أنا رجل حر

أنا رجل حر

باولو كويلو

تدعى إستير؛ هي مراسلة حرب عادت لتوها من العراق بسبب الاجتياح الوشيك لتلك البلد؛ هي في الثلثين من العمر، متزوجة، لا أولاد لها . هو رجل مجهول الهوية، ما بين الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين من العمر، ذو بشرة داكنة، وملمح كملمح أهل منغوليا . شوهد الاثنان معًا لخر مرة في مقهى في شارع " فوبور سان أونوريه " .
أخبرت الشرطة أنهما التقيا من قبل، لكن لا يعرف أحد كم من المرات : لطالما قالت إستير إن الرجل، الذي ستر هويته الحقيقية خلف اسم ميخائيل، كان شديد الأهمية، غير أنها لم تشرح قط لو كان مهما لمهنتها كصحافية، أم لشخصها كامرأة .
بدأت الشرطة تحقيقا رسميا . طرحت نظريات مختلفة - خطف، ابتزاز، خطف أفضى إلى جريمة قتل -لم تجاوز أي منها حدود الاحتمال؛ لأن إستير، بعملها في البحث عن المعلومات، كانت عرضة للاتصال المتكرر مع أشخاص يرتبطون بوحدات إرهابية . اكتشفت الشرطة أن الأسابيع السابقة لاختفائها، شهدت سحبا منتظم لمبالغ مالية من حسابها المصرفي :
شعر المسؤولون عن التحقيق أن هذا المال ربما كان عبارة عن دفعات مسددة لقاء المعلومات . لم تأخذ معها بدلات ملابسها ، لكن من الغرابة بمكان أنه لم يعثر على جواز سفرها .
هو شاب غريب، في مقتبل العمر، لا سجل عدليا له، لا دلالة على هويته .
وهي إستير، في الثلاثين من العمر، حائزة على جائزتين عالميتين في الصحافة، هي متزوجة .إنها زوجتي .
أمسي على الفور مشتبها بأمره . يتم توقيفي لأني أرفض القول أين كنت يوم اختفائها . مع ذلك، يفتح مأمور السجن باب زنزانتي، قائلا إني رجل حر .
ولم أكون رجل حرا ؟ لأنه في يومنا، الجميع يعلم كل شيء عن الجميع؛ ما لك إلا السؤال، فتصلك المعلومات لحظتها : أين استخدمت بطاقة الاعتماد، أين تقضي وقتك، من عاشرت . في حالتي، كان الأمر أسهل بكثير : تقدمت امرأة، صحافية أخرى، صديقة زوجتي، ومطلقة _ وهو السبب الذي لم يمنعها من الإفصاح عن معاشرتي لها _ كشاهدة لصالحي عندما سمعت أنني موقوف . قد مت دليلا حسيا على وجودي معها ذلك اليوم وفي ليلة اختفاء إستير .
أتكلم إلى رئيس المفتشين الذي يعيد إلي متلكاتي . يقدم لي اعتذاره مضيفا أن توقيفي بهذه
السرعة أمر كلي القانونية، ولا أساس لي أرتكز عليه لاتهام الحكومة أو لمقاضاتها . أقول له انني لا أملك أدنى نية للقيام بأي من الأمرين وإنني مدرك تمام الإدراك أننا جميعا في عداد المشبوهين باستمرار، وأننا تحت المراقبة على مدار الساعة، حتى ولو لم نرتكب أي جرم .
يقول : : « أنت حر طليق » ؛ مرددًا كلماته على مسمع مأمور السجن .
أسأله : أو ليس من المحتمل أن مكروها أصاب زوجتي؟ فذات مرة، وبالنظر إلى الشبكة صلاتها الواسعة في وسط عالم الإرهاب المتسم بالإجرام، قالت لي إنها تشعر أحيانا بأنها ملاحقة .
يبدل المفتش الموضوع . أصر ، لكنه لا يقول شيئا .
أسأله هل بإمكانها السفر بجواز سفرها؛ فيقول، بالطبع، مادامت لم ترتكب جرما . ما الذي يحول دون دخولها البلد ومغادرتها بحرية؟
. » إذا أيحتمل أنها ليست في فرنسا؟ «
هل تعتقد أنها هجرتك بسبب تلك المرأة التي تعاشرها؟
أجيبه : هذا ليس من شأنك . يتوقف المفتش عن الكلام قليلا ويتقنع وجهه بالجدية؛ يقول إني أوقفت بداعي الجراءات الروتينية، غير أنه شديد السى لاختفاء زوجتي . هو متزوج، ومع أن كتبي لا تروق له ( إذا، هو ليس بقدر الجهل المتبدي عليه ! وهو يعرف من أكون ! )، يمكنه أن يضع نفسه مكاني ويتصور ما أمر به .
أسأله ما علي فعله بعد ذاك . يعطيني بطاقته ويطلب إلي الاتصال به إذا ما علمت بأي أمر . سبق أن مررت بهذا المشهد في عدد من الأفلام، ولم أقتنع؛ إن المفتشين على الدوام يعرفون أكثر مما يقرون بأنهم يعرفون .
يسألني إذا قابلت يوما الشخص الذي كانت إستير معه، آخر مرة شوهدت فيها على قيد
الحياة . أقول إني أعرف اسمه الأول . لكني لا أعرفه شخصيا .
يسألني هل كنا نواجه أي مشكلات زوجية . أقول إننا متزوجان منذ عشرة أعوام ونواجه المشكلات التي يواجهها معظم المتزوجين، لا أكثر .
يسألني بلطف هل كنا قد تناقشنا في موضوع الطلاق مؤخرا ؟ أم هل كانت زوجتي تفكر في هجري . أخبره أننا لم نفكر يوما في احتمال ذلك حتى، وأكرر إننا " كسائر المتزوجين " ، نختلف في الرأي أحيانا .
بشكل متكرر أم أحيانا فقط؟
أقول، أحيانا .
يسألني وبلطف أيضا هل اشتبهت بأنني على علاقة بصديقتها . أقول له إنها كانت المرة الأولى - والأخيرة - التي ضاجعت فيها صديقتها . لم تكن علاقة غرامية؛ حصلت بكل بساطة لغياب أي أمر آخر نفعله . كان يوما مملا نوعا ما، لم يكن لدى أي منا ارتباط ملح بعد الغداء، ولعبة الإغراءت تضيف دوما بعض الزخم إلى الحياة، وهذا ما أفضى بنا إلى السرير معا .
" يفضي بك الأمر إلى السرير مع إحداهن لمجرد أن اليوم ممل نوعا ما؟ "

