ابنة تاجر الخيول

 

 

 بقلم دي لورانس 

 

"طيب، مابيل، وماذا ستفعلين بنفسك؟"، سأل جو، بذلاقة لسان سخيفة. شعر أنه في غاية الأمان.ودون أن يصغي إلى أي جواب، استدار جانباً، نقل حبة تبغ إلى طرف لسانه، وبصقها إلى الخارج. لم يكنْ يكترث بأي شيء، طالما أنه هو نفسه يحس بالأمان، وبمنأى عن الأذى.
كان الأشقاء الثلاثة والأخت جالسين حول مائدة الفطور المقفرة، يحاولون أن يتشاوروا فيما بينهم تشاوراً مفككاً بعض الشيء. نقر بريد الصباح النقرة الأخيرة على مصائر أفراد العائلة، وانتهى كل شيء. أما حجرة الطعام الموحشة نفسها، بقطع أثاثها الثقيل المصنوع من خشب الماهوغاني، فقد بدت كما لو أنها تنتظر من يتخلص منها.
لكن المشاورة لم تسفر عن شيء. هيمن على الرجال الثلاثة جو غريب من العقم واللاجدوى، بينما كانوا منتشرين من غير اتساق حول المائدة، يدخنون ويفكرون ملياً وبصورة مبهمة في حالهم. الفتاة وحيدة، قصيرة القامة نوعاً ما، شابة في السابعة والعشرين، متجهمة الوجه. لم تكنْ تشاطر إخوتها الثلاثة الحياة ذاتها.

لو كانت تحيا على غرارهم لبدت حسنة المظهر، ولحافظت على الاستقرار الرائق لسحنتها، سحنة "كلب بلدوغ"، كما يقول أشقاؤها.
كان ثمّة وقع مشوش لقوائم الخيل في الخارج. تحرك الرجال الثلاثة كلهم في كراسيهم كي يراقبوا ماسيحدث، خلف شجيرات الأيلكس الداكنة التي تفصل شريط المرجة عن الطريق العام؛ يمكنهم أن يروا موكباً من الجياد الإنكليزية المخصصة للجرّ تتمايل خارج زريبتها الخاصة، وهي في طريقها إلى التمرّن. كانت هذه آخر مرة. هذه آخر الجياد التي ستفلت من أيديهم. كان الشبان الثلاثة مذعورين من تدهور حياتهم، وإن شعورهم بالكارثة التي أحاطتهم جميعاً لم يُبقِ لديهم أيَّ إحساس بالحرية الداخلية.
ومع ذلك فقد كانوا ثلاثة شبان جميلي الطلعة، أقوياء الأبدان بصورة كافية. كان جو، الأكبر سناً، رجلاً في الثالثة والثلاثين، وسيماً ومتحرراً، يشع حيوية وعافية. وجهه أحمر، كان يفتل شاربه الأسود على إصبع سميك، أما عيناه فكانتا قلقتين غير عميقتين. كانت له طريقة حسية في الكشف عن أسنانه، عندما يقهقه، أما مشيته فكانت حمقاء. هاهو الآن يراقب الأحصنة بعينين تكسوهما غشاوة شبه زجاجية جرّاء القلق وعدم الارتياح، يخالطهما شيء من الذهول الناجم عن تردي الحالة المعاشية.
أحصنة الجر الضخمة تأرجحت أثناء سيرها. كانت مربوطة الواحد عكس الآخر، الرأس إلى الذيل، كانت أربعة جياد، تبذل جهداً للوصول إلى ممر ضيّق متفرع من الطريق العامة، زارعةً حوافرها الضخمة بصورة هازئة في الطين الأسود الناعم، مؤرجحةً أكفالها المدورة الكبيرة بترف. ركضتْ خبباً خطوات قليلة مفاجئة فيما كانت تُساق إلى الممر الضيق، في المنعطف. كل حركةٍ من حركاتها كانت تنم عن قوة هائلة هادئة، وعن حماقةٍ جعلتها حبيسة الخضوع. سائس الخيل الذي في المقدمة تطلع إلى الوراء، هازاً حبل القيادة. وتوارى موكب الخيل عن الأنظار مختفياً في المجاز، وكان ذيل الحصان الأخير بارزاً للأعلى، متوتراً وصلباً، مشدوداً ومقيداً بالأكفال الضخمة المتأرجحة بينما هي تتمايل خلف أسيجة الشجيرات في حركةٍ أشبه ماتكون بالنوم.
كان جو يراقب ذلك بعينين يائستين، تكسوهما غشاوة شبه زجاجية، كانت الجياد بالنسبة له مثل جسده هو تقريباً، يشعر هو الآن أنه مرهق حدّ الأعياء. لحسن الحظ كان هو قد خطب امرأة في مثل سنه، ومن هنا فإن أباها، الذي كان موظفاً مالياً في مقاطعة مجاورة، سوف يجد له مهنةً. سيتزوج هو ويُشد إلى نير. حياته انتهت، وأمسى هو الآن حيواناً مطيعاً.
تنحى جانباً بارتباك، وقع حوافر الخيول المنسحبة لما يزل يتردد صداه في أذنيه. ومن ثم، بارتباك سخيف، مدّ أصابعه إلى بقايا لحم الخنزير المقدد في الصحون، صفّر بصوت ضعيف، ثم قذف البقايا إلى كلب ترير المستلقي لصق سياج المدفأة. راقب الكلب وهو يبتلعها، وانتظر ريثما يحدّق الحيوان في عينيه، ثم بانت على محياه تكشيرة طفيفة، وقال بصوت عال وسخيف:
-"لن تنال مزيداً من لحم الخنزير، ماذا يمكنك أن تفعل، أنت أيها الكلب الصغير؟"
هز الكلب ذيله بحركةٍ مترددة وكئيبة؛ ثم خفض كفليه، استدار، واستلقى ثانيةً.
هيمن سكون بائس آخر عند المائدة، تململ جو في مقعده، غير راغب بالمغادرة إلى أن ينفض الاجتماع العائلي. فريد هنري، الأخ الثاني، كان منتصب القامة، أنيقاً، ويقظاً. راقب هو مرور الجياد بمزيد من رباطة الجأش. لو كان هو حيواناً، مثل جو، فإنه حيوان مسيطر وليس مسيطر عليه. كان سيداً لأي حصان من الأحصنة، وكان يمتاز بقدرٍ معتدل من التفوق والسيطرة، لكنه لم يكنْ بارعاً في معالجة تعقيدات الحياة. دفع شاربه البني الخشن إلى الأعلى، بعيداً عن شفته، ونظر بانفعال إلى شقيقته، التي كانت جالسةً بلا حراك، وعلى وجهها تلوح سيماء الغموض.
