Latest Articles

  • ما العمر المتبقي لشركة تويتر؟

     
    بواسطة  كاتب ضيف     30  01  2017

    في الربع الأخير من 2016  تقدمت شركة سيلزفورس “salesforce” بطلب استحواذ رسمي على شركة تويتر Twitterr، وتسربت عروض اخرى غير رسمية من قبل شركات مثل جوجل و مايكروسوفت و والت ديزني، وكانت سيلزفورس الأكثر اهتماماً بالصفقة بالذات بعدما وصف رئيسها التنفيذي مارك بينيوف “Marc Benioff” شبكة تويتر بأنها ” جوهرة غير مصقولة”،  إلا أن سيلزفورس سحبت عرضها لاحقاً، فيما لم تحصل تويتر على أي مشتري.!

    لماذا تويتر غير مناسب للشراء؟

    ربما السبب الأبرز والأول الذي يجعل الشركات تعزف عن شراء تويتر هو عدم وجود نمو في الأرباح،  إضافة إلى تباطؤ نمو المستخدمين وانخفاض الشعبية، مقارنة بأكثر منافسين له فإن عدد المستخدمين النشطين لـ Instagram يومياً وصل إلى 300 مليون مستخدم، في حين يبلغ 150 مليون مستخدم في Snapchat، فيما توقف Twitter عند 140 مليون مستخدم يومي، علاوة على ذلك كله فإن السوق وحتى المستخدمين لم يعودوا يتوقعون شيء جديد أو مُثير من تويتر، فيما أصبحت حالات التنمر على الإنترنت ترتبط أكثر بتويتر والتي حولته إلى ساحة لممارسة السلوك العدواني ضد الغير بواسطة حسابات من يطلق عليهم ترول “Troll”.

    هل تكون تويتر هي ياهو جديدة

    قبل أن تقوم شركة فيريزون “Verizon” بالاستحواذ على شركة ياهو “Yahoo” عانت هذه الأخيرة من فترة ركود وصلت لحد انخفاض شعبيتها مقارنة بما كانت تمثله لجيل بداية الألفية حيث كانت تُعتبر هي بوابة الإنترنت أو ” الأنترنت بكل ما فيها”، لتدخل في دوامة تسريح الموظفين ثم مرحلة ضياع الهوية ومحاولة صناعة هوية جديدة للشركة والابتعاد عن الصورة النمطية ’ بوابات الإنترنت’ في محاولة يائسة منها للحاق بثورة الشبكات الإجتماعية، ثم جولة من الاستحواذات غير موفقة، رافقها تغيير منصب الرئيس التنفيذي عدة مرات. حتى مع الشركات الـ  53 التي استحوذت عليها ياهو خلال فترة رئاسة ماريسا ماير إلا أنها لم تنتشلها من أزمتها.!

    لينتهي بها الحال في صفقة استحواذ بقيمة 4.84 مليار دولار لصالح فيريزون، بعد أن رفضت عرض مايكروسوفت والذي كان بقيمة 45 مليار دولار في عام 2008، ليس هذا فحسب بل تضمنت الصفقة تغيير اسم الشركة من ياهو “Yahoo” إلى التابا “Altaba” مما يعني موت العلامة التجارية.!

    هذه الحالة عاشتها تويتر حيث أعلنت في العام الماضي عن نيتها  تقليص قوة العمل لديها بنسبة 8% أي ما يعادل 300 شخصاً،  ثم قامت بعدة استحواذات على خدمات وتطبيقات لتقوم بإغلاقها في النهاية علاوة على ذلك كله تأخرت في إطلاق ميزات مهمة.

    صورة تجمع المؤسسين الثلاثة جاك دورسي و بيز ستون وإيفان ويليماز – من مدونة تويتر.

     

    وعلى مستوى الإدارة  فقد عاد جاك دورسي في 2015 ليترأس تويتر من جديد،  دروسي والذي أسس الموقع في عام 2006 مع بيز ستون وإيفان ويليامز، ثم غادره عام 2008 بعد إقالته من منصبه كمدير عام. ليعود عام 2010 للإشراف على تطوير المنتج.!

    لماذا تفشل تويتر رغم أسبقيتها؟!

    على مستوى تطوير المنتجات وعمليات الاستحواذ لم تكن الشركة موفقة دوماً في أغلب منتجاتها التي تطلقها، فلم تفلح Twitter Music و فاين Vine وبيرسكوب Periscope في جذب مستخدمين جدد أو تحسين حضور الشبكة.

    في عام 2012 قامت تويتر بالاستحواذ على موقع وي آر هانتد “We Are Hunted” الموسيقي، في حين أنها كانت تدير حساباً رسمياً يتبع لشبكتها تحت اسم “Twitter Music”. يتابعه قرابة مليوني مستخدم في ذلك الوقت، لتعود في أبريل 2013 وتعلن عن تطبيقها الموسيقي لأجهزة آبل تحت اسم “Twitter Music” والذي يعتمد في جلب الأغاني على خدمات موسيقية أخرى هي iTunes, Spotify و Rdio، إلا أنها وبعد سنة وفي نفس الشهر أبريل من عام 2014 تقرر غلق التطبيق وأنهاء الخدمة تماماً.

    ثم حاولت تويتر الاستحواذ على شبكة ساوند كلاود”SoundCloud” الموسيقية في عام 2014 إلا أنها انسحبت من المفاوضات، لتعود في نهاية 2016 لتعلن عن استثمار 70 مليون دولار في الشبكة نفسها.!

    وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط فقد أبرمت تويتر اتفاقاً مع تطبيق استماع الأغاني العربي أنغامي “anghami” يمكّن المستخدمين من سماع الأغاني ومشاركتها على تويتر دون فتح تطبيق أنغامي.

    وفي صفقة أخرى تعكس أسبقية الشركة في الاستحواذ المبكر حيث قامت في 2012 بالاستحواذ على شركة ناشئة لديها ثلاثة موظفين وتعمل على بث الفيديوهات القصيرة، ولم تنشر أي فيديو للآن،  تُدعى فاين “Vine” كان  الهدف الغير مُعلن من الصفقة هو استغناء تويتر عن تطبيقات الطرف الثالث والتي تقوم بنشر الفيديوهات القصيرة على شبكتها.

    وهذه الخطوة تحسب لها، لكن هل نجح فاين صاحب الـ 6 ثوان في جذب المستخدمين، مع الأسف لا.
    وهذا ما دفعها في 2016 لإلغاء التطبيق وتسريح 350 موظف يعملون في فاين.

    وفي صفقة ثالثة تعيد نفس القصة ” نجاح في الأسبقية فقط” قام تويتر بخطوة ذكية وسريعة في 2015 بالاستحواذ على تطبيق بيرسكوب “Periscope” للبث المباشر وذلك حتى قبل أن يبدأ التطبيق بالعمل رسمياً، وكسب بذلك صفقة بسعر معقول في حدود الـ 1000 مليون دولار تقريباً وهو رقم معقول في وادي السيليكون قبل أن تكبر الشركة ويتم تقييمها بالمليارات، ايضا من خلال هذه الصفقة اخرج واحرج منافسه تطبيق ميركوت “Meerkat” والذي كان السباق لإطلاق ميزة البث المباشر والذي لم يصمد طويلاً.

    تم غلق تطبيق ميركوت Meerkat لاحقا وتحول لشبكة اجتماعية لبث الفيديو، ليترك حلبة المنافسة لخدمة  فيسبوك لايف “Facebook Live”  والتي تستند على أكثر من مليار مستخدم لديها، وهي بذلك قادرة على إنجاح  أي خدمة تطلقها.

    لكن كيف استفاد تويتر من تسيد سوق تطبيقات البث المباشر قبل أن تدخل فيسبوك على الخط.!  لاشيء.

    ينظر لتويتر على أنه مصدر مهم للأخبار وأسرع وسيلة للحصول على الأخبار العاجلة، فما كان ينقصه هو الفيديو وقد تأخر كثيراً لتضمين فيديوهات Periscope ضمن التغريدات، والذي كان بدوره سيدعم حضور تويتر ضمن سوق إعلانات الفيديو، لكن دوماً هناك ما ينغص كل أسبقية تويتر ونعني هنا سناب شات والذي ينجح دوماً في تخطي تويتر ففي إبريل 2016 شاهد المستخدمون 100 مليار فيديو على سناب شات يوميا.

    وفي تحديث أخيرا أعلن تويتر عبر مدونته الرسمية عن إتاحة البث المباشر للفيديو من خلال تطبيقه الرسمي دون الحاجة إلى تثبيت تطبيق خدمة البث المباشر المملوكة له Periscope.! وطبقاً للحالات السابقة مع Twitter Music و فاين Vine ربما باتت نهاية Periscope قريبة.!

    وحتى ننصف تويتر فإن قابلية استخدام التطبيق من خلال توحيد الخدمات من ” تغريد ورفع الصور وبث الفيديو المباشر والتصويت وغيرها” ضمن تطبيق واحد دون الاعتماد على خدمات وتطبيقات أخرى تبقى فكرة جيدة لكنها جاءت متأخرة جداً.

    تويتر تستحوذ على خدمات جيدة وفي وقت مبكر جداً وفي أسواق جديدة، ثم لا تستطيع استثمار اسبقيتها وتحويل هذه الخدمات والمنتجات لأعمال مربحة، مما يدفعها في النهاية إلى إغلاقها.

