المخربون

 

 

 

 غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه


-1-‏
كان ذلك في أمسية عطلة أوغست بنك هوليداي)(1) عندما أصبح أحدث المستجدين زعيماً لعصابة وورمسلي كومون). لم يُدهش أحد عدا مايك)، لكن مايك) الذي يبلغ التاسعة من عمره كان يندهش من كل شيء. حتى قال له أحدهم ذات يوم: "إذا لم تغلق فاك فلابد أن تقفز فيه ضفدعة." بعد ذلك كان مايك) يطبق أسنانه بإحكام إلا إذا كانت المفاجأة عظيمة جداً.‏
انضم أحدث المستجدين إلى العصابة في بداية عطلة الصيف. ودارت توقعات حول صمته التأملي الذي لاحظه الجميع. لم يُضع كلمة واحدة حتى في إخبارهم باسمه، لأن ذلك كان مطلوباً منه حسب القوانين.‏
حينما قال لهم إن اسمه تريفور) كان ذلك إعلاناً عن حقيقة، ليس كما سيكون بالنسبة للآخرين إعلاناً عن الخجل أو التحدي. كما لم يضحك أحد سوى مايك) الذي وجد نفسه دون مؤازرة، فغر فاه واسعاً وعندما قابلته النظرة المكفهرة للوافد الجديد صمت ثانية. كانت الأسباب كثيرة ليصبح تي)، كما صار يُشار إليه لاحقاً، موضوعاً للسخرية: اسمه حيث استبدلوا به الحرف الأول منه لأنهم بدون ذلك لن يكون لديهم سبب للضحك عليه)، وحقيقة أن والده، وهو مهندس معماري سابق ويعمل كاتباً في الوقت الراهن، قد حطت به الأقدار، وأن والدته تعتبر نفسها أفضل من بقية الجيران. لقد تم ضمه إلى العصابة دون مراسم، ولو مراسم وضيعة، ربما توقعوا منه أن يكون مصدر خطر غريب وغير متوقع.‏
كانت العصابة تجتمع كل صباح في موقف سيارات مؤقت، وهو موقع آخر قنبلة سقطت في أول غارة جوية(2) . لقد زعم الزعيم، الذي يُعرف باسم بلاكي)، أنه سمعها وهي تسقط. لم تكن لديه الدقة الكافية في مذكراته ليشير إلى أنه كان في السنة الأولى من العمر وكان يغط في النوم على الرصيف السفلي في محطة أنفاق وورمسلي كومون). في طرف موقف السيارات كان أول بيت مأهول، ويحمل الرقم 3، يتكئ بكل معنى الكلمة على نورث وود تيراس) المحطم، لأنه تضرر من انفجار القنبلة، وقد سُنِّدت الجدران الجانبية بدعائم خشبية. فيما سقطت قنبلة أصغر وقنابل حارقة خلف المنزل فأحالت جدراناً أخرى إلى أطلال مما جعله يبدو كسنّ منخورة، حيث لم يتبق إلا ورق الجدران الذي يغطي الجزء الأسفل من الجدار وبقايا موقد.‏
كانت خطط العمليات التي يقترحها تي) على بلاكي) كل يوم تُطرح للتصويت بـ"نعم" أو "لا". وذات مرة أصاب العصابة بالروع عندما قال بتأمل: "يقول والدي إن رين)(3) هو من بنى هذا البيت."‏
-"من هو رين)؟"‏
-"الرجل الذي بنى كنيسة سان بول)."‏
قال بلاكي): "من يكترث لذلك؟ إنه ليس سوى منزل أولد ميزيري)."‏
أولد ميزيري)، واسمه الحقيقي توماس)، كان فيما مضى بناءً ومصمم ديكور. عاش وحيداً في البيت المتداعي الذي بناه لنفسه. كان يُرى مرة كل أسبوع عائداً عبر الساحة، حاملاً الخبز والخضار، وعندما يرى الأولاد يلعبون في موقف السيارات كان يسند رأسه إلى سور حديقته المهدَّم وينظر إليهم.‏
قال أحد الأولاد: "إنه ذاهب إلى المرحاض." فقد كان معروفاً منذ سقوط القنابل أن ضرراً أصاب الأنابيب، وكان أولد ميزيري) شحيحاً بحيث لم ينفق مالاً على بيته. استطاع تجديد الديكور بنفسه، وبسعر الكلفة، لكنه لم يتعلم السباكة قط. والمرحاض هو عبارة عن بناء خشبي في طرف الحديقة الضيقة، لبابه كوة على شكل نجمة. لقد سلم من انفجار دك المنزل المجاور واقتلع إطارات النوافذ في المنزل رقم 3.‏
في المرة التالية التي التقت العصابة بالسيد توماس) كانت مدهشة أكثر. إذ لقيه كل من بلاكي) ومايك) وفتى آخر نحيل وشاحب، كانوا ينادونه لسبب ما بكنيته سمرز)، في الساحة عائداً من السوق. أوقفهم السيد توماس) وقال بتجهم: "ألستم من المجموعة التي تلعب في موقف السيارات؟"‏
كاد مايك) أن يجيب عندما أوقفه بلاكي). وبما أنه الزعيم فإن لديه مسؤوليات، قال بغموض: "هل تتوقع أننا منهم؟"‏
قال السيد توماس): "لدي بعض قطع الشوكولا لم ترق لي، هاكم. لا أظن أنها كافية بالنسبة لكم، فلا يوجد لدي ما يكفي منها."‏
قال عبارته بإقناع كئيب، وناولهم ثلاث قطع من شوكولا سمارتي).‏
أصيبت العصابة بالحيرة والاضطراب نتيجة هذا السلوك، وحاولوا تفسيره. قال أحدهم: "أراهن أنها سقطت من أحدهم فالتقطها."‏