"ستذهبين وتمكثين عند لوسي بعض الوقت، أليس كذلك؟"، سأل هو. الفتاة لم تجبْ.
"لا أدري ماذا ستفعلين غير ذلك"، قال فريد هنري بإصرار.
"اذهبي كخادمة"، قال جو محرّفاً النص بصورة مقتضبة.
الفتاة لم تحرك ساكناً.
"لو كنتُ في مكانها لذهبت للتدريب على مهنة التمريض"، قال مالكولم، الأخ الأصغر سناً. كان طفل الأسرة، شاب في الثانية والعشرين، بهي الطلعة، متناسق القسمات.
إلا أن مابيل لم تلحظ وجوده، كانوا يتحدثون عنها ومن حولها طوال أعوام عديدة، بحيث أنها لم تكدْ تسمع شيئاً على الإطلاق.
دقتْ ساعة الحائط المرمرية الموضوعة على الموقد بصوت واهن معلنةً انقضاء نصف ساعة، نهض الكلب المستلقي على بساط الموقد بحركةٍ مضطربة ونظر إلى المجموعة الجالسة إلى مائدة الفطور. بيد أنهم مازالوا جالسين في اجتماع سري عقيم.
"أوه، طيب"، قال جو بغتةً، من غير أن يقترح شيئاً. "سوف أذهب"... دفع كرسيه إلى الوراء، باعد بين ركبتيه بهزةٍ إلى الأسفل، كي يحررهما، بطريقةٍ حصانيةٍ، ومضى إلى النار. لكنه لم يغادر الحجرة بعد؛ كان تواقاً لمعرفة ماسيفعله أو يقوله أشقاؤه الآخرون . شرع يحشو غليونه بالتبغ، مخفضاً بصره إلى الكلب، قائلاً بصوت عال ومتكلف:
"أتذهب معي؟ أتأتي معي أيها الكلب الترير. هم لن يذهبوا إلى أماكن أبعد من تلك التي هم بصددها الآن. ألا تسمعني؟".
هز الكلب ذيله بوهن، أبرز الرجل فكه وغطى غليونه بكفيه، ونفخ الدخان بتصميم، ناسياً نفسه في التبغ، مصوّباً نظراته طوال كل تلك المدة إلى الكلب ذي العينين البنيتين الشاردتين. رفع الكلب عينيه إلى الرجل في ارتياب كئيب. وقف جو بركبتين بارزتين بطريقة حصانية حقيقية.
"هل تلقيتِ خطاباً من لوسي؟"، سأل فريد هنري شقيقته.
"نعم، في الأسبوع الماضي" ردتْ أخته بطريقة حيادية.
"وماذا قالت في رسالتها؟".
مابيل لم تحرْ جواباً.
"هل طلبت منكِ المجيء، والمكوث هناك؟"، ألح فريد هنري.
"قالت يمكنني أن أفعل إن شئت.".
"طيب، إذاً، خير لك أن تفعلي ذلك. أخبريها بأنكِ آتية يوم الاثنين.".
واستقبل هذا الكلام بصمت.
"إذاً هذا هو ماستفعلينه، صحيح؟". قال فريد هنري بشيء من الغيظ والسخط.
لكنها لم تردْ عليه. كان يخيم على الغرفة صمت يزخر بالسخط واللاجدوى.
كشر مالكولم بصورةٍ حمقاء.
"عليكِ أن تتخذي قراراً من الآن وحتى الأربعاء القادم.". قال جو بصوت مرتفع، "وإلا وجدتِ نفسكِ فوق حجر الرصيف.".
اكفهر وجه الشابة، إلا أنها ظلت جالسةً بثبات.
"هو ذا جاك فيرجسون!". هتف مالكولم، الذي كان يحدق بلاهدف عبر النافذة.
"أين هو؟"، صاح جو بصوتٍ عالٍ.
"مر تواً.".
"هل سيدخل؟".
أتلع مالكولم عنقه ليرى البوابة.
"أجل". قال هو.
خيم صمت، مابيل لبثت جالسةً كامرأةٍ مدانةٍ، عند رأس الطاولة، ثم سُمِعَ صفير من المطبخ. هبّ الكلب واقفاً ونبح بصوت حاد. فتح جو الباب وصاح قائلاً: "هلمَّ"..
بعد لحظةٍ دخل رجل في مقتبل العمر. يلف نفسه بمعطف ولفاع صوفي أرجواني اللون، أما قبعته التويد (نسيج صوفي خشن)، التي لم يرفعها، فقد كانت مسحوبة إلى الأسفل فوق رأسه. كان ربع القامة، وجهه طويل نوعاً ما وشاحب، أما عيناه فقد كانتا تبدوان متعبتين.
"مرحباً، جاك! حسن، جاك!"، هتف مالكولم وجو بينما لم يقلْ فريد هنري غير "جاك".
"ماذا ستفعل؟". سأل القادم الجديد، كان جلياً أنه يوجه كلامه إلى فريد هنري.
"سيان. علينا أن نخلي المكان يوم الأربعاء- هل أنت مصاب بالزكام؟".
"نعم. زكام شديد.".
"لِمَ لا تلازم الفراش. طالما أنتَ مصاب بالبرد؟".
"أنا ألازم الفراش؟ عندما لا أكون قادراً على الوقوف على قدميّ، من الجائز أن تكون لي فرصة سانحة في ملازمة السرير.". قال الشاب بصوت أجش. كانت له لهجة اسكتلندية طفيفة.
"إنه عمل مرهق، صحيح". قال جو باسترسال، "إذا ماواصل الطبيب عمله هنا وهناك متحدثاً بصوت خفيض أجش، آنذاك سيترك انطباعاً سيئاً لدى مرضاه، أليس كذلك؟ ".
جعل الطبيب الشاب يتأمل محدّثه.
"المسألة لا تعني عندك شيئاً، صحيح؟"، سأل هو ساخراً.
"هي لا تعنيني بالدرجة التي أعرفها. تباً لك، أتمنى أن لا تعنيني. علام تسألني؟".
"في اعتقادي أنك كثير الاهتمام بالمرضى، إني أتساءل ما إذا يحتمل أن تكون أنتَ واحداً منهم.".
"تباً، إني لستُ كذلك. لم أكن يوماً مريضاً عند طبيب متحمس، وآمل ألا أكون كذلك في المستقبل أيضاً". رد جو.
حينذاك قامتْ مابيل من المائدة، لاح عليهم كلهم أنهم باتوا منتبهين لوجودها.