    هل يكون صندوق رؤية سوفت بنك هو المنقذ؟

    فيسبوك، جوجل، سناب شات، واخيراً مايكروسوفت هؤلاء هم الأربعة الكبار في الشبكات الإجتماعية حالياً ولا يرون في الاستحواذ على تويتر أي فرصة يجب اقتناصها، حتى الصين لديها بديل صيني لتويتر ويبو weibo، وليست في حاجة للاستحواذ كما اعتدنا في السنوات الأخيرة وتحديداً من 2008 على أن تقوم الشركات الصينية بالاستحواذ على الشركات الغربية  وبالأخص’ الأمريكية’ المتعثرة، كما حدث خلال هذا الأسبوع عندما استحوذتعلي بابا الصينية على شركة تحويل الأموال الأمريكية ” موني جرام” MoneyGram.

    لذلك ربما يكون المستحوذ الجديد خارج الوسط التقني.  فكر في السعودية فكر في المال.!

    في تغريدة على تويتر قال الرئيس الأمريكي  “دونالد ترامب” Donald Trump بأن “ماسايوشي سون” Masayoshi Son الرئيس التنفيذي لشركة سوفت بنك, وافق على استثمار 50 مليار دولار في سوق الشركات الناشئة الأمريكية مما يساهم في توليد 50 ألف فرصة عمل جديدة للمواطنين الأمريكيين. وتأتي هذه الصفقة كبداية إعلان عن أولى خطوات استثمار صندوق رؤية سوفت بنك والذي تم تأسيسه بالشراكة بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي و شركة سوفت بنك.

    هذه الصفقة تتماشى مع رؤية الرئيس ترامب والذي قال بأنه سيفرض ضرائب على الشركات الأمريكية التي تقوم بتصنيع منتجاتها في الخارج في محاولة منه لتوليد وظائف داخل السوق الأمريكي.

    فهل السيولة التي سيضخها صندوق سوفت بنك في وادي السيليكون الأمريكي ستشمل الاستحواذ على تويتر ؟

    لطالما كان المال السعودي هو المنقذ للشركات المتعثرة حول العالم، دع عنك الشركات بل حتى لميزانيات الدول المتعثرة.!

    وليس ببعيد عن صندوق رؤية سوفت وفي السعودية بالتحديد يوجد أحد أكبر المستثمرين المُبكرين في تويتر حتى قبل أن تصبح شركة عامة في 2013 و تطرح للتداول ونعني هنا الأمير الوليد بن طلال حيث قام في 2011 بضخ استثمار أولي في تويتر بقيمة 300 مليون دولار ليعود في 2015 ويرفع حصته  إلى 5.17%.

    فيما ذكر موقع “بيزنس إنسايدر” businessinsider في اغسطس 2016 بإن الوليد بن طلال سيقوم بالاستحواذ على تويتر بالشراكة مع ستيف بالمر الرئيس التنفيذي السابق لمايكروسوفت، حيث يملكان الآن 99% من أسهم الشركة.!

    يبقى تويتر هو أفضل وسيلة في وقتنا الحاضر يخبرك عن ماذا يحدث حول العالم مباشرة وقت حدوثه، ولطالما سمعنا بالخبر أولاً على تويتر قبل الجميع، فهل سيستمرعصفور الأخبار مريضاً حتى الموت؟

    Read more
  • بيوتي

     

     

    (1) بيوتي  

    غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي


          كانت المرأة ترتدي وشاحاً برتقالياً لفته من حول جبينها بشدة إلى حد أنه بدا مثل قبعات النسوة في العشرينات من القرن العشرين، وكان صوتها يجرف أمامه أي معارضة، وكذا كلام رفيقيها وصوت الدراجة النارية براكبها الشاب التي كان محركها يدور في الخارج وحتى رنين أطباق الحساء في مطبخ مطعم "أنتيب" الصغير الذي كان فارغاً تقريباً الآن بعد أن حلّ الخريف بالفعل. كان وجهها مألوفاً لي. لقد شاهدته يتطلع من شرفة أحد المنازل المرممة فوق الأسوار، وهي تتلفظ بعبارات التحبّب مخاطبة شخصاً ما أو شيئاً ما غير مرئي في الأسفل. ولكني لم أكن شاهدتها منذ أن غربت شمس الصيف وظننتها رحلت مع الأجانب الآخرين. قالت: "سأكون في فيينا لقضاء عيد الميلاد. أحب المكان هناك. تلك الجياد البيضاء الجميلة والصبية الصغار الذين يغنون ألحان باخ."‏
    كان رفيقاها انكليزيين، وكان الرجل لا يزال يجاهد للحفاظ على مظهر الزائر الصيفي، ولكن بدنه كان يرتجف سراً بين الحين والآخر في قميصه الرياضي القطني الأزرق. سأل بصوت صادر من الحلق: "ألن نراك في لندن إذن؟ وقالت زوجته التي كانت أصغر سناً بكثير من كليهما: "أوه، ولكن عليك بكل بساطة أن تحضري."‏
    قالت: "هناك صعوبات، ولكن لو كنتما ستذهبان إلى مدينة البندقية في الربيع...؟"‏
    "لا أعتقد أنه سيكون معنا ما يكفي من النقود، أليس كذلك يا حبيبي؟ ولكن نود أن نغادر لندن. أليس هذا صحيحاً يا حبيبي؟"‏
    قال بكآبة: "بالطبع."‏
    "أخشى أن يكون هذا مستحيلاً تماماً بسبب (بيوتي)(1) كما تستطيعان أن تريا."‏
    لم أكن قد لاحظت بيوتي حتى ذلك الحين لأنه كان حسن السلوك جداً. كان منبطحاً علىحافة النافذة ساكناً شأن حلوى الكريمة فوق رف دكان الحلويات. أعتقد أنه أكمل كلب "بكيني" سبق لي أن رأيت... رغم أني لا أستطيع الادعاء بمعرفة النواحي التي ينشدها المحكمون في مثل هذه الأمور.‏
    كان أبيض كالحليب لولا أن قليلاً من القهوة قد أضيف إلى لونه، ولكن هذا لم يكن يعيبه إطلاقاً بل يعزز جماله. أما عيناه فكانتا تبدوان من حيث كنت أجلس سوداوين داكنتين مثل قلب زهرة، وما كان يعكرهما إطلاقاً أي تفكير. لم يكن هذا كلباً يستجيب لعبارة "جرذ" أو يظهر حماسة شبابية لو اقترح عليه أحد مشواراً على الأقدام. ما كان ليثير أي اهتمام فيه ما هو أقل من صورته في مرآة كما خيل إلي. كان بكل تأكيد جيد التغذية بحيث كان يتجاهل الوجبة التي يتركها غيره دون إنهاء، رغم أنه كان على الأرجح معتاداً على شيء أثمن من أفخر أنواع القريدس.‏
    سألت المرأة الأكثر شباباً: "ألا تستطيعين تركه مع صديق ما؟"‏
    "أترك بيوتي؟" لم يكن السؤال نوعاً من الجواب. مررت أصابعها عبر الشعر الطويل بلون القهوة بالحليب، ولكن الكلب لم يحرك ذيله قط مثلما كان من شأن كلب عادي أن يفعل. نخر مثل رجل عجوز أزعجه النادل في النادي: "كل قوانين الحجر الصحي تلك... لماذا لا يقوم أعضاء مجلس الشيوخ لديكم بفعل شيء ما حول ذلك؟"‏
    "نحن ندعوهم بأعضاء البرلمان"، قال الرجل بطريقة ظننتها تحمل كرهاً خفياً.‏
    "لا يهمني ما تدعونهم به فهم يعيشون في القرون الوسطى. أستطيع الذهاب إلى باريس وفيينا والبندقية... عجباً، أستطيع الذهاب إلى موسكو لو أردت، دون أن أترك بيوتي في سجن رهيب مع كل تلك الأنواع من الكلاب الرهيبة."‏
    أعتقد أنه سيحفظ في..." تردد بكل الكياسة الانكليزية المثيرة للإعجاب التي كان يزن بها الكلمة المطلوبة بالميزان: "أيقول زنزانة؟ وجار؟ حجرة تخصه وحده؟"‏
    "فكر في الأمراض التي قد يصاب بها." رفعته عن حافة النافذة بسهولة كما من شأنها أن ترفع دثاراً من الفرو، ثم ضغطته بعزم على ثديها الأيسر. لم ينخر حتى. انتابني إحساس بشيء متملك بالكامل. كان يمكن لطفل أن يتمرد على الأقل... فترة من الزمن. يا للطفل المسكين. لا أعرف لِمَ لم أستطع الشعور بالشفقة على الكلب. ربما كان جميلاً أكثر من المعتاد.‏
    قالت: "بيوتي المسكين ظمآن."‏
    قال الرجل: "سأحضر له بعض الماء."‏
    "نصف زجاجة من مياه إيفيان لو سمحت. لا أثق بماء الصنبور."‏
    عند ذلك تركتهم لأن السينما في ساحة ديغول تفتح أبوابها في التاسعة.‏
    ***‏
    بعد الحادية عشرة خرجت ثانية. وبما أن الليل كان جميلاً باستثناء ريح باردة قادمة من جبال الألب، فقد درت من حول الساحة. وبما أن الأسوار كانت مكشوفة جداً، فقد اتخذت الشوارع الضيقة القذرة انطلاقاً من "بلاس ناسيونال" نحو "شارع دوساد" و"شارع دي بان." كانت كل صناديق القمامة قد أفرغت من محتوياتها وقامت الكلاب بالتغوط على الأرصفة والأطفال بالتبول في البلاليع المحاذية للطرقات. كانت هناك بقعة بيضاء اللون ظننتها في البدء قطة تتحرك خلسة على امتداد الواجهات الأمامية للبيوت، ثم توقفت. وعندما اقتربت تسللت كالحية خلف صندوق قمامة. وقفت مندهشاً ورحت أراقب. كان شكل من النور عبر أضلاع مصراع إحدى النوافذ قد رسم خطوطاً على الطريق بشكل جلد نمر مخطط أصفر اللون، وها هو بيوتي يتسلل خارجاً من جديد وينظر إلي بوجهه الأشبه بزهرة بنفسج وعينيه السوداوين الخاليتين من التعبير. أعتقد أنه توقع مني أن أرفعه، لذا كشر عن أسنانه محذراً.‏
    صرخت: "عجباً! إنه بيوتي!" نخر نخرة عضو النادي وراح ينتظر. هل كان حذراً لأنه وجد أني أعرف اسمه؟ أم هل ميز من ملابسي ورائحتي أني أنتمي إلى الطبقة نفسها التي تنتمي إليها المرأة ذات القبعة، وأني واحد ممن يعارضون نزهته الليلية؟ أصاخ فجأة أذنيه تجاه المنزل الذي فوق الأسوار. ربما سمع صوت امرأة تناديه. لا شك أنه نظر إلي بريبة وكأنه أراد أن يرى إن كنت قد سمعت ما سمعه هو أيضاً. وربما لأنني لم أتحرك فقد اعتبر نفسه في أمان. بدأ يتموج على الرصيف ولديه نية محددة، مثل ثعبان البوا المغطى بالريش في ذلك المشهد من العرض الراقص في ملهى ليلي حين يلتف باحثاً عن القبعة الرسمية السوداء. لحقت به من مسافة حذرة.‏
    ما كان يؤثر فيه يا ترى؟ الذاكرة أم حاسة الشم الحادة؟ فبين كل صناديق القمامة في الشارع المتواضع كان هناك صندوق واحد دون غطاء. كانت أشياء كثيرة لا يمكن وصفها تتدلى منه. وقف بيوتي، الذي تجاهلني تماماً الآن، كما قد يتجاهل كلباً أدنى منزلة، على ساقيه الخلفيتين بينما ساقاه الأماميتان اللتان غطاهما الريش الأبيض الرقيق كانتا تمسكان بحافة الصندوق. التفت برأسه ونظر نحوي دون تعبير بعينين كبركتين من الحبر. كان يمكن لعراف بالأحرى أن يقرأ فيهما سلسلة لا متناهية من التنبؤات. قفز كما قد يفعل الرياضي وهو يرفع نفسه فوق قضبان الجمباز، فأضحى داخل صندوق القمامة. وكانت ساقاه الأماميتان المغطاتان بالريش- أنا واثق أني قرأت في مكان ما أن الريش مهم جداً في مسابقات الجمال الخاصة بكلاب بكين- تنبشان وتنقبان بين الخضر البائتة والكرتونات الفارغة والبقايا المسحوقة في الصندوق. أصبح مستثاراً وراح يتشمم بأنفه شأن خنزير يفتش عن الكمأة. ثم بدأت ساقاه الخلفيتان تعملان لترميا القمامة من خلفه... قشور الفاكهة على الرصيف وحبات التين المتعفنة ورؤوس السمك. وأخيراً نال مبتغاه: أمعاء طويلة لحيوان لا يعرف جنسه أحد. رماها في الهواء حتى التفت من حول عنقه الأبيض كالحليب ثم هجر صندوق القمامة وراح يتمختر في الشارع كالمهرج وهو يجر وراءه الأمعاء التي كان يمكنها أن تكون حبلاً من المقانق.‏
    علي أن أعترف أني كنت مؤيداً له. لا شك أن أي شيء أفضل من عناق ثدي غير ناهد.‏
    حول منعطف وجد زاوية معتمة ملائمة على نحو واضح أكثر من غيرها لنهش الأمعاء لأنها كانت تحوي بقعاً كبيرة من الغائط. اختبر الغائط أولاً، كونه عضواً في النادي، ثم ترنح عليه لفترة طويلة وأطرافه في الهواء، وهو يحك فراءه الذي بلون الحليب بالقهوة بذلك الشامبو الداكن بينما الأمعاء تتدلى منه، وعيناه الحريريتان تحدقان بهدوء إلى سماء "ميدي" السوداء الهائلة.‏
    أعادني الفضول إلى بيتي، على أي حال، عن طريق الأسوار. وهناك على الشرفة كانت تتكئ المرأة محاولة على ما أعتقد أن تميز كلبها في ظلال الشارع في الأسفل. سمعتها تنادي بقلق: "بيوتي! بيوتي!" ثم راحت تنادي بصبر نافد آخذ بالارتفاع: "بيوتي! عد إلى البيت! لا شك أنك انتهيت من الفرفرة الآن يا بيوتي. أين أنت يا بيوتي؟ بيوتي؟" مثل هذه الأمور الصغيرة تدمر إحساسنا بالتعاطف، فلا شك أنه لولا تلك القبعة البرتقالية القبيحة لكنت شعرت ببعض الشفقة على تلك المرأة العجوز العاقر الواقفة هناك وهي تنادي على بيوتي الضائع.‏