فكرت أن أقول له إن مثل هذه الأمور لا تكاد تشكل جزءًا من تحقيقاته . لكني في حاجة إلى مساعدته، أو قد أحتاج إليها لاحقا . هناك، في النهاية، تلك المؤسسة الوهمية التي تدعى " مصرف الخدمة " ، والتي طالما وجدتها شديدة النفع .
" أحيانا ، نعم . ما من أمر مشوق آخر نقوم به، كانت المرأة تبحث عن الإثارة، وأنا أبحث عن المغامرة، وهكذا، في اليوم التالي، ادعى كل منا أن شيئا لم يحدث، والحياة تستمر " .
يشكرني، يمد يده ويقول إن في عالمه لا تجري الأمور تماما على هذا النحو . بحكم الطبيعة، يتو لد الملل والضجر، تماما كتولد الرغبة في المضاجعة، لكن من الممكن التحكم في كل أمر، ولا أحد يتصرف على هوى أفكاره أو رغباته .
جاء رد ه بشكل ملاحظ : " ربما تمتع الفنانون بحرية أكبر " .
أقول إنني آلف عالمه لكنني لا أرغب في المقارنة بين آرائنا المختلفة حول المجتمع والناس . أسكت بانتظار خطوته التالية .
ثم يقول وقد خاب ظنه قليلا برفض هذا الكاتب مناقشة مأمور الشرطة، " بما أننا نتحدث عن الحرية، فأنت حر طليق . وبما أنني قابلتك، سوف أقرأ كتبك . ومع إني قلت إنها لا تروق لي، فأنا في الواقع، لم يسبق أن قرأت أحدها " . هذه ليست المرة الأولى أو الأخيرة التي سأسمع فيها هذه الكلمات . على الأقل، أكسبتني هذه اللحظة قارئا إضافيا . أحييه وأرحل .
أنا حر . خارج من السجن، وزوجتي اختفت في ظروف غامضة، لا أتبع أي جدول زمني ثابت للعمل، لا مشكلة لدي في التقاء أناس جدد، أنا ثري، مشهور، وإذا كانت إستير قد هجرتني حقا ، فسرعان ما سأجد بديلة منها . أنا حر ، أنا مستقل .
لكن، ما الحرية؟
لقد قضيت جزء ا وافرا من حياتي عبدًا لشيء أو لآخر، فلابد أنني أعرف معنى تلك الكلمة . منذ صغري، كافحت لجعل الحرية، أثمن مقتنياتي . خضت صراعا مع والدي ، اللذين أرادا أن أكون مهندسا ، وليس كاتبا . صارعت بقية الصبية في المدرسة، الذين اتخذوني أضحوكة لنكاتهم المبتذلة؛ وكان لي، فقط بعد أن نزف دم غزير من أنفي ومن أنوفهم، فقط بعد أمسيات عديدة اضطررت فيها إلى إخفاء الندوب عن أمي - لأنه كان وقفا علي أنا، وليس عليها، أن أحل مشاكلي - كان لي أن أظهر للجميع أني قادر على
تحمل الهزيمة من دون أن أنفجر باكيًا . صارعت للحصول على وظيفة أدعم نفسي بها، وعملت في خدمة التوصيل إلى المنازل لدى أحد المتاجر الخردة، لكي أكون حرًا من تلك الخصلة الراسخة من البتزاز العائلي : " سوف نعطيك المال شرط أن تقوم بهذا وذاك " .
كافحت - إنما بفشل - من أجل الفتاة التي أحببت عندما كنت مراهقا ، والتي أحبتني في
المقابل . هجرتني في نهاية المطاف بعد أن أقنعها والداها بأنني بلا مستقبل .
خضت صراعًا مع عالم الصحافة العدائي - وظيفتي الثانية - حينما أبقاني مديري في انتظاره لساعات ثلاث؛ وتفضل بملاحظة وجودي عندما شرعت أمزق الكتاب الذي كان يقرأه : نظر إلي بدهشة، ورأى أن أمامه شخصا يقدر على الصمود أمام العدو ومواجهته، وهي صفات أساسية تخول المرء أن يكون مراسلا جيدا .
كافحت من أجل الفكر الشتراكي، دخلت السجن، خرجت منه وواصلت كفاحي، وأنا أشعر وكأنني بطل من أبطال الطبقة الكادحة، إلى أن أصغيت إلى موسيقى فرقة البيتلز وقررت أن موسيقى الروك هي أمتع بكثير من ماركس . صارعت للتحلي بالشجاعة لكي أهجر زوجتي الأولى والثانية فالثالثة، لأن ما شعرت به من حب تجاههن لم يدم، واحتجت إلى المضي قدما حتى عثرت على من و جدت في العالم لكي تجدني؛ وهي لم تكن أيا من الثلاث . صارعت للتحلي بالشجاعة لترك عملي في الصحيفة وأخوض مغامرة وضع كتاب، وأنا على تمام المعرفة بأن لا أحد في بلدي يمكنه كسب عيشه ككاتب . استسلمت بعد سنة، بعد أن وضعت صفحات
تجاوز الألف، صفحات تفيض عبقرية، إلى درجة أنني شخصيًا عجزت عن فهمها .
وفي غمرة كفاحي، سمعت أشخاصا آخرين يتحدثون عن الحر ية . وكلما دافعوا عن هذا الحق الفريد، استعبدتهم رغبات أهاليهم . استعبدهم زواج قطعوا خلاله وعد البقاء مع القرين « مدى العمر . » استعبدهم ميزان الوزن، والحمية الغذائية ومشروعات نصف ها غير منجز . استعبدهم عشاق عجزوا عن مصارحتهم بقول « لا » أو « انتهت العلاقة . » استعبدتهم عطل نهاية الأسبوع حينما اضطروا إلى تناول الغداء مع أشخاص لا يروقون لهم حتى . باتوا عبدةً للثراء، لمظاهر الثراء، لمظهر من مظاهر الثراء . عبدةً لحياة لم يختاروها، بل قرروا أن يعيشوها لن أحدهم تمكن من إقناعهم بأنها لصالحهم .
وهكذا توالت نهاراتهم ولياليهم المتشابهة، نهارات وليال كانت المغامرة فيها مجرد كلمة في كتاب أو صورة على الشاشة الصغيرة المضاءة دوما؛ ومتى انفتح أمامهم الباب، يأتي الرد : " لست مهتما . لست في المزاج لذلك " .
كيف لهم أن يعرفوا إن كانوا في المزاج للقيام بذلك أم لا، ماداموا لم يجربوه؟ لكن، لا جدوى من السؤال؛ الحقيقة أنهم كانوا يخشون القيام بأي تغيير قد يخل بالعالم الذي درجوا عليه وهم يكبرون .
قال المفتش إنني حر . أنا الآن حر ، وفي السجن كنت حرًا أيضا ، لأن الحرية هي كنزي الأثمن في العالم .
وبالطبع، أودى بي ذلك إلى معاقرة أنواع خمرة لم ترق لي، إلى القيام بأشياء لم يجدر بي فعلها ولن أكررها أبدا .
ترك ذلك ندوبا على جسدي، وفي روحي؛ عنى ذلك أن أؤذي بعض الناس، مع أنني التمست صفحهم م ذاك، حينما أدركت أنني عاجز عن فعل أي أمر على الإطلاق باستثناء إرغام شخص آخر أن يكون تابعا لي، في جنوني، في اشتهائي التواق للحياة . وما أنا بآسف على الأوقات الأليمة؛ أحمل ندوبي وكأني بها ميداليات . أعرف أن ثمن الحرية باهظ، أسوة بثمن العبودية؛ الفرق الوحيد بينهما أنك في الحالة الأولى تسدد الثمن بلذة، بابتسامة، حتى عندما توشحها الدموع .
وإذا بي أترك مركز الشرطة، إنه يوم جميل في الخارج، يوم أحد مشمس لا يعكس حالتي الذهنية على الإطلاق . محامي بانتظاري لمواساتي ببضع كلمات وباقة من الأزهار . يقول إنه هاتف كل المستشفيات وأمكنة حفظ الجثث ) وهو أمر يقدم المرء عليه عندما يخفق أحدهم في العودة إلى المنزل ( ، لكنه لم يعثر على إستير . يقول إنه استطاع أن يمنع الصحافيين من معرفة مكان توقيفي . يقول إنه في حاجة إلى محادثتي لكي نرسم إستراتيجية قانونية تساعدني على الدفاع عن نفسي ضد أي اتهام مستقبلي . أشكره على ما تكبده؛ أعلم أنه ليس مهتما جديا برسم إستراتيجية قانونية، هو لا يريد أن يتركني وحيدا، لأنه لا يثق بردة فعلي ( هل أثمل ويتم توقيفي ثانية؟ هل أثير فضيحة؟ هل أحاول الانتحار؟ ) . أخبره أن علي إنجاز عمل مهم وأن كل منا يعرف حق المعرفة أن لا مشكلة لدي مع القانون . أصر ، لكنني لا أترك له خيار ا . ففي النهاية، أنا رجل حر .
الحرية . حرية أن يكون المرء وحيدا بائسًا .
تقلني سيارة أجرة نحو وسط مدينة باريس، أطلب إلى السائق التوقف بي قرب قوس
النصر . انطلق من الشانزيليزيه باتجاه فندق البريستول، حيث كنا أنا وإستير نلتقي دوما لاحتساء شراب الشوكولاتة الساخن متى رجع أحدنا من رحلة إلى الخارج . كان هذا طقس عودتنا إلى الديار، انغماسا متجددًا في الحب الذي جمعنا، مع أن الحياة ظلت تضعنا على دروب متعاكسة .
ولم أزل أمشي، الناس في ابتسامة، والولد في سرور لما أ عطوا من ساعات ربيعية معدودات في عز الشتاء، سيل الازدحام حر كل شيء يبدو منتظما ، ما عدا أنهم جميعا يجهلون أنني فقدت زوجتي لتوي . هم لا يد عون الجهل، هم لا يبالون حتى .!!
ألا يدركون مدى الألم الذي أشعر به؟ عليهم جميعا أن يشعروا بالحزن والتعاطف ودعم رجل تنزف روحه الحب كما لو أنها تنزف دما . لكنهم يتابعون الضحك، تستغرقهم حياتهم البائسة الصغيرة التي لا تكون، إلا في عطلة نهاية السبوع .
يا لها من فكرة سخيفة ! لا بد أن معظم الناس الذين أمر بهم في حالة مزرية، وأنا لا أملك أدنى فكرة كيف يعانون الأمرين ولماذا .
أدخل حانة؛ أبتاع سجائر؛ يجيبني الشخص هناك
باللغة النجليزية . أدخل إلى الصيدلية لشراء سكاكر بروح النعناع أحبها جدا، وتتحدث المساعدة إلي باللغة الإنجليزية ) وفي المرتين، طلبت السلع باللغة الفرنسية ( . وقبل بلوغي الفندق، يستوقفني صبيان وصلا من فورهما من مدينة تولوز وهما يبحثان عن متجر محدد؛ سبق أن سألا عددا من الأشخاص، لكن لا أحد يفهم ما يقولان . ما الذي يجري؟ هل تم تغيير اللغات في الأطلس منذ اعتقالي في الساعات الأربع والعشرين الماضية؟
يمكن للسياحة والمال صنع المعجزات، لكن كيف حدث أنني لم ألحظ ذلك من قبل؟ من الواضح أنه مر وقت طويل على لقائي إستير هنا لتناول شراب الشوكولاتة الساخن، مع أن كل منا قد سافر وعاد مرات عدة خلال تلك الفترة . هناك دوما شيء أكثر أهمية . هناك دوما موعد يستحيل تأجيله . أجل يا حبي، سوف نتناول شراب الشوكولاتة الساخن في المرة المقبلة، سنرجع إلى هنا قريبا ؛ لدي مقابلة شديدة الأهمية اليوم ولا يمكنني اصطحابك من المطار، ولتقلك سيارة أجرة، هاتفي النقال يعمل، اتصلي بي إذا طرأ طارئ . عدا ذلك، أراك الليلة .
هاتفي النقال ! انتشلته من جيبي وأدرته فور ا؛ رن مرات عدة، وفي كل مرة كان قلبي يثب بين أضلعي، كنت أرى أسماء الشخاص الذين حاولوا الاتصال بي، على الشاشة الصغيرة، لكني لم أجب أ يا منهم . رجوت أن يظهر أحد « مجهول الهوية » ، لأنه سيكون هي، ذلك أن حوالي عشرين شخصا فقط يعرفون رقمي وأقسموا على عدم إعطائه لأحد . لابد أنهم كانوا على أحر من الجمر لمعرفة ما حدث، هم يبغون مساعدتي ) لكن كيف؟ ( ، وسؤالي إن كنت في حاجة إلى أي شيء .
ظل الهاتف يرن ، أأجيب؟ أو ألتقي هؤلاء الأشخاص؟
أقرر أن أبقى لوحدي إلى أن أتمكن من تصور مجريات الحال .
أبلغ فندق البريستول، الذي طالما وصفته إستيربأنه أحد الفنادق القلئل في باريس حيث يعامل الزبائن بصفة ضيوف وليس كمشردين سعيا إلى ملجأ . تلقى علي التحية كما لو كنت صديقا للعائلة؛ أختار طاولة محاذية لساعة فاخرة؛ أستمع إلى الموسيقى وأنظر إلى الحديقة .
علي أن أكون عمليا ، أن أدرس الخيارات؛ ففي النهاية، الحياة تستمر . لست أول رجل، ولن أكون الأخير الذي تهجره زوجته، لكن هل كان ضروريا أن يحدث ذلك في يوم مشمس، حيث الجميع، في الشارع، يبتسمون والأولاد يغنون، حيث أولى بوادر الربيع بدأت تظهر، الشمس تسطع والسائقون يتوقفون عند تقاطع الطرقات ليعبر المارة؟
أتناول منديل ورقيا . سوف أعمل على نزع هذه الأفكار من رأسي وأخطها على الورق . فلندع الشعور
جانبا، ولنر ما علي فعله :
أ/ التوقف عند احتمال أنها قد خطفت فعلا ، أن حياتها في خطر في هذه اللحظة بالذات، وأنني أنا، بصفتي زوجها ورفيقها الثابت، علي بالتالي أن أجول الدنيا بسمائها وأرضها بحثا عنها .
الرد على هذا الاحتمال : لقد اصطحبت جواز سفرها . تجهل الشرطة ذلك، لكنها اصطحبت حاجات شخصية عديدة أيضا ، إحداها محفظة تحوي أيقونات لقديسين شفيعين درجت على اصطحابها في سفرها .كما أنها سحبت المال من حسابها المصرفي .
الاستنتاج : من البديهي أنها كانت تتهيأ للرحيل .
ب / التوقف عند احتمال أنها صدقت وعدًا قطعه عليه أحدهم وتبين أنه فخ .
الرد : غالبا ما ألقت نفسها في أوضاع خطيرة مسبقا . هذا جزء من عملها، لكنها كانت تنذرني دوما متى فعلت ذلك، لأنني كنت الشخص الوحيد الذي تثق به ثقة عمياء . تعودت أن تقول لي أين ستكون، من ستقابل ) غير أنها، كانت تستخدم اسم الشخص
الحركي في العادة - لئلا تعرضني للخطر ( ، وما علي فعله إذا لم ترجع في وقت معين .
الاستنتاج : لم تكن تخطط للقاء أحد مخبريها .
ج / التوقف عند احتمال أنها التقت رجل آخر .
الرد : لا رد . من بين جميع الفرضيات، هذه الفرضية الوحيدة المنطقية، مع ذلك، فإنني لا
أقبلها . لا أقبل أن تكون قد رحلت هكذا، من دون سبب . فكلنا، أنا وإستير، اعتددنا بأنفسنا على الدوام في مواجهة مصاعب الحياة سويا . تعذ بنا، لكن لم يكذب أحدنا على الخر يوما . غير أن كتمان علاقاتنا الغرامية خارج إطار الزوجية كان جزءا من قواعد
اللعبة . كنت مدركا أنها تغيرت كثير ا مذ التقت ذلك الشاب ميخائيل . لكن هل يبرر ذلك نهاية زواج دام عقد ا؟
حتى وإن كانت قد ضاجعته و أغرمت به، أو لن تقيس في كفتي ميزان كل الوقت الذي قضيناه معا وكل ما حصلنا عليه قبل أن تنطلق لخوض مغامرة لا رجوع عنها؟ كانت حرة ن تسافر متى أرادت، عاشت محاطة بالرجال، بالجيوش الذين طال بهم الزمن مذ رأوا أنثى، لكنني لم أطرح عليها يوما أي أسئلة، وهي لم تخبرني يوما بأي شيء . كان كل منا حر، وكنا نفخر بذلك .
لكن إستير اختفت وتركت دلائل مرئية لي وحدي، كما لو أنها بمثابة رسالة سر ية : أنا
راحلة . لماذا؟ أو هذا سؤال جدير بالإجابة؟
لا . لأن ما يتخفى في الجواب هو عجزي عن إبقاء المرأة التي أحب إلى جانبي . أم أن الجدير إيجادها وإقناعها بالعودة؟ التوسل إليها، التضرع إليها أن تمنح زواجنا فرصة ثانية؟
يبدو هذا سخيف : لمن الفضل فحسب أن أتعذب كما تعذبت ماضيا ، عندما هجرني أناس آخرون أحببتهم . لمن الفضل أن ألعق جروحي ببساطة، كما لعقتها ماضيا . لبعض الوقت، ستكون هاجسي، سأذوق المر ، سيمل مني أصدقائي لأن كل ما سأتحد ث عنه هو هجر زوجتي لي . سأحاول تبرير ما حصل، أقضي أياما وليالي أسترجع كل لحظة بقربها، سأستنتج أنها كانت صعبة للغاية، مع أنني حاولت مرارا .
سأجد امرأة أخرى . وعندما سأمشي في الشارع، سأظل أرى طيفها في نساء أخريات . سأعاني ليل نهار، نهار ليل . قد يستغرق ذلك أسابيع، أشهر ا، ربما سنة أو أكثر .
إلى أن يحل صباح أحد الأيام، سأستيقظ مكتشفا أن أمرا آخر يراودني، عندئذ سأعرف أن زمن المعاناة قد ولى . قد يكون قلبي انشطر، لكنه سيتعافى ويصبح قادرا على رؤية جمال الحياة مرة أخرى . لقد سبق أن حدث هذا، سيحدث مجددا، أنا متأكد . عندما يرحل أحدهم، فذلك لأن أحدا آخر على وشك الوصول، سأجد الحب ثانية .
للحظة ، تطيب لي فكرة وضعي الجديد : أعزب ومليونير . يمكنني أن أخرج مع من أريد في وضح النهار، يمكنني أن أتصر ف كما لم أفعل منذ سنوات . ستنتشر الأخبار بسرعة، وجميع أنواع النساء، من الشابات والفتيات، الثريات ومن هن ثريات إنما ليس بالثراء الذي يردنه، اللبيبات وتلك المدربات على قول ما يعتقدن أنني أود سماعه؛ جميعهن،
سرعان ما سيطرقن بابي .
أود أن أصد ق أن من الروعة أن يكون المرء حرا . على استعداد لأجد حبي الصادق الوحيد، القابع في انتظاري والذي لن يسمح لي مطلقا أن أخبر هذا الذل ثانية .
أنهي شراب الشوكولاتة الساخن، أنظر إلى الساعة؛ أعرف أن من المبكر جدا الاستمتاع بشعور رائع هو أنني، مجددا، جزء من الإنسانية . وللحظات، أتخيل أن إستير على وشك الدخول من ذلك الباب، تخطو نحوي وهي تطأ السجاد العجمي الجميل، تجلس بقربي ولا تنبس بكلمة، تدخن سيجارة فحسب، تلقي بنظرها على فناء الحديقة، وتمسك بيدي . مرت نصف ساعة،ولنصف ساعة صدقت القصة التي ابتدعتها، إلى حين أدركت أنها من نسج الخيال .
أقرر ألا أعود إلى المنزل . أتوجه إلى ركن الاستقبال، أطلب غرفة، فرشاة أسنان ومعطرا للجسم .
الفندق مكتظ، لكن المدير تدبر الأمر : أفضى بي الأمر إلى جناح جميل يطل على برج إيفل، على تراس، على سطوح المنازل الباريسية، والأضواء المتوهجة أحدها تلو الآخر، والعائلات التي تجتمع لتناول عشاء يوم الأحد .
وإذا بالشعور الذي خالجني في الشانزيليزيه ، يعاودني : كلما ازداد جمال ما يحيط بي، ازددت شعورا بالتعاسة .
لا تلفاز، لا عشاء، أجلس على التراس أعاين حياتي، شاب حلم أن يصبح كاتبا مشهورا، ورأى فجأة أن الحقيقة مختلفة تماما . هو يكتب بلغة لا يكاد أحد يقرأها، في بلد يذيع فيه أن ليس للمطالعة جمهور تقريبا . شاب تجبره عائلته على ارتياد الجامعة ) أي جامعة ستفي بالمطلوب يا بني، ما دمت ستحصل على شهادة، وإلا فأنت نكرة ( . هو يثور، يجول العالم خلال حقبة موجة الهيبيين، يلتقي مغنيا ، يكتب بعض كلمات أغنيات، وإذا به فجأة، يجني المال بما يفوق ما تجنيه أخته، التي أصغت إلى ما أمله عليها والداها
وقررت أن تصبح مهندسة كيميائية . . .
أكتب المزيد من الأغنيات، وينتقل المغني من قوي إلى أقوى؛ أشتري بعض الشقق ويتلاشى عملي مع المغني، لكنني لا أزال أملك رأسمال كافيا يوفر علي العمل في السنوات القليلة اللحقة . أتزوج للمرة الأولى من امرأة تكبرني سنا، أتعلم الكثير، كيف أمارس الحب، كيف أقود، كيف أتكلم النكليزية، كيف أستلقي في السرير لساعة متأخرة - لكننا انفصلنا لاعتباري غير ناضج عاطفيا ، وعلى استعداد مفرط لمطاردة أي « فتاة ناهدة الصدر . » أتزو ج للمرة الثانية والثالثة من امرأتين اعتقدت أنهما ستمنحاني الاستقرار العاطفي : أحصل على مرادي، لكنني أكتشف أن ما أريده من استقرار هو توأم الشعور العميق بالملل .طلقان جديدان . حر ثانية، لكنه مجرد شعور؛ ليست الحرية غياب الالتزامات، إنما هي القدرة على اختيار ما هو أفضل لي، وإلزام نفسي به .
أواصل بحثي عن الحب، أواصل كتابة الأغاني . عندما يسألني الناس ما عملي، أقول إنني
كاتب . عندما يقولون إنهم لا يعرفون إلا كلمات أغاني ، أقول إنها مجرد جزء من عملي . عندها يعتذرون ويقولون إنهم لم يقرأوا من قبل أ يا من كتبي، فأشرح لهم أنني أعمل على مشروع - كذب طبعا . الحقيقة أنا أملك المال، ولي صلات، لكني أفتقر إلى الشجاعة لتأليف كتاب . أصبح حلمي ممكن التحقيق، لكن إذا حاولت وفشلت، فلا أدري ما ستكون عليه باقي حياتي؛ لذلك من الفضل أن أحيا وفي البال حلم بدل
من مواجهة الاحتمال أن نهاية المر عقيمة .
ذات يوم، تحضر صحافية لاجراء مقابلة معي، تريد أن تعرف شعور من تكون أعماله معروفة في جميع أنحاء البلد، في حين أنني غير معروف كليا، لأن من الطبيعي أن المغني هو فقط من يظهر في وسائل الإعلم . هي جميلة، ذكية، هادئة . نلتقي مجددا في حفلة، حيث يخلو الجو من ضغط العمل، أتمكن من مضاجعتها في الليلة نفسها . أغرم بها، لكن اهتمامها كان زهيدا . عندما أهاتفها، تقول، على الدوام، إنها منشغلة . كلما زاد صدها لي، زاد اهتمامي بها، إلى أن أتمكن في النهاية، من إقناعها بقضاء عطلة نهايةالسبوع في منزلي في الريف ) ربما كنت المستضعف الوحيد , في العائلة، لكن الثورة تنفع أحيانا - كنت بين أصدقائي في تلك المرحلة من حياتنا الوحيد الذي يشتري منزل في الريف ) .
نقضي ثلاثة أيام وحدنا، نتأمل البحر . أطهو لها الطعام وتروي لي قصصا عن عملها، وتنتهي بالوقوع في غرامي . نعود إلى المدينة، وتأتي إلى النوم في شقتي بانتظام . ذات صباح، ترحل أبكر من العادة وتعود بصحبة آلتها الكاتبة؛ من تلك اللحظة فصاعدا، من
دون التفو ه بشيء، يغدو منزلي منزلها .
وإذا بالنزاعات التي عهدتها مع زوجاتي السابقات، تبدأ بالظهور : النساء في بحث دائم عن
الاستقرار والاخلاص، في حين أنني أسعى وراء المغامرة والمجهول . لكن هذه المرة، تدوم العلاقة أطول . مع ذلك، وبعد سنتين، أقرر أن الوقت حان لأستير أن تصطحب آلتها الكاتبة إلى شقتها، إلى جانب كل شيء آخر أحضرته معها .. » لن ينجح الأمر «
. » لكني أحبك وأنت تحبني، أليس صحيحا ؟ «
لا أدري . إن كنت تسألين إذا كانت صحبتك « تروق لي، فالجواب هو نعم، وإن كنت تسألين إذا كان . » بإمكاني العيش من دونك، فالجواب هو نعم أيضا
أنا سعيدة لني لم أولد رجل . أنا في غاية « السعادة كوني أنثى . كل ما تتوقعونه منا نحن النسوة هو قدرتنا أن نكون طاهيات ماهرات . ويتوقع من الرجال من جهة أخرى أن يقدروا على كل شيء - عليهم البقاء على المنزل في حالة اكتفاء، أن يمارسوا الحب،
. » أن يعيلوا الولد، أن يجنوا المال وأن يكونوا ناجحين ليس الأمر هكذا : أنا في غاية السعادة لما أنا « عليه . أستمتع بصحبتك، لكنني لا أظن أن الأمر . » سينجح بيننا
أنت تستمتع بصحبتي، لكنك تمقت البقاء «
وحيدا . أنت في سعي دائم وراء المغامرة كي تنسى أمور ا أعظم أهمية . تريد دوما أن تشعر بالدرينالين يتدفق عبر شرايينك، لكنك تنسى أن الأمر الوحيد الذي . » يجب أن يجري فيها هو الدم أنا لست هاربا من الأمور المهمة . أعط ني مثال «. » على أمر مهم
. » تأليف كتاب «
. » يمكنني فعل ذلك في أي وقت «
هلم إذا، افعله . عندها، إن أردت، يمكننا أن «
. » ننفصل
وجدت تعليقها سخيفا ؛ يمكنني تأليف كتاب متى أريد؛ أعرف ناشرين، صحافيين، كل من يدين لي بخدمات . إستير مجرد امرأة تخشى خسارتي، هي تبتدع أمورا . أقول لها إن علاقتنا انتهت، ولا يتعلق الأمر بما تعتقد أنه يسعدني، بل بالحب .
ما الحب ؟ جاء سؤالها . أقضي نصف ساعة أشرح لها، وأدرك أنني أعجز عن استحضار تعريف جيد . تقول، بما أنني أجهل تعريف الحب، فعلي المحاولة وتأليف كتاب .
قلت إن الأمرين طرفا نقيض تماما . أقر ر ترك الشقة في ذلك اليوم بالتحديد؛ يمكنها أن تبقى ما تشاء . سأذهب للمكوث في فندق حتى تجد مكانا آخر ا تعيش فيه .
تقول لا بأس بذلك، يمكنني الرحيل، وسوف تخلي الشقة في غضون شهر . ستبدأ بالبحث عن مكان جديد منذ الغد . أحزم أمتعتي، وتقرأ هي كتابا . أقول إن الوقت متأخر، وإنني سأرحل غد ا . تقول إن علي الرحيل من فوري، لأنني في الغد، لن أكون على القدر نفسه من القوة أو العزم . أسألها إذا كانت تحاول التخلص مني . تضحك وتقول إنني أنا من أراد قطع العلاقة .
ننام، وفي اليوم التالي، لم تعد الرغبة في الرحيل بالإلحاح نفسه . أقرر أن علي التفكير في الأمور . مع ذلك، تقول إستير إن الأمر لم ينته بعد : هذا السيناريو سيتكرر ويتكرر ببساطة مادمت أرفض المجازفة بكل شيء من أجل ما أؤمن بأنه سبب بقائي الحقيقي؛ ففي النهاية، ستغدو تعسة، وتهجرني .
فيما عدا ذلك، إذا هي رحلت، ستفعل ذلك على الفور وتهدم كل الجسور التي تتيح لها العودة . أسألها ماذا تقصد؟ . تقول إنها ستجد حبيبا آخر تقع في غرامه .
تذهب إلى عملها في الصحيفة، وأقر ر أن آخذ يوم
إجازة ) فإلى جانب تأليف كلمات الغاني، فأنا أعمل أيضا لدى شركة تسجيل ( . أجلس إلى الآلةالكاتبة . أنهض ، أقرأ الصحف، أرد على بعض الرسائل الطارئة؛ وعندما أنتهي من ذلك، أبدأ بالرد على الرسائل غير الطارئة . أدون قائمة بالأشياء التي علي فعلها، أستمع إلى الموسيقى، أجلس بقرب المبنى، أتحدث إلى الخباز، أعود إلى المنزل . وإذا بالنهار يذوي فجأة ، ولا أكون قد تمكنت لحينها من كتابة ولو جملة واحدة . أقرر أنني أكره إستير، إنها تجبرني على القيام بأمور لا أريد فعلها .
عندما تصل إلى المنزل، لا تسألني شيئا ، لكنني أقر أنني لم أتمكن من الكتابة . تقول إنني لا أزال أملك النظرة ذاتها التي وشحت عيني أمس .
في اليوم التالي، أذهب إلى العمل . لكن عشية ذاك اليوم أتوجه مجدد ا إلى طاولة المكتب حيث الآلة الكاتبة . أطالع، أشاهد التلفاز، أستمع إلى الموسيقى، أرجع نحو الآلة، وإذا بشهرين يمر ان، وأنا أكوم أوراقا فوق أوراق فيها « جمل أولى » ، من دون أن أتمكن من إنهاء ولو مقطع . أتذرع بكل حج ة ممكنة : لا أحد يطالع في هذه البلد، لم أحبك عقدة الحكاية، أو إن لدي عقدة رائعة لكنني لا أزال أبحث عن الطريقة الصحيحة لتوسيعها . وفضل عن ذلك، فأنا منهمك في كتابة مقال أو كلمات أغنية . وإذا بشهرين آخرين يمران . وذات يوم، تدخل المنزل ومعها تذكرة سفر .تقول « هذا يكفي . كف عن الادعاء بأنك منشغل، بأن المسؤوليات تثقلك، بأن العالم في حاجة إليك لتفعل ما تفعله . سافر لبعض الوقت . » يمكنني أن أصبح محرر الصحيفة حيث أنشر مقالتي، يمكنني أن أصبح رئيس شركة التسجيل التي أكتب لها كلمات الأغاني، والتي أعمل لديها لمجرد أنهم لا يريدونني أن أكتب أغاني لمنافسيهم . يمكنني فعل ما أفعله الآن، لكن حلمي لا ينتظر . فإما أن أقبله أو أنساه .
ما وجهة تذكرة السفر؟
إسبانيا .
أصدم . تذاكر السفر باهظة الثمن؛ وبالإضافة إلى ذلك، لا يمكنني السفر الآن، فلدي مهنة أمامي وأحتاج إلى العناية بها . سوف أخسر الكثير من الشراكات الموسيقية المحتملة؛ ليست المشكلة في ، إنها في زواجنا . لو أردت وضع كتاب، لما استطاع أحد منعي .
تقول : : « يمكنك، لو أردت، لكنك لا تريد . مشكلتك لا تكمن بي، بل بك، لذا من الأفضل أن تقضي بعض الوقت وحدك " .
تريني خريطة، علي الذهاب إلى مدريد، حيث يقلني قطار باتجاه جبال البيرينيه، على الحدود مع فرنسا . هناك تبدأ درب للحج تعود للقرون الوسطى : الدرب إلى سانتياغو . علي أن أمشي الدرب بطولها . ستكون هي في انتظاري عند الطرف الآخر وعندها سوف تتقبل كل ما أتفو ه به : أنني كففت عن حبها، أنني لم أعش كفاية بعد، كي يتسنى لي ابتكار مؤ لف أدبي، أنني لا أريد حتى التفكير في أن أكون كاتبا ، أن ذلك لم يكن سوى حلم مراهق .
هذا جنون ! إن المرأة التي أعيش معها منذ سنين طوال - سنين تبدو أبدية في مفهوم العلاقات - تصنع قرارات بشأن حياتي وتجبرني على ترك عملي، متوقعة مني المشي مجتاز ا بلد ا بأكملها ! إنه لجنون عارم إلى درجة أني أقرر أخذه على محمل الجد .
أشرب حتى الثمالة ليالي عديدة هاربا ، وهي إلى جانبي تشاطرني القدر نفسه من السكر، مع أنها تكره الشرب . أمسي عدائيا . وأقول لها إنها تغار من استقلاليتي، وإن السبب الوحيد الذي خلف فكرة الجنون هذه بأكملها كوني قلت لها إنني أردت النفصال عنها . فتقول إن بادرة الأمر كله تعود إلى أيام المدرسة حين كنت أحلم في أن أصبح كاتبا . ما من تأجيل للأمور بعد الآن؛ وإذا لم أواجه نفسي الآن، سوف أقضي بقية حياتي، أتزو ج وأطلق وأروي نكتا حلوة عن ماضي وعن انحطاطي الدائم .
بديهيا ، لا أستطيع القرار بأنها محقة، لكنني أعرف أنها تقول الحقيقة، وكلما أدركت ذلك، ازددت عدائية . هي تتقبل عدائيتي بل تذمر؛ تذكرني، فحسب، بأن موعد الرحيل يقترب .
ذات ليلة، وقبيل ذاك الموعد، ترفض ممارسة الحب معي . أدخن سيجارة ماريوانا كاملة، أشرب زجاجتي نبيذ ويغمى علي في وسط غرفة الجلوس . وبعد استعادة وعيي، أدرك أني بلغت قعر الحفرة، وكل ما تبقى الآن هو أن أجهد في الصعود لبلوغ القمة . وأنا، الذي أتبجح بنفسي لما أملك من شجاعة، أرى بكم من الجبن والحقارة وقلة المغامرة أجابه حياتي . ذاك الصباح، أوقظها بقبلة وأقول لها إني سأنفذ اقتراحها .
أنطلق وأتبع الدرب إلى سانتياغو مدة ثمانية وثلاثين يوما . مع وصولي، أدرك أن رحلتي الحقيقية تبدأ هنا . أقرر الاستقرار في مدريد وأعيش من مردود حقوقي كمؤلف، لكي يفصلني محيط عن جسد إستير، مع أننا لا نزال معا رسميا ، وغالبا ما نتحادث هاتفيا . من المريح جد ا أن أكون متزوجا ومدركا أن بإمكاني العودة إلى ذراعيها متى أشاء في حين أستمتع بكل استقلالية في العالم .
استمرت حقوقي المادية من تأليف الأغاني تتدفق وتتدفق، وتكفيني لعيش بهناء، غير مضطر إلى العمل . وكان لي متسع من الوقت للقيام بكل شيء، حتى . . . تأليف كتاب .
مع هذا، يمكن للكتاب أن ينتظر إلى الغد، لأن محافظ مدريد أصدر مرسوما يقضي بأن تتحو ل المدينة إلى حفلة مطولة، وألف شعارا مشو قا يقول : : « مدريد قاتلتي » ، وحث الجميع على ارتياد حانات مختلفة ليلا مستحدثا عبارة « La movida madrileña مهرجان مدريد . » وهذا أمر يستحيل علي تأجيله حتى الغد؛ كل شيء ممتع، النهارات قصيرة والليالي طوال .
ذات يوم، تهاتفني إستير لتخبرني أنها قادمة لرؤيتي : في رأيها، علينا تقييم وضعنا نهائيا . حجزت تذكرة سفرها للأسبوع المقبل، ما يتيح لي الوقت الكافي لترتيب سلسلة من الأعذار « أنا ذاهب إلى البرتغال، لكنني سأعود خلال شهر » ، سأقول هذا للشقراء التي كانت تغني في القطار السريع، والتي تنام في الشقة المستأجرة حيث أعيش والتي أخرج . » بمهرجان مدريد « برفقتها كل ليلة للاستمتاع أرتب الشقة، أمحو أي أثر لوجود أنثوي فيها، وأطلب إلى أصدقائي عدم التفوه بحرف، لأن زوجتي آتية وستمكث شهرا هنا .
تترجل إستير من الطائرة متباهية بتسريحة شعر قبيحة عجائبية . نسافر وجهتنا داخل أسبانيا، مكتشفين قرى صغيرة تعني الكثير عند قضاء ليلة واحدة فيها، غير أنني قد أعجز حتى عن إيجادها إذا ما رجعت اليوم إليها . نذهب لحضور مصارعة الثيران، عروض رقص الفلمينكو . وخلال كل هذا أمثل دور الزوج المثالي في العالم، لأنني أريدها أن ترجع إلى الديار محملة بشعور أنني لا أزال أحبها . لا أدري لماذا أريد أن أترك هذا النطباع لديها، ربما لأنني، في الصميم، أعرف أن حلم مدريد سيتبدد في النهاية . أتذمر بشأن قصة شعرها . تغيرها، مستعيدة جمالها . بقي عشرة أيام فقط من عطلتها، وأريدها أن ترجع وهي سعيدة . وأن تتركني وشأني أستمتع بمدريد هذه، قاتلتي : حانات الرقص التي تفتح عند العاشرة صباحا ، مصارعة الثيران، الأحاديث اللانهائية حول الموضوعات القديمة ذاتها، الكحول، النساء، المزيد من مصارعة الثيران، المزيد من الكحول، المزيد من النساء، وبالطبع، لا جدول زمنيا على الإطلق .
ذات أحد ، وفيما كنا نتجه نحو حانة تقدم الطعام الليل بطوله، تفتتح الموضوع المحرم : الكتاب الذي قلت إني أؤ لفه . أحتسي زجاجة كاملة من خمر الشيري، أركل كل الأبواب الحديدية التي عبرناها في طريق العودة، أشتم أشخاصا في الشارع، وأسألها لماذا تكبدت عناء السفر هذه المسافة بطولها ما دام هدفها الوحيد جعل حياتي جحيما والقضاء على سعادتي . لا تتفوه بكلمة، لكن كلا منا عرف أن علاقتنا وصلت إلى تخومها . تهجر الأحلام نومي تلك الليلة . وفي الصباح التالي، وبعد أن أتذمر شاكيا لمدير المبنى بشأن هاتفي المعطل، بعد أن أعنف خادمة التنظيف كلاميا لأنها لم تغير ملاءات السرير لأسبوع، بعد أن أستحم مطول لغسل عني آثار الليلة السابقة، إذا بي أجلس إلى آلتي الكاتبة، لمجرد أن أظهر لستير أنني أحاول، أحاول بصدق ، أن أعمل .
وفجأة تحصل المعجزة . ألقي بناظري على المرأة التي أعدت لتوها بعض القهوة . وهي الآن تقرأ الصحيفة، بعينيها التعبتين اليائستين، تبدو هي هي، بروحها الهادئة، التي لا تعبر دوما عن عطفها بالحركات؛ امرأة جعلتني أقول « نعم » عندما وددت قول « لا » ؛ أجبرتني على الكفاح من أجل ما تؤمن هي، بصواب تام، أنه سبب عيشي؛ سمحت لي بالرحيل منفردا لأن حبها لي كان أعظم من حبها لروحها؛ دفعتني إلى السعي وراء حلمي . وفجأة، رؤية هذه المرأة القلقة، الهادئة، التي تخبر عيناها ما تعجز عنه أي كلمات، التي غالبا ما ذعرت في الصميم، لكنها أظهرت شجاعة في أفعالها، والتي أمكنها أن تحب رجل من دون أن تذل نفسها ولم تأسف قط للصراع من أجل الرجل الذي بجانبها؛ فجأة، رؤيتها جعلت أصابعي تضغط على الزرار . تظهر الجملة الولى، فالثانية .
أقضي يومين بل طعام، أنام القسط الدنى، تبدو الكلمات، وكأنها تنبع من مكان مجهول، كما كانت تفعل عندما تعودت تأليف الأغاني، عندما كنت وشريكي الموسيقي، بعد الكثير من المشاحنات والكثير من المحادثات الفارغة، كنا ندرك أن ذلك " الشيء " هناك، جاهز، أن الوقت حان للباسه كلمات ونو تات . هذه المرة، أعلم أن ذلك « الشيء » نابع من قلب إستير؛حبي انبعث من جديد، أضع الكتاب لأنها موجودة، لأنها تخطت كل الصعاب من دون تذمر، من دون أن ترى نفسها ولو لمرة، أنها الضحية . أبد أ بوصف التجربة التي أثرت بي أعمق التأثير في السنوات الأخيرة ـ الدرب إلى سانتياغو .
وفيما أكتب، أدرك أن نظرتي إلى العالم تمر بسلسلة من التغيرات . لسنوات عديدة، درست السحر ومارسته، ودرسه الخيمياء والتنجيم؛ ذ هلت لفكرة أن قوة عارمة تتملك مجموعة ضئيلة من الناس، قوة عارمة يستحيل مشاطرتها مع باقي الإنسانية، لأنه سيكون من الخطر الكبير السماح لمثل هذه المقدرة الشاسعة أن تقع في أيد عديمة الخبرة . كنت عضوا في جمعيات سرية، وتورطت في فرق غريبة، ابتعت كتبا قاتمة، باهظة للغاية، أنفقت قسطا كبير ا من الوقت أؤدي طقوسا وصلوات . تعودت الانضمام إلى مجموعات وأخويات مختلفة، معتقدا على الدوام أنني وجدت أخيرا الشخص الذي يمكن أن يكشف لي خفايا العالم اللامرئي . لكن، في النهاية، كان ظني يخيب متى اكتشفت أن معظم هؤلاء الأشخاص - ومع أنهم حسنوا النية - كانوا يتبعون هذا المعتقد أو ذاك فحسب؛ ونزعوا إلى التعصب، لأن التعصب هو الطريقة الوحيدة لوضع حد للشكوك التي تكدر روح البشر على الدوام .
اكتشفت أن العديد من الطقوس مفيدة بالفعل، لكنني اكتشفت أيضا أن أولئك الذين يصرحون بأنهم أرباب أسرار الحياة وحملتها، الذين يدعون معرفة تقنيات مكنتهم من إشباع كل رغبة ، قد انقطعوا تماما عن تعاليم الأجداد . وبإتباع الدرب إلى سانتياغو، والتواصل مع أشخاص عاديين، اكتشفت أن الكون تفوه بلغته الخاصة، لغة الإشارات؛ وأنه، من أجل فهم هذه اللغة، لم يكن علينا سوى النظر بقلب منفتح حولنا . كل هذا دفعني إلى التساؤل هل التنجيم السبيل الوحيد لبلوغ هه الخفايا . في كتابي عن الدرب إلى سانتياغو، أناقش طرق أخرى محتملة من النضوج والوصول إلى هذه الفكرة : " كل ما عليك فعله هو الانتباه؛ تأتي العبر دوما عندما تكون على استعداد، وإذا تمكنت من قراءة الإشارات، سوف تتعلم كل ما تحتاج إلى معرفته لكي تخطو الخطوة التالية " .
نحن البشر، نعاني مشكلتين كبيرتين : الأولى، أن نعرف متى نبدأ، والثانية، أن نعرف متى نتوقف .
بعد أسبوع، أبدأ بوضع المسودة الأولى، الثانية، فالثالثة . لم تعد مدريد تقتلني، حان وقت العودة إلى الديار . أشعر وكأن حلقة قد تمت، والحاجة ملحة إلى البدء بأخرى . أودع المدينة كما تعودت دوما قول الوداع في الحياة : بي ظن أنني سأبدل رأيي وأرجع يوما ما .
أرجع إلى بلدي مع إستير، وأنا على قناعة بأن الوقت ربما حان لكي أجد عمل آخر، لكن إلى حين أفعل ) ولن أفعل، لأنني لست في حاجة إلى ذلك ( سأواصل مراجعة الكتاب . لا أعتقد أن أحدا سيهتم كثير ا بتجارب رجل تبع دربا رومانسية إنما وعرة عبر أسبانيا .
بعد أشهر أربعة، وفي ما أنا منهمك بمسودتي العاشرة، أكتشف أن النسخة المطبوعة وإستير قد اختفتا . وفيما كنت على وشك أن أ جن قلقا ، تعود وفي يدها وصل تسلم من مكتب البريد - أرسلت النسخة إلى حبيب سابق لها، وهو يدير حاليا دار نشر صغيرة .
ينشر الحبيب السابق الكتاب . لا كلمة عنه في الصحافة، إنما ابتاعه عدد قليل من الناس . أوصوا به إلى أناس آخرين، ابتاعوه بدورهم وأوصوا به إلى آخرين .
بعد أشهر ستة، نفدت الطبعة الأولى . بعد سنة، صدرت ثلاث طبعات وبدأت أكسب المال من الشيء الوحيد الذي لم أحلم يوما أنه سيدر علي المال، من الأدب !!.
لا أدري كم من الوقت سيستمر الحلم، لكني أقرر أن أعيش كل لحظة وكأنها الأخيرة . أرى أن هذا النجاح يفتح الباب الذي طالما أردت فتحه : ناشرون آخرون يتوقون إلى نشر كتابي التالي .
جلي أنه لا يمكنني أن أتبع الدرب إلى سانتياغو كل سنة، فما الذي سأكتب عنه تاليا ؟ أو علي تحمل الهراء نفسه في أن أقبع أمام الآلة الكاتبة لأجد نفسي أفعل كل أمر باستثناء كتابة الجمل والمقاطع؟ من المهم أن أواصل إشراك الغير في نظرتي إلى العالم وأن أصف تجاربي في الحياة .
أحاول لأيام معدودة ولليالي عديدة، لكني أقرر أن ذلك مستحيل . ثم، ذات عشية ، أقع على قصة مشو قة في « ألف ليلة وليلة » ؛ فيها أجد رمز دربي اخاصة، شيء يساعدني على فهم كياني ولماذا طال بي الأمر لاتخاذ قرار كان في انتظاري منذ الأزل . أستخدم تلك القصة كأساس لقصة أخرى عن راع ينطلق سعيا وراء حلمه، كنز مخبأ في أهرامات مصر . أروي فيها عن الحب الذي ينتظره هناك، كما انتظرتني إستير فيما سرت في دوائر ودوائر .
لم أعد شخصا يحلم أن يصبح شيئا : أنا كيان . أنا الراعي الذي يجتاز الصحراء، لكن أين الخيميائي الذي يعينه على المضي؟ عند الانتهاء من هذه الرواية، لم أفهم تماما ما كتبت : إنها كقصة خيالية للراشدين، والراشدون أكثر اهتماما بالحرب، والجنس، وقصص القوة؛ مع ذلك، قبلها الناشر . نشر الكتاب، وإذا بقرائي يدرجونه مرة ثانية على لوائح الكتب الأكثر مبيعا .
بعد سنوات ثلاث، زواجي في أحسن حالته، وأقوم بأمر طالما أردت القيام به؛ وإذا بباكورة الترجمات تظهر، فالثانية، وإذا بالنجاح - بطيء إنما أكيد - يحمل مؤ لفاتي إلى بقاع الأرض قاطبة .
أقرر الانتقال إلى باريس بسبب مقاهيها، وكتابها والحياة الثقافية فيها . أكتشف أن أيا منها لم يعد له أثر : باتت المقاهي تعج بالسياح وصور الناس الذين جعلوا من تلك الأماكن أماكن مشهورة . معظم الكتاب يولون الأسلوب اهتماما أكثر من المحتوى؛ يجهدون وراء التميز، إنما ينجحون في كونهم تافهين فحسب .
همفي انطواء داخل عالمهم الصغير الخاص . أتعلم عبارة فرنسية مثيرة للهتمام : " " renvoyer l‘ ascenseur ، ومعناها الحرفي " طلب المصعد إلى أعلى » ، أما معناها المجازي فمراد به « رد الجميل . » عمليا، أقول أمورا حسنة عن كتابك ، وأنت تقول أمور ا حسنة عن كتابي، وهكذا، نخلق حياة ثقافية جديدة، ثورة، فلسفة جديدة ظاهريا ؛ نعاني؛ لأن لا أحد يفهمنا، لكن في النهاية هذا ما حدث لعباقرة الماضي كل هم : أن يسيء المعاصرون فهمهم، هو بالطبع جزء لا يتجزأ من كون المرء فنانا عظيما . ، وبداية ، يلقى » هم يطلبون المصعد إلى أعلى « مثل هؤلاء الكتاب بعض النجاح : لا يود الناس المخاطرة بتوجيه انتقاد صريح إلى شيء لا يفهمونه، لكنهم سرعان ما يدركون أنهم حفظوا في ذاكرة التاريخ ويكفون عن تصديق الانتقادات . إن الانترنت ولغتها البسيطة هي كل ما يلزم لتغيير العالم . عالم مواز ينبثق في باريس : كتاب جدد يصارعون لكي تفهم كلماتهم وأرواحهم . أنضم إلى هؤلاء الكتاب في مقاه لم يسمع بها أحد، لأن الكتاب لم يبلغوا الشهرة بعد وكذلك المقاهي . أطو ر أسلوبي منفردا وأتعلم من ناشر كل ما أحتاج إلى معرفته بشأن الدعم المتبادل .. » ما مصرف الخدمة؟ «
. » أنت تعلم . الجميع يعلم «
. » محتمل، لكنني لم أفهم قولك جيد ا «
أو ل من ذكر هذه العبارة كاتب أميركي . هذا «
المصرف من أقوى المصارف في العالم، وتجده في
. » نواحي الحياة كافة
نعم، لكنني أنحدر من بلد تفتقر إلى أي تراث «
. » أدبي . ما الخدمات التي يمكنني تقديمها لي يكن؟
" قل ما يهم ذلك . دعني أعطك مثلا : أعرف أنك كاتب واعد، وأنك، ذات يوم، ستكون شديد النفوذ . أعرف ذلك، لأنني، على غرارك، كنت طموحا ، مستقلا ، صريحا . لم أعد أملك الطاقة التي ملكتها يوما ، لكنني أريد مساعدتك لأنني لا أستطيع أو بالأحرى لا أريد منذ الآن أن أنسحق إلى نقطة النهاية . لا أحلم بالتقاعد، لا أزال أحلم بالكفاح المذهل الكامن في الحياة والقوة والمجد . . «
أبدأ بوضع ودائع في حسابك - ليست بودائع نقدية - أنت تعلم، إنما صلات ، أعرفك بفلان وفلان، أدبر بعض الصفقات ما دامت قانونية . تكون على علم بأنك مدين لي، لكنني لا أطالبك بأي شيء " .
. » . . . وذات يوم «
بالضبط . ذات يوم، سأطلب إليك «
خدمة . وبالطبع يمكنك قول " لا " ، لكنك تدرك أنك مدين لي . فتفعل ما أطلبه . أواظب على مساعدتك ويرى الآخرون أنك من الأشخاص المحترمين والمخلصين . فيودعون ما يودعون في حسابك
- وتكون الإيداعات دائما على هيئة إيصالات، لأن هذا العالم قائم على الصلات لا غير . هم أيضا سيطلبون إليك خدمة، وسوف تحترم طلبهم وتساعد من ساعدك .
ومع الوقت، تكون قد ألقيت بشباكك على امتداد العالم، ستعرف ما أنت بحاجة إلى معرفته وسيزداد نفوذك تعاظما " .
" قد أرفض ما تطلبه إلي " .
" قد تفعل، مصرف الخدمة استثمار خطر، شأنه شأن أي مصرف آخر . ترفض تأدية الخدمة التي طلبتها إليك، ظنا منك أني ساعدتك لأنك أهل للمساعدة، لأنك الأفضل وعلى الجميع الأعتراف تلقائيًا بموهبتك . حسن ، أشكرك عندئذ جزيل الشكر، وأطلب الخدمة إلى شخص آخر أو دعت في حسابه ودائع مختلفة؛ لكن من تلك اللحظة فصاعد ا، سيعلم الجميع - من دون أن أضطر إلى التفو ه بكلمة - بأنك غير جدير بالثقة .
سوف تكبر بنصف ما أمكنك أن تكبر، وبالطبع ليس بقدر ما وددت أن تكبر . وفي مرحلة ما، ستبدأ حياتك بالانحطاط، فأنت عبرت نصف الدرب، لا كلها، أنت نصف سعيد ونصف تعس، غير محبط وغير واثق الخطوة . لست باردًا ولا حارًا، أنت فاتر، وكما جاء على لسان أحد الإجيليين في كتاب مقد س ما : " الأمور الفاترة لا تطيب للذوق يودع الناشر الكثير من الودائع - أو الصلات– في حسابي لدى مصرف خدمة . أتعل م , أعاني , تترجم كتبي إلى الفرنسية , وفي تقاليد تلك البلد، الغريب مرحب به . ليس هذا فحسب، فالغريب عبارة عن نجاح ضخم ! بعد عشر سنوات، أصبحت أملك شقة واسعة تطل على نهر السين Seine ، القر اء يحبونني والنقاد يكرهونني ) هم الذين عشقوني إلى أن بعت نسخ كتابي المائة ألف الأولى . منذ تلك اللحظة، كففت عن كوني « عبقريا يساء فهمه . ) » أصبحت بنفسي مقرضا للصلات .
تحصل إستير على الترخيص للعمل صحافية، وبغض النظر عن الخلافات العادية التي تطرأ على أي زواج، فأنا راض . أدرك للمرة الأولى أن كل ما شعرت به من إحباط في علاقاتي الغرامية وزيجاتي السابقة لم يكن له أي دخل بالمرأة المعنية، بل بمرارتي أنا . غير
أن إستير هي الوحيدة التي فهمت أمرا واحدا في غاية البساطة : لكي أتمكن من إيجادها، علي أن أجد نفسي أولا . نحن معا منذ ثماني سنوات؛ أثق بأنها حب حياتي، ومع أنني أحيانا ) أو بالحرى - تقتضي الصراحة - هنا، مرار ا ( أغرم بنساء أخريات يعبرون طريقي، فلا أفكر أبدا باحتمال الطلاق . لا أسألها قط إن كانت على علم بعلاقاتي خارج الزوجية . هي لا تعلق على الموضوع .

