ذاكرة غانياتي الحزينات

ذاكرة غانياتي الحزينات

جابرييل غارسيا مركيز


"يجب الإقدام على عمل شيء مناف للذوق - قالت امرأة الفندق، محذرة العجوز إيغوشي
- : يتوجب عليك عدم وضع إصبعك في فم المرأة النائمة، ولا محاولة عمل أي شيء مشابه."


ياسوناري كاواباتا

 

الفصل الأول
بيت الجميلات النائمات

في السنة التسعين من سنوات حياتي، رغبت في أن أهدي إلى نفسي ليلة حب مجنون، مع مراهقة عذراء. تذكرت روسا كباركاس، صاحبة بيت سري، اعتادت أن تتصل بزبائنها الجيدين، عندما يكون تحت تصرفها جديد جاهز. لم أستسلم قط لهذا الإغراء، أو لأي واحد آخر من إغراءاتها الفاحشة، ولكنها لم تكن تؤمن بنقاء مبادئي. فكانت تقول بابتسامة خبيثة: الأخلاق مسألة زمن أيضا ، ولسوف ترى. كانت أصغر مني بعض الشيء، ولم تعد لدي أخبار عنها منذ سنوات طويلة، بحيث يمكن أن تكون قد ماتت. ولكنني، منذ الرنين الأول، تعرفت على صوتها في الهاتف، وبادرتها دون مقدمات:
- اليوم، أجل.
فتنهدت قائلة: آه، يا عالمي الحزين، تختفي عشرين عاما، وتعود لتطلب مستحيلات فقط. وفورا، استعادت السيطرة على فنها، وعرضت علي ستة من الخيارات الشهية، ولكن عليك أن تعلم، جميعهن مستعملات. ألححت عليها أن لا، ويجب أن تكون عذراء، وأريدها هذه الليلة بالذات. فسألت مفزعة: ما الذي تريد أن تجربه؟ لا شيء، أجبتها مهانا، حيث تسبب الإهانة لي أكبر ألم، فأنا أعرف جيدا ما أستطيعه وما لا أستطيعه. فردت دون تأثر بأن العلماء يعرفون كل شيء، ولكن ليس كل شيء: فالوحيدون الآخذون بالبقاء من مواليد برج العذراء هم أنتم أناس آب. لماذا لم تطلب مني ذلك قبل بعض الوقت؟ فأجبتها: الإلهام لا يعطي إنذارا مسبقا. ولكن ، ربما أستطيع، انتظر، قالت ذلك، وهي أكثر علما على الدوام من أي رجل، وطلبت مني، ولو يومين، لتتقصى السوق بعمق. فرددت عليها بجد أنه في صفقة مثل تلك، وفي مثل عمري، تكون كل ساعة سنة. قالت هي دون مجال للشك: ليس ممكنا إذن، ثم أضافت: ولكن لا يهم، فالأمر هكذا أكثر إثارة، يا للعنة، سأتصل بك بعد ساعة.
لا حاجة لأن أقول ذلك لأنه يمكن تمييزي عن بعد فراسخ: أنا قبيح خجول، ومن زمن مضى. لكنني لعدم رغبتي في أن أكون كذلك، رحت أتصنع العكس تماما، حتى شمس هذا اليوم، الذي قررت فيه أن أروي لنفسي كيف أنا، بمشيئتي الحرة والخاصة، ولو لمجرد طمأنة ضميري. لقد بدأت بمكالمتي غير المألوفة مع روسا كاباركاس، لأن تلك المكالمة، وأنا أنظر إليها اليوم، كانت بداية حياة جديدة، في سن يكون فيها معظم البشر الفانين قد ماتوا.
إنني أعيش في بيت من الطراز الكولونيالي، على رصيف شمس حديقة سان نيكولاس، حيث أمضيت كل أيام حياتي، بلا امرأة وبلا ثروة، وحيث عاش ومات أبواي، وحيث قررت أن أموت وحيدا، على السرير نفسه الذي ولدت فيه، وفي يوم أرغب أن يكون بعيدا، وبلا ألم. لقد اشترى أبي البيت في مزاد علني، في أواخر القرن التاسع عشر، فأجر الطابق الأرضي، كمتاجر فاخرة لشركة يملكها إيطاليون، واحتفظ لنفسه بهذا الطابق الثاني، ليعيش سعيدا مع ابنة أحد أولئك الإيطاليين، فلورينا دي ديوس كارغامنتوس، عازفة ماهرة لموسيقى موزارت، ومتعددة اللغات، وغاريبالدية، والمرأة الأكثر جمالا والأفضل موهبة بين كل من عرفتهن المدينة على الإطلاق: إنها أمي.
نطاق البيت واسع ومنير، فيه أعمدة من المرمر، وأرضيات شطرنجية من الموزاييك الفلورنسي، وأربعة من أبواب زجاجية تتفتح على شرفة بارزة حيث كانت تجلس أمي في ليالي آذار، لتردد أغنيات حب مع بنات عمومتها الايطاليات. ومن هناك، ترى حديقة سان نيكولاس، ومعها الكاتدرائية وتمثال كريستوف كولومبس، وإلى الوراء منها حانات المرسى النهري، والأفق الفسيح لنهر مجدالينا الكبير، على بعد عشرين فرسخا من مصبه. الشيء الوحيد غير اللطيف في البيت، هو أن الشمس تنتقل من نافذة إلى أخرى خلال النهار، ويتوجب إغلاقها جميعها من أجل محاولة نوم القيلولة في العتمة الحارقة. عندما بقيت وحيدا، وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، انتقلت إلى ما كان مخدع أبوي، وفتحت بابا للمرور إلى غرفة المكتبة وبدأت أبيع في المزاد كل ما يفيض عن حاجتي لكي أعيش، وانتهى الأمر بما يفيض عن حاجتي إلى أن يكون كل شيء باستثناء الكتب وأرغن اللفافات

لقد كنتُ طوال أربعين سنة، مصحح البرقيات في جريدة دياريو لا باث، وهي مهمة تتلخص في ترميم أخبار العالم التي نتلقفها من الفضاء الفلكي، على الموجات القصيرة أو من رموز شفرة مورس، واستكمالها بنثر محلي. وأنا اليوم أعيش بين بين، على معاشي التقاعدي من تلك المهنة المنقرضة؛ وأعيش بقدر أقل على تقاعدي كأستاذ نحو قشتالي ولاتيني، ولا أكاد أكسب شيئا تقريبا من عمود يوم الأحد الذي أكتبه للجريدة دون توقف، منذ أكثر من نصف قرن، ولا أكسب شيئا على الإطلاق من تعليقاتي الموسيقية والمسرحية التي ينشرونها مجانا في المرات الكثيرة التي يأتي فيها عازفون بارزون. لم أفعل شيئا قط غير الكتابة، ولكنني لا أمتلك موهبة الروائي ولا مزيته، وأجهل تماما قوانين التأليف الدرامي، وإذا كنت قد ورطت نفسي في هذا المشروع، فلأنني أثق بنور الكثير الذي قرأته في الحياة. وهذا يعني، بلغة رومانس فجة، أنني نهاية سلالة بلا مزايا ولا بريق، ليس لديه ما يورثه لأحيائه سوى هذه الوقائع التي أتهيأ لروايتها كيفما أمكن، في هذا الاستذكار للحب الكبير.
تذكرت يوم إكمالي تسعين سنة، كالعادة، في الخامسة صباحا. وكان التزامي الوحيد، لأن اليوم جمعة، هو كتابة عمودي الصحفي الذي يحمل توقيعي، وينشر أيام الآحاد في ريو دي لا باث. كان يمكن لأعراض الفجر أن تكون ملائمة تماما لانعدام السعادة: فقد كانت تؤلمني عظامي منذ الصباح الباكر، وهناك حرقة في شرجي، وكان هناك رعد عاصفة، بعد ثلاثة شهور من الجفاف. استحممت فيما كانت القهوة تسخن، تناولت فنجانا محلى بعسل النحل، ومعه قرصان من الكاثابيه، ولبست أفرهولي البيتي الكتاني الفضفاض.
موضوع مقالتي لذلك اليوم، وكيف لا، هو سنواتي التسعون. لم أفكر قط في السن على أنها ثقب في السقف يقطر الماء منه، لينبه أحدنا إلى كمية الحياة الآخذة بالتبقي له. لقد سمعت منذ طفولتي المبكرة أن القمل الذي يتكاثر في الشعر يهرب مذعورا على الوسائد، عندما يموت الشخص، مسببا الحرج والخجل للأسرة. وكان هذا عبرة لأتجنب ذلك المصير، فسمحت بقص شعر رأسي كله عندما ذهبت إلى المدرسة، وما زلت أغسل خصلات الشعر القليلة المتبقية لي، بصابون الكلب الشكور. هذا يعني، وأقوله الآن، إن حس الحياء الاجتماعي كان، منذ طفولتي المبكرة، أفضل تكونا لدي من حس الموت.
لقد احتطت منذ شهور، كيلا يكون مقالي في ذكراي، مجرد حسرة على السنوات الذاهبة، وإنما العكس تماما: تمجيد للشيخوخة. بدأت بالتساؤل، متى بدأت أعي أنني صرت عجوزا، وأظن أن الأمر حدث قبل وقت قصير جدا من ذلك اليوم. ففي الثانية والأربعين من عمري لجأت إلى الطبيب لألم في ظهري، سبب لي ضيقا في التنفس، فلم يول الطبيب أهمية للأمر، وقال لي: إنه ألم عادي في مثل سنك.
فقلت له:
- غير العادي إذن، في هذه الحالة، هي سني.
ابتسم لي الطبيب ابتسامة مشفقة، وقال: أرى أنك فيلسوف. كانت تلك هي المرة الأولى التي فكرت فيها بسني، بمعايير الشيخوخة ولكنني سرعان ما نسيت ذلك. اعتدت على الاستيقاظ كل يوم بألم مختلف، يبدل موضعه وأسلوبه مع مرور السنوات، فهو يبدو أحيانا كمخلب الموت، وفي اليوم التالي يزول. وقد سمعت، في تلك الفترة من يقول إن أول أعراض الشيخوخة هو بدء الأمر بالتشابه مع أبيه. لا بد أنني محكوم بالشباب الأبدي. هذا ما فكرت فيه آنذاك، لأن بروفيلي الحصاني ليس فيه أي شبه على الإطلاق بالبروفيل الكاريبي الخام الذي كان عليه أبي، ولا بروفيل أمي الروماني الإمبراطوري، والحقيقة هي أن أول التبدلات تكون شديدة البطء، لا تكاد تلحظ، ويواصل أحدنا العيش، بينه وبين نفسه، مثلما كان على الدوام، إلا أن الآخرين يلحظون التبدلات من الخارج.
في العقد الخامس، بدأت أتخيل ما هي الشيخوخة، عندما انتبهت إلى أولى فجوات الذاكرة. كنت أذرع البيت بحثا عن النظارة، ثم اكتشفت أنني أضعها على عيني، أو أدخل بها تحت مرشة الاستحمام، أو أضع نظارة القراءة دون أن أنزع نظارة بعد البصر. وفي أحد الأيام تناولت الفطور مرتين، لأنني نسيت المرة الأولى منهما ؛ وتعلمت التعرف إلى ضيق أصدقائي عندما لا يجرؤون على تنبيهي إلى أنني أروي لهم الحكاية نفسها التي رويتها الأسبوع الفائت. في ذلك الحين، كانت هناك في ذاكرتي قائمة وجوه معروفة، وقائمة أخرى باسم كل واحد من أصحاب تلك الوجوه، ولكنني في لحظة تبادل التحية، لا أتوصل إلى المطابقة بين الوجوه والأسماء.
عمري الجنسي لم يقلقني قط، لأن قدراتي الجنسية لا تعتمد علي أنا نفسي بقدر ما تعتمد عليهن، وهن يعرفن كيف يفعلن ذلك وماذا يفعلن، عندما يشأن. إنني أضحك اليوم من الفتيان الذين في الثمانين، ممن يستشيرون الطبيب مذعورين من هذه التبدلات المفاجئة دون أن يدروا أنها ستكون أسوأ في التسعين، ولكنها لا تهم: إنها مخاطر بقاء المرء حيا. وما يمكن اعتباره نصرا للحياة، بالمقابل أن ذاكرة المسنين تضيع في الأمور غير الجوهرية، ولكنها نادرا ما تخطئ في الأمور التي تهمنا حقا. وقد أوضح شيشرون ذلك بجرة قلم: لا وجود لمسن ينسى أين خبأ كنزه.
بهذه الأفكار، وأخرى عديدة أنهيت المسودة الأولى لمقالتي، عندما اندلعت شمس آب من بين أشجار اللوز في الحديقة: ودخلت سفينة البريد النهرية، المتأخرة أسبوعا بسبب الجفاف، في قنال المرفأ وهي تجأر. فكرتُ: إلى هنا وصلت سنواتي التسعون. لن أعرف السبب أبدا. ولست أسعى إلى معرفته، ولكن الأمر كان تعويذة للتعزيم على ذلك الاستذكار المدمر، عندما قررت الاتصال هاتفيا بروسا كاباركاسن كي تساعدني في تكريم ذكراي بليلة ماجنة. كنت قد أمضيت سنوات في سلام مقدس مع جسدي مكرسا نفسي لإعادة قراءة غير منتظمة للكلاسيكيين الذين أفضلهم، ولبرامج موسيقاي الخاصة المنتقاة، غير أن رغبتي في ذلك اليوم كانت ملحة، حتى إنها بدت لي رسالة من الرب. بعد المكالمة، لم أستطع مواصلة الكتابة علقت أرجوحة النوم في ركن المكتبة، حيث لا تصل شمس الصباح، واستلقيت بصدر منقبض بلهفة الانتظار.
لقد كنت طفلا مدللا لأب متعدد المواهب قضى عليه السل وهو في الخمسين، ومتمسك بالشكليات لم يعرف له خطأ قط ، وطلع عليه الصباح ميتا في فراش ترمله، في يوم توقيع معاهدة نيرلاندا التي وضعت حدا لحرب الألف يوم، وحروب القرن الماضي الأهلية الكثيرة. لقد بدل السلام المدينة في اتجاه لم يكن متوقعا ولا مرغوبا. فقد أغنى حشد من النساء المتحررات، حتى الهذيان، الحانات القديمة، في شارع أنتشا الذي تحول بعد ذلك إلى ممر آبييو، وهو الآن جادة كولومبس، في مدينة روحي هذه التي يقدرها المقربون والغرباء لطيب طباع ناسها وصفاء ضوئها.
لم أضاجع امرأة قط دون أن أدفع لها! والقليلات اللواتي لم يكن من نساء المهنة، أقنعتهن بالحجة أو بالإكراه، بأن يأخذن النقود ولو لمجرد رميها في القمامة. منذ العشرين من عمري بدأت بوضع سجل بالاسم، والسن، والمكان، وبموجز تذكيري بالظرف والأسلوب. فكنّ حتى الخمسين من عمري خمسمائة وأربع عشرة امرأة، ضاجعت كل واحدة منهن مرة واحدة على الأقل. أوقفت تلك القائمة عندما لم يعد الجسد قادرا على الكثير، وواصلت الحساب بلا أوراق. لقد كانت لي أخلاقياتي الخاصة. فأنا لم أشارك قط في عربدة جماعية، ولا في معاشرات عامة، ولم أشاطر أحدا الأسرار، ولا رويت لأحد مغامرة من مغامرات الجسد أو الروح. فقد أدركت منذ شبابي أنه لا يمكن لأي من ذلك كله أن يمر دون حساب.
العلاقة الغريبة الوحيدة هي تلك التي أقمتها لسنوات، مع داميانا الوفية. لقد كانت طفلة تقريبا، شبه هندية، وقوية وبدائية، كلامها قليل وحاسم، تتنقل حافية كيلا تزعجني وأنا أكتب. أتذكر أنني كنت أقرأ (النضارة الأندلسية) في أرجوحة النوم في الردهة، ورأيتها مصادفة تنحني على حوض غسل الثياب، بتنورة قصيرة جدا، تكشف تكوراتها الغضة. ومدفوعا بحمى لا تقاوم، رفعتها من وراء، أنزلت لها سروالها الداخلي حتى الركبتين، انقضضت بالمقلوب. فقالت هي، بآهة كئيبة: آي، يا سيدي، هذا لم يخلق للإدخال وإنما للإخراج. زلزلة عميقة هزت جسدها ولكنها ظلت ثابتة. ولإحساسي بالمهانة، لأنني امتهنتها، أردت أن أدفع لها ضعف ما كانت تتقاضاه أغلاهنّ آنذاك، ولكنها لم تقبل ولا فلسا واحدا. فكان علي أن أزيد راتبها بقيمة مضاجعة كل شهر، ودوما وهي تغسل الملابس، ودائما في الاتجاه المعاكس.
لقد فكرت في بعض الأحيان بأنه يمكن لسجلات الفراش تلك، أن تكون دعامة لقصة عن بؤس حياتي الضائعة، ونزل علي العنوان من السماء (ذاكرة غانياتي الحزينات)، حياتي العامة بالمقابل، تخلو مما هو مشوق ومثير للاهتمام: يتيم الأب والأم، أعزب بلا مستقبل، صحفي متوسط الإمكانيات، ومتوصل أربع مرات إلى التصفية النهائية في مسابقات كارتاخينا دي إندياس الشعرية، والشخص المفضل لرسم الكاريكاتير بسبب قبحي النموذجي. هذا يعني: حياة ضائعة بدأت، بصورة سيئة، مساء اليوم الذي أخذتني فيه أمي من يدي، وأنا في التاسعة عشرة من عمري، إلى صحيفة (دياريو دي لا باث) لترى إن كان بإمكانها التوصل إلى نشر عرض عن الحياة المدرسية، كنت قد كتبته لمادة اللغة القشتالية والخطابة. وقد نشر يوم الأحد، مع تقديم تشجيعي كتبه مدير الجريدة. وبعد مرور سنوات، حين عرفت أن أمي قد دفعت مقابل نشره، ومقابل نشر مقالاتي السبع التالية كذلك، كان الوقت قد فات للشعور بالخجل، إذ كان عمودي الصحفي الأسبوعي يحلق بجناحيه الخاصين، وكنت قد سرت فوق ذلك مصحح البرقيات، وناقدا موسيقيا.
منذ حصولي على شهادة الثانوية بدرجة امتياز، بدأت بإعطاء دروس في اللغة القشتالية واللاتينية، في ثلاث مدارس عامة، في الوقت نفسه. كنت أستاذا سيئا بلا ميول، وبلا أي شفقة على أولئك الأطفال المساكين الذين يذهبون إلى المدرسة، باعتبارها أسهل الطرق للهرب من طغيان آبائهم. الشيء الوحيد الذي استطعت عمله لهم، هو إبقاؤهم تحت رعب مسطرتي الخشبية، لكي يحفظوا عني على الأقل، قصيدتي المفضلة: (هذي التي تراها الآن يا فابيو، ويا للألم، مجرد حقول عزلة وربوة ذاوية كانت في زمن مضى إيتاليكا الشهيرة). وفي شيخوختي فقط عرفت مصادفة اللقب الخبيث الذي أطلقه علي التلاميذ من وراء ظهري: الأستاذ ربوة ذاوية. هذا هو ما منحتني إياه الحياة، ولم أفعل شيئا لأستخلص منها المزيد. كنت أتناول الغداء وحيدا، في الاستراحة بين حصة وأخرى. وفي الساعة السادسة مساء أصل إلى مكاتب تحرير الجريدة، لأتصيد الأخبار عن الفضاء الفلكي. وفي الحادية عشرة ليلا عند إغلاق الطبعة تبدأ حياتي الحقيقية