     

     



    (1) - بيوتي: تعني الجميل أو الجمال بالانكليزية (المترجم).‏
    غراهام غرين: (1904-1991) روائي وقاص انكليزي شهير. من أهم أعماله الروائية: "الأمريكي الهادئ" (1955) و"رجلنا الذي في هافانا" (1958) و"القضية المحترقة" (1961) و"ممثلو الكوميديا" (1966) و"القنصل الفخري"‏
    (1973) و"العامل الإنساني" (1978) و"الرجل العاشر" (1985). وقد تحول كثير من رواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. كما كتب القصص والمسرحيات وكان غزير الإنتاج.‏
    كان غرين مهتماً بالصراع الروحي في عالم آخذ بالانهيار. ولد في بريطانيا لأب كان مدير مدرسة. وقد درس لاحقاً في جامعة أوكسفورد وعمل في الصحافة ثم ككاتب متفرغ كما عمل موظفاً في وزارة الخارجية البريطانية في غرب أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب سافر في رحلات مطولة.‏
    تتميز أعمال غرين بالتفاصيل الحيوية وتنوع الخلفيات (المكسيك، أفريقيا، هاييتي، فييتنام) والتصوير الموضوعي للشخصيات الواقعة تحت مختلف الضغوط الاجتماعية والسياسية أو النفسية. الشر كلي الوجود. في أعماله المتأخرة فإن بعداً من الشك والصراع الأخلاقيين قد أضيفا إلى الرعب والتشويق. في روايته "مونسينيور كيخوته" (1982) فقد قارن ما بين الماركسية والكاثوليكية، ولكن لهجته فيها كانت أرق. كما نشر له بعد وفاته كتاب: "عالم يخصني: مذكرات حلم" (1994) الذي كتبه غرين في الأشهر الأخيرة من حياته، وهي مذكرات جزء منها خيالي وآخر يتعلق بسيرته الذاتية أعتم فيها على (800) صفحة من المذكرات التي كان يخطها خلال أربعة وعشرين عاماً.‏
    " عن الإنكليزية"‏

     

    Read more
  • المخربون

     

     

     

     غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه


    -1-‏
    كان ذلك في أمسية عطلة أوغست بنك هوليداي)(1) عندما أصبح أحدث المستجدين زعيماً لعصابة وورمسلي كومون). لم يُدهش أحد عدا مايك)، لكن مايك) الذي يبلغ التاسعة من عمره كان يندهش من كل شيء. حتى قال له أحدهم ذات يوم: "إذا لم تغلق فاك فلابد أن تقفز فيه ضفدعة." بعد ذلك كان مايك) يطبق أسنانه بإحكام إلا إذا كانت المفاجأة عظيمة جداً.‏
    انضم أحدث المستجدين إلى العصابة في بداية عطلة الصيف. ودارت توقعات حول صمته التأملي الذي لاحظه الجميع. لم يُضع كلمة واحدة حتى في إخبارهم باسمه، لأن ذلك كان مطلوباً منه حسب القوانين.‏
    حينما قال لهم إن اسمه تريفور) كان ذلك إعلاناً عن حقيقة، ليس كما سيكون بالنسبة للآخرين إعلاناً عن الخجل أو التحدي. كما لم يضحك أحد سوى مايك) الذي وجد نفسه دون مؤازرة، فغر فاه واسعاً وعندما قابلته النظرة المكفهرة للوافد الجديد صمت ثانية. كانت الأسباب كثيرة ليصبح تي)، كما صار يُشار إليه لاحقاً، موضوعاً للسخرية: اسمه حيث استبدلوا به الحرف الأول منه لأنهم بدون ذلك لن يكون لديهم سبب للضحك عليه)، وحقيقة أن والده، وهو مهندس معماري سابق ويعمل كاتباً في الوقت الراهن، قد حطت به الأقدار، وأن والدته تعتبر نفسها أفضل من بقية الجيران. لقد تم ضمه إلى العصابة دون مراسم، ولو مراسم وضيعة، ربما توقعوا منه أن يكون مصدر خطر غريب وغير متوقع.‏
    كانت العصابة تجتمع كل صباح في موقف سيارات مؤقت، وهو موقع آخر قنبلة سقطت في أول غارة جوية(2) . لقد زعم الزعيم، الذي يُعرف باسم بلاكي)، أنه سمعها وهي تسقط. لم تكن لديه الدقة الكافية في مذكراته ليشير إلى أنه كان في السنة الأولى من العمر وكان يغط في النوم على الرصيف السفلي في محطة أنفاق وورمسلي كومون). في طرف موقف السيارات كان أول بيت مأهول، ويحمل الرقم 3، يتكئ بكل معنى الكلمة على نورث وود تيراس) المحطم، لأنه تضرر من انفجار القنبلة، وقد سُنِّدت الجدران الجانبية بدعائم خشبية. فيما سقطت قنبلة أصغر وقنابل حارقة خلف المنزل فأحالت جدراناً أخرى إلى أطلال مما جعله يبدو كسنّ منخورة، حيث لم يتبق إلا ورق الجدران الذي يغطي الجزء الأسفل من الجدار وبقايا موقد.‏
    كانت خطط العمليات التي يقترحها تي) على بلاكي) كل يوم تُطرح للتصويت بـ"نعم" أو "لا". وذات مرة أصاب العصابة بالروع عندما قال بتأمل: "يقول والدي إن رين)(3) هو من بنى هذا البيت."‏
    -"من هو رين)؟"‏
    -"الرجل الذي بنى كنيسة سان بول)."‏
    قال بلاكي): "من يكترث لذلك؟ إنه ليس سوى منزل أولد ميزيري)."‏
    أولد ميزيري)، واسمه الحقيقي توماس)، كان فيما مضى بناءً ومصمم ديكور. عاش وحيداً في البيت المتداعي الذي بناه لنفسه. كان يُرى مرة كل أسبوع عائداً عبر الساحة، حاملاً الخبز والخضار، وعندما يرى الأولاد يلعبون في موقف السيارات كان يسند رأسه إلى سور حديقته المهدَّم وينظر إليهم.‏
    قال أحد الأولاد: "إنه ذاهب إلى المرحاض." فقد كان معروفاً منذ سقوط القنابل أن ضرراً أصاب الأنابيب، وكان أولد ميزيري) شحيحاً بحيث لم ينفق مالاً على بيته. استطاع تجديد الديكور بنفسه، وبسعر الكلفة، لكنه لم يتعلم السباكة قط. والمرحاض هو عبارة عن بناء خشبي في طرف الحديقة الضيقة، لبابه كوة على شكل نجمة. لقد سلم من انفجار دك المنزل المجاور واقتلع إطارات النوافذ في المنزل رقم 3.‏
    في المرة التالية التي التقت العصابة بالسيد توماس) كانت مدهشة أكثر. إذ لقيه كل من بلاكي) ومايك) وفتى آخر نحيل وشاحب، كانوا ينادونه لسبب ما بكنيته سمرز)، في الساحة عائداً من السوق. أوقفهم السيد توماس) وقال بتجهم: "ألستم من المجموعة التي تلعب في موقف السيارات؟"‏
    كاد مايك) أن يجيب عندما أوقفه بلاكي). وبما أنه الزعيم فإن لديه مسؤوليات، قال بغموض: "هل تتوقع أننا منهم؟"‏
    قال السيد توماس): "لدي بعض قطع الشوكولا لم ترق لي، هاكم. لا أظن أنها كافية بالنسبة لكم، فلا يوجد لدي ما يكفي منها."‏
    قال عبارته بإقناع كئيب، وناولهم ثلاث قطع من شوكولا سمارتي).‏
    أصيبت العصابة بالحيرة والاضطراب نتيجة هذا السلوك، وحاولوا تفسيره. قال أحدهم: "أراهن أنها سقطت من أحدهم فالتقطها."‏
    قال آخر بصوت مرتفع: "أظن أنه سرقها ثم أصابه ذعر شديد."‏
    قال سمرز): "إنها رشوة لنا. فهو يريد أن نتوقف عن إطلاق الكرات على جداره."‏
    قال بلاكي): "سنريه أننا لا نأخذ رشاوى."‏
    وهكذا أمضوا معظم صباحهم وهم يمطرون جداره بالكرات، مايك) وحده كان صغيراً بحيث لم يستمتع بذلك. ولم تبدر أية إشارة عن السيد توماس).‏
    في اليوم التالي أصابهم تي) بالدهشة جميعاً. تأخر عن موعد الاجتماع، وجرى التصويت على مأثرة ذلك اليوم دون حضوره. حسب اقتراح بلاكي) كان على العصابة أن تنقسم إلى أزواج وأن تستقل المجموعات الحافلات العامة دون وجهة محددة، والهدف هو معرفة عدد المرات التي يستطيعون فيها ركوب الحافلات دون دفع أجرة نتيجة مغافلتهم للجباة غير المتيقظين، وكان من الواجب تنفيذ العملية بمجموعات زوجية تجنباً للغش). وراح كل واحد يخطط لشريكه عندما وصل تي).‏
    سأله بلاكي): "أين كنت يا تي)؟ لا يمكنك التصويت الآن فأنت تعرف القوانين."‏
    قال تي): "كنت هناك." ونظر إلى الأرض وكأنه يفكر في الاختباء.‏
    -"أين؟"‏
    -"في منزل أولد ميزيري). "انفرج فم مايك)، ثم أطبقه بسرعة محدثاً صوتاً فقد تذكر الضفدعة.‏
    قال بلاكي): "في منزل أولد ميزيري)؟" لم يكن في ذلك ما يخالف القوانين، لكن كان لديه شعور بأن تي) وطأ أرضاً خطرة. سأله وهو يأمل إجابة بالإيجاب: "هل اقتحمت المنزل؟"‏
    -"لا، بل قرعت الجرس."‏
    -"وماذا قلت له؟"‏
    -"قلت إني أريد مشاهدة المنزل."‏
    -"ماذا فعل؟"‏
    -"لقد أراني المنزل."‏
    -"هل سرقت شيئاً؟"‏
    -"لا."‏
    -"لماذا قمت بذلك إذن؟"‏
    تحلّق أفراد العصابة، وبدا أن محكمة ارتجالية على وشك الانعقاد للنظر في قضية انحراف عقائدي.‏
    قال تي): "إنه بيت جميل." وظل يحدق في الأرض دون أن تلتقي عيناه بأحد، لعق شفتيه بجهة ثم بالجهة الأخرى.‏
    سأله بلاكي) بازدراء: "ما تقصد بقولك منزل جميل)؟"‏
    -"إن فيه درجاً عمره مائتا عام، لولبي الشكل. قائم دون أن يسنده شيء."‏
    -"ماذا تقصد بأن لا شيء يسنده، هل هو طافٍ؟"‏
    -"إنه قائم بواسطة قوى متعارضة. هذا ما قاله أولد ميزيري)."‏
    -"وماذا غير ذلك؟"‏
    -"هناك ألواح خشبية مزخرفة تغطي الجدران."‏
    -"كما في بلو بور)(4)‏
    -"إن عمرها مائتا عام."‏
    -"وهل يبلغ عمر أولد ميزيري) مائتا عام؟"‏
    ضحك مايك) فجأة ثم لاذ بالصمت. دخل الاجتماع مرحلة خطيرة، فللمرة الأولى منذ قيام تي) بالتجول في موقف السيارات في أول يوم من العطلة يصبح موقفه في خطر. الموقف لا يحتاج إلا لاستخدام اسمه الحقيقي لمرة واحدة وعندئذ سيخر أفراد العصابة عند قدميه.‏
    سأله بلاكي): "لماذا فعلت ذلك؟" كان منصفاً، ولم يكن يشعر بالغيرة، بل كان همه استبقاء تي) في العصابة إذا كان بوسعه ذلك.‏
    إن كلمة جميل) هي التي أقلقته- فهي كلمة ذات مستوى راقٍ ولا يزال في مقدور المرء أن يلحظ ترديدها في وومسلي كومون إمباير) من قبل رجل يضع قبعة مرتفعة وعدسة أحادية وبلهجة متلعثمة.‏
    اضطر أن يقول: "عزيزي تريفور)، أيها الفتى الكبير." وأطلق كلماته التوبيخية المزدرية" إذا كنت قد دخلت المنزل "وقال بحزن" فإن ذلك سيكون مأثرة عظيمة للعصابة."‏
    قال تي): "كان ذلك أفضل. لقد اكتشفت أشياء هناك.." واستمر في النظر إلى قدميه دون أن تلتقي عيناه بأحد كما لو كان غارقاً في حلم لا يريد- أو يخجل- أن يشارك معه أحداً فيه.‏
    -"أية أشياء؟"‏
    -"سيكون أولد ميزيري) خارج البيت طيلة يوم الغد وعطلة هوليداي بنك)."‏
    قال بلاكي) بارتياح: "أتقصد أننا نستطيع اقتحام المنزل؟"‏
    وسأل آخر: "وأن نسرق هذه الأشياء؟"‏
    قال بلاكي): "لن يسرق أحد شيئاً. إن اقتحام المنزل كافٍ تماماً، أليس كذلك؟ لا نريد المثول أمام المحاكم."‏
    قال: "لا أريد أن أسرق أي شيء. لدي فكرة أفضل."‏
    -"ما هي؟"‏
    رفع تي) عينيه، كانتا رماديتين ومضطربتين كيوم كئيب من أيام شهر آب. قال: "سنسويه بالأرض. سندمره."‏
    أطلق بلاكي) ضحكة واحدة قصيرة، ثم لزم الصمت مثل مايك)، خوفاً من النظرة الجدية الملحة.‏