قال آخر بصوت مرتفع: "أظن أنه سرقها ثم أصابه ذعر شديد."‏
قال سمرز): "إنها رشوة لنا. فهو يريد أن نتوقف عن إطلاق الكرات على جداره."‏
قال بلاكي): "سنريه أننا لا نأخذ رشاوى."‏
وهكذا أمضوا معظم صباحهم وهم يمطرون جداره بالكرات، مايك) وحده كان صغيراً بحيث لم يستمتع بذلك. ولم تبدر أية إشارة عن السيد توماس).‏
في اليوم التالي أصابهم تي) بالدهشة جميعاً. تأخر عن موعد الاجتماع، وجرى التصويت على مأثرة ذلك اليوم دون حضوره. حسب اقتراح بلاكي) كان على العصابة أن تنقسم إلى أزواج وأن تستقل المجموعات الحافلات العامة دون وجهة محددة، والهدف هو معرفة عدد المرات التي يستطيعون فيها ركوب الحافلات دون دفع أجرة نتيجة مغافلتهم للجباة غير المتيقظين، وكان من الواجب تنفيذ العملية بمجموعات زوجية تجنباً للغش). وراح كل واحد يخطط لشريكه عندما وصل تي).‏
سأله بلاكي): "أين كنت يا تي)؟ لا يمكنك التصويت الآن فأنت تعرف القوانين."‏
قال تي): "كنت هناك." ونظر إلى الأرض وكأنه يفكر في الاختباء.‏
-"أين؟"‏
-"في منزل أولد ميزيري). "انفرج فم مايك)، ثم أطبقه بسرعة محدثاً صوتاً فقد تذكر الضفدعة.‏
قال بلاكي): "في منزل أولد ميزيري)؟" لم يكن في ذلك ما يخالف القوانين، لكن كان لديه شعور بأن تي) وطأ أرضاً خطرة. سأله وهو يأمل إجابة بالإيجاب: "هل اقتحمت المنزل؟"‏
-"لا، بل قرعت الجرس."‏
-"وماذا قلت له؟"‏
-"قلت إني أريد مشاهدة المنزل."‏
-"ماذا فعل؟"‏
-"لقد أراني المنزل."‏
-"هل سرقت شيئاً؟"‏
-"لا."‏
-"لماذا قمت بذلك إذن؟"‏
تحلّق أفراد العصابة، وبدا أن محكمة ارتجالية على وشك الانعقاد للنظر في قضية انحراف عقائدي.‏
قال تي): "إنه بيت جميل." وظل يحدق في الأرض دون أن تلتقي عيناه بأحد، لعق شفتيه بجهة ثم بالجهة الأخرى.‏
سأله بلاكي) بازدراء: "ما تقصد بقولك منزل جميل)؟"‏
-"إن فيه درجاً عمره مائتا عام، لولبي الشكل. قائم دون أن يسنده شيء."‏
-"ماذا تقصد بأن لا شيء يسنده، هل هو طافٍ؟"‏
-"إنه قائم بواسطة قوى متعارضة. هذا ما قاله أولد ميزيري)."‏
-"وماذا غير ذلك؟"‏
-"هناك ألواح خشبية مزخرفة تغطي الجدران."‏
-"كما في بلو بور)(4)‏
-"إن عمرها مائتا عام."‏
-"وهل يبلغ عمر أولد ميزيري) مائتا عام؟"‏
ضحك مايك) فجأة ثم لاذ بالصمت. دخل الاجتماع مرحلة خطيرة، فللمرة الأولى منذ قيام تي) بالتجول في موقف السيارات في أول يوم من العطلة يصبح موقفه في خطر. الموقف لا يحتاج إلا لاستخدام اسمه الحقيقي لمرة واحدة وعندئذ سيخر أفراد العصابة عند قدميه.‏
سأله بلاكي): "لماذا فعلت ذلك؟" كان منصفاً، ولم يكن يشعر بالغيرة، بل كان همه استبقاء تي) في العصابة إذا كان بوسعه ذلك.‏
إن كلمة جميل) هي التي أقلقته- فهي كلمة ذات مستوى راقٍ ولا يزال في مقدور المرء أن يلحظ ترديدها في وومسلي كومون إمباير) من قبل رجل يضع قبعة مرتفعة وعدسة أحادية وبلهجة متلعثمة.‏
اضطر أن يقول: "عزيزي تريفور)، أيها الفتى الكبير." وأطلق كلماته التوبيخية المزدرية" إذا كنت قد دخلت المنزل "وقال بحزن" فإن ذلك سيكون مأثرة عظيمة للعصابة."‏
قال تي): "كان ذلك أفضل. لقد اكتشفت أشياء هناك.." واستمر في النظر إلى قدميه دون أن تلتقي عيناه بأحد كما لو كان غارقاً في حلم لا يريد- أو يخجل- أن يشارك معه أحداً فيه.‏
-"أية أشياء؟"‏
-"سيكون أولد ميزيري) خارج البيت طيلة يوم الغد وعطلة هوليداي بنك)."‏
قال بلاكي) بارتياح: "أتقصد أننا نستطيع اقتحام المنزل؟"‏
وسأل آخر: "وأن نسرق هذه الأشياء؟"‏
قال بلاكي): "لن يسرق أحد شيئاً. إن اقتحام المنزل كافٍ تماماً، أليس كذلك؟ لا نريد المثول أمام المحاكم."‏
قال: "لا أريد أن أسرق أي شيء. لدي فكرة أفضل."‏
-"ما هي؟"‏
رفع تي) عينيه، كانتا رماديتين ومضطربتين كيوم كئيب من أيام شهر آب. قال: "سنسويه بالأرض. سندمره."‏
أطلق بلاكي) ضحكة واحدة قصيرة، ثم لزم الصمت مثل مايك)، خوفاً من النظرة الجدية الملحة.‏
قال: "وأين ستكون الشرطة طوال الوقت؟"‏
-"إنهم لن يعرفوا. سنقوم بذلك من الداخل. لقد وجدت طريقة لذلك من الداخل. "وقال بشيء من الحدة: "سنتصرف كالديدان داخل تفاحة. هل فهمت؟ وعندما سنخرج مرة ثانية لن يبقى هناك أي شيء، لا درج، ولا درابزين، لا شيء سوى الجدران، ثم سنقوم بهدم الجدران بطريقة ما."‏