كنت أنام في الحي الصيني مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع، مع رفقة شديدة التنوع، حتى إنني توّجت مرتين بلقب (زبون السنة)، فبعد العشاء في مقهى روما القريب، أختار أيّا من المواخير دون تعيين، وأدخل خفية من بوابة الفناء الخلفي. كنت أدخل من هناك بدافع المتعة، ولكن الأمر تحول إلى جزء من مهنتي، بفضل خفة لسان كبار ثرثاري السياسة، ممن يقدمون لعشيقات ليلة عابرة، ما لديهم من أسرار الدولة، دون أن يخطر ببالهم أن الرأي العام يسمع أصواتهم من خلال الجدران الكرتونية. عن هذه الطريق ،وكيف لا، اكتشفت أيضا أنهم يعزون عزوبتي التي لا عزاء لها، إلى ميول لوطية ليلية أشبعها مع أطفال أيتام في شارع دي لاكريمن. وقد حالفني الحفظ بنسيان ذلك لأنني إضافة إلى أسباب طيبة أخرى، عرفت أيضا الأشياء الجيدة التي كانت تقال عني، وقدرتها بما تستحق.
لم يكن لي أصدقاء حميمون قط، والقلة الذين تمكنوا من الاقتراب مني، هم الآن في نيويورك. هذا يعني أنهم ميتون. لأن ذلك هو المكان الذي أفترض أن الأرواح المحزونة تذهب إليه، كيلا تتمثل حقيقة حياتها الماضية. منذ تقاعدي لم يعد لدي إلا القليل لأعمله، اللهم إلا حمل أوراقي إلى الجريدة أيام الجمعة مساء، أو القيام بمساع أخرى على شيء من الأهمية: حضور حفلات موسيقية في قاعة الفنون الجميلة، أو معارض رسم في المركز الفني، وأنا عضو مؤسس فيه؛ أو محاضرة تمدنية بين حين وآخر في جمعية الإصلاح العام؛ أو حدث كبير مثل موسم فابريغاس في مسرح أبولو.
في شبابي، كنت أذهب إلى صالات السينما غير المسقوفة، حيث يمكن أن يفاجئنا خسوف قمري، أو نزلة صدرية مزدوجة، بفعل وابل مطر في غير أوانه، ولكنني لم أكن أهتم بالأفلام قدر اهتمامي بعصفورات الليل اللواتي يضاجعن بثمن تذكرة الدخول، أو يقدمن ذلك مجانا أو بالدين. فالسينما ليست من ميولي. وكان الإعجاب الداعر بشيلي تيمبل هو القطرة التي طفحت بها الكأس.
الرحلات الوحيدة في حياتي، هي أربع رحلات إلى المسابقات الشعرية في كارتاخينا دي إندياس، قبل بلوغي الثلاثين، وليلية خبيثة في مركب ذي محرك، بدعوة من سكرامينتو مونتييل إلى افتتاح ماخور له في مدينة سانتا مارتا. أما بشأن حياتي المنزلية فأانا قليل الأكل وغير متطلب. عندما هرمت داميانا، ولم تعد تطبخ لي في البيت صارت وجبتي النظامية الوحيدة منذ ذلك الحين عجة البطاطا في مقهى روما بعد إغلاق الجريدة.
ولهذا ظللت عشية إكمالي التسعين سنة دون غداء، ولم أستطع التركيز على القراءة، بانتظار أخبار من روسا كاباركاس. كانت الزيزان تصفر حد التقزز في قيظ الساعة الثانية، وقد أجبرني دوران الشمس على النوافذ المفتوحة على أن أبدل مكان أرجوحة النوم ثلاث مرات. لقد بدا لي على الدوام أن أيام ذكرى ميلادي هي الأشد حرا طوال العام، وقد تعلمت تحمل ذلك، غير أن مزاجي في ذلك اليوم لم يتح لي التحمل كثيرا. ففي الساعة الرابعة بعد الظهر، حاولت أن أهدئ نفسي بسماع مقطوعات التشيلو المنفرد الست، لجان سبستيان باخ، في نسختها النهائية لدون بابلو كاسالس. إنني أرى فيها ما تتضمنه الموسيقى كلها من حكمة. ولكنها بدل أن تهدئني كالعادة خلفتني في أسوأ حالات الوهن. غفوت مع السوناتا الثانية منها، وهي تبدو لي متكاسلة بعض الشيء. وفي الحلم اختلط علي أنين التشيلو بأنين سفينة حزينة مضت. وعلى الفور تقريبا أيقظني الهاتف، وأعاد لي الحياة صوت روسا كاباركاس الصدئ: إن لك حظا مجنونا، قالت لي، ثم أضافت: وجدت لك واحدة أفضل مما أردته أنت، ولكن هناك مشكلة: إنها تكاد لا تتجاوز الرابعة عشرة. قلت لها مازحا دون أن أفهم مسوغاتها: ليس لدي مانع في تبديل حفاظات. فقالت هي: الأمر لا يتعلق بك، ولكن من الذي سيدفع عني ثلاث سنوات سجن؟
لن يكون هناك من يدفعها، وهي نفسها أقل من أي شخص آخر بالطبع. فهي تجني محصولها من بين قاصرات السن اللواتي يعرضن أنفسهن في محلها، فتدربهنّ وتعتصرهن، إلى أن ينتقلن إلى أسوأ حياة عاهرات مجازات، في ماخور إوفيميا الزنجية التاريخي. لم تدفع أي غرامة قط، لأن بيتها هو منتدى السلطات المحلية، ابتداء من المحافظ وحتى أصغر موظف في مقر المحافظة، ولم يكن ممكنا تصور أن صاحبة المحل تنقصها القدرات على ارتكاب المخالفات على هواها. وهكذا فإنه لا هدف من وساوسها، في اللحظة الأخيرة سوى جني منفعة أكبر من خدماتها: فالخدمة أغلى ثمنا كلما كانت أكثر عرضة للعقاب. تمت تسوية الخلاف بإضافة بيزوين اثنين إلى الخدمة. واتفقنا على أن أكون في بيتها الساعة العاشرة ليلا ومعي خمسة بيزوات نقدا ومقدما. ولا دقيقة واحدة قبل ذلك، لأن الطفلة يجب أن تقدم الطعام لإخوتها الصغار وتنومهم، وتنوم أمها المقعدة بفعل الروماتيزم.
كانت لا تزال هناك أربع ساعات، وفي أثناء انقضائها كان قلبي يمتلئ بزبد حامض يعيق تنفسي. بذلت مجهودا عقيما لأمضي الوقت بإجراءات اللباس. لا جديد في الحقيقة، فحتى داميانا تقول إنني أرتدي ملابسي بطقوس سيد مطران. جرحت نفسي بشفرة الحلاقة، وكان علي أن أنتظر إلى أن يبرد ماء الدش الذي سخنته الشمس في الأنابيب. ومجرد الجهد البسيط في تجفيف جسدي بالمنشفة جعلني أتعرق من جديد. لبست ما يتوافق مغامرة الليلة: بدلة الكتان البيضاء، والقميص ذا الخطوط الزرق، والياقة المقساة بالنشاء، وربطة العنق الحريرية الصينية، والحذاء المستعاد الشباب والملمع بالزنك والساعة الذهبية ذات السلسلة المثبتة بعروة الياقة. وبعد ذلك طويت طرفي ساقي البنطال إلى الداخل كيلا يلاحظ أني تقلصت شبرا.
يشاع عني أنني بخيل، لأنه ليس هناك من يتصور أنني فقير إلى هذا الحد، وأنا أسكن حيث أسكن، والحقيقة أن ليلة مثل تلك الليلة كانت أكبر بكثير من مواردي. أخرجت من صندوق مدخراتي الموضوع تحت السرير بيزوين اثنين لاستئجار الغرفة، وأربعة لصاحبة البيت، وثلاثة للصبية، وخمسة احتياطية لعشائي ونفقات ضئيلة أخرى. أي الأربعة عشر بيزوا التي تدفعها لي الجريدة مقابل شهر من مقالات يوم الأحد، خبأتها في جيب سري في الحزام، وتعطرت بمرشة ماء فلوريدا من صنع لانمان أند كيمب- باركلي أند كومباني. عندئذ أحسست بمخلب الذعر، ومع قرع ناقوس الساعة الثامنة الأول نزلت متلمسا طريقي على الدرج المظلم، متعرقا من الخوف، وخرجت إلى ليلة عشية ذكراي السنوية المشعة.
كان الجو قد برد. جماعات من الرجال المتوحدين يتجادلون صارخين حول كرة القدم في جادة كولومبس، بين سيارات الأجرة المتوقفة صفا في منتصف الشارع. جوقة نحاسية تعزف فالسا فاترا، تحت أشجار الحور المزهرة. إحدى العاهرات البائسات اللواتي يصطدن زبائن معدمين في شارع (الكتبة العموميين) طلبت مني السيجار المعهودة وأجبتها الجواب الدائم نفسه: تركت التدخين منذ ثلاثة وثلاثين عاما وشهرين وسبعة عشر يوما. ولدى المرور أمام "السلك الذهبي" نظرت إلى الواجهات المضاءة ولم أر نفسي مثلما أشعر بها، وإنما أكثر شيخوخة وأسوأ ملبسا.
قبل العاشرة بقليل ركبت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يوصلني إلى المقبرة الكونية، كيلا يعرف إلى أين أنا ذاهب في الواقع، نظر إلي من خلال المرآة وقال لي: لا تخفني بهذه الأمور أيها السيد العالم، أرجو من الله أن يبقيني بمثل حيويتك. نزلنا معا من السيارة قبالة المقبرة، لأنه لم يكن يملك نقودا فكة، وكان علينا أن نصرف النقود في (القبر)، وهي حانة بائسة يبكي فيها سكارى الفجر على موتاهم. عندما صفينا الحساب قال لي السائق بجد: كن حذرا يا دون، فبيت روسا كاباركاس لم يعد ولو مجرد خيال لما كان عليه، فلم أستطع إلا أن أشكره مقتنعا مثل الجميع بأنه لا وجود لأي سر تحت السماء يخفى على سائق جادة كولومبس.
توغلت في حي فقراء لا علاقة له بالذي عرفته في أزمنتي. كانت الشوارع الفسيحة ذات الرمال الساخنة نفسها، ببيوت أبوابها مشرعة، وجدران من خشب غير مصقول، سقوف من السعف المر، وأفنية مفروشة بالحصى. لكن ناسها فقدوا الطمأنينة. وكانت هناك في معظم البيوت حفلات جمعة، يرتد صخبها وأطباقها في الأحشاء. يمكن لأي كان أن يدخل بخمسين سنتافو إلى الحفلة التي تروقه أكثر، إنما يمكنه كذلك أن يظل يرقص مجانا على الأرصفة. كنت أمشي متلهفا أن تبتلعني الأرض داخل أبهتي المزركشة، لكن أحدا لم يلتفت إليّ باستثناء خلاسي نحيل كان يجلس متناوما عند بوابة بيت جماعي. صرخ من كل قلبه:
- وداعا يا دكتور. وأتمنى لك ضربا سعيدا.
وماذا يمكنني أن أفعل سوى شكره؟ كان علي أن أتوقف ثلاث مرات كي ألتقط أنفاسي، قبل أن أبلغ المنحدر الأخير، ومن هناك رأيت القمر النحاسي الضخم الذي يرتفع في الأفق، وأحسست بتسرع غير متوقع في البطن. جعلني أخشى على مصيري، ولكنه مر مرورا عابرا. وفي نهاية الشارع، حيث يتحول الحي إلى غابة أشجار مثمرة، دخلت إلى حانوت روسا كاباركاس.
لم تكن تبدو هي نفسها. لقد كانت فيما مضى أكثر القوادات تكتما، وبالتالي أكثرهن شهرة. امرأة ضخمة الحجم، كنا نريد تتويجها رقيب إطفائيين، سواء لضخامتها أو لفعاليتها في إطفاء شبق رجال المدينة. لكن الوحدة قلصت جسدها، وجعدت جلدها، وشحذت صوتها ببراعة شديدة. بدت معها كما لو أنها طفلة مسنة. لم يبق لها مما كانت عليه في السابق إلا أسنانها الدقيقة، مع واحد منها غلفته بالذهب للتجمل. وكانت تحتفظ بحداد صارم على زوجها الميت، بعد خمسين سنة من الحياة المشتركة، وقد زادت على ثياب الحداد قلنسوة سوداء لموت ابنها الوحيد الذي كان يساعدها في إساءاتها. لم يبق حيا فيها سوى عينيها الصافيتين والقاسيتين ومنهما عرفت أن طبيعتها لم تتغير.
هناك في الحانوت مصباح شاحب، يتدلى من السقف، وليس في خزائن الدكان أي شيء للبيع، حتى أنه لا ينفع أحيانا كغطاء لتجارة يعرفها الجميع، ولكن لا أحد يعترف بها. كانت روسا كاباركاس تتحدث إلى زبون عندما دخلت على رؤوس أصابع قدمي. لست أدري إذا ما كانت لم تتعرف علي حقا، أم أنها تظاهرت بذلك للحفاظ على الشكليات. جلست على مقعد الانتظار ريثما تنتهي، وحاولت أن أعيد في ذاكرتي ترميم ما كانت عليه. فأكثر من مرتين عندما كنا كلانا كاملين، أخرجتني هي من الرهبة. أظن أنها قرأت أفكاري، لأنها التفتت إلي وتفحصتني بتمعن منذر بالخطر. ثم تنهدت بأسى: الزمن لا يؤثر عليك. فأردت مجاملتها: أما أنت فيؤثر عليك، ولكن إلى الأحسن. وقالت هي: بجد، حتى إن وجه الحصان الميت الذي لك يبدو وقد انبعث. فقلت بخبث: ربما لأنني بدلت المذود. وتحمست هي وقالت لي: كان لك، على ما أذكر، نبوت عبد تجديف. كيف حاله الآن؟ تملصت من السؤال بمهارة: الشيء الوحيد المختلف منذ لم نعد نلتقي هو أنني أشعر بحرقة في الشرج أحيانا. وكان تشخيصها فوريا: بسبب عدم الاستعمال. فقلت لها: لا أستعمله إلا لما صنعه الرب من أجله. ولكنه كان يحرقني حقا منذ زمن، ودائما عندما يكون القمر بدرا. بحثت روسا في درج منضدتها الذي مثل درج الخياط وفتحت علبة مرهم أخضر، له رائحة مرهم نبتة العطاس. قل للطفلة أن تدهنها لك بإصبعها هكذا، محركة سبابتها بقوة وبدون خجل. فأجبتها بأنني ما زلت بحمد الله قادرا على القيام بواجبي دون مراهم شعوذات شعبية. فقالت ساخرة: آي أيها المعلم، عذرا للحياة. وانتقلت إلى موضوعها.
الطفلة في الغرفة منذ العاشرة، قالت لي؛ إنها جميلة، نظيفة، وحسنة التربية، ولكنها تكاد تموت خوفا، لأن صديقة لها هربت مع حمال سفن من غايرا، قد نزفت خلال ساعتين. وأقرت روسا: ولكن الأمر مفهوم، لأن رجال غايرا مشهورون بأنهم يجعلون البغلات تولول. وعادت إلى الإمساك بخيط حديثها: يا لها من مسكينة، وعليها فوق ذلك أن تعمل طوال النهار في تثبيت الأزرار في أحد المصانع. لم تبد لي خياطة الأزرار عملا شاقا. فردت هي: هذا ما يظنه الرجال، ولكنه أسوأ من العمل في تكسير الأحجار. واعترفت لي كذلك بأنها أعطت الطفلة مشروبا من البرومور مع الفاليريانا، وأنها نائمة الآن. خشيت أن تكون شفقتها مجرد حيلة أخرى لزيادة السعر، ولكن لا، قالت هي، فكلمتي من ذهب. بقواعد ثابتة: كل شيء يدفع على حدة، بنقود نظيفة، ومقدما. وهذا ما كان.
لحقت بها عبر الفناء مشفقا على ذبول بشرتها، وسوء مشيتها بساقيها المتورمتين وراء جورب القطن الطبي. كان لون القمر المكتمل يقترب من منتصف السماء، وتبدو الدنيا كما لو أنها غارقة في ماء أخضر. كان هناك بالقرب من الدكان سقيفة من سعف النخل، لحفلات الإدارة العامة، مع كثير من الكراسي الجلدية التي بلا مساند، وأراجيح النوم المعلقة إلى الدعائم. وفي الفناء الخلفي، حيث تبدأ غابة الأشجار المثمرة، هناك رواق يضم ست غرف نوم، مبنية من اللبن غير المجصص، بنوافذ مزودة بشباك إضافية للحماية من البعوض. الغرفة الوحيدة المشغولة كانت نصف مضاءة، وتونيا الزنجية تغني من المذياع أغنية غرامية خبيثة. استنشقت روسا كاباركاس الهواء وقالت: ألحان البوليرو هي الحياة. وكنت متفقا معها في الرأي، ولكنني لم أتجرأ على كتابة ذلك حتى اليوم. دفعت الباب، دخلت هنيهة، ثم عادت للخروج وقالت: لا تزال نائمة. تحسن صنعا بتركها تستريح كل الوقت الذي يتطلبه جسدها، فليلُكَ أطول من ليله. كنت مبهورا، وسألتها: ما الذي علي عمله برأيك؟ فقالت هي بوداعة في غير محلها: أنت تعرف ما عليك عمله، فلسبب ما أنت عالم. دارت على عقبيها، وتركتني وحيداً مع الرعب.


لم يكن ثمة مفر. دخلت إلى الحجرة بقلب مزعزع، ورأيت الطفلة النائمة عارية وعزلاء على سرير الإيجار الفسيح، مثلما ولدتها أمها. ترقد على جانبها، ووجهها إلى الباب، مضاء من البهو، بنور كثيف لا يغفل تفصيلا منها، جلست أتأملها من حافة السرير، بافتتان حواسي الخمس. كانت سمراء ودافئة. وكانوا قد أخضعوها لعملية تنظيف وتجميل لم تهمل حتى زغب عانتها المستجد. وقد جعدوا شعرها، وكان على أظفار يديها وقدميها طلاء ذو لون طبيعي، أما بشرتها التي بلون دبس القصب فتبدو خشنة وفي حالة مزرية. النهدان حديثا البروز لا يزالان يبدوان كما لو أنهما لطفل ذكر، ولكن يبدو أنهما يتحفزان بقوة سرية توشك أن تتفجر. أفضل ما في جسدها هما القدمان الكبيرتان اللتان تمشيان بخطوات متكتمة، بأصابعهما الطويلة والحسية كما في أيد أخرى. كانت مبللة بعرق فسفوري لامع بالرغم من المروحة، وكانت وطأة الحر الذي لا يطاق تزداد مع تقدم الليل. كان من المستحيل تخيل كيف هو الوجه المطلي بالأصبغة وبطبقة كثيفة من بودرة مسحوق الرز، مع لطختين حمراوين على الخدين، وكانت الرموش الاصطناعية والحاجبان والجفنان كما لو أنها مدخّنة بهباب أسود، والشفتان مضخمتان بطلاء لامع من الشوكلاتة. ولكن لم تستطع الخرق ولا الأصبغة أن تخفي شخصيتها: الأنف المتكبر، الحاجبين المتصلين، الشفتين الممتلئتين. وفكرت: ثور مصارعة رقيق.
في الساعة الحادية عشرة ذهبت للقيام بإجراءات روتينية في الحمام، حيث كانت ملابسها كفقيرة مطوية على كرسي بعناية غنية، فستان مطبّع بروسوم فراشات، سروال داخلي أصفر، وصندل من القنب، وكان هناك فوق الملابس سوار رخيص، وقلادة رفيعة جدا، مع ميدالية لرسم العذراء، وعلى رف المغسلة محفظة يدوية وقلم شفاهن وعلبة أصبغة تجميل، ومفتاح وقطعة نقدية صغيرة. كل شيء بالغ الرخص، ومستهلك من كثرة الاستعمال، إلى حد لم أستطع تصور من هو أفقر منها.
خلعت ملابسي ووضعت كل قطعة منه بأفضل ما استطعت على المشجب كيلا أفسد حرير القميص وكيّ الكتّان، تبولت في المرحاض ذي السلسلة جالسا، مثلما علمتني فلورينا دي ديوس منذ طفولتي، كيلا ألوّث حوافّ مقعد المرحاض، كان بولي لا يزال يندفع، ولندع التواضع جانبا، في دفقة فورية ومتواصلة مثل مهر جموح، وقبل أن أخرج نظرت إلى مرآة المغسلة. الحصان الذي نظر إلي من الجانب الآخر، لم يكن ميتا وإنما كئيبا، وله غبب تحت ذقنه كغبب البابا، وجفنان منتفخان، وناصية الموسيقي التي كانت له قد تهدلت. فقلت له:
- خراء، ماذا يمكنني أن أفعل إذا كنت لا تحبني.
وفي محاولة مني لعدم إيقاظها، جلست عاريا على السرير، بنظرات اعتادت على خدع الضوء الأحمر، وتفحصتها شبرا شبرا. مررت بطرف سبابتي انزلاقا على قفا عنقها المبلل، فارتعشت كلها من الداخل، مثل وتر قيثارة، وانقلبت باتجاهي بهمهمة، وأحاطتني بجو أنفاسها الحامضة. ضغطت أنفها بين إبهامي وسبابتي، فاهتزت، وأبعدت رأسها، وأولتني ظهرها دون أن تستيقظ. حاولت مباعدة ساقيها بركبتي، في إغواء مفاجئ. فقاومت ذلك في المحاولتين الأوليين، بفخذيها المتصلبين. غنيت في أذنها: (سرير ديلغادينا، محاط بالملائكة) فاسترخت قليلا. صعد تيار دافئ في عروقي، واستيقظ حيواني البطيء المتقاعد من سباته الطويل.
ديلغادينا، يا روحي، توسلت إليها متلهفا، ديلغادينا. فأطلقت أنة كئيبة، وابتعدت عن فخذي. أدارت لي ظهرها. وتكورت على نفسها مثل حلزون في قوقعته. لا بد أن مشروب الفاليريانا كان فعالا معي كفعاليته معها، لأن شيئا لم يحدث لها ولا لأحد. ولكن ذلك لم يهمني. تساءلت عن الفائدة من إيقاظها وأنا ذليل وحزين مثلما كنت، وبارد مثل أرنب صغير مذعور.
دوّى عندئذ، واضحا ومؤكدا، قرع نواقيس الثانية عشرة ليلا، وبدأ فجر التاسع والعشرين من آب، يوم استشهاد القديس يوحنا المعمدان. أحد كان يبكي صارخا في الشارع. وليس هناك من يهتم به. صليت من أجله، إذا ما كان ذلك ينفعه، وكذلك من أجلي، في شكر للرب على المنافع التي تلقيتها: (لا يخدعن أحد نفسه، لا ، مفكرا في أن ما ينتظره سيدوم أكثر مما رآه). تأوهت الطفلة في حلمها، فصليت من أجلها أيضا: (فكل شيء سينقضي بهذه الطريقة). ثم أطفأت بعد ذلك المذياع والنور، كي أنام.
استيقظت فجرا دون أن أدري أين أنا. كانت الطفلة لا تزال نائمة، مولية إلي ظهرها، في وضع جنيني. راودني إحساس مبهم بأنني سمعتها تنهض في الظلام، وبأنني سمعت ماء سيفون الحمام، ولكن يمكن لذلك أن يكون حلما. كان الأمر جديدا بالنسبة لي. فأنا أجهل نزوات الإغواء. وكنت أختار عروساتي لليلة واحدة بالمصادفة، وباهتمام بالسعر أكثر من المفاتن. ونمارس دون حب، ونحن بنصف ملابسنا في معظم الأحيان. ودوما في الظلام. كي يتخيل كل منا الآخر أفضل مما هو عليه. في تلك الليلة اكتشفت المتعة التي لا تصدق. في تأمل جسد امرأة نائمة. دون تسرع الشهوة أو عوائق الحياء.
نهضت في الخامسة. قلقا لأن مقالتي ليوم الأحد، يجب أن تكون على منضدة التحرير قبل الساعة الثانية عشرة. قمت بتغوطي في موعده الدقيق، وكانت حرقة القمر البدر لا تزال موجودة، وعندما شددت سلسلة الماء، أحسست أن أحقاد ماضيّ قد ذهبت في المجاري. وحين رجعت منتعشا ومرتديا ملابسي إلى غرفة النوم، كانت الطفلة تنام على ظهرها، على ضوء الفجر المهادن، معترضة السرير من جانب إلى آخر، وذراعاها مفتوحان في صليب وسيدة قلت لها: فليحمك الرب. وكل النقود المتبقية معي. نقودها ونقودي. وضعتها على الوسادة، وودعتها إلى الأبد، بقبلة على جبينها. كان البيت مثل كل المواخير عند الفجر، أقرب ما يكون من الفردوس. خرجت من البوابة المطلة على البستان، كيلا ألتقي بأحد. وتحت شمس الشارع اللاسعة، بدأت أشعر بوطأة سنواتي التسعين، وأعد دقيقة فدقيقة، دقائق الليالي التي تفصلني عن الموت.