بدأت هي تصف الصحون. تطلع الطبيب الشاب إليها. لكنه لم يخاطبها بكلمة. الواقع، لم يوّجه إليها تحيته. غادرت هي الحجرة مع الصينية، كان وجهها جامد الملامح من دون أن يطرأ عليها أي تغيير.
"متى سينفد مالكم أنتم جميعاً؟". استفهم الطبيب. ثم التفت إلى جو:"هل وقعت في المصيدة؟
"نعم، سبق وأن أخطرتك بأنني وقعت في المصيدة، أليس كذلك؟".
"يتوجب علينا، إذاً، أن نتغلب على هذا الوضع -وداعاً، جاك، إن لم أرك قبيل مغادرتي". قال مالكولم مصافحاً الطبيب.
انصرف إلى الخارج، ولحقه جو، الذي بدا كما لو أن له ذيلاً بين ساقيه.
"حسن، هوذا قدركم"، هتف الطبيب، عندما ترك وحيداً مع فريد هنري. "ستذهب قبل الأربعاء، أليس كذلك؟".
"تلك هي الأوامر"، رد الآخر.
"إلى أين، إلى نورثامبتون؟".
"نعم."
"اللعنة!" صاح فيرجسون، بغم هادئ.
لزم الاثنان الصمت.
" حسمت الأمور كلها، صحيح؟" سأل فيرجسون
"تقريباً.".
حلت فترة صمت أخرى.
"حسن، سأشعر بفراقك، ياعزيزي فريدي"، قال الطبيب الشاب.
"وأنا أيضاً، سأحس بالوحشة بعيداً عنك، ياجاك". رد الآخر.
"إن فراقك هو الجحيم بعينه". قال الطبيب متأملاً.
التفت فريد هنري. لم يكن ثمة مايقال. أقبلتْ مابيل من جديد، كي تزيل ما تبقى من أشياء على المائدة.
"وماذا ستفعلين أنتِ، آنسة بيرفين؟". سأل فيرجسون."ستذهبين إلى شقيقتكِ، صحيح؟".
تطلعت إليه مابيل بنظرات ثابتة وخطيرة، كانت تشعره دوماً بالضيق، وتزعزع راحته الظاهرة.
"لا" أجابت هي.

"طيب، باسم القدر ماذا ستفعلين؟ أخبريني ما الذي تنوين عمله؟"، صاح فريد هنري بحدةٍ لا طائل تحتها.
لكنها لم تفعل شيئاً سوى أنها أدارت رأسها، وتابعتْ عملها. طوتْ قماش المائدة الأبيض، وفرشت غطاء الشنيل( ).
"إنها لا تعرف سبيلاً إلى الملل والتعب!". تمتم أخوها.
لكنها فرغت من مهمتها بوجهٍ خالٍ تماماً من أي تعبير، الطبيب الشاب لا يني يراقبها بشغف واضح طوال كل تلك المدة. بعدها غادرت هي حجرة الطعام.
شيعها فريدهنري بنظراته، زاماً شفتيه، عيناه الزرقاوان ركزتا النظر في خصومة حادة، بينما كان يكشر معبراً عن سخطه التام.
"يمكنك أن تهشمها إلى شظايا، هذا هو كل مافي مقدورك أن تناله منها". قال: هو بنبرة واطئة.
لاحتْ على ثغر الطبيب ابتسامة طفيفة.
"ماذا ستفعل هي، إذاً؟" سأل هو.
"اضربني إن كنت أعرف!". أجاب الآخر.
خيم صمت. ثم تحرك الطبيب حركةً بطيئةً.
"سأراك الليلة، هل أستطيع ذلك؟"، قال لصديقه.
"نعم- أين سيكون لقاؤنا؟ هل ستذهب إلى مطعم جسديل؟".
"لا أدري. فأنا أعاني من هذا الزكام. سأمر في كل الأحوال على الموون والستارز.".
"لتتحسر ليزي ومي على ليلتهما مرةً واحدةً، مارأيك؟".
"صحيح- لو أنني أحسستُ بمثل ما أحس به الآن.".
"سيان-".
عبر الشابان المجاز، حتى وصلا إلى الباب الخلفي معاً. كان المنزل واسعاً، لكنه الآن خالٍ من الخدم، ومهجور، في الخلف كان ثمة فناء مشيد بآجرات صغيرة، ووراءه مربع كبير مكسو بصغار وحمر الحصى، وله اصطبلات على الجهتين. وثمة حقول مائلة، شديدة الرطوبة، داكنة كالشتاء تمتد بعيداً في الجوانب المفتوحة.
لكن الاصطبلات خالية الآن. جوزيف بيرفين، رب الأسرة كان رجلاً عديم الثقافة، وأمسى تاجر خيول كبيراً بعض الشيء. كانت الاصصبلات مليئة بالجياد. الخيول تذهب وتأتي يرافق رواحها ومجيئها اضطراب عظيم، ناهيك عن تجار وسائسي الخيل. وكان المطبخ يعج بالخدم. لكن في الفترة الأخيرة تدهورت الأمور تدهوراً سريعاً تزوج الرجل العجوز ثانيةً، كي يجدد نصيبه. الآن أمسى هو في عداد الأموات، وصارت عظامه رميماً، ولم يبقَ شيء غير الدين والتهديدات.
طوال بضعة شهور، ظلت مابيل تعمل وحيدة بلا خدم في المنزل الكبير، تتدبر أمور البيت مع الفقر المدقع من أجل أشقائها غير الفعالين. دبرتْ الشؤون البيتية على مدى عشرة أعوام. إنما في السابق. استطاعت هي القيام بواجباتها بوسائل لا حصر لها. ومن ثم، ومهما كانت الأشياء قاسية ووحشية، جعلها الإحساس بالمال فخورةً وواثقةً من نفسها. قد يكون الرجال بذيئي الألفاظ، وقد تكون خادمات المطبخ سيئات السمعة، وقد يكون لأشقائها أطفال غير شرعيين. لكن طالما ثمة مال، فهي تشعر بالاستقرار، وبأنها مزهوة بنفسها بصورة موجعة، وبأنها متحفظة.