لذلك، أذهل عندما كنا نخرج من السينما، حين تقول لي إنها طلبت إلى المجلة التي تعمل لديها أن تعد تقريرًا عن الحرب الهلية في أفريقيا .
. » ماذا تقولين؟ «
. » إني أريد أن أكون مراسلة حرب «
أنت مجنونة، لست في حاجة إلى القيام . أنت « تقومين بالعمل الذي تريدينه الآن . وتجنين المال اليسير، الذي لا تحتاجين إليه لكسب عيشك . أنت تملكين كل الصلات التي تحتاجين إليها في مصرف . » زملائك » احترام « الخدمة . أنت موهوبة وقد كسبت
. » حسن إذ ا، فلنقل إنني أريد أن أكون وحدي «
. » بسببي أنا؟ «
لقد بنينا حياتنا سويا . أحب زوجي وهو «
. » يحبني، مع أنه أحيانا ليس أكثر الزواج وفاء
" لكنك لم تأت على ذكر أي شيء عن هذا من
قبل " .
" لأنه لا يهمني . أعني، ما الوفاء؟ الشعور بأنني أمتلك روحا وجسدا ليسا لي؟ أو تتصور بأني لم أضاجع رجال آخرين طوال تلك السنوات التي قضيناها معا ؟ " .
" لا يهمني ولا أريد أن أعرف " .
" حسن ، ولا أنا " .
" إذ ا، ما قضية رغبتك في الكتابة عن حرب في بقعة منسية من العالم؟ "
" كما قلت ، أحتاج إلى ذلك " .
" أو لم تحصلي على كل ما تحتاجين إليه؟ " .
" لدي كل ما قد تود امرأة الحصول عليه " .