    قال: "وأين ستكون الشرطة طوال الوقت؟"‏
    -"إنهم لن يعرفوا. سنقوم بذلك من الداخل. لقد وجدت طريقة لذلك من الداخل. "وقال بشيء من الحدة: "سنتصرف كالديدان داخل تفاحة. هل فهمت؟ وعندما سنخرج مرة ثانية لن يبقى هناك أي شيء، لا درج، ولا درابزين، لا شيء سوى الجدران، ثم سنقوم بهدم الجدران بطريقة ما."‏
    قال بلاكي): "سيكون مصيرنا السجن."‏
    -"من الذي سيثبت علينا ذلك. لن نقوم بسرقة أي شيء." وأضاف دون أي مسحة من المرح: "لن يبقى شيء يمكن سرقته بعد أن ننتهي."‏
    قال سمرز): "لم أسمع في حياتي عن دخول السجن من أجل تحطيم الأشياء."‏
    قال بلاكي): "لن يكون هناك وقت كافٍ. لقد رأيت كيف يتم هدم البيوت من قبل."‏
    قال تي): "نحن اثنا عشر فرداً، وعلينا أن ننظم أنفسنا."‏
    -"لا أحد منا يعرف كيف."‏
    قال تي): "أنا أعرف." ونظر مباشرة إلى بلاكي)" هل لديك خطة أفضل؟"‏
    قال مايك) بأسلوب أخرق: "كنا نخطط اليوم لاغتنام فرص ركوب مجانية.."‏
    قال تي): "فرص ركوب مجانية. يمكنك أن تترك الزعامة يا بلاكي) إذا كنت.."‏
    -"على العصابة أن تصوّت على ذلك."‏
    -"اطرح الموضوع على التصويت إذن."‏
    قال بلاكي) بتردد: "إن الاقتراح أن نقوم غداً ويوم الإثنين بتدمير منزل أولد ميزيري)."‏
    قال فتى بدين يدعى جو): "نعم، نعم."‏
    -"من الذي سيتولى المهمة؟"‏
    قال تي): "لقد تم تبني الخطة."‏
    قال سمرز): "كيف سنبدأ؟"‏
    قال بلاكي): "هو الذي سيخبرنا." كان ذلك نهاية لزعامته. مضى إلى خلف موقف السيارات وراح يضرب بقدمه حجراً، يدحرجه من هذه الجهة وتلك. لم يكن في الموقف سوى سيارة قديمة من طراز موريس)، فقد غادرت عدة سيارات الموقف باستثناء الشاحنات: فلا أمن دون وجود حضور.‏
    أطاح بالحجر بضربة قوية نحو السيارة وتسبب في قشر قدر ضئيل من الدهان عن الرفرف الخلفي. بعد ذلك، ودون إبداء المزيد من الاهتمام به أكثر من أي غريب اجتمعت العصابة حول تي)، أما بلاكي) فقد أحس بالضجر من تغير المسؤولية. فكر في الذهاب إلى البيت، في ألا يعود أبداً، في ترك الجميع ليكتشفوا الزعامة الجوفاء لـتي). لكن بفرض أن اقتراح تي) كان ممكناً رغم كل شيء فلن يكون هناك حدث كهذا من قبل. من المؤكد أن شهرة عصابة موقف سيارات وورمسلي كومون) ستبلغ أرجاء لندن. وستتحدث عنهم عناوين الصحف، حتى عصابات البالغين التي تدير المراهنات في مباريات المصارعة والصبية الذين يبيعون على العربات سيستمعون باحترام إلى الكيفية التي تم بها تدمير منزل أولد ميزيري).‏
    عاد بلاكي) مدفوعاً بالطموح البسيط والنقي والغيري نتيجة حبه للشهرة التي ستنالها العصابة، عاد إلى حيث يقف تي) في ظل جدار منزل أولد ميزيري).‏
    كان تي) يلقي أوامره بقوة كما لو أن هذه الخطة قد عاشت معه طيلة حياته، وهو يقلب التفكير فيها عبر الفصول، والآن عند بلوغه الخامسة عشرة تبلورت مع معاناة المراهقة. قال لـمايك): "عليك أن تحضر بعض المسامير الكبيرة، أكبر حجم تستطيع أن تجده، ومطرقة. وأي شخص يستطيع أن يحضر مطرقة ومفكاً. سنحتاج إلى عدد كبير منها، ومن الأزاميل أيضاً. لا نستطيع الحصول على عدد كبير من الأزاميل. هل يستطيع أحدكم أن يحضر منشاراً؟"‏
    قال مايك): "أنا أستطيع."‏
    قال تي): "ليس منشار أطفال، بل منشار حقيقي."‏
    أدرك بلاكي) أنه رفع يده مثل أي فرد عادي في العصابة.‏
    -"جيد، أحضر منشاراً يا بلاكي)،. لكن هناك مشكلة صعبة، إننا نحتاج إلى منشار حديد."‏
    سأل أحدهم: "وما هو منشار الحديد؟"‏
    قال سمرز): "يمكنك أن تشتريه من محلات وول وورث)."‏
    قال الفتي البدين المدعو جو): "كنت أعرف أن الأمر سينتهي إلى جمع التبرعات."‏
    قال تي): "سأحضر واحداً، لا أريد أموالكم. لكني لا أقدر على شراء مطرقة ثقيلة."‏
    قال بلاكي): "هناك عمال يعملون في المنزل رقم 15، وأعرف أين سيتركون معداتهم في عطلة بنك هوليداي)."‏
    قال تي): "حسن. هذا كل ما هنالك. سنلتقي هنا في الساعة التاسعة تماماً."‏
    قال مايك): "علي أن أذهب إلى الكنيسة."‏
    -"تسلق السور وأطلق صفرة وسوف ندخلك."‏
    -2-‏
    في التاسعة من صباح الأحد وصل الجميع في الوقت المحدد تماماً، حتى مايك)، فيما عدا بلاكي). لقد حالف الحظ مايك) فقد مرضت والدته، وكان والده منهكاً بعد ليلة السبت، فطلبا منه أن يذهب إلى الكنيسة بمفرده بعد أن وجهوا إليه إنذارات عدة عما سيحدث في حال عدم ذهابه إلى الكنيسة. أما بلاكي) فقد وجد صعوبة في تهريب المنشار، ثم في العثور على مطرقة ثقيلة في الفناء الخلفي للمنزل رقم 15. وصل إلى المنزل عبر ممر ضيق في مؤخرة الحديقة خشية أن يكتشف الشرطي أمره إذا سلك الطريق الرئيسية. كانت النباتات الخضراء تحجب شمس يوم عاصف، وبدا أن عطلة بنك هوليداي) ستكون رطبة وهناك ما يشير إلى ذلك بدءاً من زوابع محملة بالغبار تهب تحت الأشجار. تسلق بلاكي) سور حديقة منزل ميزيري).‏
    لم تكن هناك أية إشارة تدل على وجود أحد. وبدا المرحاض صامتاً كقبر وسط مقبرة مضى عليها الزمن. الستائر مسدلة، والمنزل يغط في النوم. تقدم بلاكي) ببطء حاملاً المنشار والمطرقة الثقيلة، ربما لم يأت أحد رغم كل ما اتفقوا عليه: فالخطة كانت بدعة همجية، ثم ثابوا إلى رشدهم. لكنه عندما اقترب من الباب الخلفي سمع خليطاً من الأصوات شبيهاً بطنين خلية نحل: أصوات طقطقة، وطرق بانغ، بانغ، بانغ) وتكسير، وصرير، ثم تحطم مفاجئ مريع. وفكر في نفسه: إن الأمر حقيقة واقعة. وأطلق صفرة.‏
    فتحوا له الباب الخلفي فدخل. على الفور اجتاحه شعور بالتنظيم على نحو مغاير للطرق العشوائية القديمة في ظل زعامته. صعد الدرج ثم هبط باحثاً عن تي). لم يخاطبه أحد: كان لديه شعور ملح بأن يعرف ما يجري، واستطاع أن يبدأ في رؤية الخطة. فالبيت من داخله قد دُمَّر بدقة دون أن تُمس الجدران الخارجية. كان سمرز) بواسطة مطرقة وإزميل يخلع الألواح التي تغطي الجدران في غرفة الطعام الواقعة في الطابع الأرضي، وكان قد انتهى من تحطيم ألواح الباب. في الغرفة نفسها كان جو) ينزع ألواح الأرضية الخشبية تاركاً الألواح الخشبية الصغيرة التي تغطي القبو. برزت لفائف من الأسلاك من وراء ألواح الجدران التالفة فجلس مايك) على الأرض مسروراً وهو يقص هذه الأسلاك.‏
    فوق الدرج الحلزوني كان اثنان من أفراد العصابة يُعملان بجد منشار أطفال في درابزين الدرج ولدى رؤيتهما المنشار الذي يحمله بلاكي) أشارا إليه بصمت. عندما رآهما ثانية كانا قد أسقطا ربع الدرابزين في الصالة. وأخيراً عثر على تي) في الحمام. كان يجلس مهموماً في المكان الذي حظي بأقل اهتمام من بين غرف المنزل مصغياً إلى الأصوات المنبعثة من أسفل.‏
    قال بلانكي) بشيء من الرهبة: "لقد فعلتها حقاً. ما الذي سيحدث؟"‏
    قال تي) لقد بدأ عملنا للتو فقط. "نظر إلى المطرقة الثقيلة وأعطى أوامره: "ابق هنا وحطم الحمام وحوض الاستحمام. لا تعبأ بالأنابيب، فدورها سيأتي لاحقاً."‏
    ظهر مايك) عند الباب وقال: "لقد انتهيت من الأسلاك يا تي)."‏
    -"جيد. عليك أن تتجول في البيت الآن. إن المطبخ يقع في الطابق الأرضي. حطم كل آنية الصيني والزجاج والزجاجات التي تطالها يداك. لا تفتح صنابير، فنحن لا نريد إحداث فيضان الآن. بعدئذ ادخل الغرف وأفرغ محتويات الأدراج، وإذا كانت مقفلة فاستعن بأحد أفراد العصابة لتحطيمها. مزق كل الأوراق التي تجدها، وحطم كل الزخارف. من الأفضل أن تأخذ سكيناً كبيراً من المطبخ. إن غرفة النوم تقع مقابل الحمام، انثر محتويات الوسائد ومزق الشراشف. يكفي ذلك في اللحظة الراهنة. وأنت يا بلاكي) عندما تنتهي من الحمام قم بتحطيم الجص في الممر بالمطرقة الثقيلة التي تحملها."‏
    سأله بلاكي): "ما الذي تنوي أن تفعله أنت؟"‏
    قال تي): "إني أبحث عن شيء متميز."‏
    كان وقت الغداء قد حان قبل أن ينتهي بلاكي) ويذهب بحثاً عن تي). كانت الفوضى في ازدياد، فالمطبخ عبارة عن خرائب من الزجاج والصيني المحطم، وغرفة الطعام دون أرضية خشبية، الألواح الخشبية التي تغطي الجدران منزوعة من أماكنها والباب مفكوك، والمخربون قد انتقلوا إلى الطابق الثاني. تسللت أشعة من النور عبر مصاريع النوافذ المغلقة حيث كانوا يعملون بجدية المبدعين، رغم كل شيء يظل التدمير شكلاً من أشكال الإبداع، نوعاً من التخيل الذي أوصل البيت إلى الحالة التي هو عليها الآن.‏
