسبوعي.
الحياة ودربه كانتا محفوفتين دائماً بالعلامات.
وضع أوريم وتوميم في صندوق الذهب، فهاتان الحجران تمثّلان هنا أيضاً جزءاً من كنزه، فربّما تذكّرانه بذلك الملك العجوز الذي لن يلتقيه بعد الآن أبداً.
- في الحقيقة إن الحياة كريمة مع من يعيش أسطورته الشخصيّة ـ قال في سرّه.
وتذكّر عندئذٍ بأن عليه الذهاب إلى مدينة طريفه، ليعطي العشر من كل هذا للغجريّة.
- كم الغجر خبثاء ! قال لنفسه ـ ربّما لأنهم يرتحلون كثيراً.
لكن الريح أخذت تعصف، إنها الريح الشرقيّة القادمة من إفريقية، فهي لم تكن تحمل رائحة الصحراء، ولاخطر غزو عربي.
وعِوضاً عن ذلك، كانت تحمله رائحة عطر يعرفه جيّداً، وهفيف قبلة وصلت برفق، وبكل رفق، لتستقرّ على شفتيه.

ابتسم، تلك كانت المرّة الأولى التي تفعل بها هذا، وصاح قائلاً:
- ها أنذا يا فاطمة، إني قادم.

* تمـــت *

 

- شكر كبير لـ متشرد ورق , صاحب الفضل كاملاً –