" ما الريب في حياتك إذ ا؟ " .
" هذا بالتحديد : امتلك كل شيء، لكنني لست سعيدة . ولست الوحيدة؛ على مر السنوات، التقيت الناس على اختلافهم وأجريت مقابلت معهم : الغني، الفقير، القوي، وأولئك المكتفين بما لديهم . رأيت المرارة اللامحدودة هي نفسها في عيونهم كافة، تعاسة لا يكون الناس دوما على استعداد للعتراف بها . لكنها، بغض النظر عما كانوا يخبرونني، كانت دوما هناك . هل تصغي؟ " .
" نعم، أنا أصغي . كنت أفكر فقط . إذا، في رأيك، لا أحد سعيد؟ " .
" بعض الناس يبدون سعداء، لكنهم لا يفكرون في الأمر كثير ا، سواهم يرسم مخططات : سوف أجد لي زوجا ، منزل ، ولدين، منزل في الريف . وما داموا منهمكين في هذا المنوال، يغدون كالثيران الساعية وراء المصارع : تأتي ردة فعلهم غريزيا، يمشون على
غير هدى، لا أدنى فكرة لديهم عن مكان الهدف . يحصلون على سياراتهم، حتى أنهم يشترون سيارة فراري أحيانا ، ويخالون أن بها تكتسب الحياة معنى ، ولايشكون في ذلك أبدا . غير أن عيونهم تخون تعاستهم التي يجهلون أنهم يحملونها في نفوسهم . هل أنت سعيد؟ " .
" لا أدري " .
" لا أدري إذا كان الجميع تعساء، أعلم أن الجميع مشغولون : يعملون أوقاتا إضافية ، يقلقون بشأن أولادهم، أزواجهم، مهنهم، شهاداتهم، ما سيفعلونه في الغد، ما يحتاجون إلى شرائه، ما يحتاجون إلى
امتلاكه لئلا يشعروا بالدونية، وسوى ذلك . يندر من يقول منهم : " أنا تعس " . معظمهم يقول " أنا بخير، حصلت على كل ما أريده " . ثم اسأل " ما الذي يسعدك؟ " . يأتي الجواب : " حصلت على كل شيء يمكن لي امرئ الحصول عليه، عائلة، منزل، عمل، صحة سليمة " . أسأل مجدد ا : " هل استوقفت نفسك يوما متسائل إذا كان هذا كل ما في الحياة؟ " يأتي الجواب : " نعم، هذا كل ما فيها " . أصر : " إذ ا معنى الحياة هو : العمل، العائلة، الأولاد الذين سيكبرون ويتركونك، زوج يغدو بمثابة صديق بدل من
حبيب حقيقي . وبالطبع، ذات يوم، سيكون لعملك نهاية . ماذا ستفعل عندما يحدث هذا؟ يأتي الجواب . . . لا جواب، هم يبد لون الموضوع " .
" لا، ما يريدون قوله هو : " عندما يكون الأولاد قد كبروا، عندما يصبح زوجي، بمثابة صديق عوضا عن حبيب و لهان، عندما أتقاعد، عندها، ستسنح لي الفرصة أن أفعل ما أردت فعله دوما : " السفر " . ثم يأتي السؤال : " أو لم تقل الآن أنك سعيد؟ أو لا تفعل ما أردت دوما فعله؟ " ثم يقولون إنهم كثيرو النشغال ويبدلون الموضوع " .
" إذا رأوك مصر ا، يختلقون دوما شيئا يفتقرون إليه .
فرجل الأعمال لم يعقد بعد الصفقة التي يريد، ربة المنزل تود التمتع بمزيد من الاستقلالية ومزيد من المال، والفتى المغرم يخشى خسارة حبيبته، والمتخرج الجديد يتساء ل بشأن مهنته هل هو مخير أم مسير ؟ وطبيب الأسنان كان يريد أن يكون مغنيا ، والمغني كان يريد أن يكون رجل سياسة، ورجل