 


الفصل الثاني


أكتب هذه الذكريات، في القليل المتبقي من المكتبة التي كانت لأبوي، ورفوفها على وشك أن تنهار بسبب العث. وأنا في نهاية المطاف، من أجل ما تبقى علي عمله في هذه الدنيا. تكفيني معاجمي التي من كل نوع، مع المجموعتين الأوليين من (المراحل الوطنية) لدون بينيتو غالدوس، ورواية (الجبل السحري) التي علمتني فهم تقلب أجواء أمي بسبب السل.
خلافا لقطع الأثاث الأخرى، وخلافا لي أنا بالذات، تبدو المنضدة التي أكتب عليها في أحسن صحة مع مرور الزمن، لأن من صنعها من أخشاب ثمينة هو جدي لأبي، وكان نجار سفن. وحتى عندما لا يكون علي أن أكتب فإنني أهيئها كل صباح بالصرامة المتكاسلة التي تسببت في فقداني غراميات كثيرة.
ولديّ في متناول يدي، كتبي المتواطئة: مجلديْ (المعجم المصور الأول) للأكاديمية الملكية، طبعة 1903م: و(كنز اللغة القشتالية أو الإسبانية) لدون سيبستيان دي كوفاروبياسح و(نحو دون أندرييس بيو). إذا ما اعترضتني شكوك في مدلول لفظة ما، بالصرامة اللازمة. و(المعجم الأيديولوجي) المستجد لدون خوليو كاساريس، ولاسيما بسبب مترادفاته وأضداده: و(مفردات اللغة الإيطالية) لنيكولا زينغاريلي، ليكون عونا لي في لغة أمي التي تعلمتها من المهد، ومعجم اللغة اللاتينية، لأنها أم لغتين أخريين أعتبرهما لغة مولدي.
وإلى يسار المنضدة أحتفظ على الدوام برزم الورق الخمس. ذات الحجم الرسمي، من أجل كتابة عمودي لأيام الآحاد، وقرن مسحوق تنشيف الرسائل الذي أفضله على وسائد ورق النشاف المحدثة. وإلى اليمين هناك دواة حبر وحمالة رياش كتابة من خشب البالسو الخفيف، والريشة الذهبية، فأنا ما زلت أكتب بيدي، بالخط الرومنطيقي الذي علمتني إياه فلورينا دي ديوس، كيلا أعتاد على الكتابة بالخط الرسمي لزوجها الذي كان كاتبا بالعدل، ومحاسبا محلفا. حتى نفسه الأخير. منذ زمن فرض علينا في الجريدة أن نكتب على الآلة الكاتبة، من أجل تقدير حسابي أفضل لحجم النص في رصاص اللينوتيب. ودقة أكبر في الإخراج، ولكنني لم أتفق قط مع هذه العادة السيئة. واصلت الكتابة يدويا، واستنساخ ما أكتبه على الآلة الكاتبة، بنقر دجاجة شاق، بفضل الامتياز المزعج، باعتباري أقدم الموظفين. وأنا اليوم، متقاعد ولكن غير مهزوم، أنعم بالامتياز المقدس بالكتابة في البيت، والهاتف مفصول كيلا يزعجني أحد، ودون رقيب يرصد ما أكتبه من فوق كتفي.
أعيش بلا كلاب ولا طيور ولا خدم، باستثناء داميانا الوفية التي أخرجتني من مآزق لا تخطر على بال، وهي تواصل المجيء مرة كل أسبوع، لترى إذا كان ثمة ما يجب عمله، حتى وهي في حالتها الراهنة، ضعيفة البصر والعقل. لقد توسلت إليّ أمي، وهي على فراش الموت أن أتزوج وأنا شاب من امرأة بيضاء، وأن ننجب ثلاثة أبناء على الأقل، بينهم طفلة تحمل اسمها الذي كان اسم أمها وجدتها. كنت حريصا على الاستجابة لتوسلها، إنما كانت لدي فكرة شديدة المرونة عن الشباب، لم يبد لي معها قط أن الوقت قد تأخر. حتى ظهيرة يوم بالغ القيظ، أخطأت فيه بباب البيت الذي كان يملكه آل بالوماريس دي كاسترو في برادومار، وفاجأت الابنة الصغرى خيمنتا أورتيث عارية وهي تنام القيلولة في الغرفة المجاورة. كانت مستلقية وظهرها إلى الباب، والتفتت لتراني من فوق كتفها، بحركة سريعة جدا، لم تتح لي الوقت للهرب. آي اعذرني، توصلت إلى قول ذلك وروحي في فمي. فابتسمت هي واستدارت نحوي بحركة غزال، وأظهرت لي جسدها كاملا. بدت الحجرة كلها مترعة بحميميتها، لم تكن عارية تماما، فقد كانت على أذنها زهرة سامة، بتلاتها مائلة إلى اللون البرتقالي مثل (أولمبيا) مانيه، وكانت تضع أيضا سوارا ذهبيا في معصمها الأيمن، وعقد لؤلؤ حباته دقيقة. لم أتخيل قط أنه يمكن لي رؤية شيء أشد إثارة للارتباك فيما تبقى لي من الحياة، ويمكنني اليوم أن أؤكد أنني كنت على صواب.
أغلقت دفعة واحدة، خجلا من بلادتي، ومصمما على نسيانها. لكن خيمينا أورتيث حالت دون ذلك، فقد راحت ترسل إلي رسائل شفهية مع أصدقاء مشتركين وبطاقات غرام استفزازية وتهديدات قاسية، فيما هي تنشر الإشاعة بأننا نحب أحدنا الآخر، دون أن نكون قد تبادلنا كلمة واحدة. كانت المقاومة مستحيلة، فقد كانت لها عينا قطة متوحشة، وجسد بالغ الإثارة، بالملابس ومن دونها، وشعر غزير من ذهب هائج. زهوها كامرأة يدفعني إلى البكاء غيظا على الوسادة. كنت أعرف أن ذاك لن يصل أبدا لأن يكون حبا، لكن الغواية الشيطانية التي مارستها علي كانت شديدة الإحراق، أحاول تهدئتها مع أي غانية خضراء العينين أصادفها في طريقي، لم أستطع قط إخماد نار ذكراها في سرير برادومار، وهكذا سلمتها أسلحتي بطلب يديها رسميا، وبتبادل خواتم والإعلان عن حفلة زفاف كبرى قبل عيد العنصرة.
انفجر الخبر في الحي الصيني بقوة أكبر مما في الأندية الاجتماعية. في البدء بسخرية ولكنه تحول إلى معارضة أكيدة لبعض الأكاديميات المحترفات اللواتي يرين أن الزواج حالة مضحكة أكثر منها مقدسة. تقيدت خطوبتي بكل طقوس الأخلاق المسيحية، على شرفة أزهار الأوركيدا الأمازونية والسراخس المعلقة في بيت خطيبتي، كنت أصل إلى هناك في الساعة السابعة مساءً، مرتديا بذلة كاملة من الكتان الأبيض، وحاملا أي هدية من مشغولات الخرز التقليدية أو الشوكلاتة السويسرية. فنتبادل الحديث، نصفه بالرموز ونصفه بجد، حتى الساعة العاشرة، تحت حراسة أرخينديا التي كانت تغفو مع أول طرفة عين، مثل الرقيبات ذوات القلنسوات في روايات ذلك العهد.
كانت خيمنتا تزداد شراهة كلما صار تعارفنا أفضل، فهي تتخلص من حمالات الصدر والتنانير كلما ازدادت وطأة حر حزيران، وكان من السهل تصور القدرة الهدامة الطاغية التي تمتلكها في العتمة. بعد شهرين من الخطوبة، لم يعد لدينا ما نتحدث عنه، وطرحت هي موضوع الأبناء، دون أن تقول مباشرة، وإنما بحياكة أخفاف صوف خام بالسنارة، لأطفال حديثي الولادة. وتعلمت أنا الخطيب الشهم الحياكة معها، وهكذا صارت الساعات غير المجدية المتبقية لحفل الزفاف، تمضي وأنا أحوك الأخفاف الزرقاء للمواليد الذكور، وهي تحوك الأخفاف الوردية للإناث، لنرى من منا سيصيب، إلى أن صارت الأخفاف تكفي لخمسين ابنا. وقبل أن تدق نواقيس الساعة العاشرة كنت أركب عربة تجرها أحصنة، وأذهب إلى الحي الصيني لأعيش ليلتي في سلام الرب.
كانت حفلات وداع العزوبية الصاخبة التي يقيمونها لي في الحي الصيني تمضي في طريق معاكس لسهرات النادي الاجتماعي ثقيلة الوطأة والمضجرة. وهو تناقض أفادني في أن أعرف أي العالمين هو عالمي الحقيقي، وقد أوهمت نفسي بأنهما عالماي على السواء، ولكن كلا منهما في ساعاته المحددة. فمن أي واحد منهما، كنت أرى الآخر يبتعد بالزفرات المؤثرة التي تتباعد بها سفينتان، إحداهما عن الأخرى، في عرض البحر. الحفلة الراقصة عشية يوم زفافي، في ماخور (إلبودير دي ديوس) تضمن طقسا أخيرا لا يمكن له أن يخطر إلا لخوري غاليسي متورط في وحول الشهوة، ألبس جميع العاملات الإناث طرحات زفاف وأكاليل زهر برتقال، كيف يتزوجن جميعهن مني، في طقس ديني جماعي. كانت ليلة تدنيس عظيمة للمقدسات، أقسمت فيها اثنتان وعشرون منهن على الحب والطاعة، وأجبتهن بقسم الوفاء والإعالة إلى ما بعد القبر.
لم أستطع النوم بسبب نذير أمر لا خلاص منه. ومنذ الفجر بدأت أعد مرور الساعات على دقات نواقيس الكاتدرائية، حتى دقات الناقوس السبع المرهوبة التي يتوجب علي عندها أن أكون في الكنيسة. بدأ جرس الهاتف بالرنين في الثامنة؛ طويلا لجوجا بلا لين، طوال أكثر من ساعة. ولم أكتف بعدم الرد عليه وحسب، وإنما بعدم التنفس أيضا. وقبل العاشرة بقليل طرقوا علي الباب، بقبضة اليد في البدء، ثم بصرخات أصوات معروفة ومستنكرة. خشيت أن يحطموه اعتقادا منهم بحدوث مكروه خطير، ولكن في حوالي الحادية عشرة ساد البيت صمت متوتر كالذي يلي الكوارث الكبرى. عندئذ بكيت من أجلها ومن أجلي، وصليت من أعماق قلبي متوسلا ألا ألتقي بها في حياتي، مطلقا وإلى الأبد. ولا بد أن قديسا ما سمعني نصف استماع، لأن خيمينا أورتيث غادرت البلاد، في تلك الليلة بالذات، ولم ترجع إلا بعد مرور عشرين عاما، وكانت قد تزوجت وصار لها سبعة أبناء، كان يمكن لهم أن يكونوا أبنائي.

تكلفت جهدا في الحفاظ على موقعي وعمودي الأسبوعي في (الدياريو دي لا باث)، بعد تلك الإساءة الاجتماعية. ولكنها لم تكن السبب في إبعاد عمودي الصحفي إلى الصفحة الحادية عشرة، وإنما السبب هو الاندفاع الأهوج الذي دخل به القرن العشرون. فقد تحول التقدم إلى أسطورة المدينة. كل شيء تبدل. طارت الطائرات، وألقى رجل مبادرات كيس رسائل من طائرة "جنكر" مخترعا بذلك البريد الجوي.
الشيء الوحيد الذي بقي على حاله هو أعمدتي في الصحيفة. انقضت الأجيال الجديدة عليها في هجمات مضادة، مثلما تنقض على مومياء من الماضي يجب تدميرها؛ ولكنني حافظت على مقالاتي، بالنبرة نفسها، دون تنازل، في مواجهة رياح التجديد. صممت أذني عن كل شيء. وكانت مقالاتي قد أكملت أربعين سنة، لكن المحررين الشبان كانوا يسمونها (مودارا النغل). استدعاني مدير ذلك الزمن إلى مكتبه، ليطلب مني أن أجاري نبرة الاتجاهات الجديدة. وقال لي بلهجة وقورة، كما لو أنه اخترع ذلك للتو: العالم يتقدم. فقلت له: أجل إنه يتقدم ولكن بالدوران حول الشمس. أبقى على عمودي ألأحدي، لأنه لم يجد مصحح برقيات آخر. وأنا أعرف اليوم أنني كنت على حق، وأعرف السبب. فمراهقو جيلي النهمون للحياة نسوا أوهام المستقبل روحا وجسدا، إلى أن علمهم الواقع بأن المستقبل ليس كما يحلمون به، واكتشفوا الحنين.
وهناك كانت أعمدتي ألأحدية مثل لقية أثرية بين أنقاض الماضي، وانتبهوا إلى أنها ليست للشيوخ فقط، وإنما هي كذلك للشباب الذين لم يخافوا أن يشيخوا. وعندئذ رجع عمودي إلى صفحة الافتتاحيات، وحتى الصفحة الأولى في بعض المناسبات الخاصة.
كل من يسألني أجيبه دوما بالحقيقة: العاهرات لم يتحن لي الوقت لأتزوج. ومع ذلك يجب أن أعترف بأنني لم أجد هذا التفسير قط ، حتى يوم إكمال سنواتي التسعين، عندما خرجت من بيت روسا كاباركاس، مصمما على عدم العودة مطلقا إلى استفزاز القدر. كنت أشعر أنني شخص آخر. انقلب مزاجي من جماعات الناس الذين رأيتهم متكئين على السور الحديدي المحيط بالحديقة العامة. وجدت داميانا مقرفصة في الصالة تمسح الأرضية فأثار في شباب فخذيها وهي في هذه السن، رعشة أزمنة أخرى. لا بد أنها أحست بذلك، لأنها غطت نفسها بالتنورة . ولم أستطع كبح الإغراء بسؤالها: أخبريني يا داميانا: ما الذي تتذكرينه؟ فقالت: لم أكن أتذكر شيئا، ولكن سؤالك ذكرني. أحسست بضيق في الصدر. قلت لها: لم أعرف الحب قط. فردت هي على الفور: أنا بلى، عرفته. وواصلت قائلة . ودون أن تتوقف عن عملها: بكيت اثنتين وعشرين سنة من أجلك.
أحسست بقلبي يطفر من مكانه. فقلت لها، باحثا عن مخرج مشرف: كان يمكن لنا أن نكون ثنائيا جيدا. فقالت: إنك تسيء إلي بقول هذا الآن، لأنه لم يعد ينفعني ولو كعزاء. وبينما هي تغادر البيت، قالت لي بطريقة أكثر طبيعية: أنت لن تصدقني ولكنني ما زلت عذراء، والحمد لله.
اكتشفت بعد قليل أنها تركت ورودا حمراء في كل أنحاء البيت، وبطاقة على الوسادة: (أتمنى لك بلوغ المئة). بهذا المذاق الكريه جلست لمواصلة كتابة عمودي الذي لم أكمله في اليوم السابق. أنهيته في نفس واحد، وخلال أقل من ساعتين، وكان علي أن ألوي عنق البجعة لأخرجها من أحشائي دون أن يظهر علي البكاء. وبنفحة إلهام متأخرة قررت أن أنهي هذا المقال بوضع حد سعيد، لحياة صحفية طويلة وجديرة دون الخضوع لشرط موتي البغيض.
كنت أنوي ترك المقال في استعلامات الجريدة، والعودة إلى البيت. ولكنني لم أستطع. فالعاملون كلهم كانوا بانتظاري للاحتفال بعيد ميلادي. كانت هناك ورشة ترميم في البناء، مع سقالات وأنقاض باردة في كل مكان، ولكنهم أوقفوا أعمال البناء من أجل الاحتفال. وعلى منضدة نجار كانت مشروبات الأنخاب والهدايا الملفوفة بورق مبهرج. وبينما أنا مشوش بوميض آلات التصوير، استجبت لكل ما طلب من صور للذكرى.
أسعدني أن أجد هناك صحفيين من الإذاعة، ومن جرائد المدينة الأخرى. من جريدة (لابرنسا) الصباحية المحافظة، وجريدة (الهيرالدو) الصباحية الليبرالية، و(الناثيونال) المسائية شديدة التأثير، التي تحاول التخفيف من توترات النظام العام بروايات عاطفية مسلسلة. لم يكن غريبا أن يكونوا معا، فضمن روح المدينة كان هناك تقبل حسن للحفاظ على سلامة الصدقات بين الجنود، بينما الماريشات يخوضون حروب الافتتاحيات.
وكان هناك أيضا، خارج أوقات دوامه، الرقيب الرسمي دون خيرونيمو أورتيغا، الذي كنا نسميه رجل الساعة التاسعة البغيض، لأنه يصل بدقة في هذه الساعة من الليل، بقلمه الدموي كعاهل قوطي. ويبقى هناك إلى أن يتأكد من عدم وجود أي حرف لم ينل جزاءه من طبعة الصباح. كان لديه نفور شخصي تجاهي، لعجرفتي النحوية، أو لأنني أستخدم كلمات إيطالية، عندما تبدو لي أكثر قدرة على التعبير من الكلمة القشتالية، دون أن أضمنها في أقواس أو أكتبها بخط مائل، وهو استخدام يجب أن يكون مشروعا بين لغات من أصل واحد. وبعد أن عانينا منه أربع سنوات انتهينا إلى تقبله، باعتباره ضميرنا الخبيث.
حملت السكرتيرات إلى القاعة قالب حلوى بودين، عليه تسعون شمعة مشتعلة، واجهتني لأول مرة بعدد سنوات حياتي. وكان لا بد لي من ابتلاع الدموع، عندما غنوا النخب، وتذكرت الطفلة دون أي مبرر. لم تكن خبطة حقدن وإنما شفقة متأخرة على المخلوقات التي لم أكن آمل بالعودة إلى تذكرها. وريثما انقضى مرور الملاك، كان أحدهم قد وضع في يدي سكينا من أجل تقطيع الحلوى. ولم يتجرأ أحد على ارتجال خطبة، خوفا من السخرية. وكنت أفضل الموت على الرد على مثل تلك الخطب. ولإنهاء الحفلة عمد رئيس التحرير الذي لم أشعر نحوه قط بتعاطف كبير، إلى إعادتنا إلى الواقع الفظ. فقد قال: والآن، أيها التسعيني اللامع، أين هي مقالتك؟
الحقيقة أنني كنت أشعر بها تحرقني، طوال ما بعد الظهر، مثل جمرة في جيبي، غير أن التأثر كان قد تغلغل عميقا، على حد لم يطاوعني معه قلبي على إفساد الحفلة باستقالتي. فقلت: إنها غير موجودة هذه المرة. استاء رئيس التحرير لهذا الخطأ الذي لم يكن تصوره ممكنا منذ القرن السابق. فقلت له: تفهم الأمر مرة واحدة، لقد أمضيت ليلة شاقة، واستيقظت مشوشا. فقال هو بمزاجه الذي كالخلب: كان عليك إذن أن تكتب هذا، فالقراء يحبون أن يعرفوا من صاحب العلاقة مباشرة كيف هي الحياة في التسعين. فتوسطت إحدى السكرتيرات، ربما هناك سر لذيذ، قالت ذلك ونظرت إلي بخبث: أم أن الأمر ليس كذلك؟ أحرقت وجهي هبة ملتهبة، وفكرت: يا للعنة، كم هو جاحد الحياء. فأشارت أخرى، مشرقة، إلي بإصبعها: يا للروعة! ما زالت لديه أناقة الإحساس بالحياء. فاستثارت في وقاحتها حياء آخر فوق الحياء. وقالت السكرتيرة الأولى: لا بد أنها كانت ليلة انقضاض، أشعر بالحسد! وقبلتني قبلة ظلت مرسومة على وجهي. ازداد المصورون ضراوة. وبإحساس بالاختناق سلمت المقالة إلى رئيس التحرير وقلت له إن ما قلته سابقا كان مزاحا، وهاهي ذي، وهربت في جلبة نوبة التصفيق الأخيرة، كيلا أكون حاضرا عندما يكتشفون أنها رسالة استقالتي، بعد نصف قرن من عبودية التجديف.
استمر الجزع طوال تلك الليلة، فيما أنا أفتح الهدايا في بيتي. عمال اللينوتيب جانبوا الصواب بإهدائي آلة صنع قهوة كهربائية، مثل الآلات الثلاث التي قدمت لي في أعياد ميلاد سابقة. وقدم لي الطباعون تفويضا باستلام قط أنغورا من الحظيرة البلدية للحيوانات. وقدمت لي الإدارة زيادة نقاط رمزية. وأهدت إلي السكرتيرات ثلاثة سراويل داخلية حريرية، عليها آثار قبلات مطبوعة، وبطاقة يعرضن فيها علي خلع السراويل عني. خطر لي إن إحدى مفاتن الشيخوخة هي الاستفزازات التي تسمح الصديقات الشابات لأنفسهن بها لأنهن يعتقدن أننا خارج الخدمة.
لم أعرف قط من الذي أرسل لي اسطوانة تضم افتتاحيات شوبان الأربع والعشرين، بتوزيع ستيفان اسكيناس. وأهدى إلي معظم المحررين كتبا رائجة. لم أكن قد انتهيت من فتح الهدايا، عندما اتصلت بي روسا كاباركاس هاتفيا، وبادرتني بالسؤال الذي لا أريد سماعه: ما الذي جرى لك مع الطفلة؟ لا شيء، قلت دون أن أفكر بالأمر. فقالت روسا كاباركاس: أيبدو لك لا شيء أنك لم تجرب مجرد إيقاظها؟ لا يمكن لامرأة أن تتسامح قط مع رجل يزدري تدشينها. فتعللت بأنه لا يمكن للطفلة أن تكون مستنفدة إلى ذلك الحد لمجرد أنها تركب أزرارا، وربما كانت تتصنع النوم خوفا من خطورة اللحظة. فقالت روسا: الأمر الوحيد الخطير هو أنها تظن حقا أنك لم تعد تنفع، ولا أحب أن تذيع عنك ذلك في الرياح الأربع.
لم أمنحها متعة مفاجأتي. وقلت لها: حتى لو كان الأمر كذلك فإن حالتها يرثى لها، ولا يمكن الاعتماد عليها، سواء أكانت نائمة أم مستيقظة.. إنها لحم مستشفى. أخفضت روسا كاباركاس من نبرتها: المشكلة في التسرع الذي تم به الاتفاق، ولكن هناك علاج، ولسوف ترى. تعهدت لي بأن تجعل الطفلة تعترف، وأن تجبرها إذا كان الأمر كما أقول على إعادة النقود، ما رأيك؟ فقلت لها: دعي الأمر عند هذا الحد، فهنا لم يحدث شيء، ولكنه أفادني بالمقابل كدليل على عدم صلاحيتي لهذه الأمور. وبهذا المعنى تكون الطفلة على حق: فانا لم أعد أنفع. أغلقت الهاتف، مفعما بإحساس بالتحرر لم أعرفه في حياتي، وبمنجى، أخيرا، من مهانة أبقتني تحت نيرها منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري.
في الساعة السابعة مساء كنت ضيف شرف على كونشيرتو جاك ثيبول وألفرد كورتو في قاعة الفنون الجميلة، في عزف مجيد لسوناتا الكمان والبيانو لسيسر فرانك، وقد أخذني المعلم بيدرو بيافا، موسيقينا العظيم، بما يشبه الجرجرة، إلى الكواليس، ليقدمني إلى العازفين. شعرت بانبهار شديد، حتى أنني هنأتهما على سوناتا لشومان لم يعزفاها، فصحح لي أحدهم خطأي أمام الملأ، وبصورة خبيثة. الانطباع بأنني خلطت بجهل بسيط بين السوناتتين، ظل مغروسا في الجو المحلي، وزاد من الحرج أنني حاولت ترقيع الأمر، بتوضيح أرعن، في تعليقي النقدي على الكونشيرتو يوم الأحد التالي.
أحسست لأول مرة في حياتي الطويلة بأنني قادر على قتل أحدهم. رجعت إلى البيت معذبا بهذا الشيطان الصغير الذي يهمس في الأذن بالإجابات المفحمة التي لم ترد إلى ذهني في الوقت المناسب، ولم تخفف القراءة ولا الموسيقى من غضبي. لحسن الحظ أن روسا كاباركاس أخرجتني من ذلك الهذيان بصرخة أطلقتها عبر الهاتف: إنني سعيدة بالجريدة لأنني لم أكن أظن انك أكملت التسعين وإنما المئة. فأجبتها مغتاظا: أبمثل هذا التهالك رأيتِني؟ فقالت هي: بالعكس، فما فاجأني هي رؤيتك في أحسن حال. ويا لروعة أنك لست من المسنين المتصابين الذين يزيدون عمرهم، ليراهم الآخرون في حالة حسنة. ثم غيرت الموضوع دون تمهيد: لقد أعددت لك هديتك. فاجأتني بذلك حقا: وما هي؟ فقالت: الطفلة.
لم أتريث لحظة واحدة للتفكير، وقلت: شكرا، فهذا الأمر انتهى. لكنها واصلت الكلام، متجاوزة ما قلته: سأرسلها إليك في بيتك، ملفوفة بورق صيني، ومسلوقة مع عود صندل على البخار، وكل هذا مجانا. بقيت متشبثا بموقفي، وانهمكت هي في تفسير عويص، بدا لي مخلصا. قالت إن الطفلة كانت في حالة بالغة السوء في يوم الجمعة ذاك، لأنها أنجزت خياطة مئتي زر بالإبرة والكشتبان. وصحيح أنها كانت خائفة من الاغتصاب الدموي، ولكنها دربت الآن للتضحية. وأنها استيقظت في ليلتي معها، لتذهب إلى الحمام، ووجدتني أغط في نوم عميق، فأشفقت أن توقظني، وعندما استيقظت ثانية في الصباح كنت قد غادرت. غضبت لما بدا لي أنه كذب بلا طائل. فواصلت روسا كاباركاس: حسن، حتى لو كان الأمر كذلك فإن الطفلة نادمة. يا لها من مسكينة. إنها هنا أمامي. أتريد التكلم معها؟ فقلت لها: لا، بالله عليك.
كنت قد بدأت الكتابة، عندما اتصلت سكرتيرة الجريدة. وكانت الرسالة هي أن المدير يريد رؤيتي في اليوم التالي، الساعة الحادية عشرة صباحا. ذهبت في الموعد الدقيق. كانت جلبة ترميم البناء لا تحتمل، فالهواء مخلخل بضربات مطارق وغبار أسمنتي، ورائحة قطران، ولكن المحررين كانوا قد اعتادوا على التفكير وسط روتين الفوضى. أما مكاتب المدير بالمقابل، فكانت باردة وهادئة، إنها في بلاد مثالية ليست بلادنا.
نهض ماركو توليو الثالث واقفا بهيئته المراهقة حين رآني أدخل، ودون أن يقطع محادثة هاتفية، شد على يدي من فوق منضدة المكتب، وأومأ إلي بأن أجلس. توصلت إلى التفكير في أنه لا وجود لأحد في الجانب الآخر من الخط، وأنه يقوم بهذه المهزلة لإبهاري، ولكنني سرعان ما تبينت أنه يتكلم مع المحافظ، وكان حوارا صعبا في الحقيقة، بين عدوين حميمين. وأظن أنه فوق ذلك، كان يسعى إلى أن يبدو حازما أمامي، مع أنه ظل واقفا وهو يتكلم إلى السلطة.