لم يأتِ إلى البيت أي من الأصدقاء، كي ينقذ الخيل والرجال الذين يعانون من شظف العيش. مابيل ليس لها صديقات من جنسها، وخاصة بعد أن تزوجت شقيقتها وذهبتْ إلى دار بعلها. لكنها لم تبالِ بذلك. هي تذهب إلى الكنيسة بصورة منتظمة، كانت تصاحب والدها. وكانت تحيا على ذكرى أمها التي فارقت الحياة عندما كانت هي في ربيعها الرابع عشر. كانت مابيل تحب أمها المرحومة حباً جماً. كانت تحب أباها أيضاً، بطريقة مختلفة، تعتمد عليه، وتشعر بالحماية في كنفه، إلى أن بلغ هو سن الرابعة والأربعين حينذاك تزوج أبوها ثانيةً، وبعدها اتخذت هي موقفاً صلباً ضده. الآن رحل هو إلى العالم الآخر وتركهم جميعاً يائسين وغارقين في الدين.
عانتْ هي معاناة كبيرة في خلال فترة الفقر. مامن شيء، على أية حال، كان بمقدوره أن يهز الكبرياء الحيواني، الفضولي، العنيد الذي يسيطر على كيان كل فرد من أفراد الأسرة. الآن، بالنسبة لمابيل، النهاية أتت لا محالة. مع ذلك هي لا تبحث عن حلٍ لمعضلتها. كانت تتبع الطريقة ذاتها في الحياة. كانت تحمل دوماً مفاتيح وضعها الخاص، وتحتمل مصاعبها يوماً بعد يوم بغباء وإصرار. لماذا يتعين عليها أن تفكر؟ لماذا ينبغي لها أن تجيب عن أسئلة أي فرد من الناس؟ أما يكفي أن النهاية قد حلتْ، ومامن مخرج منها. لم يعدْ يعوزها أن تطوف خلسةً الشارع الرئيس للمدينة الصغيرة، متحاشيةً عيون الآخرين، كما لم تعدْ هي تحتاج إلى أن تحط من قدر نفسها، فتدخل الحوانيت وتشتري أرخص الأطعمة، هي ذي خاتمة المطاف. لم تعدْ تفكر هي بأيٍّ من البشر، حتى بنفسها. كانت عديمة الذكاء وعنيدة، تبدو كما لو أنها في حالةٍ من حالات الاهتياج تدنو أكثر فأكثر من كمالها الذاتي، مجدها، مقتربةً من أمها المرحومة، التي كانت هي نفسها جليلة الشأن.
بعد الظهر، أخذت حقيبتها الصغيرة، مع مجزة وإسفنجة وفرشاة تنظيف، وخرجتْ. كان يوماً شتائياً رمادياً، أما الحقول فكانت كئيبة، داكنة خضراء، وكان الجو مسوّداً بفعل دخان مشاغل سبك المعادن التي لا تبعد كثيراً من هنا. مضت مسرعةً، مسرعةً عبر طريق معبدة، غير مبالية بأي إنسان، مجتازةً المدينة متجهةً صوب فناء الكنيسة.
هناك تشعر هي دوماً بالطمأنينة، طالما أنه مامن أحد يمكنه أن يشاهدها، مع أنها في الواقع وبكل معنى الكلمة معرّضة لنظرات كل امرئ يمر من هناك تحت جدار فناء الكنيسة. مع ذلك، ذات مرة تحت ظل المدفن الكبير المليء بالأطياف، بين القبور، شعرتْ مابيل بأن حصناً منيعاً، يعزلها عن العالم، وبأنها محتجزة بين جدار فناء الكنيسة كما لو أنها في بلد آخر.
بحذرٍ جزتْ الحشائش التي طوقتْ اللحد، ونسقت الأقحوانات الصغيرة، البيضاء الضاربة إلى اللون الرمادي في الصليب، وحينما فرغت من ذلك، تناولت جرةً فارغةً من لحد مجاور، جلبتْ ماءً وبعناية تامة ودقة متناهية مسحتْ بالإسفنجة شاهدة القبر الرخامية وحجر الإفريز.
منحها ذلك العمل القناعة المخلصة. شعرتْ بأنها في تماسٍ عميقٍ مع عالم أمها، بذلت مجهوداً عظيماً، مضتْ عبر المتنزه في حالةٍ أقرب ماتكون للسعادة الخالصة، كما لو أنها في إنجازها لهذا العمل تصبح في تلاحم حميم مع أمها. ذلك أن الحياة التي تسلكها في العالم أقل واقعيةً بكثير من عالم الموت الذي ورثته من أمها.
يقوم منزل الطبيب على مقربةٍ من الكنيسة. فيرجسون، المساعد المستخدم حصراً، كان يعمل كالعبد المسترق في الريف، بينما هو يسرع الآن لمعاينة مرضاه الخارجيين في العيادة الجراحية. تطلع عبر المدفن بنظرةٍ خاطفةٍ، وشاهد الفتاة بينما هي تنجز مهمتها عند القبر، بدتْ منكبةً على عملها ومنعزلةٍ، كما لو أنها تبحلق في عالمٍ آخر. عنصر غامض مسَّ وتراً بداخله، وبينما كان يسير تباطأتْ خطواته، وجعل يراقبها كالمسحور.
رفعتْ مابيل عينيها، حينما شعرت بنظراته، التقتْ نظراتهما. وكل منهما تطلع في وجه الآخر ثانيةً وفي وقت واحد، كل منهما شعر أنه اكتشف من قبل الآخر. رفع الطبيب قبعته وواصل مسيره. بقيتْ ذكرى وجهها راسخةً في وعيه. كما لو أنها رؤيا، عندما رفعت وجهها من شاهدة القبر في فناء الكنيسة، وتطلعتْ إليه بعينين كبيرتين، بطيئتين، ورائعتين، وجهها نفسه كان رائعاً، بدا أن وجهها قد سحره تماماً. كانت عيناها ذات قوة هائلة استحوذت على كيانه كله، كما لو أنه تعاطى عقاراً قوياً وفعالاً. قبل الآن كان فيرجسون يشعر بالضعف والإعياء. الآن عادتْ إليه الحياة شعر هو أنه قد تحرر من كيانه اليومي المتآكل.
أكمل واجباته في العيادة الخارجية بأسرع مايمكن، ملأ بسرعة قناني القوم المنتظرين بالأدوية الرخيصة، ومن ثم، وبسرعة معهودة، بدأ رحلته ثانيةً ليزور حالات عديدة خلال قسم آخر من جولته على المرضى، قبل حلول فترة تناول الشاي. كان يفضل دوماً السير على قدميه، إن كان قادراً على ذلك، وخاصةً عندما يحس أنه ليس على مايرام، إذ يخيل له أن الحركة تعيد إليه نشاطه وحيويته.