السياسة كان يريد أن يكون كاتبا ، والكاتب كان يريد أن يكون مزارعا . حتى وإن التقيت أحد ا يفعل ما اختار فعله، ترى روحه في عذاب . لم يجد السلام بعد هو
أيضا . وإنني أسألك مجدد ا : " هل أنت سعيد؟ " .
" لا . أملك المرأة التي أحب، المهنة التي طالما حلمت بها، نوع الحرية الذي يحسدني عليه جميع أصدقائي، الأسفار، التكريمات، المديح . لكن، هناك شيء . . . " .
" ماذا؟ " .
" تراودني فكرة أنني، إذا توقفت ، ستخلو الحياة من المعنى " .
" لا يمكنك أن تسترخي فحسب، أن تنظر إلى باريس , أن تمسك بيدي وتقول : حصلت على كل ما أريده، فلنستمتع الآن بما تبقيه الحياة لنا " .
" يمكنني أن أنظر إلى باريس أن أمسك بيدك، لكنني أعجز عن قول تلك الكلمات " .
" أراهن أن كل من في هذا الشارع الآن يراوده الشعور نفسه . المرأة الأنيقة التي مرت لتو ها من أمامنا، تقضي نهاراتها وهي تحاول إيقاف الزمن، وتتحقق من وزنها على الدوام، ظنا منها أن الحب و قف على ذلك . أنظر إلى الجهة المقابلة من الطريق : زوج وولدان . هما يشعران بسعادة غامرة عندما يخرجان برفقة ولديهما، إنما، في الوقت ذاته، يبقيهما اللاوعي في حالة ر عب ثابتة : هما يفكران في وظيفتهما التي قد يخسرانها، في المرض الذي قد يصابان به، في التأمين على الصحة الذي قد لا يجدي نفعًا، في أن يدهس أحد الولد . وفي محاولة إلهاء أنفسهما،