كانت تبدو عليه رذيلة العناية بحسن هندامه. فقد أكمل التاسعة والعشرين من عمره، ولديه أربع لغات، وثلاث شهادات خبرة دولية، على عكس الرئيس الأول مدى الحياة، جده لأبيه، الذي صار صحفيا تجريبيا بعد أن جمع ثروة من تجارة الرقيق الأبيض. إنه لطيف في التعامل، مشهور بأنه أنيق وهادئ، والصوت الوحيد الذي يعرض مهابته للخطر هي نبرة زائفة في صوته. يرتدي سترة رياضية على ياقتها زهرة أوركيدا حية، وكل شيء فيه يوحي بأنه جزء من كيانه الطبيعي، ولكن ليس فيه ما هو مخلوق لأجواء الشارع، وإنما لربيع مكاتبه وحسب. وأنا الذي أنفقت قرابة الساعتين لكي أرتدي ملابسي أحسست بخزي الفقر وتفاقمت حدة غضبي.
ومع ذلك فقد كان السم القاتل في صورة بانورامية جماعية للعاملين في الجريدة، ملتقطة في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، مشارا فيها بصليب فوق رؤوس من ماتوا. كنت أنا الثالث إلى اليمين في الصورة، بقبعة قش مسطحة الحواف وربطة عنق ذات عقد كبيرة، مع لؤلؤة في المشبك، وشاربي الأول الشبيه بشارب كولونيل مدني، والذي كان لي حتى سن الأربعين، ونظارة طالب معهد ديني معدنية لم أعد أحتاجها بعد تجاوزي نصف القرن. لقد رأيت هذه الصورة من قبل معلقة في مكاتب عديدة، ولكنني لم أتحسس رسالتها إلا في تلك اللحظة: من الثمانية وأربعين موظفا الأصليين لم يبق سوى أربعة على قيد الحياة. وأصغرنا يقضي عقوبة بالسجن عشرين سنة لجريمة قتل متعدد.
أنهى المدير المكالمة وفاجأني وأنا أنظر على الصورة فابتسم قائلا: الصلبان لم أضعها أنا، وأظن أنها مزعجة. جلس إلى المكتب وبدل نبرة صوته: اسمح لي أن أقول لك إنك أكثر الرجال الذين عرفتهم تهورا. وحيال مفاجأتي قال مستبقا كل شيء: أقول هذا بسبب استقالتك. وتمكنت من أن أقول له: إنها حياة كاملة. فرد هو بان هذا بالضبط هو السبب في عدم كون الاستقالة هي الحل المناسب. فقد بدت له المقالة رائعة، وكل ما تقوله عن الشيخوخة هو من أفضل ما قرأه على الإطلاق وليس هناك من معنى لإنهائها بقرار يبدو أشبه بإعلان موتي مدنيا. وقال: لحسن الحظ أن (رجل الساعة التاسعة البغيض) قرأها، بعد أن كانت صفحة الافتتاحية مخرجة، وبدت له غير مقبولة. ودون أن يبحث الأمر مع أحد شطبها من أعلاها إلى أسفلها بقلمه التوركيمادي، وعندما علمت بالأمر هذا الصباح أرسلت ملاحظة احتجاج إلى مكتب المحافظ. هذا هو واجبي، ولكن يمكنني أن أقول لك بيننا إنني شاكر جدا لتعسف الرقيب. مع أنني لم أكن مستعدا لآن أوافق على شطبه المقالة. وقال: أتوسل إليك من أعماق روحي. لا تغادر السفينة في عرض البحر. ثم أنهىا بأسلوب بديع: ما زال لدينا الكثير لقوله في الموسيقى.
رأيت أنه مصمم جدا، فلم أتجرأ على زيادة حدة الاختلاف بحجة مسلية. المشكلة في الواقع هي أنني لم أجد آنذاك أيضا سببا محترما لمغادرة الناعورة، وقد أرعبتني فكرة القول له نعم مرة أخرى، لمجرد كسب الوقت. وكان علي أن أكبح نفسي كيلا يبدو علي التأثر اللعين الذي يستعجل الدموع. ومرة أخرى كالعادة ظللنا على ما كنا علي، بعد كل تلك السنوات الطويلة.
في الأسبوع التالي، وبينما أنا ضحية حالة هي أقرب إلى التشوش منها إلى السعادة، مررت بمتجر الحيوانات لآخذ الهر الذي أهداه إلي الطباعون. ليس لدي ميل طبيعي إلى الحيوانات، وهو الإحساس نفسه الذي أشعر به تجاه الأطفال قبل أن يبدؤوا التكلم، لأنهم يبدون لي بكم الروح. لست أكرههم، ولكنني لا أستطيع تحملهم، لأني لم أتعلم التعامل معهم. يبدو لي أمرا مخالفا للطبيعة أن يتمكن رجل من التفاهم مع كلبه أكثر من تفاهمه مع زوجته، فيعلمه الأكل وعدم الأكل في مواعيد محددة، والرد على أسئلته ومشاطرته أحزانه. ولكن امتناعي عن أخذ هر الطباعين، يمكن له أن يكون كارثة. أضف إلى ذلك: أنه قط أنغورا بديع، له وبر وردي مصقول، وعينان لامعتان، ويبدو مواؤه كما لو أنه على وشك أن يكون كلاما. قدموه لي في سلة من الخيزران، مع شهادة لسلالته، وكراس استخدام مثل الذي يقدم مع الدراجات لتركيبها.
كانت هناك دورية عسكرية تدقق في وثائق إثبات شخصية العابرين قبل السماح لهم بالمرور عبر حديقة سان نيكولاس. لم أر قط شيئا مماثلا، ولا يمكنني أن أتصور شيئا أشد تثبيطا للعزيمة كعلامة على شيخوختي. كانت دورية من أربعة شرطيين، يقودها ضابط يكاد يكون مراهقا. كان الشرطيون رجالا من المناطق الباردة، قساة صامتين، ولهم رائحة إسطبل، وكان الضابط يراقبهم جميعها بخديه الأنديزيين المحروقين على الساحل. بعد تفحص بطاقة هويتي وبطاقة اعتمادي الصحفية سألني عما أحمله في السلة. فقلت له: هر. أراد رؤيته. فرفعت غطاء السلة بكل حذر، خوفا من أن يهرب، ولكن شرطيا أراد أن يرى إذا لم يكن هناك شيء آخر، في قاع السلة، فوجه إليه القط ضربة من مخالبه. تدخل الضابط قائلا: إنه هر أنغورا ثمين. وداعبه بينما هو يتمتم بشيء، فلم يهاجمه القط، ولكنه لم يوله اهتمامه أيضا. سألني: كم سنة عمره؟ فقلت له: لا أدري، لقد أهدي إلي للتو. قال: إنني أسأل لأنه يبدو مسنا جدا، ر بما عمره عشر سنوات. أردت أن أسأله كيف يعرف ذلك وأشياء كثيرة أخرى، ولكن غيظي من أسلوبه المهذب، وطريقته المتدفقة في الكلام، أشعرتني بأنه ليس لدي معدة لتحمل التحدث إليه. وقال: يبدو لي أنه هر مهجور، تبادله أناس كثيرو. لن تجعله يتكيف معك، وإنما أنت الذي ستتكيف معه. اتركه على هواه، إلى أن تكسب ثقته. أطبق غطاء السلة، وسألني: ماذا تشتغل حضرتك؟ صحفي. منذ متى؟ فقلت له: منذ نحو قرن. شد على يدي وودعني بعبارة يمكن لها أن تكون نصيحة طيبة أو تهديدا على السواء:
- انتبه لنفسك.
فصلت الهاتف عند الظهيرة كي ألوذ بالموسيقى في برنامج بديع: رابسودية كلارينيت وأوركستا لفاغنر، وساكسيفون لديبوس، والخماسي الوتري لبروكنر، وهذه الأخيرة هي سكينة عدنية في كارثية أعماله. ووجدت نفس محاطا بظلمة المكتب. أحسست بشيء ينسل تحت طاولتي، لم يكن جسدا حيا وإنما حضورا خارقا للطبيعة احتكّ بقدمي، فقفزت صارخا. كان الهرّ بذيله الوبري البديع، وتثاقله الغامض، وسلالته الأسطورية، ولم أستطع كبح قشعريرة إحساسي بأنني وحيد في البيت، مع كائن غير بشري.
عندما دقت الساعة السادسة في الكاتدرائية، كانت هناك نجمة وحيدة ونظيفة في السماء ذات اللون الوردي، أطلقت سفينة صفير وداع محزون، وأحسست في حلقي بعقدة من المستحيل حلها، لكل الغراميات التي كان يمكن له أن تكون ولم تكن. لم أستطع تحمل المزيد. رفعت سماعة الهاتف وقلبي في فمي، وأدرت الأرقام الأربعة ببطء شديد كيلا أخطئ، ولدى الرنين الثالث تعرفت على الصوت. حسن يا امرأة، قلت لها بزفرة ارتياح، وتابعتُ: اعذريني على نزقي هذا الصباح. فقالت بهدوء: لا تقلق، كنت أنتظر مكالمتك، فنبهتها: أريد أن تنتظرني الطفلة مثلما ألقى الله بها إلى الدنيا، ودون أصبغة على وجهها. ضحكت هي ضحكة مجلجلة، وقالت: كما تشاء، ولكنك ستفقد متعة تعريتها قطعة فقطعة، مثلما يفتتن المسنّون، ولست أدري السبب. فقلت: أما أنا فأعرفه: لأنهم يشيخون أكثر فأكثر. واعتبرت هي الأمر ناجزا. فقالت:
- حسن، هذه الليلة إذن، في العاشرة تماما، قبل أن تبرد السمكة.