قال بلاكي): "سيكون مصيرنا السجن."‏
-"من الذي سيثبت علينا ذلك. لن نقوم بسرقة أي شيء." وأضاف دون أي مسحة من المرح: "لن يبقى شيء يمكن سرقته بعد أن ننتهي."‏
قال سمرز): "لم أسمع في حياتي عن دخول السجن من أجل تحطيم الأشياء."‏
قال بلاكي): "لن يكون هناك وقت كافٍ. لقد رأيت كيف يتم هدم البيوت من قبل."‏
قال تي): "نحن اثنا عشر فرداً، وعلينا أن ننظم أنفسنا."‏
-"لا أحد منا يعرف كيف."‏
قال تي): "أنا أعرف." ونظر مباشرة إلى بلاكي)" هل لديك خطة أفضل؟"‏
قال مايك) بأسلوب أخرق: "كنا نخطط اليوم لاغتنام فرص ركوب مجانية.."‏
قال تي): "فرص ركوب مجانية. يمكنك أن تترك الزعامة يا بلاكي) إذا كنت.."‏
-"على العصابة أن تصوّت على ذلك."‏
-"اطرح الموضوع على التصويت إذن."‏
قال بلاكي) بتردد: "إن الاقتراح أن نقوم غداً ويوم الإثنين بتدمير منزل أولد ميزيري)."‏
قال فتى بدين يدعى جو): "نعم، نعم."‏
-"من الذي سيتولى المهمة؟"‏
قال تي): "لقد تم تبني الخطة."‏
قال سمرز): "كيف سنبدأ؟"‏
قال بلاكي): "هو الذي سيخبرنا." كان ذلك نهاية لزعامته. مضى إلى خلف موقف السيارات وراح يضرب بقدمه حجراً، يدحرجه من هذه الجهة وتلك. لم يكن في الموقف سوى سيارة قديمة من طراز موريس)، فقد غادرت عدة سيارات الموقف باستثناء الشاحنات: فلا أمن دون وجود حضور.‏
أطاح بالحجر بضربة قوية نحو السيارة وتسبب في قشر قدر ضئيل من الدهان عن الرفرف الخلفي. بعد ذلك، ودون إبداء المزيد من الاهتمام به أكثر من أي غريب اجتمعت العصابة حول تي)، أما بلاكي) فقد أحس بالضجر من تغير المسؤولية. فكر في الذهاب إلى البيت، في ألا يعود أبداً، في ترك الجميع ليكتشفوا الزعامة الجوفاء لـتي). لكن بفرض أن اقتراح تي) كان ممكناً رغم كل شيء فلن يكون هناك حدث كهذا من قبل. من المؤكد أن شهرة عصابة موقف سيارات وورمسلي كومون) ستبلغ أرجاء لندن. وستتحدث عنهم عناوين الصحف، حتى عصابات البالغين التي تدير المراهنات في مباريات المصارعة والصبية الذين يبيعون على العربات سيستمعون باحترام إلى الكيفية التي تم بها تدمير منزل أولد ميزيري).‏
عاد بلاكي) مدفوعاً بالطموح البسيط والنقي والغيري نتيجة حبه للشهرة التي ستنالها العصابة، عاد إلى حيث يقف تي) في ظل جدار منزل أولد ميزيري).‏
كان تي) يلقي أوامره بقوة كما لو أن هذه الخطة قد عاشت معه طيلة حياته، وهو يقلب التفكير فيها عبر الفصول، والآن عند بلوغه الخامسة عشرة تبلورت مع معاناة المراهقة. قال لـمايك): "عليك أن تحضر بعض المسامير الكبيرة، أكبر حجم تستطيع أن تجده، ومطرقة. وأي شخص يستطيع أن يحضر مطرقة ومفكاً. سنحتاج إلى عدد كبير منها، ومن الأزاميل أيضاً. لا نستطيع الحصول على عدد كبير من الأزاميل. هل يستطيع أحدكم أن يحضر منشاراً؟"‏
قال مايك): "أنا أستطيع."‏
قال تي): "ليس منشار أطفال، بل منشار حقيقي."‏
أدرك بلاكي) أنه رفع يده مثل أي فرد عادي في العصابة.‏
-"جيد، أحضر منشاراً يا بلاكي)،. لكن هناك مشكلة صعبة، إننا نحتاج إلى منشار حديد."‏
سأل أحدهم: "وما هو منشار الحديد؟"‏
قال سمرز): "يمكنك أن تشتريه من محلات وول وورث)."‏
قال الفتي البدين المدعو جو): "كنت أعرف أن الأمر سينتهي إلى جمع التبرعات."‏
قال تي): "سأحضر واحداً، لا أريد أموالكم. لكني لا أقدر على شراء مطرقة ثقيلة."‏
قال بلاكي): "هناك عمال يعملون في المنزل رقم 15، وأعرف أين سيتركون معداتهم في عطلة بنك هوليداي)."‏
قال تي): "حسن. هذا كل ما هنالك. سنلتقي هنا في الساعة التاسعة تماماً."‏
قال مايك): "علي أن أذهب إلى الكنيسة."‏
-"تسلق السور وأطلق صفرة وسوف ندخلك."‏
-2-‏
في التاسعة من صباح الأحد وصل الجميع في الوقت المحدد تماماً، حتى مايك)، فيما عدا بلاكي). لقد حالف الحظ مايك) فقد مرضت والدته، وكان والده منهكاً بعد ليلة السبت، فطلبا منه أن يذهب إلى الكنيسة بمفرده بعد أن وجهوا إليه إنذارات عدة عما سيحدث في حال عدم ذهابه إلى الكنيسة. أما بلاكي) فقد وجد صعوبة في تهريب المنشار، ثم في العثور على مطرقة ثقيلة في الفناء الخلفي للمنزل رقم 15. وصل إلى المنزل عبر ممر ضيق في مؤخرة الحديقة خشية أن يكتشف الشرطي أمره إذا سلك الطريق الرئيسية. كانت النباتات الخضراء تحجب شمس يوم عاصف، وبدا أن عطلة بنك هوليداي) ستكون رطبة وهناك ما يشير إلى ذلك بدءاً من زوابع محملة بالغبار تهب تحت الأشجار. تسلق بلاكي) سور حديقة منزل ميزيري).‏