يحاولان أيضا إيجاد طريقة للانعتاق من هذه المآسي، لحماية أنفسهما من العالم " .
" والمتسو ل عند الزاوية؟ " .
" لا أدري ما حاله . لم يسبق لي أن تكلمت إلى متسو ل . إنه بالتأكيد انعكاس للبؤس، إنما عيناه، كعيني كل متسول، تبدوان وكأنهما تخفيان شيئا . إن تعاسته واضحة جد ا بحيث لا يسعني إلا تصديقها " .
" ما الناقص؟ " .
" لا أدنى فكرة لدي . أنظر إلى مجلات المشاهير وأرى فيها الجميع مبتسمين وراضين . وبما أنني، شخصيًا، متزوجة إلى مشهور، فإنني أدرك أن الحال ليست هكذا تمامًا : الجميع يضحكون ويستمتعون بأوقاتهم في تلك اللحظة، في تلك الصورة . لكن لاحقا في الليلة التالية، أو في الصباح، تكون القصة مختلفة فعلا . "
ماذا ينبغي أن أفعل كي أظهر باستمرار في المجلة؟ كيف لي أن أستر واقع أنني لم أعد أملك ما يكفي من المال لمواكبة نمط حياتي المترف؟، كيف لي أن أناور في حياتي المترفة أفضل مناورة لتبدو أكثر ترفا من حياة أي من الخرين؟ الممثلة التي تظهر معي في الصورة والتي أبتسم معها وأحتفي، قد تختلس بعضا مني غدا ! هل ثيابي أجمل من ثيابها؟ لماذا نبتسم
ما دامت إحدانا تمقت الخرى؟ ، لماذا نتاجر بالسعادة لقر اء هذه المجلة ونحن تعساء تعساء، ونحن عبدة الشهرة " .
" لسنا عبدة الشهرة " .
" لا يجن جنونك . لست أتحدث عنا " .
ما الذي يحدث إذ ا؟