كان العصر قد حل، كان عصراً رمادياً، باهتاً، وشتائياً ذا برودة بطيئة، ندية، وثقيلة تتغلغل إلى أجساد البشر وتعطل طاقاتهم كلها. لكن لماذا يلزمه أن يفكر أو يلاحظ؟. تسلق التل على عجل وعرّج على الحقول الداكنة الخضرة، سالكاً الطريق الداكنة المكسوة بنفايات المعادن.بعيداً، وعبر منخفض قليل العمق في الريف، كانت المدينة ملتمة على نفسها مثل رماد خامد. ثمة برج، وقمة مستدقة، وكومة من المنازل الواطئة، الفجة، المندرسة. وعلى الحافة الأقرب من المدينة، مائلةً نحو المنخفض، كانت تقع أولدميدو "المرج القديم"، حيث منزل عائلة بيرفين. كان في ميسوره أن يرى الاصطبلات والمباني الإضافية بصورة واضحة، بينما هي تستلقي صوبه على المنحدر. حسن، لن يختلف إلى هناك كثيراً في المستقبل! ملاذ آخر سيخسره هو، مكان آخر ضاع: الرفقة الوحيدة التي يهتم بها في المدينة الصغيرة، الغريبة والقبيحة ضاعت منه الآن. لاشيء غير العمل، والكدح، والإسراع المستمر من مسكن إلى مسكن بين عمال منجم الفحم وعمال الحديد، هذه الحياة الشاقة أرهقته تماماً، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر بتوق شديد إليها.
كان وجوده في مساكن العمال حافزاً له، وكان يتحرك إذا صح التعبير في المتن الأعمق من واقعهم الخشن. كانت أعصابه مستفزة ومشبعة. في وسعه أن يتغلغل عميقاً في الحياة الخاصة للرجال والنساء، هؤلاء جميعاً كانوا عاطفيين جداً، خشني الطباع، وعاجزين عن التعبير عن آرائهم. كان متذمراً، قال هو مرةً أنه كان يمقت الحجر الجهنمي. لكن والحق... يقال.. أثاره ذلك، كان الاتصال والتماس مع الناس الأفظاظ، شديدي الإحساس، محفزاً قوياً يمس أعصابه مساً مباشراً.
أسفل أولدميدو "المرج القديم"، في غور الحقول الأخضر، القليل العمق، المخضل، ثمة بركة ماء عميقة، مربعة الشكل. مسح الطبيب المنظر الطبيعي بنظرة خاطفة ميز فيها هيئةً متشحة بالسواد تجتاز بوابة الحقل، ميممةً شطر البركة. أنعم النظر من جديد، من الجائز أن تكون تلك مابيل بيرفين، فجأةً أمسى وعيه يقظاً وحيوياً.
لماذا تنزل هي إلى البركة؟ توقف في مسيره على المنحدر الذي في الأعلى، وجعل يحدق. كان في مقدوره أن يتأكد من أن ثمة هيكلاً أسود صغيراً يتحرك في غور النهار المعطل. بدا أنه شاهدها وسط هذه العتمة، وأنه كالمستبصر، رآها بالأحرى بعين العقل أكثر مما رآها بالبصر الاعتيادي. مع ذلك بوسعه أن يشاهدها بجزم كافٍ، بينما كان ينعم النظر بعينين يقظتين. شعر هو إذا ما نظر بعيداً، في الغسق الكثيف، والبشع، بأنه سيفقدها بكل مافي الكلمة من معنى.
تابعها بدقة متناهية بينما كانت تتحرك، بصورة مباشرة وبعزم، كما لو كانت شيئاً مرسلاً أكثر منه متحركاً حركة بطيئة في حيوية إرادية، مجتازةً الحقل متجهةً صوب البركة. وهناك وقفت على الضفة لحظةً. لم ترفعْ رأسها أبداً. وبعدها جعلت تخوض في الماء ببطء.
لبث الطبيب واقفاً بلا حراك بينما كان الهيكل الأسود الصغير يمشي ببطء وتروٍ إلى مركز البركة، ببطء شديد، موغلاً أعمق فأعمق في الماء الساكن، واستمرتْ هي تتقدم إلى الأمام عندما ارتفع الماء إلى مستوى ثدييها. عندئذٍ لم يعدْ يشاهدها في غسق النهار الذي انتهى.
صرخ هو: "أنتِ يامن هناك! هل تَعينَ ما تفعلين؟".
وحث الخطى مسرعاً، مهرولاً فوق الحقول الرطبة، المشبعة بالماء، مندفعاً عبر أسيجة الشجيرات، نازلاً إلى منخفض الظلمة الشتوية الجاسئة. استغرق دقائق معدودات في الوصول إلى البركة. وقف على الضفة، كان نفسَه ثقيلاً. لم يكن في مقدوره أن يرى شيئاً البتة. بدتْ عيناه كما لو أنهما تخترقان الماء الساكن، أجل، ربما يكون ذلك هو الظل الداكن للباسها الأسود تحت سطح الماء.
.... جازف بالدخول البطيء إلى البركة، كان قاعها عميقاً، طين لين، غاص هو، وشلتْ برودة الماء ساقيه، بينما كان يتحرك بتؤدة استطاع أن يتنشق رائحة الطين البارد النتنة التي لوثت الماء كله. كانت الرائحة كريهة، ولم تستسغها رئتاه. مع ذلك، قاوم هو بلا مبالاة، أوغل في البركة أكثر فأكثر. ارتفع الماء البارد فوق مستوى فخذيه، حتى وصل إلى مستوى بطنه. غاص كل الجزء الأسفل من بدنه في العنصر البارد الشنيع. كان القاع شديد الليونة ومشكوكاً فيه، كان فيرجسون يخشى أن يغوص ويصبح فمه تحت سطح الماء. لم يكن قادراً على السباحة، ولهذا كان يشعر بالخوف.
انحنى قليلاً، نشر ذراعيه تحت الماء وجعل يحركهما حركةً دائريةً، محاولاً تلمسها. تمايلت البركة الباردة الساكنة فوق صدره. أوغل من جديد، أعمق قليلاً، وثانيةً، وبينما كانت يداه في الأسفل، شرع يتحسس كل ماهو تحت الماء من حواليه. مسَّ لباسها. لكنه أفلت من أصابعه. وبذل مجهوداً يائساً في الإمساك به.
بينما كان يفعل ذلك فقد إتزانه، وغاص، بصورةٍ مرعبةٍ، وجعل يختنق في الماء الفاسد الترابي، مكافحاً بصورة مجنونة من أجل دقائق قلائل. وفي الختام بعد فترة بدتْ أشبه بالأبدية، استطاع الوقوف على قدميه، انتصب ثانيةً في الهواء وتطلع من حوله. كان يلهث، وأدرك هو أنه مايزال حياً، ثم نظر إلى الماء. كانت مابيل قد نهضت من الماء على مقربةٍ منه. أمسك هو بثوبها، وسحبها إليه، ساعياً إلى أن يجد طريقه إلى اليابسة ثانيةً.