لم تكن هناك أية إشارة تدل على وجود أحد. وبدا المرحاض صامتاً كقبر وسط مقبرة مضى عليها الزمن. الستائر مسدلة، والمنزل يغط في النوم. تقدم بلاكي) ببطء حاملاً المنشار والمطرقة الثقيلة، ربما لم يأت أحد رغم كل ما اتفقوا عليه: فالخطة كانت بدعة همجية، ثم ثابوا إلى رشدهم. لكنه عندما اقترب من الباب الخلفي سمع خليطاً من الأصوات شبيهاً بطنين خلية نحل: أصوات طقطقة، وطرق بانغ، بانغ، بانغ) وتكسير، وصرير، ثم تحطم مفاجئ مريع. وفكر في نفسه: إن الأمر حقيقة واقعة. وأطلق صفرة.‏
فتحوا له الباب الخلفي فدخل. على الفور اجتاحه شعور بالتنظيم على نحو مغاير للطرق العشوائية القديمة في ظل زعامته. صعد الدرج ثم هبط باحثاً عن تي). لم يخاطبه أحد: كان لديه شعور ملح بأن يعرف ما يجري، واستطاع أن يبدأ في رؤية الخطة. فالبيت من داخله قد دُمَّر بدقة دون أن تُمس الجدران الخارجية. كان سمرز) بواسطة مطرقة وإزميل يخلع الألواح التي تغطي الجدران في غرفة الطعام الواقعة في الطابع الأرضي، وكان قد انتهى من تحطيم ألواح الباب. في الغرفة نفسها كان جو) ينزع ألواح الأرضية الخشبية تاركاً الألواح الخشبية الصغيرة التي تغطي القبو. برزت لفائف من الأسلاك من وراء ألواح الجدران التالفة فجلس مايك) على الأرض مسروراً وهو يقص هذه الأسلاك.‏
فوق الدرج الحلزوني كان اثنان من أفراد العصابة يُعملان بجد منشار أطفال في درابزين الدرج ولدى رؤيتهما المنشار الذي يحمله بلاكي) أشارا إليه بصمت. عندما رآهما ثانية كانا قد أسقطا ربع الدرابزين في الصالة. وأخيراً عثر على تي) في الحمام. كان يجلس مهموماً في المكان الذي حظي بأقل اهتمام من بين غرف المنزل مصغياً إلى الأصوات المنبعثة من أسفل.‏
قال بلانكي) بشيء من الرهبة: "لقد فعلتها حقاً. ما الذي سيحدث؟"‏
قال تي) لقد بدأ عملنا للتو فقط. "نظر إلى المطرقة الثقيلة وأعطى أوامره: "ابق هنا وحطم الحمام وحوض الاستحمام. لا تعبأ بالأنابيب، فدورها سيأتي لاحقاً."‏
ظهر مايك) عند الباب وقال: "لقد انتهيت من الأسلاك يا تي)."‏
-"جيد. عليك أن تتجول في البيت الآن. إن المطبخ يقع في الطابق الأرضي. حطم كل آنية الصيني والزجاج والزجاجات التي تطالها يداك. لا تفتح صنابير، فنحن لا نريد إحداث فيضان الآن. بعدئذ ادخل الغرف وأفرغ محتويات الأدراج، وإذا كانت مقفلة فاستعن بأحد أفراد العصابة لتحطيمها. مزق كل الأوراق التي تجدها، وحطم كل الزخارف. من الأفضل أن تأخذ سكيناً كبيراً من المطبخ. إن غرفة النوم تقع مقابل الحمام، انثر محتويات الوسائد ومزق الشراشف. يكفي ذلك في اللحظة الراهنة. وأنت يا بلاكي) عندما تنتهي من الحمام قم بتحطيم الجص في الممر بالمطرقة الثقيلة التي تحملها."‏
سأله بلاكي): "ما الذي تنوي أن تفعله أنت؟"‏
قال تي): "إني أبحث عن شيء متميز."‏
كان وقت الغداء قد حان قبل أن ينتهي بلاكي) ويذهب بحثاً عن تي). كانت الفوضى في ازدياد، فالمطبخ عبارة عن خرائب من الزجاج والصيني المحطم، وغرفة الطعام دون أرضية خشبية، الألواح الخشبية التي تغطي الجدران منزوعة من أماكنها والباب مفكوك، والمخربون قد انتقلوا إلى الطابق الثاني. تسللت أشعة من النور عبر مصاريع النوافذ المغلقة حيث كانوا يعملون بجدية المبدعين، رغم كل شيء يظل التدمير شكلاً من أشكال الإبداع، نوعاً من التخيل الذي أوصل البيت إلى الحالة التي هو عليها الآن.‏
قال مايك): "علي أن أذهب إلى البيت لتناول الغداء."‏
سأل تي): "من سواه؟" لكن البقية كانوا لسبب أو لآخر قد أحضروا معهم زادهم.‏
جلسوا القرفصاء في أنقاض الغرفة وراحوا يتبادلون الشطائر. استغرقوا نصف ساعة في تناول الغداء، ثم عادوا إلى العمل ثانية. في ذلك الوقت عاد مايك)، وكانوا في الطابق العلوي. عندما بلغت الساعة السادسة كانوا قد انتهوا من التدمير الداخلي. كل الأبواب منزوعة من أماكنها، وكل ألواح الجدران مقلوعة، الأثاث ممزق ومحطم، وليس في مقدور أحد النوم في البيت إلا فوق سرير من ألواح الجص المحطم.‏
أعطى تي) أوامره -الثامنة من صباح الغد- ولئلا يلفتوا الأنظار تسلقوا سور الحديقة فرادى إلى موقف السيارات.‏