الفصل الثالث


كيف يمكن أن يكون اسمها؟ صاحبة المحل لم تخبرني به. عندما حدثتني عنها لم تكن تسميها إلا: "الطفلة". وقد حولته أنا إلى اسم شخصي، كما هي طفلة العينين [بؤبؤ العين>، أو السفينة الطفلة [أصغر سفن كولومبس الثلاث>. وروسا كاباركاس تضع لفتياتها، فوق ذلك، اسما مختلفا مع كل زبون. وقد كنت أستمتع بتخمين أسمائهن من خلال ملامح وجوههن. ومنذ البدء كنت متأكدا من أن للطفلة اسما طويلا، مثل فيلومينا، أو ساتورنينا، أو نيكولاسا. كنت مستغرقا في التفكير في هذا الأمر عندما انقلبت هي نصف دورة، في السرير، وصارت توليني ظهرها، بدا لي كما لو أنها قد خلفت، في حركتها، بركة دم لها حجم جسدها وشكله. كانت مفاجأة آنية، إلى أن أدركت أنه بلل العرق على الملاءة.
كانت روسا كاباركاس قد نصحتني بأن أعاملها بحرص، لأن خوف المرة الأولى ما زال مسيطرا عليها. بل أكثر من ذلك، أظن أن مهابة هذا الطقس قد فاقمت من خوفها، وكان عليها أن تزيد لها جرعة الفاليريانا المهدئة. لأنها كانت تنام بوداعة، يبدو من المحزن معها إيقاظها دون تهديل. وهكذا رحت أمسح عرقها بالمنشفة، وأنا أغني لها هامسا أغنية دليغادينا، ابنة الملك الصغرى، التي جاهر أبوها بحبها. وكلما مسحت مكانا، كانت تكشف لي جانبا آخر متعرقا، على إيقاع أغنيتي: (ديلغادينا، أنت ستكونين محبوبتي العزيزة). كانت متعة بلا حدود، فقد كان أحد جانبيها يتعرق من جديد، عندما أنتهي من مسح الجانب الآخر، كيلا تنتهي الأغنية أبدا. وغنيت في أذنها: (انهضي يا ديلغادينا، والبسي تنورتك الحريرية). وأخيرا عندما وجدها خدم الملك ميتة من العطش في فراشها، بدا لي أن طفلتي على وشك أن تستيقظ وهي تسمع الاسم: إنها هي إذن: ديلغادينا.
رجعت إلى السرير بسروالي الداخلي المطبع بالقبلات، واستلقيت بجانبها. نمت حتى الخامسة على هدهدة تنفسها الهادئ. ارتديت ملابسي بأقصى سرعة دون أن أغتسل، وعندئذ فقط رأيت الكتابة، بقلم أحمر الشفاه، على مرآة المغسلة: (النمر لا يأكل بعيدا). أعرف أن هذه الكتابة لم تكن موجودة في الليلة السابقة، وأنه لا يمكن أن يكون أحد قد دخل الغرفة، فاعتبرتها معلقة الشيطان. فاجأني عند الباب رعد مرعب، وامتلأت الحجرة برائحة التراب المبلل المنذرة. لم أجد الوقت الكافي للهرب سليما. فقبل أن أعثر على سيارة أجرة هطل وابل عظيم. من تلك الأمطار التي تنشر الفوضى في المدينة بين شهري أيار وتشرين الأول. فشوارع الرمل الملتهب التي تنحدر باتجاه النهر، تحولت إلى سيول تجرف كل ما تجده في طريقها. يمكن لمياه أيلول الغريبة تلك بعد ثلاثة أشهر من الجفاف، أن تكون آتية من العناية الإلهية أو مدمرة على السواء.
منذ أن فتحت باب البيت، خرج للقائي إحساس مادي بأنني لست وحدي. تمكنت من رؤية نذر الهر الذي قفز عن الصوفا وتوارى في الشرفة. كانت لا تزال هناك في طبقه بقايا طعام لم أقدمه أنا إليه. وكانت رائحة بوله الزنخ وبرازه الساخن تلوث كل شيء. كنت قد عكفت على دراسته، مثلما درست اللغة اللاتينية. الكراس المرجعي يقول إن القطط تحفر في الأرض، لإخفاء برازها، وفي البيوت التي ليس فيها فناء مثل هذا البيت يفعل القط ذلك في أصص نباتات الزينة، أو في ركن خفي آخر، والحل المناسب هو أن يؤمن له. منذ اليوم الأول صندوق مملوء بالرمل، لتوجيه عاداته، وهذا ما فعلته. ويقول الكراس أيضا إن أول ما تفعله القطط في بيت جديد، هو تحديد مجالها الخاص، بالتبول في كل الأنحاء، وربما كان هذا هو الوضع الذي أواجهه. ولكن الكراس لا يشير إلى كيفية معالجة ذلك. تتبعت آثاره كي أتآلف مع عاداته الأصلية، ولكنني لم أصل إلى مخابئه السرية وأماكن راحته، وأسباب تقلب أهوائه، أردت تعليمه الأكل في مواعيد محددة واستعمال صندوق الرمل على الشرفة وعدم الصعود إلى سريري وأنا نائم، وعدم تشمم الأطعمة على المائدة، ولم أتمكن من جعله يفهم أن هذا البيت له كحق شرعي وليس كغنيمة حرب. ولهذا تركته على هواه.
عند الغروب واجهت وابل المطر، وكانت رياحه الإعصارية تهدد باقتلاع البيت. عانيت من نوبة عطاس متتال، وأصبت بألم في رأسي وبحمى، ولكنني كنت أشعر بامتلاك قوة وتصميم لم أمتلك مثلهما في أي مرحلة عمرية أخرى، ولا في سبيل أية قضية. وضعت قدورا على الأرض، لالتقاط الماء المتسرب من ثقوب السقف، وانتبهت إلى أن هناك ثقوبا أخرى قد ظهرت منذ الصيف الفائت. أكبرها بدا يغرق الجانب الأيمن من المكتبة. سارعت إلى إنقاذ الكتّاب الإغريق واللاتينيين الذين يعيشون في ذلك الجانب، ولكنني ما إن رفعت الكتب حتى وجدت تدفق ماء عالي الضغط، يخرج من أنبوب مكسور داخل الجدار. خففت من التدفق بخِرق، قدر استطاعتي، كي اتيح لنفسي الوقت لإنقاذ الكتب. ازداد صخب الماء وعويل الريح في الحديقة. وفجأة ملأ برق شبحي ورعده المرافق الجو برائحة كبريت قوية. هشمت الريح زجاج الشرفة. وكسرت عاصفة البحر العاتية الأقفال ودخلت إلى البيت. ومع ذلك وقبل انقضاء عشر دقائق، توقف المطر فجأة. جففت شمس بديعة الشوارع الممتلئة بأنقاض جانحة، ورجع الحر.
عندما انقطع وابل المطر، كنت لا أزال على إحساسي بأنني لست وحيدا في المنزل. تفسيري الوحيد هو أنه مثلما هناك وقائع واقعية تنسى، فإن هناك أيضا وقائع لم تحدث قط، ويمكن لها أن تظل في الذاكرة، كما لو أنها حدثت فعلا. والمسألة أنني عندما أستذكر التعجل الذي تصرفت به خلال وابل المطر، فإنني لا أرى نفسي وحيدا في البيت، وإنما برفقة ديلغادينا على الدوام. شعرت بها قريبة جدا مني في تلك الليلة، حتى أنني أحسست بإيقاع أنفاسها في غرفة النوم، وبنبض خدها على وسادتي، وهكذا فقط أدركت كيف أمكن لنا أن نفعل أشياء كثيرة في مثل ذلك الوقت الكثير. أتذكر نفسي وأنا أقف فوق مقعد المكتبة الذي بلا مسند، وأتذكرها مستيقظة بفستانها المطبع بأزهار تتلقى الكتب مني لتضعها في مكان آمن. أراها تركض من جانب إلى آخر في البيت، وهي تصارع العاصفة، مبللة بالمطر وبماء الأنابيب. أتذكر كيف أعدت في صباح اليوم التالي فطورا لم يكن قط، وكيف رتبت المائدة وأنا أمسح الماء من أرضية الغرف، وأرتب البيت الغارق. لم أنس قط نظرتها المكفهرة، ونحن نتناول الفطور: لماذا تعرفت إلي وأنت عجوز؟ وأجبتها بالحقيقة: ليست السن هي ما بلغه أحدنا من العمر، بل ما يشعر به.
منذ ذلك الحين صارت موجودة في ذاكرتي، بوضوح يمكنني معه أن أفعل بها ما أشاء. أبدل لون عينيها حسب حالتي المعنوية: لون الماء عند الاستيقاظ، لون قطر القصب حين تضحك، لون الضوء عندما أعارضها. وألبسها حسب السن والظروف التي تتلاءم مع تبدلات مزاجي: ثياب عروس محبة في العشرين، وعاهرة صالون في الأربعين، وملكة بابلية في السبعين، وقديسة في المئة. نغني ثنائيات حب على موسيقى بوتشيني، وألحان بوليرو لأوغسطين لارا، وأغنيات تانغو لكارلوس غارديل، ونبرهن لنفسينا مرة أخرى أن من لا يغنون لا يمكنهم أن يتصوروا، مجرد تصور، ما هي سعادة الغناء. اليوم أعلم أن ذلك لم يكن أضغاث أحلام، وإنما معجزة أخرى من معجزات حب حياتي الأول، وأنا في التسعين.
عند الانتهاء من ترتيب البيت، اتصلت بروسا كاباركاس، فهتفت حين سمعت صوتي: يا للرب المقدس! ظننت أنك قد غرقت. ولم يكن بإمكانها تفهم كيف أنني عدت لقضاء ليلة أخرى مع الطفلة، دون أن ألمسها. لك كامل الحق في ألا تعجبك، ولكن عليك أن تتصرف كراشد. حاولت أن أوضح لها ولكنها بدلت الموضوع دون تمهيد: لقد وجدت لك على أي حال واحدة أخرى، أكبر قليلا، جميلة وعذراء كذلك. أبوها يريد استبدالها ببيت ولكن يمكننا المساومة على تخفيض. تجمد قلبي. لم يكن ينقصني إلا هذا، اعترضت مذعورا دون إخفاق كالعادة ودون مشاجرات ودون ذكريات سيئة. ساد الصمت خط الهاتف، وأخيرا جاء الصوت المذعن الذي قالت به كما لو أنها تكلم نفسها: حسن، لا بد أن هذا هو ما يسميه الأطباء عته الشيخوخة.
ذهبت في العاشرة ليلا، مع سائق معروف بفضيلة عدم توجيه أسئلة غريبة. أخذت معي مروحة نقالة، ولوحة لأورلاندو ريفيرا، العزيز (فيغوريتا)، ومطرقة ومسمارا لتعليق اللوحة. توقفت في الطريق لشراء فرشاة أسنان ومعجون وصابون معطر، وماء كولونيا، وأقراص عرق سوس. وأردت أن آخذ كذلك مزهرية جيدة، وباقة أزهار صفراء لطرد بلاهة الأزهار الورقية، ولكنني لم أجد محلا مفتوحا، فاضطررت إلى أن أسرق من حديقة خاصة، باقة أزهار أستروميلا حديثة التفتح.
وبناء على تعليمات صاحبة المحل، صرت أدخل من ذلك اليوم من الشارع الخلفي، من جهة المجرى المائي، كيلا يراني أحد داخلا من البوابة المطلة على البستان. وقد حذرني السائق: حذار أيها العالم. ففي هذا البيت يقتلون. وأجبته: ليس مهما، إذا كان القتل قتلا بدافع الحب. كان الفناء مظلما، إلا أنه كانت هناك أنوار حياة في النوافذ، وصخب موسيقى في الحجرات الست. وفي حجرتي، بصوت أعلى من الأخريات، ميزت الصوت الدافئ لبيدرو بارغاس، تينور أميركا، في لحن بوليرو لميغل ماتاموروس. أحسست أنني سأموت. دفعت الباب بأنفاس مقطوعة، ورأيت ديلغادينا في السرير، مثلما هي في ذكرياتي: عارية ونائمة في سلام مقدس على جانب قلبها.
وقبل أن أستلقي في السرير رتبت خوان الزينة، ووضعت المروحة الجديدة محل الصدئة، وعلقت اللوحة حيث يمكنها رؤيتها من السرير. استلقيت إلى جوارها، وتفحصتها شبرا فشبرا. إنها هي نفسها التي كانت تجوب أنحاء بيتي: اليدان نفسيهما اللتان تتعرفان إلي باللمس في الظلام، القدمان نفسيهما بخطواتهما الخفيفة التي يمكن الخلط بينها وبين خطوات القط، رائحة العرق نفسها التي تفوح من ملاءاتي، وأصبع الكشتبان. أمر لا يصدق: فأنا أراها وألمسها وهي من لحم وعظم فتبدو لي أقل واقعية مما هي عليه في ذكرياتي.
قلت لها: توجد لوحة على الجدار المقابل، رسمها فيغوريتا، وهو رجل أحببناه كثيرا، وأفضل راقص مواخير وجد على الإطلاق، وطيب القلب إلى حد أنه كان يشفق على الشيطان، رسمها بورنيش السفن على كتان محترق الأطراف، من طائرة انفجرت في جبال سييرا نيفادا، بالقرب من مدينة سانتا مارتا، وبرياش صنعها بنفسه من وبر كلب.
المرأة المرسومة هي راهبة اختطفها من دير وتزوجها. إنني أترك اللوحة هنا لتكون أول شيء ترينه عندما تستيقظين.
لم تكن قد بدلت وضعها عندما أطفأت النور في الواحدة بعد منتصف الليل، وكان تنفسها خفيفا إلى حد أنني أمسكت معصمها، لأجس نبضها وأتأكد من أنها حية. كانت الدماء تنساب في عروقها بتدفق أغنية تتفرع حتى أكثر الأركان خفية في جسمها، وتعود إلى القلب المطهر بالحب.
وقبل أن أغادر عند الفجر رسمت خطوط راحة يدها على ورقة، وقدمتها إلى العرافة ديفا ساهبي لمعرفة روحها. فكانت هكذا: إنها خطوط يد شخصية لا تقول إلا ما تفكر فيه. وهي مؤهلة تماما للأعمال اليدوية. كانت لها اتصالات مع شخص مات، وهي تنتظر مساعدة منه، ولكنها مخطئة: فالمساعدة التي تبحث عنها في متناول يدها. لم تقم أي ارتباط ولكنها ستموت متقدمة في السن ومتزوجة. لديها الآن رجل أسمر، لن يكون رجل حياتها. وسيكون بإمكانها أن تنجب ثمانية أبناء، ولكنها ستقتصر على ثلاثة فقط. في الخامسة والثلاثين من عمرها ستفعل ما يمليه عليها القلب وليس العقل، وسيكون لديها مال كثير، وفي الأربعين ستتلقى ميراثا. ستسافر كثيرا. لها حياة مزدوجة وحظ مزدوج، ويمكن لها أن تؤثر على قدرها. تحب أن تجرب كل شيء بدافع الفضول، ولكنها ستندم إذا لم تأخذ بتوجيهات قلبها.
ومعذبا بالحب قمت بإصلاح الأضرار التي سببتها العاصفة وانتهزت الفرصة لإجراء ترميمات كثيرة كنت أؤجلها منذ سنوات، لعدم القدرة على تكاليفها أو بسبب الإهمال والتراخي. أعدت تنظيم المكتبة، وفق الترتيب الذي قرأت فيه الكتب. وأخيرا بعت الأرغن الميكانيكي في مزاد، كتحفة تاريخية، مع لفافاته الموسيقية الكلاسيكية التي تزيد على مئة واشتريت فونوغرافا مستعملا، لكنه أفضل من الذي لدي، مع مكبرات صوت عالية الدقة، ضخمت أجواء البيت. فصرت على حافة الإفلاس، ولكن مع تعويض جيد، بمعجزة بقائي حيا وأنا في هذه السن. كان البيت يولد من رماده، وأنا أبحر في حب ديلغادينا بزخم وسعادة لم أعرفهما قط في حياتي السابقة. وبفضلها تواجهت أول مرة مع كياني الطبيعي فيما سنتي التسعون تمضي. اكتشفت أن وسواسي بأن يكون كل شيء في مكانه وكل مسألة في وقتها وكل كلمة بأسلوبها ليس المكافأة المستحقة لذهن مرتب، بل هو على العكس من ذلك، نظام تصنع ابتدعته نفسي لمواراة فوضاء الطبيعية. اكتشفت أنني لست منضبطا بدافع الفضيلة وإنما كرد فعل على تهاوني وتقصيري؛ وأنني أبدو سخيا لكي أواري خستي، وأنني أتظاهر بالتعقل والحذر لأنني سيئ الظنون، وأنني أميل إلى المصالحة كيلا أنقاد لنوبات غضبي المكبوحة، وأنني دقيق في مواعيدي لمجرد ألا يعرف مدى استهانتي بوقت الآخرين. واكتشفت أخيرا أن الحب ليس حالة روح وإنما هو علامة بروج فلكية.
صرت شخصا آخر. حاولت قراءة الكلاسيكيين الذين وجهوني في صباي فلم أستطع ذلك. أغرقت نفسي في الآداب الرومانسية التي نفرت منها عندما أرادت أمي فرضها علي بالقوة. ومنها توصلت إلى أن أعي أن القوة الغلابة التي دفعت العالم قدما، ليست في الغراميات السعيدة، وإنما في الغراميات المعاكسة. وعندما تعرض ذوقي الموسيقي لأزمة اكتشفت كم أنا متأخر وهرم، وفتحت قلبي لمتع المصادفات.
إنني أتساءل كيف أمكن لي أن أرزح تحت وطأة هذا الدوار الأبدي الذي أسببه أنا نفسي وأخشاه. كنت أطفو بين غيوم تائهة، وأكلم نفسي قبالة المرآة، سعيا إلى الوهم الباطل بمعرفة من أنا. وبلغ هذياني حدا في إحدى المظاهرات الطلابية بالحجارة والزجاجات، أن استجمعت قوة من ضعفي كيلا أتصدر المظاهرة بلافتة تكرس حقيقتي: ( إنني مجنون بالحب).
ومغشي علي باستذكار ديلغادينا النائمة، دون هوادة، بدلت دون أدنى خبث روح مقالاتي في أيام الآحاد. فصرت أكتبها لها، أيا كانت المسألة التي أطرحها. كنت أضحك في مقالاتي أو أبكي من أجلها وفي كل كلمة منها تستنفد حياتي. وبدلا من صيغة التعليق المحلي التقليدي التي كانت عليه منذ الأزل، صرت أكتبها كرسائل حب، يمكن لأي كان أن يعتبرها له. اقترحت على الجريدة ألا يطبع النص بحروف اللينوتيب الطباعية، وإنما بخطي المنمق. وبدا الأمر لرئيس التحرير ، كيف لا، مجرد إفراط آخر في غرور الشيخوخة، لكن المدير العام أقنعه بجملة ما زالت تمضي طليقة في قاعة التحرير:
- لا تخطئ: فالمجانين الوديعون يستبقون المستقبل.
وكان الرد الشعبي فوريا وحماسيا، في الكثير من رسائل القراء العاشقين، وبعض السطور في نشرات الأخبار المستعجلة لآخر ساعة. واستنسخت منها نسخا بمحاكاة الخط يدويان أو باستخدام ورق الكربون، وكانت تباع مثل السجائر المهربة على نواصي شارع سان بلاس. كان جليّا منذ البداية، أنها تستجيب للهفتي في التعبير عن حالتي، ولكنني تعودت على أخذ ردود الفعل تلك بالاعتبار وأنا أكتب، ودائما بصوت رجل في التسعين من عمره، لم يتعلم التفكير كعجوز هرم. أبدى الوسط الثقافي، كما هي عادته، الفزع والانقسام: وحتى خبراء الخطوط الذين لا يخطرون على بال أحد، عقدوا مناظرات حول التحاليل الخاطئة لخطي. وكانوا هم من قسموا التوجهات الحماسية وأحموا النقاش، وجعلوا من الحنين موضة رائجة.

قبل انتهاء السنة كنت قد رتبت مع روسا كاباركاس من أجل الإبقاء في الغرفة على المروحة الكهربائية ومستحضرات التجميل على خوان الزينة، وما سأواصل إحضاره إليها في المستقبل، لجعلها صالحة للمعيشة. كنت أصل في العاشرة على الدوام حاملا شيئا جديدا لها، أو مناسبا لذوقنا نحن الاثنين، وأكرس بضع دقائق لإخراج الأشياء المخبّأة، وترتيب مسرح ليالينا، وقبل أن أغادر، ليس بعد الخامسة على الإطلاق، أعود لحفظ كل شيء وتأمينه وراء قفل. فتصير الحجرة عندئذ هزيلة، مثلما كانت في الأصل، للغراميات الحزينة للزبائن العابرين .
في صباح أحد الأيام سمعت أن ماركوس بيريث، أوسع الأصوات شعبية في الإذاعة منذ الفجر، قد قرر قراءة مقالتي الأحدية في برنامجه الإخبارية أيام الاثنين. وعندما تمكنت من كبح غثياني قلت متفاجئا: أنت تعرفين يا ديلغادينا، الشهرة سيدة بدينة لا تنام مع المرء، ولكنه حين يستيقظ يجدها تنظر إليه قبالة السرير.
في واحد من تلك الأيام بقيت لتناول الفطور مع روسا كاباركاس، وكانت قد بدأت تبدو لي أقل هرما على الرغم من الحداد الصارم والقلنسوة السوداء التي تصل حتى حاجبيها. كانت وجبة الفطور التي تعدها مشهورة بروعتها، مع شحنة من الفلفل الحار أنزلت دموعي. ومع لقمة النار الحارقة الأولى، قلت لها مستحما بالدموع: لن أحتاج هذه الليلة إلى قمر مكتمل كي أصاب بحرقة في شرجي. فقالت هي: لا تتذمر، إذا كان يحرقك فلأنه لا يزال موجودا لديك، بحمد الله.
أبدت استغرابها عندما ذكرت أمامها اسم ديلغادينا. فقالت: هذا ليس اسمها. لأن اسمها. فقاطعتها: لا تخبريني به، فهي ديلغادينا بالنسبة لي. هزت كتفيها: حسن، إنها لك في نهاية المطاف، ولكنه يبدو لي اسما مدرّا للبول. أخبرتها بعبارة النمر التي كتبتها الطفلة على المرآة. فقالت روسا: لا يمكن أن تكون هي من فعلت ذلك، لأنها لا تعرف القراءة والكتابة. من كتبها إذن؟ فهزت كتفيها: يمكن أن يكون شخصا قد مات في الغرفة.
كنت أنتهز جلسات الفطور تلك لأفرج عن نفسي، وافتح قلبي لروسا كاباركاس، وألتمس منها تقديم خدمات ضئيلة، من أجل راحة ديلغادينا وحسن مظهرها. وكانت تمنحني تلك الخدمات دون أن تفكر فيها، بشيطنة تلميذة. وقد قالت لي في تلك الأيام: يا له من أمر مضحك! أشعر كما لو أنني أطلب يدها. وخطرت لها الفكرة: وبالمناسبة، لماذا لا تتزوجها؟ أصبت بالتجمد. فألحت هي: بجد، سيكون ذلك أرخص لك. ولمشكلة في سنك هذه، في نهاية المطاف، هي إن كنت تنفع أم لا، وقد أخبرتني بأن هذه المشكلة محلولة. فاعترضتها: الجنس هو العزاء الذي يلجأ إليه المرء عندما لا يحصل على الحب.
أفلتت هي ضحكتها: آي، يا عالمي، لقد كنت أعرف على الدوام أنك رجل، وقد كنت كذلك دوما، ويسعدني أنك ما زلت، بينما يسلم أعداؤك أسلحتهم. إنهم محقون بالإكثار من الحديث عنك. هل سمعت ماركوس بيريث؟ فقلت لها، لأقطع الموضوع: الجميع يستمعون إليه. ولكنها ألحت: وكذلك البروفوسور كاماتشو كانو، قال بالأمس، في برنامج "ساعة لقليل من كل شيء"، إن العالم لم يعد مثلما كان، لأنه لم يبق فيه رجال كثيرون من أمثالك.
في نهاية ذلك الأسبوع، وجدت دليغادينا مصابة بالحمى والسعال. أيقظت روسا اكاباركاس كي تعطيني دواء بيتيا ما، فحملت إلي، في الغرفة، صيدلية إسعافات أولية. بعد يومين من ذلك كانت صحة ديلغادينا لا تزال واهنة، ولم تستطع العودة إلى عملها الروتيني في تركيب الأزرار. كان الطبيب قد وصف لها علاجا بيتيا من زكام عادي، يخف خلال أسبوع، ولكنه ذعر لحالة سوء تغذيتها العامة. توقفت عن رؤيتها وأحسست أنني أفتقدها، فانتهزت الفرصة لأرتب الغرفة في غيابها.
حملت إلى هناك أيضا رسما بالقلم لسيسيليا بوراس، رسمته من أجل (جميعنا في الانتظار)، كتاب قصص قصيرة لألفارو سبيدا. وأخذت أيضا الأجزاء السبعة من رواية "جوان كريستوفر" لرومان رولان، كي أرعى سهراتي. وعندما استطاعت ديلغادينا العودة إلى الغرفة، وجدتها جديرة بسعادة مستقرة: الهواء المنقى بمضاد حشرات معطر، جدران مطلية بلون وردي، مصابيح خافتة، أزهار جديدة في المزهريات، كتبي المفضلة، أفضل لوحات أمي معلقة بطريقة أخرى، وفق ذوق هذه الأيام. وكنت قد استبدلت المذياع القديم بآخر ذي موجة قصيرة، أبقيته متزامنا مع برنامج موسيقى راقية، كي تتعلم ديلغادينا النوم على رباعيات موزارت. ولكنني وجدته في إحدى الليالي على محطة متخصصة بأغنيات البوليرو الرائجة. إنه ذوقها دون شك، فتقبلته دون ألم، فأنا أيضا عنيت بالبوليرو من قلبي في أفضل أيامي. وقبل أن أرجع إلى البيت، في اليوم التالي، كتبت على المرآة بقلم أحمر الشفاه: (إننا وحيدان في العالم يا طفلتي).
في هذه الفترة راودني إحساس غريب بأنها تكبر قبل موعدها. تحدثت في الأمر مع روسا كاباركاس، وبدا لها ذلك طبيعيا. فقد قالت لي: ستكمل الخامسة عشرة من عمرها في الخامس من كانون الأول القادم. إنها نموذج كامل لبرج القوس، وأقلقني أنها واقعية إلى حد أن لها عيد ميلاد. ماذا يمكنني أن أهدي إليها؟ فقالت روسا كاباركاس: دراجة. فعليها أن تجتاز المدينة مرتين كل يوم، من أجل الذهاب لتثبيت الأزرار. وأرتني في مستودع الدكان الخلفي، الدراجة التي تستخدمها، وقد بدت لي في الحقيقة، خردة غير جديرة بامرأة محبوبة مثلها. ولكن وجود الدراجة أقنعني، مع ذلك بالدليل الملموس، بأن ديلغادينا موجودة في الحياة الواقعية.
عندما ذهبت لشراء أفضل دراجة لها، لم استطع مقاومة إغواء تجربتها. وقمت ببعض الجولات العارضة على منصة المتجر المائلة. البائع الذي سألني عن سني أجبته بتدلل الشيخوخة. سأكمل الواحدة والتسعين. فقال الموظف ما كنت أود سماعه بالضبط: إنك تبدو اصغر بعشرين سنة. أنا نفسي لم أفهم كيف ما زلت أحتفظ بممارسات المدرسة، وأحسست أنني مترع بمتعة مشعة. بدأت أغني. غنيت أولا بيني وبين نفسي، بصوت خافت، وبعد ذلك بملء صدري، بزهو كاروسو العظيم، وسط المتاجر المزركشة، وحركة المرور المجنونة في السوق العام. كان الناس ينظرون إلي بمرح، ويصرخون بي، ويحثونني على المشاركة في مسابقة "اجتياز كولومبيا" على الدراجات. فكنت أوجه إليهم بيدي تحية ملاح سعيد، دون أن أوقف الأغنية. في هذا الأسبوع، تكريما لكانون الأول كتبت مقالة جريئة أخرى: (كيف تكون سعيدا على دراجة وأنت في التسعين).
في ليلة عيد ميلادها غنيت لديلغادينا أغنية أعياد الميلاد كاملة، وقبلتها في كل أنحاء جسمها، إلى أن انقطعت أنفاسي: ألعمود الفقري فقرة فقرة، حتى الردفين الهزيلين، والخاصرة ذات الشامة، في جهة قلبها الذي لا يكل ولا يستنفد. وكلما تماديت في تقبيلها ازدادت حرارة جسدها وأطلق عبقا وحشيا وقد ردت علي بارتعاشات جديدة في كل بوصة من بشرتها، وفي كل بوصة كنت أجد دفئا مختلفا، وطعما خاصا، وأنة جديدة، ورنت كلها من الداخل في دوزان موسيقي، وتفتحت حلمتا نهديها كزهرتين دون لمسهما. بدأت أغفو في الفجر عندما سمعت ما يشبه جلبة حشد في البحر، وهلع أشجار اخترق قلبي. عندئذ ذهبت إلى الحمام، وكتبت على المرآة: ( لقد جاءت نسائم أعياد الميلاد يا ديلغادينا حياتي).
أحد أكثر ذكرياتي سعادة هو تشوش أحسست به في صباح مثل ذاك، لدى خروجي من المدرسة. ماذا جرى لي؟ فقالت لي المعلمة ببلاهة: آي، أيها الصغير، ألا ترى أنها النسائم؟ بعد ثمانين سنة من ذلك، عدت أشعر الشعور نفسه، عندما استيقظت في سرير ديلغادينا، وكان كانون الأول نفسه الذي يرجع دقيقا في موعده، بسمائه الصافية، وعواصفه الرملية وزوابع الأزقة التي تنزع سقوف البيوت، وترفع تنانير التلميذات.
المدينة تكتسب عندئذ رنينا شبحيا. في ليالي النسيم، يمكن أن تسمع صرخات السوق العام، حتى في أكثر الأحياء ارتفاعا، كما لو أنها عند المنعطف. ولم يكن غريبا عندئذ أن تتيح لنا هبات كانون الأول العثور على أصدقائنا المبعثرين في مواخير نائية من خلال أصواتهم.
ومع ذلك، فقد وصلني مع النسائم أيضا، الخبر التعس بأن ديلغادينا لا تستطيع قضاء أعياد الميلاد معي، وإنما مع أسرتها، إذا كان هناك ما أمقته في العالم، فهي الأعياد الإجبارية التي يبكي فيها الناس من السعادة، والألعاب النارية، وأهازيج عيد الميلاد الغبية، وأكاليل ورق الكورنيش التي ليست لها أي علاقة بطفل ولد منذ ألفي عام، في إسطبل فقير. ومع ذلك لم أستطع عندما جاءت ليلة الميلاد، أن أقاوم الحنين، فذهبت إلى الغرفة من دونها. ،نمت جيدا واستيقظت وإلى جانبي دب من فرو، يمشي على قائمتين كما لو كان ديا قطبيا، وبطاقة تقول: إلى بابا القبيح. كانت روسا قد أخبرتني بأن ديلغادينا بدأت تتعلم القراءة من دروسي المكتوبة على المرآة، وقد بدا لي خطها الأنيق رائعا. ولكن روسا نفسها خيبت ظني، بخبر أسوأ حين قالت، إن الدب هدية منها. وهكذا، لم أبق في ليلة الميلاد في بيتي منذ الساعة الثامنة ليلا، ونمت دون مرارة. كنت سعيدا، فمع دقات الساعة الثانية عشرة، ووسط قرع النواقيس الهائجة، وصفارات المصانع وعربات الإطفاء، وأنين السفن، أحسست أن ديلغادينا قد دخلت على رؤوس أصابعها واستلقت إلى جانبي، وقبلتني. كانت واقعية إلى حد ظلت معه رائحة عرق السوس المنبعثة من فمها، عالقة بفمي.