" منذ سنوات، قرأت كتابا روى قصة مشو قة . افتر ض أن هتلر انتصر في الحرب، و بطش بكل اليهود وأقنع شعبه أن العرق الأسمر الآري، سيد الأعراق، موجود فعليًا . وبعد ثلاثمائة سنة، يتمكن خلفاؤه من إبادة كل الهنود . تبدأ كتب التاريخ تتغير، وبعد مرور مائة سنة، ترى السود قد أبيدوا أيضا . ويستغرق الأمر خمسمائة سنة، إنما، في نهاية
المطاف، تنجح آلة الحرب الكلية القدرة في محو العرق الشرقي عن وجه الرض . تتحدث كتب التاريخ عن معارك موغلة في القدم ضد البرابرة، لكن لا أحد يطالع هذا الأمر عن كثب ذلك أنه بلا أهمية .
وبعد مرور ألفي سنة على ولادة النازية، وفي حانة في طوكيو، مدينة استوطن فيها لخمسة قرون، ذوو العيون الزرق والقدود الهيفاء، ترى هانز وفريتز يتلذذان باحتساء الجعة . ثم ينظر هانز إلى فريتز ويسأله :
- فريتز، أوتعتقد أن هذا ما كان منذ الأزل؟
- ماذا؟ سأله فريتز .
- العالم .
- بالتأكيد، هكذا كان العالم من الأزل، أوليس
هذا ما لقناه؟ .
- طبعا . لا أدري ما الذي حملني على طرح سؤال بهذه السخافة .
انتهيا من احتساء الجعة، تحد ثا بأمور أخرى ونسيا السؤال كليا " .
" لا داعي للغوص حتى هذا العمق في الزمن الآتي، ما عليك سوى العودة إلى ألفي سنة
خلت . هل ترين نفسك في موقع عبادة مقصلة أو مشنقة أو كرسي كهربائي؟ " .
" أدرك ما ترمي إليه، أسوأ عذابات النسان على الإطلاق، الصليب . أذكر أن شيشرون أشار إليه على أنه " عقاب بطني " ينطوي على تعذيب المصلوب بشناعة قبل موته . ومع ذلك، في يومنا، يضعه الناس حول أعناقهم، يعلقونه على جدران غرف النوم، وقد
توصلوا إلى تعريفه كرمز ديني، متغافلين عن أنهم ينظرون إلى آلة تعذيب " .
" مضى 250 سنة قبل أن يقرر أحدهم أن الوقت قد حان لبطال الاحتفاءات الوثنية بمناسبة حلول النقلب الشتوي، حينما تكون الشمس في أبعد نقطة عن الأرض . الر سل، ومن أتوا بعدهم، كانوا منهمكين Natalis في نشر رسالة المسيح ليتاح لهم القلق بشأن
لولادةالشمس، الذي ، المهرجان الميثرائي Invict Solis حدث في الخامس والعشرين من ديسمبر . ثم قرر حد الساقفة أن الاتفاءات النقلبية تهدد الإيمان
وهكذا كان ! الن، نحتفي بالقداديس، بالولادة، بالهدايا، بالعظات، بأطفال من البلاستيك في مذود، وبالقناعة الصلبة بأن المسيح قد ولد في ذلك اليوم بالذات ! " .
" ثم تأتي شجرة الميلد . أو تدري مصدرها؟ " .
" ليس لدي أدنى فكرة " .
" قر ر القديس بونيفاس أن " ينصر " طقسا وثنيًا كان يرمي إلى تبجيل الله أودن طفل ، حيث تعو دت القبائل الجرمانية، مرة كل سنة، نثر الهدايا حول شجرة