لم يبق إلا بلاكي) وتي)، كان ضوء النهار قد شارف على الغياب، وعندما ضغطا على مفاتيح الكهرباء لم يسطع النور، فقد أنجز مايك) مهمته على خير وجه.‏
سأل بلاكي): "هل عثرت على شيء مميز؟"‏
أومأ تي) برأسه وقال: "تعال وانظر هنا."‏
أخرج رزماً من الأوراق المالية من كلا جيبيه، وقال: "إنها مدخرات أولد ميزيري). لقد مزق مايك الفراش لكنه لم يعثر عليها."‏
-"ما الذي ستفعله بها؟ هل سنقتسمها؟"‏
قال تي): "لسنا لصوصاً. لن يسرق أحد شيئاً من هذا المنزل. لقد احتفظت بهذه الرزم من أجلنا أنا وأنت لنحتفل بها."‏
ركع على الأرض وعدها، كانت سبعين جنيهاً. قال: "سوف نحرقها، واحدة إثر أخرى."‏
كانا يأخذان كل ورقة بدورها ويمسكان بها نحو الأعلى ويشعلان زاويتها العليا، وبذلك ينطلق اللهب ببطء نحو أصابعهما. وكان الرماد الفضي اللون يتناثر فوق رأسيهما وكأنه الشيب.‏
قال تي): "أتمنى لو نرى وجه أولد ميزيري) عندما نخرج من البيت."‏
سأله بلاكي): "هل تكرهه إلى هذا الحد؟"‏
قال تي): "بالطبع أنا لا أكرهه. لن تكون هناك متعة إذا كنت أكرهه. "وأضاءت آخر ورقة وجهه الكئيب، وقال: "ليس في هذا حب وكراهية، إنه مجرد عمل سهل، عمل سخيف. إنها مجرد أفعال يا بلاكي)." وتلفت في أرجاء الغرفة التي تعج بظلال غريبة لأشياء ناقصة، أشياء مكسرة، كانت أشياء فيما سبق، وقال: "سأسابقك إلى البيت يا بلاكي)."‏
-3-‏
في صباح اليوم التالي تم استئناف التدمير. كان هناك فردان متخلفان، مايك) وولد آخر سافر والداه إلى ساوث إيند) وبرايتون) بالرغم من قطرات المطر التي بدأت بالانهمار وهزيم الرعد فوق مصب النهر وكأنه الطلقات المدفعية الأولى لغارة قديمة. قال تي): "علينا أن نسرع."‏
أحس سمرز) بالملل فقال: "ألم نعمل بما فيه الكفاية؟ لقد مُنحت بنساً لشراء قطع من الحلوى. إنه شبه عمل."‏
قال تي): "إننا بالكاد بدأنا. لماذا؟ ما زالت هناك الأرضيات كلها والدرج. لم نخلع أية نافذة بعد. لقد صوتت مثل البقية، وسنقوم بتدمير هذا المنزل. لن نترك منه أي شيء عندما ننتهي."‏
انطلقوا إلى العمل مرة أخرى. في الطابق الأول قاموا باقتلاع أخشاب الأرضية القريبة من الجدار الخارجي تاركين الدعائم وحيدة مكشوفة. ثم قاموا بنشر الدعائم وتراجعوا إلى الصالة، لأن ما تبقى من الطابق كان محطماً ومنهاراً. لقد تعلموا من خلال الممارسة، وسيكون انهيار الطابق الثاني أكثر سهولة. عندما حل المساء عمّتهم البهجة وهم يحدقون في الفراغ الهائل الحاصل داخل المنزل. لقد قاموا بمجازفات وارتكبوا بعض الأخطاء: فعندما فكروا في أمر النوافذ كان الأوان قد فات ولم يعد في مقدورهم الوصول إليها. قال جو): "صرنا كالطيور التي لا تجثم على غصن أبداً." وأسقط بنساً نحو بئر الدرج المليء بالحطام، فرن وقفز بين الزجاج المهشم.‏
سأل سمرز) بدهشة: "لمَ قمنا بهذا العمل؟"‏
كان تي) واقفاً على الأرض يحفر وسط الركام لينظف مجالاً على طول الجدار الخارجي، قال: "افتحوا الصنابير، فالظلام يمنع أي شخص من الرؤية الآن، وفي الصباح لن يكون لذلك أهمية."‏
داهمتهم المياه على الدرج وراحت تنسكب في الغرف التي فقدت قيعانها. بعدئذ سمعوا صفرة أطلقها مايك) من خلف المنزل، فقال بلاكي): "هناك مشكلة ما."‏
عندما فتحوا له الباب سمعوا لهاثه.‏
سأله سمرز): "الأشباح؟"‏
قال مايك): "إنه أولد ميزيري). إنه في طريقه إلى المنزل." وضع رأسه بين ركبتيه وتقيأ، ثم قال بفخر: "كنت أركض طوال الطريق."‏
قال تي): "لكن لماذا؟ لقد قال لي.." واحتج بغضب الطفل الذي لم يمرّ بمرحلته: "ليس هذا بعدل."‏
قال مايك): "لقد كان في ساوث إيند) وعاد بالقطار. قال إن الطقس كان بارداً جداً ورطباً. "صمت وحدق في المياه: "عجباً لابد أنكم تعرضتم لعاصفة هنا. هل تسربت المياه من السقف؟"‏
-"كم سيستغرق من الوقت ليصل إلى هنا؟"‏
-"خمس دقائق. لقد هربت من والدتي وجئت ركضاً إلى هنا."‏
قال سمرز): "من الأفضل أن نترك المكان. لقد عملنا ما فيه الكفاية على كل حال."‏
-"أوه لا، لن نغادر المكان. في مقدور أي شخص أن يفعل هذا."‏
"هذا" كان تعبيراً عن منزل أجوف محطم لم يبق منه شيء سوى الجدران. حتى الجدران يمكن حفظها، أما واجهة المنزل فكانت عظيمة القيمة. بالإمكان أن يعاد بناء الجدران الداخلية مرة أخرى بشكل أجمل من ذي قبل. يمكن أن يعود هذا منزلاً مرة أخرى.‏