الفصل الرابع


في بداية العام الجديد، بدأنا التعرف أحدنا على الآخر، كما لو أننا نعيش معا، مستيقظين. فقد توصلت إلى العثور على نبرة صوت حذر تسمعه هي دون أن تستيقظ، وترد علي بلغة طبيعية من جسدها. كانت حالتها المعنوية تتبدى من خلال طريقتها في النوم. فمن حالة الإنهاك والنفور التي بدت عليها في البدء، راحت تتحول إلى حالة سلام داخلي تجمل وجهها وتثري أحلامها. صرت أروي لها قصة حياتي، وأقرأ في مسمعها مسودات مقالاتي ليوم الأحد، وكانت هي، وهي وحدها، موجودة فيها دون أن أقول ذلك.
في هذه الفترة تركت لها على الوسادة قرطين من الزمرد كانا لأمي. فوجدتها تضعهما في أذنيها في الموعد التالي، ولم يكونا مناسبين لها. فحملت لها بعد ذلك قرطين آخرين، أكثر ملاءمة للون بشرتها. وأوضحت لها: القرطان الأولان اللذان جئتك بهما لا يتناسبان مع شخصيتك وقصة شعرك. هذان يناسبانك أكثر. فلم تضع أيا منهما في الموعد التاليين، ولكنها وضعت في الموعد الثالث اللذين أشرت إليهما. وهكذا بدأت أفهم أنها لا تنصاع لأوامري، ولكنها تتحين الفرص لإرضائي. وفي تلك الأيام، أحسست أنني قد اعتدت على ذلك النمط من الحياة المنزلية، فلم أعد أنام عاريا، بل صرت أرتدي بيجامة من الحرير الصيني كنت قد توقفت عن استخدامها، لأنه لم تعد هناك من تنتزعها عني.
بدأت أقرأ لها (الأمير الصغير) لسانت إكزوبري، المؤلف الفرنسي الذي يقدره العالم بأسره أكثر من الفرنسيين. كان الكتاب الأول الذي أمتعها دون أن يوقظها، فكان علي أن أذهب يومين متتاليين كي أنهي قراءاته لها وواصلنا بقراءة (حكايات بيرول) وقصص (التاريخ المقدس) و(ألف ليلة وليلة) في طبعة مهذبة للأطفال. وبسبب الاختلافات بين كتاب وآخر انتبهت إلى أن لنومها درجات متفاوتة من العمق، حسب اهتمامها بالقراءات. وعندما كنت أشعر أنها لم تعد قادرة على تقبل المزيد، أطفئ النور وأنام وأنا أحتضنها إلى أن تصيح الديكة.
كنت أشعر بسعادة غامرة تدفعني إلى تقبيل رموشه، برقة شديدة، وحدث في إحدى الليالي، مثل نور من السماء، أن ابتسمت لأول مرة. وبعد ذلك ودون أي سبب، انقلبت في السرير وأولتني ظهره، وقالت باستياء: إيزابيل هي التي أبكت الحلزونات. ومبتهجا بوهم إقامة حوار، سألتها بالنبرة نفسها: ولمن كانت الحلزونات؟ فلم تجب. كان لصوتها أثر عامي، كما لو أنه ليس صوتها وإنما صوت شخص غريب تحمله في داخلها.
وعندئذ تلاشت كل ظلال الشك من روحي: إنني أفضلها نائمة.
كانت مشكلتي الوحيدة هي الهر. فقد كان ضعيف الشهية ونفورا، ومضى عليه يومان دون أن يرفع رأسه في ركنه المعهود، وقد وجه إلي ضربة مخلب ضارية عندما أردت وضعه في سلته الخيزرانية، كي تأخذه داميانا إلى البيطري. لم تتمكن من السيطرة عليه إلا بصعوبة،وحملته وهو يرفس في كيس من القنب. وبعد قليل، اتصلت بي من متجر الحيوانات، لتقول لي إنه لا وجود لوسيلة أخرى سوى التضحية به، وهم يريدون موافقتي على ذلك. لماذا؟ فقالت داميانا: لأنه هرم جدا. وفكرت غاضبا في أنهم قد يشوونني حيا أنا أيضا، في فرن لإحراق القطط. أحسست بأني أعزل بين نارين: فأنا لم أتعلم حب القط بعد، ولكن ليس لدي قلب كذلك، لأوافق على قتله، لمجرد أنه هرم وحسب. أين يقول الكراس ذلك؟
أثر في الحادث بعمق، حتى أنني كتبت مقالة ليوم الأحد بعنوان مسروق من نيرودا: (هل القط نمر صالونات مصغر؟) وتسببت المقالة في حملة جديدة، فسمت القراء، مرة أخرى، إلى مؤيدين ومعارضين للقطط. وخلال خمسة أيام تغلبت الأطروحة القائلة بمشروعة التضحية بقط، لأسباب لها علاقة بالصحة العامة، ولكن ليس لأنه هرم.
بعد موت أمي كان يؤرقني الرعب من أن هناك من يلمسني وأنا نائم. وذات ليلة أحسست بها، لكن صوتها أعاد إلي الطمأنينة، وهي تقول لي بالإيطالية: Figlio mio poveretto. وعدت إلى الإحساس به في فجر أحد الأيام، في غرفة ديلغادينا، فتلويت من البهجة، معتقدا أنها قد لمستني. ولكن لا: كانت روسا كاباركاس في الظلام. وقالت لي: ارتد ملابسك، وتعال معي، لدي مشكلة جديدة.
وقد كانت كذلك فعلا، بل أكثر جديا مما استطعت تخيله. فأحد كبار زبائن المحل قتل مطعونا في الغرفة الأولى من الجناح. كان القاتل قد هرب. والجثة الضخمة العارية، باستثناء الحذاء، كانت شاحبة شحوب فروج على البخار، في سرير مضمخ بالدم. عرفته على الفور: إنه خ. م. ب. مصرفي كبير، مشهور بوجاهته ولطفه وتأنقه في الملبس، وقبل ذلك بجمال منزله. كان هناك في عنقه جرحان بنفسجيان، مثل شفتين، وفجوة في البطن لم تتوقف عن النزيف بعد. وما أثر في أكثر من الجراح هو الواقي الذكري الذي بدا أنه لم يستعمل بعد، على العضو المنكمش بفعل الموت.
لم تكن روس كاباركاس تعرف مع من كان في الغرفة، لأنه كان يتمتع كذلك بامتياز الدخول من البوابة المطلة على البستان. ولم تستبعد الشكوك في أن من كان برفقته هو رجل آخر. الشيء الوحيد الذي كانت صاحبة المحل تريده مني، هو مساعدتها في إلباس الجثة ثيابها. بدت واثقة من نفسها. حتى أنني أحسست بالقلق من فكرة أن الموت في نظرها لا يعدو أن يكون مسألة مطبخ. قلت لها: ليس هناك ما هو أصعب من إلباس ميت ثيابه. فردت هي: لقد فعلت ذلك كثيرا. والأمر سهل إذا كان هناك سيثبت لي الميت. فلفت نظرها: هل تتصورين أن هناك من سيصدق الحديث عن جسد ممزق بالطعنات داخل بدلة جنتلمان إنكليزي سليمة؟
ارتعدت خوفا على ديلغادينا فقالت لي روسا كاباركاس: من الأفضل أن تأخذها أنت من هنا. فقلت لها بلعاب متجمد: أفضل الموت قبل ذلك. وانتبهت هي إلى حالتي، ولم تستطع مواراة ازدرائها: إنك ترتجف! فقلت: خوفا عليها، ولكن قولي لم يكن سوى نصف الحقيقة. وأضفت قائلا: اطلبي منها أن تغادر قبل أن يأتي أحد. فقالت: حسن، أما أنت فلن يحدث لك شيء باعتبارك صحفيا. وأنت أيضا لن يحدث لك شيء، قلت لها بشيء من الحنق، فأنت الشخصية الليبرالية الوحيدة التي تأمر وتنهى في هذه الحكومة.
المدينة المشتهاة، لطبيعتها السلمية، وأمنها الفطري، كانت تجرجر في كل سنة نكبة عملية قتل فاضحة ومروعة. لكن عملية القتل تلك لم تكن واحدة منها. فالخبر الرسمي الذي ظهر بعناوين بارزة وتفاصيل وفيرة يقول إن المصرفي الشاب تعرض للاعتداء والقتل طعنا، عرى طريق برادومار، لأسباب غير معروفة. لأنه ليس له أعداء. ويشير بيان الحكومة، كقتلة مزعومين، مزعومين إلى لاجئين من مناطق البلاد الداخلية، كانوا يقومون بموجة جرائم غريبة عن الروح المواطنية لسكان المدينة. وقد جرى خلال الساعات الأولى اعتقال أكثر من خمسين شخصا.
هرعت مستشيطا من الغيط مع المحرر القضائي، وهو صحفي نموذجي من صحفيي سنوات العشرينيات، يضع واقية شمس من السيلويلويد الأخضر، وربطتين على كميه، يتبجح بأنه يسبق الوقائع. ومع ذلك لم يكن يعرف إلا نسالات متفرقة عن الجريمة، فأكملتها له بقدر ما يتيحه لي الحذر. وهكذا كتبنا معا خمس صفحات لخبر ينشر على ثمانية أعمدة في الصفحة الأولى، منسوب إلى الشبح الأبدي الذي نسميه: مصادر تستحق ثقتنا الكاملة. ولكن يد رجل الساعة التاسعة البغيض –الرقيب- لم ترتجف لفرض الرواية الرسمية القائلة إنه اعتداء قطاع طرق ليبراليين. فغسلت ضميري بتقطيبة حزن، في أشد جنازات القرن صفاقة وأوسعها حضورا.
عندما رجعت إلى البيت في تلك الليلة، اتصلت بروسا كاباركاس لأستفسر عما حدث لديلغادينا ولكنها لم ترد على الهاتف طوال أربعة أيام. في اليوم الخامس، ذهبت إلى البيت وأنا أضغط على أسناني. كان الباب مختوما، ولكن ليس من الشرطة وإنما من قبل مصلحة الصحة. ولم يكن هناك في الجوار من يعرف شيئا. ودون أن يكون لدي أي مؤشر لمكان وجود ديلغادينا انطلقت في بحث ضارٍٍ، ومضحك أحيانا، خلفني لاهثا. أمضيت أياما بطولها أراقب الفتيات راكبات الدراجات، من مقاعد حديقة معفرة بالغبار، حيث الأطفال يلعبون بتسلق تمثال مقشر لسيمون بوليفار. كنت أرى مرورهن على الدراجات كالغزالات؛ جميلات، جاهزات، مستعدات لأن يمسك بهن في لعبة الدجاجة العمياء. وعندما نفدت آمالي لجأت إلى سلام ألحان البوليرو. كنت أشبه بمخمور مسمم: كل كلمة كانت (هي). لقد كنت أحتاج إلى الصمت دائما، من أجل الكتابة، لأن عقلي يلتفت إلى متابعة الموسيقى أكثر من الكتابة. ولكن الأمر انقلب آنذاك: لم أعد أستطيع الكتابة إلا في ظلال ألحان البوليرو. امتلأت حياتي بها. المقالات التي كتبتها في ذينك الأسبوعين كانت نماذج مشفرة لرسائل الحب. فطلب مني رئيس التحرير المعارض لذلك السيل من الردود أن أخفف من الحب ريثما نفكر في طريقة نواسي بها كل أولئك القراء العاشقين.