    قال مايك): "علي أن أذهب إلى البيت لتناول الغداء."‏
    سأل تي): "من سواه؟" لكن البقية كانوا لسبب أو لآخر قد أحضروا معهم زادهم.‏
    جلسوا القرفصاء في أنقاض الغرفة وراحوا يتبادلون الشطائر. استغرقوا نصف ساعة في تناول الغداء، ثم عادوا إلى العمل ثانية. في ذلك الوقت عاد مايك)، وكانوا في الطابق العلوي. عندما بلغت الساعة السادسة كانوا قد انتهوا من التدمير الداخلي. كل الأبواب منزوعة من أماكنها، وكل ألواح الجدران مقلوعة، الأثاث ممزق ومحطم، وليس في مقدور أحد النوم في البيت إلا فوق سرير من ألواح الجص المحطم.‏
    أعطى تي) أوامره -الثامنة من صباح الغد- ولئلا يلفتوا الأنظار تسلقوا سور الحديقة فرادى إلى موقف السيارات.‏
    لم يبق إلا بلاكي) وتي)، كان ضوء النهار قد شارف على الغياب، وعندما ضغطا على مفاتيح الكهرباء لم يسطع النور، فقد أنجز مايك) مهمته على خير وجه.‏
    سأل بلاكي): "هل عثرت على شيء مميز؟"‏
    أومأ تي) برأسه وقال: "تعال وانظر هنا."‏
    أخرج رزماً من الأوراق المالية من كلا جيبيه، وقال: "إنها مدخرات أولد ميزيري). لقد مزق مايك الفراش لكنه لم يعثر عليها."‏
    -"ما الذي ستفعله بها؟ هل سنقتسمها؟"‏
    قال تي): "لسنا لصوصاً. لن يسرق أحد شيئاً من هذا المنزل. لقد احتفظت بهذه الرزم من أجلنا أنا وأنت لنحتفل بها."‏
    ركع على الأرض وعدها، كانت سبعين جنيهاً. قال: "سوف نحرقها، واحدة إثر أخرى."‏
    كانا يأخذان كل ورقة بدورها ويمسكان بها نحو الأعلى ويشعلان زاويتها العليا، وبذلك ينطلق اللهب ببطء نحو أصابعهما. وكان الرماد الفضي اللون يتناثر فوق رأسيهما وكأنه الشيب.‏
    قال تي): "أتمنى لو نرى وجه أولد ميزيري) عندما نخرج من البيت."‏
    سأله بلاكي): "هل تكرهه إلى هذا الحد؟"‏
    قال تي): "بالطبع أنا لا أكرهه. لن تكون هناك متعة إذا كنت أكرهه. "وأضاءت آخر ورقة وجهه الكئيب، وقال: "ليس في هذا حب وكراهية، إنه مجرد عمل سهل، عمل سخيف. إنها مجرد أفعال يا بلاكي)." وتلفت في أرجاء الغرفة التي تعج بظلال غريبة لأشياء ناقصة، أشياء مكسرة، كانت أشياء فيما سبق، وقال: "سأسابقك إلى البيت يا بلاكي)."‏
    -3-‏
    في صباح اليوم التالي تم استئناف التدمير. كان هناك فردان متخلفان، مايك) وولد آخر سافر والداه إلى ساوث إيند) وبرايتون) بالرغم من قطرات المطر التي بدأت بالانهمار وهزيم الرعد فوق مصب النهر وكأنه الطلقات المدفعية الأولى لغارة قديمة. قال تي): "علينا أن نسرع."‏
    أحس سمرز) بالملل فقال: "ألم نعمل بما فيه الكفاية؟ لقد مُنحت بنساً لشراء قطع من الحلوى. إنه شبه عمل."‏
    قال تي): "إننا بالكاد بدأنا. لماذا؟ ما زالت هناك الأرضيات كلها والدرج. لم نخلع أية نافذة بعد. لقد صوتت مثل البقية، وسنقوم بتدمير هذا المنزل. لن نترك منه أي شيء عندما ننتهي."‏
    انطلقوا إلى العمل مرة أخرى. في الطابق الأول قاموا باقتلاع أخشاب الأرضية القريبة من الجدار الخارجي تاركين الدعائم وحيدة مكشوفة. ثم قاموا بنشر الدعائم وتراجعوا إلى الصالة، لأن ما تبقى من الطابق كان محطماً ومنهاراً. لقد تعلموا من خلال الممارسة، وسيكون انهيار الطابق الثاني أكثر سهولة. عندما حل المساء عمّتهم البهجة وهم يحدقون في الفراغ الهائل الحاصل داخل المنزل. لقد قاموا بمجازفات وارتكبوا بعض الأخطاء: فعندما فكروا في أمر النوافذ كان الأوان قد فات ولم يعد في مقدورهم الوصول إليها. قال جو): "صرنا كالطيور التي لا تجثم على غصن أبداً." وأسقط بنساً نحو بئر الدرج المليء بالحطام، فرن وقفز بين الزجاج المهشم.‏
    سأل سمرز) بدهشة: "لمَ قمنا بهذا العمل؟"‏
    كان تي) واقفاً على الأرض يحفر وسط الركام لينظف مجالاً على طول الجدار الخارجي، قال: "افتحوا الصنابير، فالظلام يمنع أي شخص من الرؤية الآن، وفي الصباح لن يكون لذلك أهمية."‏
    داهمتهم المياه على الدرج وراحت تنسكب في الغرف التي فقدت قيعانها. بعدئذ سمعوا صفرة أطلقها مايك) من خلف المنزل، فقال بلاكي): "هناك مشكلة ما."‏
    عندما فتحوا له الباب سمعوا لهاثه.‏
    سأله سمرز): "الأشباح؟"‏
    قال مايك): "إنه أولد ميزيري). إنه في طريقه إلى المنزل." وضع رأسه بين ركبتيه وتقيأ، ثم قال بفخر: "كنت أركض طوال الطريق."‏
    قال تي): "لكن لماذا؟ لقد قال لي.." واحتج بغضب الطفل الذي لم يمرّ بمرحلته: "ليس هذا بعدل."‏
    قال مايك): "لقد كان في ساوث إيند) وعاد بالقطار. قال إن الطقس كان بارداً جداً ورطباً. "صمت وحدق في المياه: "عجباً لابد أنكم تعرضتم لعاصفة هنا. هل تسربت المياه من السقف؟"‏
    -"كم سيستغرق من الوقت ليصل إلى هنا؟"‏
    -"خمس دقائق. لقد هربت من والدتي وجئت ركضاً إلى هنا."‏
    قال سمرز): "من الأفضل أن نترك المكان. لقد عملنا ما فيه الكفاية على كل حال."‏
    -"أوه لا، لن نغادر المكان. في مقدور أي شخص أن يفعل هذا."‏
    "هذا" كان تعبيراً عن منزل أجوف محطم لم يبق منه شيء سوى الجدران. حتى الجدران يمكن حفظها، أما واجهة المنزل فكانت عظيمة القيمة. بالإمكان أن يعاد بناء الجدران الداخلية مرة أخرى بشكل أجمل من ذي قبل. يمكن أن يعود هذا منزلاً مرة أخرى.‏
    قال بغضب: "يجب أن ننتهي. لا تتحركوا. دعوني أفكر."‏
    قال صبي: "لا يوجد متسع من الوقت."‏
    قال تي): "لابد من وجود طريقة. لا يمكننا مغادرة المنزل دون.."‏
    قال بلاكي): "لقد فعلنا الكثير."‏
    -"لا، لا، لم نفعل. فليراقب أحدكم مقدمة المنزل."‏
    -"لا تستطيع القيام بمزيد من العمل."‏
    -"يمكن أن يأتي من الخلف."‏
    -"راقبوا مؤخرة المنزل أيضاً." وراح يتوسل إليهم: أمهلوني دقيقة واحدة فقط وسأجد حلاً. أقسم أنني سأجد حلاً."‏
    لكن سلطته تلاشت نتيجة غموضه. لم يعد إلا أحد أفراد العصابة.‏
    قال: "أرجوكم."‏
    راح سمرز) يقلده ساخراً: "أرجوكم." وفجأة رن في المنزل الاسم المشؤوم -المنذر بالخطر-: "غادر المنزل يا تريفور)."‏
    وقف تي) وظهره إلى الحطام كملاكم أصيب بلكمة قوية جعلته يترنح على الحبال. لم يعد لديه ما يقول في الوقت الذي تداعى فيه حلمه وتلاشى. عندئذ تصرف بلاكي) دون أن يفسح مجالاً لأفراد العصابة كي يضحكوا فدفع سمرز) إلى الوراء وقال: "سأتولى مراقبة الواجهة يا تي).: وفتح مصاريع الصالة بحذر. كانت الساحة الرطبة الرمادية تمتد أمامه، وكانت انعكاسات المصابيح تتراقص في برك الماء "هناك شخص قادم يا تي). لا، إنه ليس هو. ما هي خطتك يا تي)؟"‏
    -"قل لـمايك) أن يخرج ويختبئ قرب المرحاض. عندما يسمع صفرتي عليه أن يعد إلى العشرة ثم يبدأ بالصراخ."‏
    -"ماذا يصرخ قائلاً؟"‏
    -"أوه، النجدة، أي شيء."‏
    قال بلاكي): "لقد سمعت يا مايك). "لقد أصبح زعيماً مرة ثانية. ألقى نظرة على عجل من بين أخشاب المصراع وقال: "إنه قادم يا تي)."‏
    -"أسرع يا مايك) إلى المرحاض. ابق هنا يا بلاكي)، جميعكم إلى أن أصرخ."‏
    -"أين ستذهب يا تي)؟"‏
    -"لا تقلق. سأرى ما يمكنني فعله. قلت إنني سأجد حلاً لهذه المشكلة، أليس كذلك؟"‏
    أقبل أولد ميزيري) من الساحة وهو يعرج. كان حذاؤه ملوثاً بالطين فتوقف لينظفه على حافة الرصيف. لم يكن يرغب في تلويث منزله بالطين. منزلـه الذي يقوم ناتئاً ومظلماً وسط مواقع انفجار القنابل، ليبدو قريباً جداً، كما كان يُعتقد، من التدمير. حتى الضوء المروحي الشكل ظل سليماً بعد انفجار القنبلة. أطلق شخص من مكان ما صفرة. تلفت أولد ميزيري) حوله بقوة، إنه لا يتفاءل بالصفير، وسمع صياح صبي؛ يبدو أن الصيحة منبعثة من حديقة منزله، ثم اندفع صبي إلى الطريق من موقف السيارات وصاح: "سيد توماس)، سيد توماس)."‏
    -"ما الأمر؟"‏
    -"أنا آسف جداً يا سيد توماس). لقد اضطر أحدنا إلى الذهاب إلى المرحاض وظننا أنك لن تمانع. إنه لا يستطيع الخروج الآن."‏
    -"ماذا تقصد أيها الصبي؟"‏
    -"إنه حبيس داخل المرحاض."‏
    -"لا شأن له.. ألم أرك من قبل؟"‏
    -"لقد أريتني منزلك."‏
    -"فعلت ذلك، فعلت ذلك، لكن هذا لا يمنحك الحق في..‏
    -"أسرع يا سيد توماس)، إنه سيختنق."‏
    -"هراء. لا يمكن أن يختنق. انتظر حتى أضع حقيبتي في المنزل."‏
    -سأحمل عنك الحقيبة."‏
    -"أوه، لا، لن تحملها، فأنا سأحمل حقيبتي".‏
    -"من هنا يا سيد توماس)"‏
    -"لا أستطيع أن أدخل الحديقة من ذلك الطريق يجب أن أذهب عبر المنزل".‏