قال بغضب: "يجب أن ننتهي. لا تتحركوا. دعوني أفكر."‏
قال صبي: "لا يوجد متسع من الوقت."‏
قال تي): "لابد من وجود طريقة. لا يمكننا مغادرة المنزل دون.."‏
قال بلاكي): "لقد فعلنا الكثير."‏
-"لا، لا، لم نفعل. فليراقب أحدكم مقدمة المنزل."‏
-"لا تستطيع القيام بمزيد من العمل."‏
-"يمكن أن يأتي من الخلف."‏
-"راقبوا مؤخرة المنزل أيضاً." وراح يتوسل إليهم: أمهلوني دقيقة واحدة فقط وسأجد حلاً. أقسم أنني سأجد حلاً."‏
لكن سلطته تلاشت نتيجة غموضه. لم يعد إلا أحد أفراد العصابة.‏
قال: "أرجوكم."‏
راح سمرز) يقلده ساخراً: "أرجوكم." وفجأة رن في المنزل الاسم المشؤوم -المنذر بالخطر-: "غادر المنزل يا تريفور)."‏
وقف تي) وظهره إلى الحطام كملاكم أصيب بلكمة قوية جعلته يترنح على الحبال. لم يعد لديه ما يقول في الوقت الذي تداعى فيه حلمه وتلاشى. عندئذ تصرف بلاكي) دون أن يفسح مجالاً لأفراد العصابة كي يضحكوا فدفع سمرز) إلى الوراء وقال: "سأتولى مراقبة الواجهة يا تي).: وفتح مصاريع الصالة بحذر. كانت الساحة الرطبة الرمادية تمتد أمامه، وكانت انعكاسات المصابيح تتراقص في برك الماء "هناك شخص قادم يا تي). لا، إنه ليس هو. ما هي خطتك يا تي)؟"‏
-"قل لـمايك) أن يخرج ويختبئ قرب المرحاض. عندما يسمع صفرتي عليه أن يعد إلى العشرة ثم يبدأ بالصراخ."‏
-"ماذا يصرخ قائلاً؟"‏
-"أوه، النجدة، أي شيء."‏
قال بلاكي): "لقد سمعت يا مايك). "لقد أصبح زعيماً مرة ثانية. ألقى نظرة على عجل من بين أخشاب المصراع وقال: "إنه قادم يا تي)."‏
-"أسرع يا مايك) إلى المرحاض. ابق هنا يا بلاكي)، جميعكم إلى أن أصرخ."‏
-"أين ستذهب يا تي)؟"‏
-"لا تقلق. سأرى ما يمكنني فعله. قلت إنني سأجد حلاً لهذه المشكلة، أليس كذلك؟"‏
أقبل أولد ميزيري) من الساحة وهو يعرج. كان حذاؤه ملوثاً بالطين فتوقف لينظفه على حافة الرصيف. لم يكن يرغب في تلويث منزله بالطين. منزلـه الذي يقوم ناتئاً ومظلماً وسط مواقع انفجار القنابل، ليبدو قريباً جداً، كما كان يُعتقد، من التدمير. حتى الضوء المروحي الشكل ظل سليماً بعد انفجار القنبلة. أطلق شخص من مكان ما صفرة. تلفت أولد ميزيري) حوله بقوة، إنه لا يتفاءل بالصفير، وسمع صياح صبي؛ يبدو أن الصيحة منبعثة من حديقة منزله، ثم اندفع صبي إلى الطريق من موقف السيارات وصاح: "سيد توماس)، سيد توماس)."‏
-"ما الأمر؟"‏
-"أنا آسف جداً يا سيد توماس). لقد اضطر أحدنا إلى الذهاب إلى المرحاض وظننا أنك لن تمانع. إنه لا يستطيع الخروج الآن."‏
-"ماذا تقصد أيها الصبي؟"‏
-"إنه حبيس داخل المرحاض."‏
-"لا شأن له.. ألم أرك من قبل؟"‏
-"لقد أريتني منزلك."‏
-"فعلت ذلك، فعلت ذلك، لكن هذا لا يمنحك الحق في..‏
-"أسرع يا سيد توماس)، إنه سيختنق."‏
-"هراء. لا يمكن أن يختنق. انتظر حتى أضع حقيبتي في المنزل."‏
-سأحمل عنك الحقيبة."‏
-"أوه، لا، لن تحملها، فأنا سأحمل حقيبتي".‏
-"من هنا يا سيد توماس)"‏
-"لا أستطيع أن أدخل الحديقة من ذلك الطريق يجب أن أذهب عبر المنزل".‏
-"لكنك تستطيع الدخول إلى الحديقة من هذا الطريق يا سيد توماس). إننا نقوم بذلك في أغلب الأوقات".‏
-"تقومون بذلك في أغلب الأوقات؟" وتبع الصبي بشيء من الصدمة والافتتان" متى؟ بأي حق.؟"‏
-"أرأيت ؟ إن السور منخفض".‏
-"لن أتسلق السور لدخول حديقتي الخاصة. إنه أمر مثير للضحك."‏
-إننا نقوم بذلك بهذه الطريقة. قدم هنا، وقدم هناك، ثم تعتلي السور". أطل وجه صبي من فوق السور وامتدت ذراع، ووجد السيد توماس) أن حقيبته أخذت منه، ووضعت في الطرف الآخر من السور. قال السيد توماس): "أعد إلي حقيبتي. "وراح صبي يصرخ ويصرخ من جهة المرحاض "سأتصل بالشرطة".‏
-"إن حقيبتك بخير يا سيد توماس). انظر، قدم هناك، على يمينك. والآن اعتل السور فقط، إلى يسارك".‏
وتسلق السيد توماس) سور حديقته" ها هي حقيبتك يا سيد توماس).‏
قال السيد توماس): "سأزيد من ارتفاع هذا السور. لن أسمح لكم أيها الأولاد بتسلق السور، واستخدم المرحاض.‏
تعثر وهو يمشي في الممر، لكن الصبي أمسك بمرفقه وساعده، فتمتم بشكل آلي: "شكراً، شكراً أيها الصبي".‏