سار ببطء شديد، وبعناية فائقة، مفكراً في التقدم البطيء. نهض أعلى فأعلى، خارجاً من البركة، أمسى الماء الآن في مستوى ساقيه؛ كان سعيداً، في راحة تامة بعد أن تخلص من براثن بركة الماء، رفع الفتاة وتهادى على الضفة، متحرراً من رعب الطين الرمادي الندي.
طرحها على الضفة، كانت قد فقدت وعيها تماماً، والماء يسيل منها . جعل الماء يخرج من فمها، وبذل مجهوداً، كي يعيدها إلى وعيها. لا ينبغي له مواصلة العمل فترة طويلة جداً، قبل أن يشعر أن تنفسها عاد إليها ثانيةً؛ كان تتنفس تنفساً طبيعياً. تابع عمله مدةً أطول. كان بمستطاعه أن يحس أنها تحيا تحت كفيه؛ عادت هي إذاً إلى وعيها. نشف وجهها، لفها بمعطفه، بحلق من حوله في العالم المظلم قليلاً، الرمادي القاتم، ثم رفعها وترنح في مشيته على الضفة مجتازاً الحقول.
بدت الطريق طويلة بصورةٍ لم تخطر له على بال، وبدا حمله ثقيلاً جداً وشعر أنه لن يصل إلى المنزل- لكنه أخيراً استطاع أن يصل إلى فناء الإصطبل، ومن ثم إلى فناء الدار. في المطبخ أرقدها على دثار الموقد، ونادى أحدهم. كان المنزل خالياً. لكن النار ماتزال مشتعلة في الموقد.
ثم جثا ثانيةً كي يعتني بها. كانت تتنفس بانتظام، كانت عيناها مفتوحتين على وسعهما كما لو أنها في أتم وعيها، لكن ثمة شيء ماغائب في نظراتها. كانت تعي كيانها، لكنها لا تعي بما حولها.
قفز درجات السلم، أخذ عدداً من البطانيات من السرير، ووضعها أمام النار كي تدفأ، ثم خلع رداءها المشبع بالماء، والذي يفوح برائحة الطين. جفف بدنها بمنشفة ولفها عاريةً بالبطانيات. ثم دخل حجرة الطعام، باحثاً عن مشروب كحولي. يوجد قليل من الويسكي، أخذ هو رشفةً منه، وسكب في فمها شيئاً منه.
كان تأثير المشروب فورياً، تطلعت في وجهه، كما لو أنها كانت تنظر إليه مدةً من الزمن، إلا أنها الآن فقط أمستْ واعيةً به.
"دكتور فيرجسون؟"... سألت هي.
"ماذا؟"... رد عليها.
كان قد تجرّد من معطفه، وحاول أن يجد لباساً جافاً في الطابق الأعلى. لم يكن يطيق رائحة الماء الطيني الراكد، وكان خائفاً حتى الموت على صحته:
"ماذا فعلتُ؟"، قالت هي:
"غصت في البركة"، أجابها. جعل يرتجف مثل مريض حقيقي، ولم يعدْ قادراً على العناية بها. بقيتْ تركز نظراتها عليه، بدا حزيناً، بينما هو يتطلع إليها عاجزاً. خف الارتجاف، وعادت إليه الحياة ثانية، حياة مظلمة وغير معلومة، إنما قوية.
"هل فقدتُ صوابي؟".. سألتْ هي، بينما كانت عيناها ماتزالان مركزتين عليه.
"ربما، في اللحظة الحاضرة"، أجابها. أحس بالهدوء، لأنه استعاد قواه، زايله التوتر الغريب المضطرب.
"هل أنا معتوهة الآن". سألته.
"أنتِ؟"، فكر ملياً. مرتْ لحظة ثم قال هو بصدق:"لا". أشاح وجهه جانباً.. الآن هو خائف، لأنه كان يشعر بالدوار، وأحس بصورةٍ غامضة بأنها أقوى منه، في هذا الموضوع. واستمرت في النظر إليه بثبات طوال الوقت. "هل يمكنكِ أن تخبريني أين يمكنني أن أجد ثياباً جافة كي أرتديها؟"سالها.
"هل غصتَ في البركة من أجلي؟". سألته.
"لا" أجابها. "خضتُ فيها. لكنني دخلت في الماء أيضاً".
خيم صمت لحظة، تردد هو، كان يتحرق شوقاً للصعود إلى الطابق العلوي كي يحصل على ملابس جافة، إنما كانت في داخله رغبة أخرى. بدتْ وكأنها تريد الإمساك به. يبدو أن إرادته قد ذهبتْ لتنام. وتركته هو، واقفاً هناك خائر القوى أمامها، لكنه شعر بأن داخله دافئ، لم يرتعدْ على الإطلاق، مع أن ثيابه كانت مبللةً بالماء وملتصقة بجسده.
"لماذا فعلتَ ذلك؟". سألته.
"لأنني لم أردكِ أن ترتكبي مثل هذا العمل الأحمق". قال هو.
"لم أكن حمقاء"، قالت، هي ما تزال هي تتطلع إليه راقدةً على الأرض، حيث كان دثار أريكة تحت رأسها. "كان ذلك هو العمل الصحيح الذي ينبغي لي القيام به. كنتُ أعرف ماكنتُ أفعله.".
"سأذهب وأتخلص من هذه الأشياء الرطبة"، قال هو. لكنه مايزال لا يملك القدرة على الابتعاد عنها، مالم ترسله هي. بدا كما لو أنها حياة جسده بيديها. وأنه غير قادر على أن يخلّص نفسه، أو لعله لا يودّ ذلك أصلاً.
فجأةً نهضت هي، ثم أمستْ واعيةً بحالتها. شعرتْ بالبطانيات التي حولها، وتحسست ساقيها. بدا على مدى لحظة كما لو أنها فقدت صوابها.
نظرت من حولها بعينين وحشيتين، كما لو أنها تفتش عن شيء ما. جمّدها الخوف، رأت ثيابها مبعثرةً على الأرض.
"من نضا عني ملابسي؟". سألته، استقرت نظراتها على وجهه.
أجاب هو: "أنا. كي أعيدك إلى الوعي.".
وعلى مدى لحظات قلائل لبثت تنظر إليه بصورة مروِّعة. تباعدت شفتاها.