انعدام السكينة أجهز على صرامة أيامي. كنت أستيقظ في الخامسة، ولكنني أظل في عتمة الغرفة، متخيلا ديلغادينا في حياتها اللاواقعية، وهي توقظ إخوتها، وتلبسهم ملابسهم المدرسية، وتقدم لهم الفطور، إن وجد، وتجتاز المدينة على الدراجة لتقضي محكوميتها بخياطة الأزرار. تساءلت مذهولا ما الذي تفكر فيه امرأة وهي تخيط الأزرار؟ تراها تفكر في؟ هل تبحث هي أيضا عن روسا كاباركاس لتلتقي بي؟ أمضيت أسبوعا دون أن أخلع أفرهول المميكانيكي، في الليل والنهار، ودون أن أستحم، ودون أن أحلق ذقني، ودون أن أنظف أسناني، لأن الحب علمني في وقت متأخر جدا، أن المرء يتهندم من أجل احد، يلبس ويتعطر من أجل أحد، وأنا لم يكن لدي قط من أفعل ذلك من أجله. ظنت داميانا أنني مريض عندما وجدتني عاريا في أرجوحة النوم في الساعة العاشرة صباحا. رايتها بعينين معكرتين بالجشع، ودعوتها للتقلب معي ونحن عاريان. فقالت لي بازدراء:
- وهل فكرت فيما ستفعله، إذا قلت لك نعم؟
هكذا عرفت إلى أي حد أفسدتني المعانة. لم أكن أتعرف على نفسي في ألمي المراهق. ولم أعد أخرج من البيت كيلا أبتعد عن رصد الهاتف. فصرت اكتب دون أن افصله ولدى أول رنين أقفز إليه مفكرا في أنها قد تكون روسا كاباركاس. وأقطع أياما بطولها إلى أن أدركت أنه هاتف بلا قلب.
ولدى عودتي إلى البيت في مساء أحد الأيام، وجدت القط متقوقعا على نفسه عند أدراج البوابة. كان متسخا ومزريا، وفي حالة من الوداعة مثيرة للشفقة. أوضح لي الكراس أنه مريض، واتبعت تعليماته ليستعيد عافيته. وفجأة بينما أنا أتناوم في إفاءة قيلولة، أيقظتني فكرة أنه يمكن أن يقودني إلى بيت ديلغادينا. حملته في كيس مشتريات حتى حانوت روسا كاباركاس، فكان لا يزال مختوما، وبلا أي إشارة إلى وجود حياة فيه، ولكن القط تقلب في الكيس باندفاع شديد. تمكن معه من الهرب. قفز حاجز البستان، واختفى بين الأشجار. طرقت البوابة بقبضتي، فسألني صوت عسكري، دون أن يفتح: من هناك؟ أناس مسالمون، قلت ذلك كيلا أكون أقل منه، وأضفت: إنني أبحث عن صاحبة المحل. فقال الصوت: لا توجد صاحبة المحل. فألححت: افتح لي كي آخذ القط على الأقل. قال: لا يوجد قط. سألته: ومن تكون أنت؟ لا أحد، قال الصوت.
لقد أعتقد على الدوام، أن الموت حبا ليس إلا وسيلة شعرية. ولكنني في ذلك المساء، بينما أنا عائد إلى البيت، من دون القط، ومن دونها، تأكدت من أن الموت حبا ليس ممكنا وحسب، وإنما أنا نفسي، العجوز الذي ليس لديه أحد آخذ بالموت حبا. ولكنني انتبهت أيضا إلى أن الحقيقة المعاكسة تنطبق علي: لا يمكن لي أن أستبدل بغمي كل متع الدنيا. كنت قد أضعت ما يقارب الخمس عشرة سنة، في محاولة ترجمة أغنيات ليوباردي، وفي تلك الأمسية فقط أحسست بها بعمق: (آه لحالي، إذا كان حبا فكم هو معذب).
دخولي إلى الجريدة بالأفرهول، وبذقن غير حليقة، أيقظ بعض الشكوك حول حالتي الذهنية. المبنى المرمم، مع كبينات فردية من الزجاج، وأنوار سمتية، بدا كأنه مستشفى أمومة وتوليد. فالجو الصامت والمريح بتصنع يغري بالتحدث همسا والمشي على رؤوس الأصابع. في ردهة المدخل، ومثل نواب ملك موتى، كانت الصورة الزيتية للمديرين الثلاثة مدى الحياة، والصور الفوتوغرافية للزائرين المشهورين. وكان يتصدر القاعة الرئيسة الهائلة صورة ضخمة لهيئة التحرير الحالية، التقطت في مساء عيد ميلادي. لم أستطع تفادي المقارنة الذهنية مع الصورة الأخرى، الملتقطة وأنا في الثلاثين. وتأكدت مرة أخرى بذعر أن المرء يشيخ في الصور أكثر، وبصورة أسوأ، مما هو في الواقع. السكرتيرة التي قبلتني في مساء يوم عيد ميلادي، سألتني إذا ما كنت مريضا. وأسعدني أن أجيبها بالحقيقة كيلا تصدقني: إنني مريض بالحب. فقالت هي: مؤسف أنه ليس هياما بي! فرددت إليها المجاملة: لا تكوني واثقة إلى هذا الحد.
خرج المحرر القضائي من كبينته صارخا بأن هناك جثتي فتاتين مجهولتي الهوية في المشرحة البلدية. سألته مذعورا: ما هي سنهما؟ فقال هو: إنهما شابتان. يمكن أن تكونا لاجئتين من المناطق الداخلية، طاردهما قتتلة النظام إلى هنا. زفرت براحة. وقلت: الوضع يداهمنا بصمت مثل بقعة دم. فصرخ المحرر القضائي وقد صار بعيدا:
- ليس مثل بقعة دم يا معلم، بل براز.
شيء أسوأ من ذلك حدث لي بعد أيام، عندما لمحت بصورة خاطفة فتاة تحمل سلة مثل سلة القط، مرت كأنها قشعريرة قبالة مكتبة موندو. لحقت بها أشق طريقي بمنكبي بين حشد في زحام الساعة الثانية عشرة ظهرا. كانت جميلة جدا، خطواتها واسعة وانسيابية في شق طريق لنفسها بين الناس، مما كلفني جهدا في اللحاق بها. وأخيرا تجاوزتها، ونظرت إليها مواجهة. فأبعدتني جانبا بيدها، دون أن تتوقف ودون استئذان. لم تكن من ظننتها، ولكن كبرياءها آلمني كما لو كانت هي. عندئذ أدركت أنني لن أكون قادرا على التعرف على ديلغادينا وهي مستيقظة ومرتدية ملابسها، ولا يمكن لها هي أن تعرف من أنا لأنها لم ترني قط. وفي تصرف جنوني، قمت خلال ثلاثة أيام بحياكة اثني عشر زوجا من الأخفاف الصغيرة الزرقاء والوردية لأطفال حديثي الولادة، محاولا بذلك منح نفسي الشجاعة على عدم سماع أو غناء أو تذكر الأغنيات التي تذكرني بها.
الحقيقة أني لم أكن قادرا على تحمل روحي، وبدأت أعي الشيخوخة من هواني في الحب. وجاءني دليل آخر أشد درامية، عندما صدمت حافلة نقل عامة فتاة على دراجة، في وسط مركز المدينة التجاري. كانوا قد حملوها للتو في سيارة إسعاف، وكان يمكن تقدير حجم المأساة من الخردة التي تحولت إليها الدراجة فوق بركة من الدم الطازج. ولكن تأثري لم يكن كبير بسبب تهشم الدراجة، وإنما بسبب ماركتها، وموديلها، ولونها. لا يمكن لها إلا أن تكون الدراجة نفسها التي أهديتها أنا نفسي إلى ديلغادينا.
اتفق من شهدوا الحادث على أن صاحبة الدراجة الجريحة، شابة فتية، طويلة القامة ونحيلة، لها شعر قصير وأجعد، وبارتباك ركبت أول سيارة أجرة مرت من هناك وطلبت أخذي إلى مستشفى الإحسان، وهو بناء قديم، لجدرانه لون أمغر قاتم، يبدو كأنه سجن جانح على شط رملي. احتجت إلى نصف ساعة من أجل الدخول، ونصف ساعة أخرى للخروج من فناء يعبق برائحة أشجار مثمرة، حيث اعترضت امرأة مدعية طريقي، نظرت إلى عيني وهتفت:
- أنا هي من تبحث عنها.
عندئذ فقط تذكرت أن ذلك المكان يعيش فيه، طليقين، نزلاء مشفى المجانين الوديعون. كان لا بد لي من التعريف بنفسي كصحفي، أمام إدارة المستشفى، كي يقودني ممرض إلى قسم الإسعاف. وجدت المعلومات عن الفتاة في سجل الدخول: روسالبا ريوس، ستة عشر عاما، بلا مهنة معروفة. والتشخيص: ارتجاج في الدماغ. التوقعات: تحفظ. سألت رئيس القسم إذا كان بإمكاني رؤيتها، وأنا آمل في أعماقي أن يقال لي لا. لكنهم أخذوني إليها بسعادة، على أمل أن أكتب شيئا عن حالة الإهمال المزرية في المستشفى.
اجتزنا قاعة تعبق برائحة حمض فينيك نفاذة، والمرضى فيها مكومون على الأسرة. وفي العمق في حجرة منفردة كانت من نبحث عنها ممددة على عربة نقالة. كان رأسها ملفوفا بالضمادات، ووجهها الذي لا يمكن تفسيره مشوها ونغطى بكدمات زرقاء داكنة، ولكن رؤية قدميها كانت كافية لأعرف أنها ليست هي. وعندئذ فقط، خطر لي أن أسأل نفسي: ما الذي كنت سأفعله لو أنها هي؟
وبينما أنا لا أزال متورطا في شبكة عنكبوت الليلة السابقة وجدت الشجاعة للذهاب، في اليوم التالي، إلى مصنع القمصان حيث أخبرتني روسا كاباركاس، ذات مرة أن الطفلة تعمل فيه، وطلبت من صاحبة المصنع أن يرينا منشآته، لتكون نموذجا لمشروع قاري ستقيمه الأمم المتحدة. كان لبنانيا سميك الجلد، وقليل الكلام، فتح لنا أبواب مملكته، على أمل أن تصبح نموذجا عالميا.
ثلاثمائة فتاة يرتدين بلوزات بيضاء، ورماد الأربعاء على جباههن، يخطن أزرارا في القاعة الفسيحة المنيرة، عندما رأيننا ندخل انتصبن واقفات كتلميذات، ونظرن إلينا بطرف عيونهن، والمدير يشرح لنا ويوضح مساهماته في فن تثبيت الأزرار العريق. كنت أتفحص وجه كل واحدة منهن، خائفا أن أكتشف وجود ديلغادينا مرتدية ثيابها ومستيقظة. غير أن واحدة منهن هي التي اكتشفتني، بنظرتها الخائفة من الإدارة التي لا ترحم:
- قل لي يا سيدي، ألست أنت من يكتب رسائل الحب في الجريدة؟
لم أتخيل قط أنه يمكن لطفلة نائمة أن تحدث مثل هذا الخراب. هربت من المصنع دون أن أودع، وحتى دون أن أفكر في أن من أبحث عنها هي واحدة من عذراوات المطهر أولئك، عندما خرجت من هناك، كان الشعور الوحيد الذي تبقى لي في الحياة، هو الرغبة في البكاء.
اتصلت بي روسا كاباكاس بعد شهر، بتفسير لا يصدق:
لقد ذهبت في استراحة مستحقة، إلى كارتاخينا دي إندياس، بعد مقتل المصرفي. لم أصدقها بالطبع، ولكنني هنأتها على حسن حظها وتركتها تتمادى في كذبتها قبل أن أوجه السؤال الذي يفور في قلبي:
- وهي؟
استغرقت روسا كارباكاس في صمت طويل، ثم قالت أخيرا: إنها موجودة، ولكن صوتها صار متهربا وهي تقول: لا بد من الانتظار لبعض الوقت. كم؟ ليست لدي أي فكرة، سوف أخبرك لاحقا. أحسست أنها ستفلت مني، فأوقفتها بجفاء: انتظري أعطيني نورا ما؟ فقالت: لا وجود لأي نور، وانتهت إلى القول: كن حذرا، يمكن لك أن تلحق الضرر بنفسك، وأن تسبب لها ضررا أكبر. لم أكن مستعدا لمثل هذا النوع من التمنع. توسلت إليها ولو مجرد فرصة لتقريبي من الحقيقة، وقلت لها إننا في نهاية المطاف شركاء في التواطؤ. ولكنها لم تقم بأي خطوة إضافية. بل قالت: اهدأ، الطفلة بخير، وتنتظر أن أستدعيها، ولكن ليس هناك ما يمكن عمله الآن، ولن أقول المزيد. وداعا.
ظللت ممسكا الهاتف بيدين دون أن أدري من أين سأواصل، فقد كنت أعرفها جيدا، وبما يكفي لأن أفكر في أنني لن أستطيع الحصول على أي شيء منها إلا بالحسنى. بعد الظهر قمت بجولة اضطرارية باتجاه بيتها، واضعا ثقتي في المصادفة أكثر من العقل، ووجدت الباب لا يزال مقفلا وعليه ختم مصلحة الصحة. فكرت في أن روسا كاباركاس قد اتصلت بي من مكان آخر، وربما من مدينة أخرى. ومجرد الفكرة ملأتني بنذر عكرة. ومع ذلك، في الساعة السادسة مساء، وحين لم أكن أنتظر ذلك، وجهت إلي عبر الهاتف، كلمة السر نفسها التي كنت قد قلتها لها من قبل:
- حسن، الآن أجل.
في الساعة العاشرة، وكنت أرتجف وأعض شفتي كيلا أبكي، ذهبت محملا بعلب شوكلاتة سويسرية، وحلوى لوز وسكاكر، وسلة أزهار متوقدة لأغطي بها السرير. كان الباب مواربا، والأنوار مضاءة، وكانت تنساب من المذياع بصوت متوسط الارتفاع، سوناتا الكمان والبيانو الأولى لبراهمز. وكانت ديلغادينا في السرير مشعة ومختلفة إلى حد تكلفت جهدا في التعرف إليها.
كانت قد كبرت، ولكن ذلك لم يبد في طول قامتها، وإنما في نضوجها المندفع الذي جعلها تبدو أكبر بسنتين أو ثلاث سنوات، وكانت أكثر عريا من أي وقت آخر. وجنتاها المرتفعتان، والبشرة المحمصة بشموس بحر مائج، والشفتان الدقيقتان والشعر القصير والمجعد، كلها كانت تضفي على وجهها بريق (أبو لو) براكستليس خنثى. ولكن لم يكن ثمة مجال للخطأ، لأن نهديها قد كبرا، حتى أن كفي لم تعد تتسع لهما، واكتمل تشكل ردفيها وتناسقهما للتو. فتنتني دقة الطبيعة الصائبة تلك، ولكن حيل الزينة بلبلتني: الأهداب الاصطناعية، أظفار اليدين والقدمين المطلية بلون صدفين والعطر الرخيص الذي ليست له أي علاقة بالحب. ومع ذلك فإن ما أثار حفيظتي هي الثروة التي تتزين بها: قرط ذهبي مرصع بالزمرد، وعقد من اللؤلؤ الطبيعي، وسوار ذهبي يتخلله بريق ألماس، وخواتم بأحجار ثمينة في كل أصابعها. على الكرسي كان فستانها كبنت ليل موشى بالخرز والتطريز، وكان هناك أيضا حذاؤها المخملي، صعد رعب غريب من أعماقي وصرخت:
- عاهرة.
فقد همس الشيطان في اذني بفكرة مشؤومة. وكانت كما يلي: لا بد أن روسا كاباركاس لم تجد، في ليلة الجريمة الوقت ولا صفاء الذهن اللازمين لتنبه الطفلة، فوجدتها الشرطة في الغرفة وحدها، قاصر وفي مسرح الجريمة. ليس هناك من هي مثل روسا كاباركاس في استغلال مثل ذلك الوضع: باعت بكارة الطفلة إلى أحد زبائنها المتنفذين الكبار، مقابل أن يخرجوها نظيفة من الجريمة. وكان أول ما فعلته طبعا هو الاختفاء ريثما تهدأ الفضيحة. يا للروعة! شهر عسل لثلاثة. هما الاثنان في الفراش، وروسا كاباركاس على شرفة فاخرة، تستمتع بنجاتها السعيدة من العقاب. أعماني غضب أهوج، ورحت أهشم على الجدران كل شيء في الغرفة: المصابيح، المذياع، المروحة، المرايا، المزهريات، الكؤوس. فعلت ذلك دون تسرع، ولكن دون توقف أيضا، وبضجة كبيرة، وبنشوة منهجية أنقذت حياتي. طفرت الطفلة في مكانها لدى الفرقعة الأولى، ولكنها لم تنظر إلي، وإنما تكورت مديرة ظهرها لي، وظلت على تلك الحال، مع تشنجات عضلية لا إرادية، إلى أن انتهت الضجة وزادت دجاجات الفناء وكلاب الفجر من الجلبة. وبوضوح الغضب المبهر جاءني الإلهام الأخير بإضرام النار في البيت، في الوقت الذي ظهرت فيه روسا كارباكاس هادئة عند الباب بقميص النوم. لم تقل شيئا. جردت بنظرها أضرار الكارثة، وتأكدت من أن الطفلة التي تتقوقع على نفسها مثل حلزون ورأسها مخبأ بين ذراعيها، مروعة ولكنها سليمة.
- رباه، هتفت روسا كاباركاس، ما الذي لم أكن مستعدة لتقديمه مقابل حب كهذا؟
تأملت كامل قامتي بنظرة مشفقة، وقالت لي آمرة: هيا بنا. تبعتها إلى بيتها. قدمت لي كأس ماء بصمت، وأومأت لي أن أجلس قبالتها، وطالبتني بالاعتراف. قالت لي: حسن، تصرف الآن كراشد، وأخبرني: ما الذي أصابك؟
أخبرتها بما أرى أنه حقيقة بينة. استمعت إلي روسا كاباركاس بصمت، دون استغراب، وأخيرا بدت مشرقة. قالت لي: يا للروعة، لقد كنت أقول على الدوام، إن الغيرة تعرف أكثر مما تعرفه الحقيقة. وأخبرتني عندئذ بالحقيقة دون تحفظ. قالت إنها في ذهول ليلة الجريمة نسيت الطفلة بالفعل نائمة في إحدى الغرف. وقد قام أحد زبائنها وهو محامي القتيل في الوقت نفسه، بتوزيع الهبات والرشى بسخاء، ودعا روسا إلى فندق استجمام في كارتاخينا دي إندياس، ريثما تتلاشى ضجة الجريمة. وقالت روسا: لم أتوقف طوال هذا الوقت لحظة واحدة عن التفكير بك وبالطفلة. وقد رجعت أول أمس، وكان أول ما فعلته هو الاتصال بك هاتفيا. ولكن أحدا لم يرد، أما الطفلة فجاءت فورا وكانت في حالة مزرية جدا حتى إنني حممتها لك وألبستها وأرسلتها إلى صالون التجميل، طالبة أن يجملوها كملكة، وقد رأيت كيف هي: على أكمل حال. الملابس الفاخرة؟ إنها من الفساتين التي أؤجرها إلى فتياتي الفقيرات، عندما يكون عليهن الذهاب إلى حفلات راقصة مع الزبائن. المجوهرات؟ إنها مجوهراتي، ويكفي أن تلمسها لتتبين أنها الماس من الزجاج، وحلي من الصفيح. وانتهت إلى القول: وهكذا كفاك إزعاجا، هيا اذهب لإيقاظها والاعتذار منها، وتول مسؤوليتها نهائيا. ليس هناك من هو أحق منكما بالسعادة.
بذلت جهدا خارقا لأصدقها، ولكن الحب كان أقوى من العقل. عاهرات! قلت لها معذبا بالنار المتأججة التي تحرقني من الداخل. وصرخت: هذه هي حقيقتكن: عاهرات براز! لا أريد أن أعرف أي شيء عنك أو عن أي عاهرة أخرى في العالم، وخاصة هي. أومأت إليها من الباب بإشارة وداع إلى الأبد، ولم يخامر روسا كاباركاس الشك في جديتي.
- ليكن الرب معك –قالت لي بتكشيرة حزن، ثم عادت إلى حياتها الواقعية لتقول:- على كل حال، سأرسل إليك فاتورة بالأضرار التي أحدثتها في الغرفة.