وصاح شخص ما مرة ثانية عبر الظلام، فصاح السيد توماس): "أنا قادم أنا قادم "وقال للصبي الذي يسير إلى جانبه: "إنني منطقي، فقد كنت صبياً. طالما أن الأمور تسير بشكل صحيح فلا مانع أن تلعبوا حول المكان في صبيحة أيام السبت. إنني أحب الرفقة أحياناً. أريد أن تكون الأمور منتظمة فقط. ربما يطلب أحدكم الإذن مني فأجيبه موافقاً، وأحياناً قد أقول لا. إنكم تدخلون من الباب الأمامي وتخرجون من الجهة الخلفية دون أن تكترثوا لسور الحديقة".‏
-"أخرجه يا سيد توماس)".‏
قال السيد توماس) وهو يسير ببطء واضطراب: "إنه لن يتأذى في مرحاضي. آه من الروماتيزم. إنه يهاجمني دوماً في عطلة هوليداي بنك). علي أن أسير بحرص إذ توجد بعض البلاطات المخلوعة هنا. أعطني يدك. هل تعلم ما نبأني به برجي البارحة؟ [أحجم عن التعامل في النصف الأول من الأسبوع هناك خطر سيلحق بك نتيجة حادث تحطم مريع] يمكن أن يحدث ذلك لي في هذا الممر. إنهم يتحدثون بطريقة رمزية وبكلمات تحمل أكثر من معنى. "صمت قليلاً عند باب المرحاض ثم صاح: ما المشكلة هنا؟‏
لم يتلق أي رد. قال الصبي: ربما أصابه الوهن".‏
-"ليس في مرحاضي. هيه، أنت، أخرج. "قال السيد توماس) ذلك واهتز بعنف عند الباب وكاد أن يسقط على ظهره عندما انفتح الباب بسهولة. امتدت يد للمساعدة بادئ الأمر ثم دفعته بقوة. ارتطم رأسه بالجدار المقابل وسقط بقوة. وقعت حقيبته فوق قدميه، وانتزعت يد المفتاح من القفل ثم صُفق الباب، صاح: "أخرجوني." وسمع المفتاح يدور في القفل. ودار في خلده [تحطم مريع]، واعترته رجفة وأحس بالاضطراب وبأنه رجل طاعن في السن.‏
جاءه صوت ناعم عبر كوة الباب النجمية الشكل: "لا تقلق يا سيد توماس)، لن نؤذيك، ليس إذا التزمت الهدوء.".‏
وضع السيد توماس) رأسه بين يديه وراح يفكر. لاحظ أن لا وجود إلا لشاحنة واحدة في موقف السيارات، وأيقن أن السائق لن يأتي لأخذها قبل الصباح. لن يستطيع أحد سماعه في الطريق المار من أمام المنزل، أما الممر الواقع خلفه فنادراً ما يطرقه أحد. وأي شخص قد يستخدم ذلك الممر لا بد أن يكون في عجلة إلى بيته ولن يتوقف من أجل ما قد يعتبر أنه ليس سوى صراخ مخمور. أما إذا نادى "النجدة" فمن الذي يمتلك الشجاعة لنجدته في أمسية عطلة هوليداي بنك). جلس السيد توماس) في الكوخ وراح يتأمل بحسب الحكمة التي اكتسبها بفعل العمر.‏
بعد فترة بدا له أن هناك أصواتاً تنبعث من قلب الصمت. كانت ضعيفة وآتية من جهة المنزل. وقف على قدميه وحدق عبر فتحة التهوية، شاهد ضوءاً يشع من بين شقوق أحد مصاريع النوافذ، إنه ليس بضوء مصباح، بل ضوء متراقص ربما صادر عن شمعة. ثم ظن أن هناك صوت طرق وحفر وتكسير. فكر في اللصوص، ربما استخدموا الصبي كعنصر استطلاع، لكن ما الذي يدفع اللصوص إلى التورط أكثر فأكثر في ما يبدو شبيهاً بشكل سري للنجارة؟ أطلق السيد توماس) صرخة تجريبية، لكن دون أي تجاوب من أحد. ربما لم يصل الصوت حتى آذان أعدائه.‏
4‏
ذهب مايك) إلى البيت للنوم، لكن البقية لم يذهبوا، لم تعد قضية الزعامة موضع اهتمام بالنسبة للعصابة. وباستخدام المسامير والأزاميل والمفكات، وأي شيء حاد وثاقب، راحوا يعملون في الجدران الداخلية مركزين جهودهم على الملاط الموضوع بين قطع القرميد. بدأوا العمل على مستوى عالٍ، ثم عثر بلاكي) على الطبقة الرطبة(5) وأدرك أنهم سيختصرون نصف العمل في حال أوهنوا الفراغات بين القرميد المملوءة بالملاط والواقعة فوق رؤوسهم مباشرة. كان عملاً طويلاً ومتعباً وغير ممتع، لكنهم أنهوه في نهاية المطاف. كان البيت المحطم من داخل يقف متوازناً بالاعتماد على بضع بوصات بين الطبقة الرطبة والقرميد.‏
بقيت المهمة الأخطر على الإطلاق، وهي خارج المنزل عند طرف موقع سقوط القنبلة. أرسل سمرز) لمراقبة الطريق للكشف عن الأشخاص الذين قد يطرقونه، وسمع السيد توماس) الجالس في المرحاض بوضوح الآن صوت نشر الخشب. كان الصوت قادماً من بيته، واطمأن لذلك قليلاً. وفتر اهتمامه، فربما كانت الأصوات الأخرى غير هامة أيضاً.‏
جاءه صوت من الكوة: "سيد توماس). "فرد السيد توماس) بصرامة: "أخرجني من هنا".‏
قال الصوت: "هاك بطانية". ووصلته لفافة طويلة رمادية عبر الكوة، وتكومت فوق رأسه. قال الصوت: "ليس هناك شيء شخصي ضدك. إننا نريدك أن تكون مرتاحاً هذه الليلة".‏