"هل أنتَ مغرم بي إذاً؟". سألت هي.
كان واقفاً يتطلع إليها مفتوناً. بدتْ روحه كما لو أنها على شفير الذوبان. مشتْ متثاقلة على ركبتيها، بينما كان واقفاً هناك، تشبثت به بيقين غريب حاسم، ورنتْ إليه بعينين براقتين، ذليلتين، تنمان عن التجلي، والانتصار من نفسها. "أنتَ تحبني. أنا أعرف أنكَ تحبني، أنا أعرف.".
وراحت تقبله بعاطفة جياشة، كما لوأنها غير مبالية بأي شيء آخر في الدنيا كلها.
خفض بصره متطلعاً إلى شعرها المبلل المشوش كان منذهلاً، حائراً، وخائفاً، لم يخطر بباله أن يغرم بها. لم يرغب بالوقوع في هواها. عندما أنقذها من الغرق وأعاد إليها وعيها، كان ذلك بدافع ضميره المهني كطبيب، وكانت هي بمثابة مريضة. لم تكن عنده أي فكرة شخصية عنها. كلا، إن تدخل العنصر الشخصي كان شيئاً بغيضاً بالنسبة له، إنه تدنيس لشرفه المهني. إنه شيء مروِّع أن تطوّقه هكذا.ومع ذلك لم يكن قادراً على الإفلات منها.
تطلعت إليه ثانيةً، بالتوسل ذاته، توسل الحب القوي والفعال، وبالضياء نفسه، ضياء النصر المرعب والذي لا حد له، في ضوء اللهب الرقيق الذي يبدو كما لو أنه آتٍ من وجهها كالنور، كان هو خائر القوى. ومع ذلك لم يكن عازماً على أن يقع في هواها. لم ينوِ أن يغرم بها. ثمة شيء عنيد في داخله رفض الإفصاح عن نفسه.
"أنتَ مغرم بي"، كررت هي في تمتمة وقاحة عميقة ومفرطة الحماسة.
"أنت مغرم بي.".
كانت يداها تجرانه، تجرانه إلى الأسفل نحوها، كان خائفاً، لا بل يشعر هو بقليلٍ من الرعب. ذلك أنه في الواقع لم يكن عازماً على الوقوع في حبها. مع ذلك كانت يداها تسحبانه إليها. مدّ ذراعه بسرعة كي يثبت نفسه، وأمسك كتفها العارية، بدا كما لو أن لهباُ يحرق الكف التي أمسكت كتفها الناعمة. ليس له أية نية في أن يغرم بها: كانت إرادته الكلية ضد استسلامه. كان ذلك شيئاً مروِّعاً. ومع ذلك مذهلة كانت لمسة كتفيها، جميلاً كان إشراق وجهها. هل يحتمل أن تكون قد جُنت؟ كان يرهب الوقوع في شباك هواها. ومع ذلك شيء مابداخله أورثه الألم أيضاً.
كان يحوّل بصره إلى الباب، بعيداً عنها. بيد أن يده بقيت على كتفها، وفجأةً أمستْ هي في غاية الهدوء. خفض بصره إليها. صارت عيناها الآن مفتوحتين على مداهما بسبب الخوف، والشك، وزال الألق من وجهها، رجع إليه ظل الكآبة الشنيعة. لم يكن في مقدوره أن يحتمل لمسة سؤال عينيها له، ونظرة الموت وراء السؤال.
بأنينٍ باطني أفشى مابداخله، وجعل فؤاده يستسلم لها، لاحت على محياه بسمة لطيفة مفاجئة. أما عيناها، اللتان لم تفارقا وجهه، شيئاً فشيئاً أغرورقتا بالدموع. تأمل الماء الغريب يترقرق في عينيها، كما لو أن نافورة بطيئة انبجست هناك، وبدا كما لو أن فؤاده قد اشتعل وذاب في صدره.
لم يعد يحتمل النظر إليها بعد الآن. هوى على ركبتيه وقبض على رأسها بيديه وضمّ وجهها إلى حنجرته. كانت جد ساكنة. فؤاده، الذي بدا كما لو أنه قد تفطر، كان يشتعل بنوعٍ من الكرب في صدره. وأحس بعبراتها الحارة، البطيئة تبلل حنجرته. لكنه لم يكن قادراً على الحركة.
أحس أن دموعها الحارة تبلل عنقه وتجاويف عنقه، وظل بلا حراك، معلقاً بأحد خيوط أبديات الإنسان. الآن فقد صار أمراً لا مفر منه أن يضم وجهها إليه؛ لن يدعها تفلت منه ثانية، لن يدع رأسها يفلت من مسكة يده. ودّ أن يبقى أبداً على هذه الحال، وقلبه يسبب له ألماً كان بمثابة حياة بالنسبة له.
من غير أن يعلم، كان يخفض بصره على شعرها البليل، الناعم، البني اللون. ثم، فجأةً، شمَّ الرائحة الكريهة لذلك الماء الراكد، وفي اللحظة ذاتها انسحبت مبتعدةً عنه وتطلعتْ إليه. كانت عيناها كئيبتين ولا يسبر غورهما. كان يخشى تينك العينين، وشرع في تقبيلها، من غير أن يعرف ماكان يفعله. تمنى أن لا يرى تلك النظرات الرهيبة الكئيبة التي لا يسبر غورها في تينك المقلتين.
عندما أدارت وجهها إليه ثانيةً، كان يشع بحمرة خفيفة رقيقة، ومن جديد بزغ ذلك البريق الرهيب للفرح في عينيها، الذي أرعبه حقاً، والذي رغم ذلك ود أن يشاهده، لأنه كان يخشى نظرة الشك أكثر منه.
"أتحبني؟".. سألته، متلعثمة بعض الشيء...
"نعم". هذه الكلمة كلفته مجهوداً موجعاً، ليس لأنها غير حقيقية، إنما لأنها كانت حقيقة جديدة جداً. هذا القول مزّق ثانيةً فؤاده الممزق حديثاً، وبالكاد تمنى هو أن يكون قوله حقيقياً، حتى الآن.
رفعت وجهها إليه، وانحنى فيرجسون للأمام، وقبلها برقة، قبلةً كانت بمثابة عربون أبدي. وحينما قبلها توتر قلبه ثانيةً في صدره. لم يكن عازماً على التوّله بها. لكن الآن انتهى كل شيء. فقد عبر الخليج متجهاً إليها، وكل ماتركه وراءه صار ذابلاً وعقيماً.