.
سنديان ليجدها الولد , ظن ا منها أن هذا الأمر يسعد الله الوثني " .
" بالعودة إلى قصة هانز وفريتز : أتعتقدين أن الحضارة والعلاقات النسانية وآمالنا وانتصاراتنا، كلها نتاج قصة مغربلة أخرى فحسب؟ " .
" عندما كتبت عن الدرب إلى سانتياغو، وصلت إلى النتيجة ذاتها، أليس كذلك؟ كنت تعتقد أن نخبة دون سواها تعرف معنى الرموز السحرية، لكنك الآن تدرك أننا جميعا على دراية بهذا المعنى، كل ما في الأمر أننا نسيناه " .
" معرفة ذلك لا تحدث أي فرق . يبذل الناس جهدهم لنسيان المقدرة السحرية الشاسعة التي يملكون، يبذلون جهدهم لرفضها، لأن ذلك قد يخل بعوالمهم الصغيرة الصافية " .
" لكننا جميعا نملك القدرة، أليس كذلك؟ " .
" طبعا ، لكن لا نملك جميعا الشجاعة لتتبع أحلامنا والإشارات، لعل ذلك ما يجلب علينا التعاسة " .
" لا أدري، ولا أعني أنني تعسة طوال الوقت، أنا أستمتع بوقتي، أحبك ، أعشق عملي . لكن بين الحين والحين، تنتابني تلك التعاسة الموغلة، يوشحها الذنب أو الخوف أحيانا ؛ يذوي الشعور لكنه يرتد دوما ليذوي مجددا . وعلى غرار هانز، أطرح ذاك السؤال
نفسه؛ ومتى عجزت عن الإجابة، أتناساه ببساطة . بوسعي أن أساعد الأولاد الجوعى، أن
أنشئ مؤسسة لأولاد الشارع، أن أشرع في خلاص

الناس باسم المسيح، أن أفعل شيئا يشعرني بأنني ذات فائدة، لكنني لا أريد ذلك . "
" لماذا إذ ا تريدين الذهاب لتغطية هذه الحرب؟ " .
" لأنني أعتقد أن الإنسان في أوقات الحرب، يعيش عند أبعد الحدود . في النهاية، قد يموت في اليوم التالي . أي امرئ يعيش على هذا النحو يتصر ف بشكل مغاير للمعتاد " .
" إذ ا تريدين إيجاد الجواب عن سؤال هانز؟ " .
" نعم، أريد " .

اليوم ، في هذا الجناح الجميل في فندق البريستول، وبرج إيفل الذي يتلل أضواء لخمس دقائق كلما دقت الساعة معلنة مرور 60 دقيقة، وزجاجة نبيذ فارغة إلى جانبي وسجائري التي تفنى بسرعة، والناس يحيونني كما لو أن شيئا شديد الخطورة لم يحدث، أتساءل : هل بدأ الأمر برمته لحظة خروجنا من السينما؟ أكان يجدر بي أن أدعها تنطلق سعيا وراء تلك القصة المغربلة أو كان يجدر بي أن أستبد وأطلب إليها أن تغض الطرف عن الفكرة بكاملها لأنها زوجتي وأريدها معي، وأحتاج إلى دعمها؟
هراء . حينها، عرفت ، كما أعرف الآن، أنني لا أملك خيارا سوى الانصياع لإرادتها . لو قلت : " أنت مخيرة بيني وبين أن تصبحي مراسلة حرب " ، لخنت كل ما فعلته إستير من أجلي . لم أكن على قناعة بهدفها الصريح ـ التماسها " القصة المغربلة " - لكنني
استنتجت أنها في حاجة إلى القليل من الحرية، للخروج، لاختبار انفعالات قوية . وما الريب في ذلك؟ قبلت ، لكن ليس قبل أن أوضح لها أن ذلك انسحاب كبير جد ا من مصرف الخدمة ) الذي يبدو شيئا مضحكا عندما أفكر فيه ( .

على مدى سنتين، لحقت إستير نزاعات مختلفة في أقطار قريبة، متنقلة من قارة إلى قارة، أكثر من تغيير حذائها . كلما كانت تعود، كنت أعتقد أنها ستتخلى عن ذلك . بمنتهى البساطة، يستحيل العيش مطولا في مكان ليس فيه طعام لئق، ولا استحمام يومي، ولا سينما ولا مسارح ..
كنت أسالها هل وجدت الجواب عن سؤال هانز، كانت تجيب دوما أنها على الدرب الصواب، وأن علي الكتفاء بهذا . أحيانا ، كانت تغيب أشهر ا متواصلة عن المنزل؛ خلافا لما ينص عليه " تاريخ الزواجالرسمي " ) بدأت استخدم مصطلحاتها ( ، أن المسافة
تقو ي أواصر حبنا، وتظهر لنا مدى أهمية أحدنا للآخر .
علاقتنا، التي أتصور أنها بلغت ذروة المثالية عندما انتقلنا إلى باريس، كانت تتحسن .
وفي حدود فهمي للأمر، التقت ميخائيل عندما استدعتها الحاجة إلى مترجم يرافقها إلى بلد ما في آسيا الوسطى . بداية ، كانت تتحدث عنه بحماسة كبرى : كان شخصا مفرط الحساسية، شخصا رأى العام على حقيقته وليس كما أخبروه أنه يجب أن يكون . كان يصغرها بخمس سنوات، لكنه امتلك ميزة تصفها إستير بأنها " سحرية " . كنت أميل بسمعي إليها، بصبر ولباقة، كما لو أنني كنت مهتما بالفعل بذلك الفتى وأفكاره . لكنني في الحقيقة كنت أرتحل بعيدا، أتدارك في ذهني كل ما يتوجب علي : أفكارا لمقالتي، أجوبة لأسئلة الصحافيين والناشرين، استراتيجيات لإغواء امرأة محددة تظهر أنها مهتمة
بأمري، مخططات لتسويق كتاب مستقبلي .
لا أدري هل لحظت إستير ذلك أم لا . أخفقت بالتأكيد في ملاحظة أن ميخائيل بدأ يتلاشى من محادثاتنا، ثم احتجب كليا . راح تصرف إستير يتفاقم غرابة : حتى عند تواجدها في باريس، أخذت تخرج ليالي عدة في الأسبوع، وتقول لي إنها تعد بحثا عن
المتسولين . قلت في نفسي إنها تقيم علاقة غرامية (!!!!!)

بلا شك . تأ لمت لأسبوع بأكمله وتساءلت : أيجدر بي الإفصاح لها عن شكوكي أم أد عي أن شيئا لا يحدث؟
قررت تجاهل الأمر، عملا بالمبدأ القائل " ما لا تراه العين، لا يغتم له القلب " . كنت على قناعة تامة بأنه ما من احتمال ولو ضئيل في هجرها لي؛ عملت جاهدة لمساعدتي كي أصبح ما أنا عليه، وسيكون منافيا للمنطق أن تتخلى عن كل ذلك مقابل علاقة غرامية
عابرة .
لو أنني كنت مهتما فعلا بعالم إستير، لكنت على الأقل سألتها عما حدث لمترجمها وحساسيته " السحرية " . كان علي أن أشك في ذلك الصمت وفي تواري المعلومات . كان علي أن أطلب الخروج بصحبتها في إحدى " رحلات البحث " تلك عن المتسو لين عندما كانت تسأل أحيانا عن اهتمامي بعملها، كان جوابي الدائم ثابتا لا يتغير : " نعم، أنا مهتم، لكن لا أريد التدخل، أريدك أن تكوني حرة لمطاردة حلمك بالطريقة التي تختارينها، تماما كما ساعدتني على القيام بال ثل " .
كان هذا، طبعا ، مرادفا لقول إنني غير مهتم ولو قليلا . لكن بما أن الناس يصد قون ما يريدون تصديقه، فقد بدت إستير راضية عن جوابي .

ها إن كلمات المفتش التي قالها لي مع إخلائي من زنزانة المخفر، يرتد صداها إلي : أنت رجل حر . لكن، ما الحرية؟ أهي الملاحظة أن الزوج لا يهتم بما تقوم به الزوجة؟ أهي الشعور بالوحدة من دون .شخص تشاطره أعمق مشاعره، لأن الشخص الذي تزوجته متمحور بكليته حول عمله الخاص، حول مهنته المهمة، الرائعة، الصعبة؟
أنظر إلى برج إيفل : ساعة أخرى مرت، إنه يتلألأ ثانية كما لو أنه صنع من الماس . ليس لدي أدنى فكرة عن عدد المرات التي حدث فيها هذا مذ وقفت قبالة النافذة .
أنا أعرف أنني، باسم حرية زواجنا، لم ألحظ أن ميخائيل غاب عن أحاديث زوجتي، ليتجلى مجددا في حانة، ثم يغيب، ويصطحبها معه هذه المرة، مخلفين وراءهما الكاتب الناجح والمشهور كمشبوه أساسي .
أو بالأحرى، أفظع من ذلك، كرجل مهجور .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(تمت ) ... في انتظار آرائكم