رد السيد توماس) بشك: "الليلة؟".‏
قال الصوت: "امسك. إنها قطع كعك لذيذة، لقد وضعنا عليها الزبدة، وبعض السجق. لا نريدك أن تشعر بالجوع يا سيد توماس).‏
قال السيد توماس) بيأس، وكأنه يبرر ما "فُعل به: "إن المزحة تظل مزحة أيها الصبي. أخرجني من هنا ولن أقول شيئاً. إني مصاب بالروماتيزم. علي أن أنام بشكل مريح".‏
-"لن تكون مرتاحاً في بيتك. إنك لن تلقى الراحة. ليس في هذا الوقت."‏
-"ماذا تقصد بكلامك أيها الصبي. "لكن وقع الخطوات ابتعد عنه.‏
لم يكن هناك إلا صمت الليل: لقد توقف صوت النشر. حاول السيد توماس) أن يصرخ ثانية، لكنه كان مثبطاً نتيجة الصمت. من بعيد سمع نعيب بومة، وأطلقت صرخة أخرى وهي تطير بلا صوت في العالم الساكن.‏
في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي جاء السائق ليأخذ شاحنته. صعد الدرجات واستولى على المقعد وحاول تشغيل المحرك. كان لديه شعور غامض بأنه سمع صوتاً، لكنه لم يكترث. أخيراً دار المحرك، ورجع بالشاحنة إلى الوراء إلى أن لامست الدعامة الخشبية الهائلة التي تسند منزل السيد توماس). بهذه الطريقة يستطيع الخروج بالشاحنة مباشرة إلى الشارع دون تكرار المحاولة. انطلقت الشاحنة نحو الأمام وتوقفت للحظة كما لو أن شيئاً كان يجرها من الخلف، ثم استأنفت السير وعلا صوت تحطم هائل مدوٍ. أصيب السائق بالدهشة وهو يرى القرميد يتطاير أمامه بينما الحجارة تطرق ظهر مقصورة القيادة. سحب الفرامل وأوقف الشاحنة. عندما ترجل كان المشهد حوله قد تغير بشكل مفاجئ. فلم يعد هناك وجود للمنزل الذي كان بجانب موقف السيارات، لم يكن هناك سوى تل من الحطام. دار حول المكان متفحصاً مؤخرة شاحنته خشية أن تكون قد تضررت فوجد حبلاً مربوطاً في المؤخرة، ولا يزال ملفوفاً من نهايته الأخرى حول الدعامة الخشبية.‏
انتابه الشعور مرة ثانية بأنه يسمع صوت امرئ يصرخ. كان الصوت آتياً من البناء الخشبي الذي كان أقرب شيء إلى منزل وسط ذلك الدمار من القرميد المحطم. اعتلى السائق الجدار المهدم وفتح الباب، فخرج السيد توماس) من المرحاض. كان ملتفاً ببطانية رمادية التصقت بها رقائق المعجنات. راح ينشج باكياً وهو يقول: "منزلي، أين منزلي؟".‏
قال السائق: "ابحث عنه." وقعت عيناه على بقايا حمام وما كان ذات مرة خزانة للأطباق، فراح يضحك. لم يبق شيئ في أي مكان.‏
قال السيد توماس): كيف تجرؤ على الضحك؟ لقد كان منزلي، منزلي".‏
-"إني آسف". "قال السائق ذلك وهو يبذل جهوداً جبارة لكنه عندما تذكر التوقف المفاجئ لشاحنته، وتحطم القرميد المتطاير، انتابته نوبة ثانية من الضحك. ففي لحظة كان البيت قائماً هناك بوقار بين موقع سقوط القنابل كرجل يرتدي قبعة سوداء مرتفعة، ثم ضجة مدوية وصوت وتحطُّم ولم يبق شيء، أي شيء.‏
قال: "أنا آسف، لا أستطيع أن أتوقف عن الضحك يا سيد توماس). لا شيء شخصي ضدك، لكن عليك أن تعترف بأنه شيء مضحك".‏


***‏

غراهام غرين 1904-1991)‏
بعد أن تلقى غراهام غرين تعليمه في جامعة أكسفورد التحق بالعمل في صحيفة التايمز). بعد ذلك نشر غرين) روايته الأولى باطن الإنسان) عام 1929. خلال فترة الثلاثينات بنى غرين) سمعته في مجال الروايات المثيرة والمعقدة والمغامرات التي تحمل طابع التشويق. وختم هذه السلسلة برواية صخرة برايتون) عام 1938 وفيها تمتزج الجريمة والدين في محاولة لتعقب صلة الدين المسيحي في عالم حديث من العنف. واستمرت روايات غرين) الأخيرة لتكون علاقتها أوطد بهذا المنوال وبلغت ذروتها في رواية لب القضية) عام 1948.‏
أما في قصصه القصيرة فيبدو أن غرين) عبارة عن كاتب يكتب للتسلية ومع ذلك فهي تحمل دلالات هامة وجدية. وفي قصة المخربون) التي كتبها عام 1954، والتي تبدو وكأنها رواية قصيرة لمغامرة صبيانية، هناك دلائل على أشياء خطيرة عندما يقول تي) لصبي آخر: "ليس في هذا حب وكراهية، إنه مجرد عمل سهل، عمل سخيف. إنها مجرد أفعال يا بلاكي).".‏
(1) عطلة أوغست هوليداي بنك): عطلة عامة في شهر آب.‏
(2) قصف لندن الذي حدث بين عامي 1940-1941).‏
(3) سير كريستوفر رين 1632-1723، وهو معماري شهير).‏
(4) اسم فندق.‏
(5) الطبقة الرطبة: مادة توضع في أسفل الجدران لمنع المياه من الرشح إلى الداخل.‏

 

Post your comment

Comments

Be the first to comment