    -"لكنك تستطيع الدخول إلى الحديقة من هذا الطريق يا سيد توماس). إننا نقوم بذلك في أغلب الأوقات".‏
    -"تقومون بذلك في أغلب الأوقات؟" وتبع الصبي بشيء من الصدمة والافتتان" متى؟ بأي حق.؟"‏
    -"أرأيت ؟ إن السور منخفض".‏
    -"لن أتسلق السور لدخول حديقتي الخاصة. إنه أمر مثير للضحك."‏
    -إننا نقوم بذلك بهذه الطريقة. قدم هنا، وقدم هناك، ثم تعتلي السور". أطل وجه صبي من فوق السور وامتدت ذراع، ووجد السيد توماس) أن حقيبته أخذت منه، ووضعت في الطرف الآخر من السور. قال السيد توماس): "أعد إلي حقيبتي. "وراح صبي يصرخ ويصرخ من جهة المرحاض "سأتصل بالشرطة".‏
    -"إن حقيبتك بخير يا سيد توماس). انظر، قدم هناك، على يمينك. والآن اعتل السور فقط، إلى يسارك".‏
    وتسلق السيد توماس) سور حديقته" ها هي حقيبتك يا سيد توماس).‏
    قال السيد توماس): "سأزيد من ارتفاع هذا السور. لن أسمح لكم أيها الأولاد بتسلق السور، واستخدم المرحاض.‏
    تعثر وهو يمشي في الممر، لكن الصبي أمسك بمرفقه وساعده، فتمتم بشكل آلي: "شكراً، شكراً أيها الصبي".‏
    وصاح شخص ما مرة ثانية عبر الظلام، فصاح السيد توماس): "أنا قادم أنا قادم "وقال للصبي الذي يسير إلى جانبه: "إنني منطقي، فقد كنت صبياً. طالما أن الأمور تسير بشكل صحيح فلا مانع أن تلعبوا حول المكان في صبيحة أيام السبت. إنني أحب الرفقة أحياناً. أريد أن تكون الأمور منتظمة فقط. ربما يطلب أحدكم الإذن مني فأجيبه موافقاً، وأحياناً قد أقول لا. إنكم تدخلون من الباب الأمامي وتخرجون من الجهة الخلفية دون أن تكترثوا لسور الحديقة".‏
    -"أخرجه يا سيد توماس)".‏
    قال السيد توماس) وهو يسير ببطء واضطراب: "إنه لن يتأذى في مرحاضي. آه من الروماتيزم. إنه يهاجمني دوماً في عطلة هوليداي بنك). علي أن أسير بحرص إذ توجد بعض البلاطات المخلوعة هنا. أعطني يدك. هل تعلم ما نبأني به برجي البارحة؟ [أحجم عن التعامل في النصف الأول من الأسبوع هناك خطر سيلحق بك نتيجة حادث تحطم مريع] يمكن أن يحدث ذلك لي في هذا الممر. إنهم يتحدثون بطريقة رمزية وبكلمات تحمل أكثر من معنى. "صمت قليلاً عند باب المرحاض ثم صاح: ما المشكلة هنا؟‏
    لم يتلق أي رد. قال الصبي: ربما أصابه الوهن".‏
    -"ليس في مرحاضي. هيه، أنت، أخرج. "قال السيد توماس) ذلك واهتز بعنف عند الباب وكاد أن يسقط على ظهره عندما انفتح الباب بسهولة. امتدت يد للمساعدة بادئ الأمر ثم دفعته بقوة. ارتطم رأسه بالجدار المقابل وسقط بقوة. وقعت حقيبته فوق قدميه، وانتزعت يد المفتاح من القفل ثم صُفق الباب، صاح: "أخرجوني." وسمع المفتاح يدور في القفل. ودار في خلده [تحطم مريع]، واعترته رجفة وأحس بالاضطراب وبأنه رجل طاعن في السن.‏
    جاءه صوت ناعم عبر كوة الباب النجمية الشكل: "لا تقلق يا سيد توماس)، لن نؤذيك، ليس إذا التزمت الهدوء.".‏
    وضع السيد توماس) رأسه بين يديه وراح يفكر. لاحظ أن لا وجود إلا لشاحنة واحدة في موقف السيارات، وأيقن أن السائق لن يأتي لأخذها قبل الصباح. لن يستطيع أحد سماعه في الطريق المار من أمام المنزل، أما الممر الواقع خلفه فنادراً ما يطرقه أحد. وأي شخص قد يستخدم ذلك الممر لا بد أن يكون في عجلة إلى بيته ولن يتوقف من أجل ما قد يعتبر أنه ليس سوى صراخ مخمور. أما إذا نادى "النجدة" فمن الذي يمتلك الشجاعة لنجدته في أمسية عطلة هوليداي بنك). جلس السيد توماس) في الكوخ وراح يتأمل بحسب الحكمة التي اكتسبها بفعل العمر.‏
    بعد فترة بدا له أن هناك أصواتاً تنبعث من قلب الصمت. كانت ضعيفة وآتية من جهة المنزل. وقف على قدميه وحدق عبر فتحة التهوية، شاهد ضوءاً يشع من بين شقوق أحد مصاريع النوافذ، إنه ليس بضوء مصباح، بل ضوء متراقص ربما صادر عن شمعة. ثم ظن أن هناك صوت طرق وحفر وتكسير. فكر في اللصوص، ربما استخدموا الصبي كعنصر استطلاع، لكن ما الذي يدفع اللصوص إلى التورط أكثر فأكثر في ما يبدو شبيهاً بشكل سري للنجارة؟ أطلق السيد توماس) صرخة تجريبية، لكن دون أي تجاوب من أحد. ربما لم يصل الصوت حتى آذان أعدائه.‏
    4‏
    ذهب مايك) إلى البيت للنوم، لكن البقية لم يذهبوا، لم تعد قضية الزعامة موضع اهتمام بالنسبة للعصابة. وباستخدام المسامير والأزاميل والمفكات، وأي شيء حاد وثاقب، راحوا يعملون في الجدران الداخلية مركزين جهودهم على الملاط الموضوع بين قطع القرميد. بدأوا العمل على مستوى عالٍ، ثم عثر بلاكي) على الطبقة الرطبة(5) وأدرك أنهم سيختصرون نصف العمل في حال أوهنوا الفراغات بين القرميد المملوءة بالملاط والواقعة فوق رؤوسهم مباشرة. كان عملاً طويلاً ومتعباً وغير ممتع، لكنهم أنهوه في نهاية المطاف. كان البيت المحطم من داخل يقف متوازناً بالاعتماد على بضع بوصات بين الطبقة الرطبة والقرميد.‏
    بقيت المهمة الأخطر على الإطلاق، وهي خارج المنزل عند طرف موقع سقوط القنبلة. أرسل سمرز) لمراقبة الطريق للكشف عن الأشخاص الذين قد يطرقونه، وسمع السيد توماس) الجالس في المرحاض بوضوح الآن صوت نشر الخشب. كان الصوت قادماً من بيته، واطمأن لذلك قليلاً. وفتر اهتمامه، فربما كانت الأصوات الأخرى غير هامة أيضاً.‏
    جاءه صوت من الكوة: "سيد توماس). "فرد السيد توماس) بصرامة: "أخرجني من هنا".‏
    قال الصوت: "هاك بطانية". ووصلته لفافة طويلة رمادية عبر الكوة، وتكومت فوق رأسه. قال الصوت: "ليس هناك شيء شخصي ضدك. إننا نريدك أن تكون مرتاحاً هذه الليلة".‏
    رد السيد توماس) بشك: "الليلة؟".‏
    قال الصوت: "امسك. إنها قطع كعك لذيذة، لقد وضعنا عليها الزبدة، وبعض السجق. لا نريدك أن تشعر بالجوع يا سيد توماس).‏
    قال السيد توماس) بيأس، وكأنه يبرر ما "فُعل به: "إن المزحة تظل مزحة أيها الصبي. أخرجني من هنا ولن أقول شيئاً. إني مصاب بالروماتيزم. علي أن أنام بشكل مريح".‏
    -"لن تكون مرتاحاً في بيتك. إنك لن تلقى الراحة. ليس في هذا الوقت."‏
    -"ماذا تقصد بكلامك أيها الصبي. "لكن وقع الخطوات ابتعد عنه.‏
    لم يكن هناك إلا صمت الليل: لقد توقف صوت النشر. حاول السيد توماس) أن يصرخ ثانية، لكنه كان مثبطاً نتيجة الصمت. من بعيد سمع نعيب بومة، وأطلقت صرخة أخرى وهي تطير بلا صوت في العالم الساكن.‏
    في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي جاء السائق ليأخذ شاحنته. صعد الدرجات واستولى على المقعد وحاول تشغيل المحرك. كان لديه شعور غامض بأنه سمع صوتاً، لكنه لم يكترث. أخيراً دار المحرك، ورجع بالشاحنة إلى الوراء إلى أن لامست الدعامة الخشبية الهائلة التي تسند منزل السيد توماس). بهذه الطريقة يستطيع الخروج بالشاحنة مباشرة إلى الشارع دون تكرار المحاولة. انطلقت الشاحنة نحو الأمام وتوقفت للحظة كما لو أن شيئاً كان يجرها من الخلف، ثم استأنفت السير وعلا صوت تحطم هائل مدوٍ. أصيب السائق بالدهشة وهو يرى القرميد يتطاير أمامه بينما الحجارة تطرق ظهر مقصورة القيادة. سحب الفرامل وأوقف الشاحنة. عندما ترجل كان المشهد حوله قد تغير بشكل مفاجئ. فلم يعد هناك وجود للمنزل الذي كان بجانب موقف السيارات، لم يكن هناك سوى تل من الحطام. دار حول المكان متفحصاً مؤخرة شاحنته خشية أن تكون قد تضررت فوجد حبلاً مربوطاً في المؤخرة، ولا يزال ملفوفاً من نهايته الأخرى حول الدعامة الخشبية.‏
    انتابه الشعور مرة ثانية بأنه يسمع صوت امرئ يصرخ. كان الصوت آتياً من البناء الخشبي الذي كان أقرب شيء إلى منزل وسط ذلك الدمار من القرميد المحطم. اعتلى السائق الجدار المهدم وفتح الباب، فخرج السيد توماس) من المرحاض. كان ملتفاً ببطانية رمادية التصقت بها رقائق المعجنات. راح ينشج باكياً وهو يقول: "منزلي، أين منزلي؟".‏
    قال السائق: "ابحث عنه." وقعت عيناه على بقايا حمام وما كان ذات مرة خزانة للأطباق، فراح يضحك. لم يبق شيئ في أي مكان.‏
    قال السيد توماس): كيف تجرؤ على الضحك؟ لقد كان منزلي، منزلي".‏
    -"إني آسف". "قال السائق ذلك وهو يبذل جهوداً جبارة لكنه عندما تذكر التوقف المفاجئ لشاحنته، وتحطم القرميد المتطاير، انتابته نوبة ثانية من الضحك. ففي لحظة كان البيت قائماً هناك بوقار بين موقع سقوط القنابل كرجل يرتدي قبعة سوداء مرتفعة، ثم ضجة مدوية وصوت وتحطُّم ولم يبق شيء، أي شيء.‏
    قال: "أنا آسف، لا أستطيع أن أتوقف عن الضحك يا سيد توماس). لا شيء شخصي ضدك، لكن عليك أن تعترف بأنه شيء مضحك".‏