الفصل الخامس


بينما أنا أقرأ (إيدوس مارس) وجدت جملة مشؤومة ينسبها المؤلف إلى يوليوس قيصر: ( من المستحيل ألا ينتهي المرء إلى أن يكون مثلما يظنه الآخرون). لم أستطع التأكد من الأصل الحقيقي للجملة في كتابات يوليوس قيصر، ولا في أعمال كتاب سيرته، ابتداء من سيتونيو حتى كاركوبينو، ولكن معرفتها تستحق العناء، فانطباق قدريتها على مسار حياتي في الشهور الأخيرة التالية هو ما منحني التصميم الذي أحتاج إليه، ليس من أجل كتابة هذه الذاكرة فقط، وإنما لأبدأها حياء بحبي لديلغادينا.
لم أكن أجد لحظة من الراحة، وكنت لا أكاد آكل شيئا، وفقدت كثيرا من وزني حتى أن بناطيلي لم تعد تثبت على خصري. الآلام المتنقلة استقرت في عظامي، وكان مزاجي يتبدل دون سبب. أقضي الليالي في حالة انبهار، لا تسمح لي بالقراءة، ولا سماع الموسيقى، واقضي النهار بالمقابل، ورأسي يتثاقل في إغفاءات بلهاء، لا تنفع للنوم.
نزلت علي الراحة من السماء، ففي جندول لوما فريسكا المزدحم همست في أذني جارة في المقعد، لم أنتبه إليها حين صعدت: هل ما زلت تضاجع؟ كانت كاسيلدا أرمينتا. إنها حب قديم من غراميات ثلاثة بخمسة، تحملتني كزبون مواظب منذ كانت صبية متكبرة. وبعد تقاعدها، وهي نصف مريضة وليس لديها فلس واحد، تزوجت من بستاني صيني منحها اسما ودعما، وربما القليل من الحب. كان لا يزال لها اللون نفسه، وهي في الثالثة والسبعين من عمرها، ولا تزال جميلة وقوية الشخصية وتحتفظ بتدفق المهنة وطلاقة اللسان.
أخذتني إلى بيتها في بستان صنيين على رابية في الطريق على البحر. جلسنا على كراسي الشاطئ، على شرفة ظليلة، ما بين سراخس وشجيرات أسترومليا وارفة، وأقفاص طيور معلقة بأفاريز السقف. وعلى سفح الرابية، كان البستانيون الصينيون يظهرون بقبعاتهم المخروطية، وهم يزرعون الخضروات تحت الشمس المحرقة، ويظهر لنا كذلك البحر الرمادي عند بوكاس دي ثينيثا، مع سدين من الصخور يحددان ضفتي النهر، لعدة فراسخ داخل البحر.
وبينما نحن نتبادل الحديث رأينا عابرة محيطات بيضاء تدخل مصب النهر، وتتبعناها صامتين على أن سمعنا خوار الثور الكئيب الذي أطلقته في المرفأ النهري. فتنهدت هي: أتتذكر؟ منذ أكثر من نصف قرن، هذه هي المرة الأولى التي لا أستقبلك فيها في الفراش. فقلت: لقد صرنا آخرين. وواصلت هي دون أن تسمعني: كلما قالوا شيئا عنك في المذياع، يمتدحونك للمحبة التي يكنها الناس لك، ويسمونك معلم الحب، تصور، أفكر في انه ليس هناك من عرف ظرافاتك ونزواتك مثلما عرفتها أنا. وقالت: بجد، ما كان يمكن لأحد أن يتحملك خيرا مني.
لم أستطع المقاومة أكثر. وانتبهت هي إلى ذلك، رأت عيني المضمختين بالدموع، ولا بد أنها اكتشفت عندئذ فقط أنني لست الشخص الذي كنته. حدقت فيها بجرأة لم أتصور قط أنني قادر عليها، وقلت لها: المسألة هي أنني آخذ بالهرم. فتنهدت هي: بل إننا هرمنا. والمسألة هي أن أحدنا لا يشعر بذلك في داخله، فيما الجميع يرونه من الخارج.
كان مستحيلا ألا افتح لها قلبي، وهكذا أخبرتها بقصة ما يحرقني من الداخل كاملة، منذ مكالمتي الأولى مع روسا كاباركاس، عشية بلوغي التسعين، وحتى الليلة التراجيدية التي حطمت فيها الغرفة، ولم أرجع بعدها. استمعت إلي وأنا أفرج عن نفسي، كما لو أنها تعيش ما أرويه، ثم قلبته وفكرت فيه بتمهل شديد، وأخيرا ابتسمت، وقالت لي:
- افعل ما تشاء، ولكن لا تضيع هذه المخلوقة. فليس هناك نكبة أسوأ من موت المرء وحيدا.
ذهبنا إلى بويرتو كولومبيا، في القطار الصغير الشبيه بلعبة أطفال، والبطيء مثل حصان. تناولنا الغداء قبالة المرسى الخشبي المنخور الذي دخل منه الجميع إلى البلاد، قبل أن يتم تجريف مصب بوكاس دي ثينيثا. جلسنا تحت مظلة من سعف النخيل، حيث تقدم النساء الزنجيات السمينات، سمكا مقليا مع رز جوز الهند، وشرحات الموز الأخضر. غفونا في قيظ الساعة الثانية الشديد، وواصلنا الحديث إلى أن غطست الشمس الملتهبة الضخمة في البحر. بدا لي الواقع وهميا. انظر إلى أين تحقق شهر عسلنا، قالت هي ساخرة، ولكنها تابعت بجد: إنني أنظر اليوم إلى الوراء، وأرى صفوف آلاف الرجال الذين مروا على فراشي، وأقدم روحي لأنني بقيت ولو مع الأسوأ منهم، الحمد لله أنني عثرت على صيني في الوقت المناسب. إنني كمن هي متزوجة من عقلة الإصبع، ولكنه لي وحدي.
نظرت إلى عيني لتقدر رد فعلي على ما حدثتني به للتو، وقالت لي: اذهب الآن فورا، للبحث عن هذه المخلوقة البائسة، حتى وإن كان صحيحا ما تقوله لك الغيرة، ولتكن ما تكون، فما حدث لا يمكن لأحد أن يبدله. ولكن دون رومانسيات جد عجوز، أيقظها، ضاجعها حتى من أذنيها بعضو الحمار هذا الذي كافأك به الشيطان، بسبب نذالتك وخستك. وانتهت إلى القول من أعماق روحها: بجد، إياك أن تموت قبل أن تجرب روعة المضاجعة عن حب.
كانت يدي ترتجف، في اليوم التالي، عندما أدرت رقم الهاتف، سواء بسواء توتري من العودة للقاء مع ديلغادينا، أو من تشككي من الطريقة التي سترد بها علي روسا كاباركاس، كنا قد اختلفنا في نزاع جدي، بسبب تعسفها في تقويم الأضرار التي أحدثت في غرفتها. وكان علي أن أبيع لوحة محببة من لوحات أمي، تقدر قيمتها بثروة كبيرة، ولكنني في ساعة الحقيقة لم أحصل ولو على عشر أوهامي. فزدت المبلغ بما تبقى من مدخراتي، وحملته إليها بعبارة لا تقبل الاستئناف: إما أن تأخذي المبلغ أو تتخلي عنه. كان تصرفا انتحاريا، لأنه يمكن لها ببيع سر واحد من أسراري أن تقوض اسمي وسمعتي. ولكنها لم تتأثر بل احتفظت باللوحات التي كانت قد أخذتها كرهن، في ليلة النزاع كنت الخاسر المطلق في لعبة واحدة: فقد وجدت نفسي من دون ديلغادينا ومن دون روسا، ومن دون آخر مدخراتي، ومع ذلك سمعت رنين الهاتف مرة مرتين ثلاثا، وأخيرا جاء صوتها: نعم؟ لم يخرج صوتي. وأعدت سماعة الهاتف. استلقيت في أرجوحة النوم محاولة استعادة هدوئي بشعر زهدي غنائي لساتيه، وتعرقت إلى حد تبلل معه قماش الأرجوحة. ولم أجد الشجاعة للاتصال حتى اليوم التالي.
- حسن يا امرأة – قلت بصوت حاسم- اليوم أجل.
وكانت روسا كاباركاس، وكيف لا، قد تجاوزت كل شيء، تنهدت بحماسها الذي لا يهزم: آي يا عالمي الحزين، تختفي شهرين وتأتي لتطلب أوهاما وحسب. أخبرتني أنها لم تر ديلغادينا منذ أكثر من شهر، وبدا لها أنها قد استعادت توازنها من الرعب الذي سببه لها تحطيمي للغرفة، حتى إنها لم تتحدث عن تلك الأضرار، ولم تسأل عني. وكانت سعيدة جدا بعمل جديد أكثر راحة وأفضل أجرا من خياطة الأزرار. أحرقت موجة نار متقدة أعماقي. وقلت: لا يمكن لهذا العمل إلا أن يكون الدعارة. فردت علي روسا كاباركاس دون أن يرف لها جفن: لا تكن فظا، لو أنها عملت عاهرة لكانت هنا. فأين يمكن لها أن تكون أفضل؟ سرعة جوابها المنطقي زادت من شكوكي: وكيف أعرف أنها ليست عندك؟ فأجابت هي: في هذه الحالة، من الأفضل لك ألا تعرف شيئا، أليس كذلك؟ كرهتها مرة أخرى. وتعهدت هي، متجاوزة الضغائن، بتتبع أثر الطفلة. ولكن دون أمل كبير، لأن هاتف الجارة، حيث كانت تتصل بها، لا يزال مقطوعا وليس لديها أدنى فكرة عن مكان إقامتها. وقالت: ولكن هذا لا يعني أن تستسلم للموت، يا للعنة، سأتصل بك خلال ساعة.
كانت ساعة من ثلاثة أيام، ولكنها عثرت على الطفلة مستعدة وسليمة. رجعت خجلا، وقبلتها شبرا شبرا، كتكفير، منذ الثانية عشرة ليلا حتى صياح الديكة. اعتذار طويل عاهدت نفسي على مواصلة تكراره إلى الأبد، وكان ذلك كالعودة في كل مرة للبدء من الصفر. كانت الغرفة خربة، وكان سوء التصرف قد أجهز على كل ما وضعته فيها. لقد تركت روسا الغرفة على هذه الحال، وقالت لي إن أي تحسين يجب أن أقوم به بنفسي، مقابل ما أنا مدين لها به. ومع ذلك فإن وضعي المادي كان يلامس القاع. فنقود التقاعد لا تكفي إلا لأشياء أقل في كل مرة.و الأشياء القليلة القابلة للبيع مما تبقى في البيت –باستثناء مجوهرات أمي المقدسة- تخلو من أي قيمة تجارية، وليس هناك ما هو قديم جدا ليباع على أنه أثري. ففي أزمنة أفضل من هذه قدم لي المحافظ عرضا مغريا، لشراء كامل ما لدي من مؤلفات الكتاب الكلاسيكيين الإغريقيين واللاتينيين والأسبان، من أجل مكتبة المقاطعة، ولكن قلبي لم يطاوعني على بيعها. وفيما بعد مع التبدلات السياسية وتردي العالم، لم يعد هناك في الحكومة من يفكر في الفنون أو الآداب. ومتعبا من البحث عن حل مشرف، وضعت في جيبي المجوهرات التي كانت ديلغادينا قد أعادتها إلي وذهبت لرهنها في شارع شؤم يؤدي إلى السوق العام. ذرعت عدة مرات، بهيئة عالم ساه، زقاق الأوكار ذاك المزحوم بحانات سيئة السمعة، ومحلات بيع كتب قديمة، بيوت رهونات، لكن كرامة فلورينا دي ديوس، سدت الطريق أمامي: لم أمتلك الجرأة، عندئذ قررت أن أبيعها برأس مرفوع، في أقدم محل مجوهرات وأرسخها مكانة.
وجه إلي الموظف بعض الأسئلة وهو يفحص المجوهرات بنظارة المونوكل. كان له سلوك وأسلوب ورهبة الطبيب. أوضحت له أنها مجوهرات موروثة عن أمي. وكن يوافق على كل توضيح مني بهمهمة. وأخيرا نزع المونوكل عن عينه وقال:
- آسف ولكنه مجرد زجاج من قوارير.
وحيال مفاجأتي أوضح لي بعذوبة مشفقة: لحسن الحظ أن الذهب ذهب والبلاتين بلاتين. لمست جيبي لأتأكد من وجود إيصالات الشراء معي وقلت دون إساءة:
- لقد اشتريت المجوهرات من هذا المتجر السامي نفسه، قبل أكثر من مئة سنة.
لم يسبب له ذلك أي ارتباك. وقال: يحدث عادة في المجوهرات الموروثة أن تأخذ أثمن الأحجار بالاختفاء مع مرور الزمن؛ وتستبدل على يد ضالين من الأسرة أو على يد صائغين لصوص. ولا تكتشف الخدعة إلا عندما يحاول أحد بيعها. ولكن اسمح لي بثانية واحدة، قال ذلك، وحمل المجوهرات عبر الباب الذي في العمق. ورجع بعد دقائق، ودون أن يقدم أي توضيح، أومأ لي بان أجلس على كرسي الانتظار، وواصل عمله. تفحصت لمتجر. كنت قد جئت إليه مع أمي عدة مرت، وأتذكر كلمة كانت تتكرر: (لا تخبر أباك). وفجأة خطرت لي فكرة جعلت بدني يقشعر : ألا تكون روسا كاباركاس وديلغادينا، في اتفاق مشترك، قد باعتا الأحجار الثمينة الأصلية، وأعادتا لي المجوهرات بأحجار مزيفة؟
كنت تأجج في الشكوك، عندما دعتني سكرتيرة لمرافقتها عبر الباب نفسه الذي في العمق، إلى مكتب صغير، فيه خزانة طويلة تضم مجلدات ضخمة. نهض بدوي بدين من وراء المنضدة التي في صدر الغرفة، وصافحني قائلا على سبيل التحية دون كلفة، وبتدفق أصدقاء قدماء: لقد درسنا الثانوية معا. كان من السهل علي تذكره، فقد كان أفضل لاعب كرة قدم في المدرسة، وبطل مواخيرنا الأولى. كنت قد توقفت عن اللقاء به في لحظة غير مؤكدة، ولا بد أنه رآني هرما جدا فخلط بيني وبين أحد زملاء الطفولة.
كان هناك على زجاج منضدته مجلد مفتوح، من مجلدات أرشيف المحل، حيث سجل مجوهرات أمي، سرد دقيق، بالتواريخ والتفاصيل، يبين أنها هي نفسها من طلبت استبدال أحجار جيلين من نساء آل كارغامينتوس الجميلات والوقورات و باعت الأحجار الأصلية إلى المتجر نفسه. حدث هذا عندما كان أبو المالك الحالي يدير متجر المجوهرات، وكنا أنا وهو تلميذين في المدرسة، ولكنه طمأنني، فمثل تلك الحيل كانت شائعة بين العائلات الكبيرة المنكوبة، من أجل حل حاجة مستعجلة للمال، دون التضحية بشرفها. وحيال الحقيقة الفجة، فضلت الاحتفاظ بالمجوهرات كذكرى من فلورينا دي ديوس أخرى لم أعرفها قط.
في أوائل شهر تموز، أحسست بالبعد الحقيقي للموت، فقد قلبي وزنه، وبدأت أرى نذر النهاية المؤكدة، وأشعر بها في كل مكان. وكان أكثر تلك النذر وضوحا، الحفلة الموسيقية في قاعة الفنون الجميلة. فقد تعطلت أجهزة التكييف، وكان صفوة رجال الفنون والآداب يُطهون بعرقهم في القاعة المكتظة، ولكن سحر الموسيقى كان جوا سماويا. وفي النهاية، عند عزف Allegretto poco mosso ، هزني الكشف المبهر بأنني أستمع إلى آخر كونشيرتو يتيحه لي القدر قبل أن أموت، لم أشعر بألم ولا بخوف، وإنما بتأثر جارف، بأنني تمكنت من المواصلة إلى أن انتهيت من سماع الكونشيرتو.
وعندما تمكنت في النهاية من شق طريقي وأنا مبلل بالعرق وسط المعانقات والصور، وجدت نفسي وجها لوجه مع خيمينا أورتيث، مثل ربة عمرها مئة سنة، على كرسي متحرك، مجرد حضورها فرض نفسه علي مثل خطيئة مميتة. كانت ترتدي عباءة حريرية، وتضع عقد لؤلؤ أصلي من ثلاث لفات، وكان شعرها الذي بلون الصدف مقصوصا على موضة سنوات العشرينات، مع طرف منه على خدها، كجناح نورس، وعيناها الواسعتان الصفراوان تزدادان تألقا بالظل الطبيعي الذي يحيط بهما. كل شيء فيها يناقض ما يشاع عن أن عقلها قد مسح وصار بياضا، بفعل تآكل الذاكرة الذي لا مفر منه. وجدت نفسي متجمد وبلا مهرب في مواجهتها، فتغلبت على هبة النار التي صعدت إلى وجهي وحييتها بصمت، بانحناءة فرسائية. فابتسمت مثل ملكة، وأمسكت يدي، وانتبهت عندئذ أنها هي أيضا مستهدفة من القدر، ولم أضيع الفرصة كي انتزع شوكة تؤرقني منذ الأزل، فقلت لها: لقد حلمت سنوات طويلة بهذه اللحظة. بدا عليها أنها لم تفهمني، وقالت: صحيح! ومن تكون أنت؟ لم أدر قط، إذا كانت قد نسيتني حقا أم أنه انتقام حياتها الأخير.
أما اليقين بأنني خالد بالمقابل، ففاجأني قبل قليل من بلوغي الخمسين، في مناسبة كتلك، في ليلة كرنفال، رقصت فيه تانغو أباتشي مع امرأة عجيبة، لم أر وجهها قط، أضخم جسدا مني بما يقارب الأربعين ليبرة، وأطول قامة بشبرين تقريبا، وتتيح أن تحمل مع ذلك مثل ريشة في مهب الريح. كنا نرقص متلاصقين جدا، حتى إنني أحسست بدوران دمها في عروقها، ووجدت نفسي كالمنوم تلذذا بأنفاسها اللاهثة، ورائحة أمونياك عرقها وثدييها اللذين كثديي منجمة عندما هزني لأول مرة جؤار الموت، وكاد يطرحني أرضا. كان ذلك على شكل نبوءة فظة في الأذن: افعل ما تشاء، ففي هذه السنة أو بعد مئة سنة ستكون ميتا إلى أبد الآبدين. ابتعدت المرأة عني مذعورة: ماذا أصاباك؟ لا شيء، قلت لها ذلك وأنا أحاول تثبيت قلبي، وأضفت:
- إنني أرتعش هياما بك.
منذ ذلك الحين، بدأت أقيس الحياة بالعقود وليس بالسنين، فخمسينياتي كانت حاسمة، لأنني وعيت فيها أن الجميع تقريبا، أصغر مني سنا، وسنوات ستينات حياتي كانت الأكثر زخما بسبب شكوكي بأنه لم يبق لي متسع من الوقت للخطأ. وكانت سنوات السبعينات مرهوبة بسبب خوفي من أن تكون الأخيرة. ومع ذلك عندما استيقظت حيا في صباح اليوم الأول من سنوات تسعيناتي في سرير ديلغادينا السعيد، اخترقتني الفكرة السارة بأن الحياة ليست شيئا يمضي مثل نهر هيراقليط. وإنما فرصة وحيدة لقلبنا على الشواية ومواصلة شوائنا جانبنا الآخر لتسعين سنة أخرى.
صرت سهل الدمع، فأي إحساس له علاقة بالحنان، يسبب لي عقدة في حلقي لا أتمكن دوما من التحكم ببها، وفكرت في التخلي عن متعة السهر على نوم ديلغادينا، ليس ذلك لعدم يقينية موتي، بقدر ما هو ألم من تصورها من دوني في بقية حياتها. وفي أحد أيام الالتباس تلك رحت أجوب ساهيا شارع (الكتبة بالعدل) بالغ النبل، وفوجئت بأنه لم يعد يوجد هناك إلا أنقاض فندق الغراميات القديم، حيث أدخلت ُ عنوة ً إلى عالم فنون الحب، قبل قليل من بلوغي الثانية عشرة من عمري. لقد كان منزلا لأصحاب شركة ملاحة، لا يضاهيه في الروعة إلا قلة من البيوت في المدينة، بأعمدة مغطاة بصفائح المرمر. وأفاريز ملمعة بماء الذهب، يقوم حول فناء داخلي ذي قبة زجاجية من سبعة ألوان، تشع ببريق دفيئ. في الطابق السفلي ذي البوابة القوطية المطلة على الشارع كانت هناك لأكثر من قرن مكاتبة توثيق العقود الاستعمارية، حيث عمل والدي وازدهر وأفلس على امتداد حياة كاملة من الأحلام الخيالية. راحت العائلات التاريخية تهجر، شيئا فشيئا، الطوابق العليا التي انتهت إلى أن يشغلها جيش من بنات الليل المنكوبات اللواتي يصعدن وينزلن حتى الفجر، مع زبائن يصطدنهم، ببيزو ونصف، من حانات المرفأ النهري القريب.
في الثانية عشرة من عمري وكنت لم أزال أرتدي بنطالي القصير وجزمة المدرسة الابتدائية، لم أستطع مقاومة إغواء التعرف على الطوابق العليا، فيما والدي يجادل في واحد من اجتماعاته التي لا تنتهي، فوجدت نفسي في مشهد سماوي، النساء اللواتي يهدرن أجسادهن حتى الفجر يتنقلن في البيت منذ الحادية عشرة صباحا، عندما يشتد حر قبة الزجاج الملون بصورة لا تطاق، ويكون عليهن ممارسة حياتهن المنزلية بالتنقل عاريات في كل أنحاء البيت، وهن يتبادلن الحديث بأصوات صارخة عن مغامراتهن الليلية. وقفت مرعوبا. والشيء الوحيد الذي خطر لي هو الهروب من حيث دخلت، ولكن احتضنتني من الخلف إحدى العاريات. كانت متينة اللحم، تعبق برائحة صابون ريفي. وحملتني إلى حجرتها كرتونية الجدران، دون أن أتمكن من رؤيتها وسط صراخ وتصفيق النزيلات العرايا. ألقت بي على ظهري فوق سريرها الذي يتسع لأربعة أشخاص، ونزعت بنطالي بحركة بارعة، وامتطتني، لكن الهلع الجليدي الذي كان يبلل جسدي حال دون أن أتلقاها كرجل. في تلك الليلة وأنا مؤرق في فراشي في بيتنا، من خجل ذلك الانقضاض. لم أستطع النوم أكثر من ساعة، وأنا متلهف للعودة لرؤيتها. ولكنني في صبح اليوم التالي، فيما أهل السهر لا يزالون نائمين، صعدت مرتجفا إلى حجرتها، وأيقظتها وأنا أبكي بصوت عال، في حب مجنون استمر على أن عاثت به دون شفقة رياح الحياة الواقعية. كان اسمها كاستورينا، وكانت ملكة المحل.
كانت غرفة الفندق تؤجر ببيزو واحد للغراميات العابرة، ولكن قلة هم الذين يعرفون أن قضاء أربع وعشرين ساعة، يكلف السعر نفسه. أضف على ذلك أن كاستورينا أدخلتني في عالمها التعس، حيث اعتادت النزيلات دعوة الزبائن الفقراء إلى فطور احتفالي، وإعارتهم الصابون، ومعالجة آلام أسنانهم، وفي بعض الحالات المستعجلة، يقدمن لهم الحب إحسانا.
ولكن في أمسيات شيخوختي الأخيرة لم يعد هناك من يتذكر كاستورينا الخالدة، الميتة منذ وقت لا يعرفه أحد، والتي ارتقت من نواصي المرفأ النهري البائسة لتصل إلى العرش المقدس للقوادة الأم الكبرى، بعصبة قرصان على عينه المفقودة في نزاع حانة. وكان حاميها الأخير المناوب زنجيا سعيدا من كاماغوي، يسمونه يونس المجذف، وقد كان عازف ترومبون من الكبار في هافانا، إلى أن فقد الابتسامة الكاملة في كارثة قطارات.
لدى خروجي من تلك الزيارة المرة، أحسست بوخزة في القلب لم أستطع التخفيف منها، طوال ثلاثة أيام، بكل أنواع مشروبات النباتات البيتية المغلية. الطبيب الذي لجأت إليه على عجل، وهو فرد من سلالة أطباء مشهورين، كان حفيدا للذي فحصني وأنا في الثانية والأربعين، وقد أفزعني شبهه به، فقد كان هرما جدا مثل جده السبعيني، بفعل صلعة مبكرة، ونظارة قصر نظر لا عودة عنه، وكآبة لا عزاء لها. أجرى لي فحص دقيقا لجسدي بكامله، بتركيز ِ صائغ ٍ، تنصت إلى صدري وظهري، وفحص ضغطي الشرياني، وحركة ركبتي الانعكاسية، وعمق عيني، ولون الجفن السفلي. وخلال الوقفات وأنا أبدل وضعي على منضدة الفحص، كان يوجه إلي أسئلة شديدة الإبهام، وبسرعة يكاد لا يتيح لي معها المجال للإجابة. وبعد ساعة من الفحوص نظر إلي بابتسامة سعيدة وقال: حسن، أظن أنه ليس لدي ما أفعله لك. ما الذي تعنيه حضرتك؟ أعني أن وضعك في أحسن حال في سنك هذه. فقلت له: يا للغرابة، لقد قال لي جدك الشيء نفسه، حين كنت في الثانية والأربعين من عمري، يبدو كما لو أن الزمن لا ينقضي. فقال: سوف تجد دوما من يقول لك الشيء نفسه، لأنه ستكون لك سن ما في كل مرة. فحاولت أنا استفزازه لإصدار حكم مرعب بالقول له: السن الوحيدة الحاسمة هي الموت. فقال هو: أجل، ولكن ليس من السهل الوصول إليه في حال جيدة مثل حالتك. يؤسفني حقا أنني لا أستطيع خدمتك.
لقد كانت ذكريات نبيلة. ولكنني في عشية التاسع والعشرين من آب، أحسست بالثقل الهائل للقرن الذي ينتظرني، وأنا أصعد بخطوات حديدية أدراج بيتي. وعندئذ عدت لأرى مرة أخرى فلورينا دي ديوس، أمي، في سريري الذي كان سريرها حتى موتها. ومشوشا بالتأثر، فهمت تلك الذكرى على أنها الإنذار الأخير، فاتصلت بروسا كاباركاس كي تستدعي لي الطفلة، في تلك الليلة بالذات، خوفا من ألا يتحقق موتي بالبقاء على قيد الحياة حتى النفس الأخير من سنواتي التسعين. وعدت للاتصال بها في الساعة الثامنة، فكررت لي مرة أخرى، أن ذلك غير ممكن. فصرخت بها مرعوبا: يجب أن يكون ممكنا بأي ثمن. أغلقت الهاتف دون وداع، ولكنها عادت للاتصال بعد خمس عشرة دقيقة:
- حسن، هاهي هنا.
وصلت في العاشرة وعشرين دقيقة ليلا، وقدمت إلى روسا كاباركاس آخر أوراق حياتي، مع ترتيباتي بشأن الطفلة بعد نهايتي الرهيبة. ظنت هي أنني قد تأثرت للتجريح، وقالت لي بمزاج ساخر: إذا كنت تريد الموت فلا تفعل ذلك هنا، تصور. ولكنني قلت لها: قولي إن قطار بويرتو كولومبيا، ذلك الخردة البائس المحزن غير القادر قتل أحد، قد صدمني، ومستعدا لكل شيء في تلك الليلة، استيقظ على ظهري بانتظار الألم النهائي، في اللحظة الأولى من سنتي الواحدة والتسعين. سمعت قرع نواقيس نائية، وشممت شذا روح ديلغادينا النائمة على جنبها. سمعت صرخة في الأفق، ونحيب أحد ربما يكون قد مات قبل قرن، فقي الغرفة نفسها. وعندئذ أطفأت النور بالنفس الأخير، وشبكت أصابعي بأصابعها كي أقتادها من يدها،، وعددت الاثنتي عشرة دقة التي أعلنت الثانية عشرة وبدموعي الاثنتي عشرة الأخيرة إلى أن بدأت الديكة تصيح، ودوت على الفور نواقيس الغبطة السماوية، وفرقعة الأسهم النارية في الحفلة التي كانوا يقيمونها فرحا بتجاوزي التسعين من حياتي سليما أو معافى.
كانت كلماتي الأولى موجهة إلى روسا كاباراكاس: أنا مستعد لشراء البيت منك، كله ، مع الحانوت والبستان، فقالت هي: فلنتوصل إلى رهان مسنين: من يبقى منا حيا يستحوذ على كل ما يملكه الآخر، ونوقع على ذلك أمام كاتب بالعدل. لا لست موافقا لأنني إذا مت أريد أن يصير كل شيء إليها. فقالت روسا كارباكاس: وهذا ما أريده أنا. فسوف أتولى أمر الطفلة، وأترك لها بعد ذلك كل شيء، ممتلكاتك وممتلكاتي؛ فليس لي أحد سواها في هذا العالم. وفي أثناء ذلك فلنعد ترميم غرفتك وترتيبها بحمام جديد وجهاز تكييف هواء، وبكتبك وموسيقاك.
- أتظنين أنها ستوافق؟
فقالت كاباركاس وهي تكاد تموت من الضحك:
- آه يا عالمي الحزين، أفهم أنك عجوز، ولكن ليس أبله. هذه المخلوقة المسكينة وفية في حبها لك.
خرجت إلى الشارع المشع، ولأول مرة تعرفت على نفسي في الأفق البعيد لقرني الأول في الحياة. كان بيتي الصامت والمرتب، في الساعة السادسة والربع، قد بدأ ينعم بألوان فجر سعيد. كانت داميانا تغني بأعلى صوته في المطبخ، والقط الذي استعاد الحياة، حك ذيله بكعبي، وواصل المشي معي حتى منضدة كتابتي. وهناك كانت مرتبة أوراقي الذابلة ودواة الحبر، وريشة البجعة، في الوقت الذي اندلعت فيه الشمس بين أشجار اللوز في الحديقة، ودخلت سفينة البريد النهرية، المتأخرة أسبوعا بسبب الجفاف، إلى قنال المرفأ وهي تطلق الجؤار. إنه الحياة الواقعية أخيرا، بقلبي الناجي والمحكوم بالموت في حب طيب، في الاحتضار السعيد لأي يوم بعد بلوغي المئة.

 

تمت.