بعد القبلة، عيناها درت ثانيةً دموعاً مدرارة. كانت جالسة بلا حراك، بعيدة عنه، ووجهها مخفض ومشاح جانباً، ويداها مطويتان في حجرها. انهمرت العبرات ببطء شديد. خيّم صمت تام، هو أيضاً، لبث جالساً بلاحراك ملتزماً الصمت على دثار الموقد. الألم الغريب لقلبه الذي تفطر بدا كما لو أنه شرع يتلفه. أكان يلزمه أن يعشقها؟ أهذا عشق! أكان يجب أن يُشرّط بهذه الطريقة! -هِم، طبيب!- كم سيسخر منه الناس جميعاً لو أنهم عرفوا!
-كانت فكرة معرفة الآخرين بغرامه هذا تؤلمه ألماً شديداً.
في خلال الألم الصريح واللافت للنظر لتلك الفكرة نظر إليها من جديد.
كانت جالسة هناك مخفضة الرأس مستغرقةً في التفكير، رأى دمعةً تهمي، فاشتعل اللهب في فؤاده.
"لمَ تبكين؟".. سألها بنبرة مختلفة.
رفعتْ بصرها إليه، ووراء غلالة الدمع جلب وعيها بوضعها لأول مرة نظرةً قاتمةً من الخجل إلى عينيها.
"أنا لا أبكي ، حقيقةً"، قالت، وهي تتأمله نصف خائفة.
مد يده، وبرفق قبض على ذراعها العارية.
"أنا أحبكِ، أنا أحبكِ!" قال بصوتٍ ناعم، خفيض ومرتعش، لا يمت إليه بصلة.
انكمشت، وطأطأت رأسها. مسكة يده الرقيقة، النافذة على ذراعها ضايقتها، رفعتْ بصرها إليه.
"أريد الذهاب"، قالت:"أريد أن أذهب وآتيك ببعض قطع الملابس الجافة.".
"لِمَ؟ أنا على مايرام.". قال.
"لكنني أنوي الرحيل.". قالت هي: ثم أردفت: "وأريدكَ أن تبدل ثيابكَ.".
حررّ ذراعها، ولفتْ هي نفسها ببطانية، متطلعةً إليه بشيء من الخوف. لكنها لم تنهض.
وبعد ثانية، نهضتْ بعصبية، لفتْ جسدها كله بالبطانية. راقبها في تشوش واضطراب، بينما كانت هي تسعى لتحرير نفسها ولف نفسها بحيث يمكنها أن تسير راقبها من غير شفقة، وكانت هي تدرك ذلك، وبينما هي تمشي، كانت البطانية تتجرجر على الأرض، ولما شاهد هو بنظرةٍ خاطفةٍ قدميها وساقها البيضاء، حاول أن يتذكر مفاتنها عندما لفها بالبطانية، لكنه وقتها لم يكنْ يرغب بالتذكر، لأنها لم تكن حينذاك تعني شيئاً بالنسبة له، وإن طبيعته منعته من تذكرها كما هو الحال عندما كانت لا تعني شيئاً بالنسبة له.
أرعبته ضوضاء متمتمة، مكتومة آتية من داخل المنزل المظلم، ثم سمع صوتها:
"توجد ثياب." نهض ومضى إلى أسفل السلم، ولملم قطع الملابس التي رمتها له. ثم عاد إلى النار، كي يدلك نفسه، ويرتدي ثيابه، كشر مشمئزاً من مظهره عندما فرغ من لبس الثياب.
كانت النار قد بدأت تخمد، لذا وضع شيئاً من الفحم. أضحى المنزل الآن شديد العتمة، عدا ضوء مصباح الشارع الذي كان يلمع ضعيفاً وراء أشجار البهشية. أشعل مصباح الغاز بعيدان ثقاب وجدها على رف الموقد. ثم أفرغ جيوب ثيابه الخاصة، ورمى ملابسه المبللة بهيئة كومة في حجرة غسل الأطباق والآنية. بعدها جمع ثيابها المشبعة بالماء، برفق، ووضعها بهيئة كومة منفصلة على سطح الوعاء النحاسي في حجرة الأطباق والآنية.
كان الوقت في الساعة الجدارية يشير إلى السادسة. ساعته اليدوية توقفت عن العمل. ينبغي له العودة إلى عيادته الجراحية. انتظر، لكنها لم تنزل بعد، لذا مضى هو إلى أسفل السلم، ونادى: "ينبغي لي الذهاب.".
وعلى الفور سمعها تنزل درجات السلم. لبستْ أجمل ثيابها، كان فستاناً من نسيج الفوال الرقيق الأسود، وكان شعرها مسرّحاً ومرتباً، لكنه مايزال بليلاً. نظرت إليه- ورغماً عنها ابتسمتْ.
"لا أحبكَ بتلك الملابس." قالت هي.
"هل بدوتُ مثيراً للسخرية؟". أجابها.
كل منهما كان خجلاً من الآخر.
"سأعد لك قليلاً من الشاي". قالت.
"لا، يتعين عليّ الذهاب.".
"هل ينبغي عليك الذهاب فعلاً؟" وتأملته ثانيةً بعينيها المفتوحتين على وسعهما، والمتوترتين، والمرتابتين، ومن جديد، من خلال الألم الساكن في قلبه عرف مقدار حبه لها. مضى وقبلّها برقة، وبعاطفة، قبلّها قبلة القلب الموجوع.
"وشعري يعبق برائحة جد فظيعة". غمغمت هي بحيرة وارتباك. "وأنا الآن في منتهى الكآبة، أنا في منتهى الكآبة! أوه لا، أنا في غاية الكآبة.".
وانخرطتْ في بكاء يفطر القلب. "أنتَ ترغب بالوقوع في هواي، أنا رهيبة!".
"لا تكوني حمقاء، لا تكوني حمقاء"، قال هو، ساعياً إلى تهدئتها. قبلّها وحملها بين ذراعيه."أنا أريدكِ، أريد الزواج منكِ، سوف نتزوج، على عجل، على عجل -غداً إذا تمكنتُ من ذلك.".
لكنها نحبتْ نحيباً مُراً، وصاحت:
"أحس بالكآبة. أحس بالكآبة، أشعر أنني رهيبة بالنسبة لك.".
"كلا، أنا أريدكِ". هذا هو كلِ ما أجاب به، بتهور، بتلك النبرة الفظيعة التي أخافتها أكثر تقريباً من رعبها الخاص من أن لا يكون راغباً فيها.


The horse dealer’s daughter
pp 150-167.
المصدر:
The Second Penguin Book
of Short Stories.

Post your comment

Comments

Be the first to comment