    ***‏

    غراهام غرين 1904-1991)‏
    بعد أن تلقى غراهام غرين تعليمه في جامعة أكسفورد التحق بالعمل في صحيفة التايمز). بعد ذلك نشر غرين) روايته الأولى باطن الإنسان) عام 1929. خلال فترة الثلاثينات بنى غرين) سمعته في مجال الروايات المثيرة والمعقدة والمغامرات التي تحمل طابع التشويق. وختم هذه السلسلة برواية صخرة برايتون) عام 1938 وفيها تمتزج الجريمة والدين في محاولة لتعقب صلة الدين المسيحي في عالم حديث من العنف. واستمرت روايات غرين) الأخيرة لتكون علاقتها أوطد بهذا المنوال وبلغت ذروتها في رواية لب القضية) عام 1948.‏
    أما في قصصه القصيرة فيبدو أن غرين) عبارة عن كاتب يكتب للتسلية ومع ذلك فهي تحمل دلالات هامة وجدية. وفي قصة المخربون) التي كتبها عام 1954، والتي تبدو وكأنها رواية قصيرة لمغامرة صبيانية، هناك دلائل على أشياء خطيرة عندما يقول تي) لصبي آخر: "ليس في هذا حب وكراهية، إنه مجرد عمل سهل، عمل سخيف. إنها مجرد أفعال يا بلاكي).".‏
    (1) عطلة أوغست هوليداي بنك): عطلة عامة في شهر آب.‏
    (2) قصف لندن الذي حدث بين عامي 1940-1941).‏
    (3) سير كريستوفر رين 1632-1723، وهو معماري شهير).‏
    (4) اسم فندق.‏
    (5) الطبقة الرطبة: مادة توضع في أسفل الجدران لمنع المياه من الرشح إلى الداخل.‏

     

    Read more
  • الـــرجال اليابانــيون غــــــير المرئيـــين

     

     

     غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي


    كان هناك ثمانية رجال يابانيين يتناولون وجبة غداء من السمك في "مطعم بنتلي". نادراً ما كانوا يتبادلون الحديث بلغتهم غير المفهومة، ولكنهم حين يفعلون يرفقون ذلك بابتسامة مهذبة وغالباً بانحناءة صغيرة. كانوا جميعاً عدا واحد منهم يرتدون النظارات. أحياناً، كانت فتاة جميلة عند النافذة، وراءهم مباشرة، تلقي إليهم نظرة عابرة، ولكن بدا أن مشكلتها الخاصة كانت جدية إلى حد لم تكن قادرة معه على بذل اهتمام حقيقي بأي شخص آخر في العالم عدا نفسها ورفيقها.‏
    كان لها شعر أشقر غير كثيف ووجه جميل دقيق الملامح من طراز "ريجنسي"(1)، بيضاوي كما في المنمنمات، رغم أن طريقتها في الكلام كانت قاسية... ربما كانت تلك لهجة المدرسة، مدرسة روديان أو كلية تشلتنهام للبنات والتي لم يمض على مغادرتها لها زمن طويل على ما يبدو. كانت تلبس خاتماً رجالياً منقوشاً في أصبع الخطوبة. وبينما كنت جالساً إلى مائدتي، والرجال اليابانيون فيما بيننا، قالت: "إذن كما ترى نستطيع أن نتزوج في الأسبوع القادم".‏
    ـ "ماذا؟"..‏
    بدا رفيقها مضطرباً بعض الشيء. ملأ كأسيهما بنبيذ الشابليه، وقال: "طبعاً، ولكن أمي..." فاتني بعض من حوارهما في تلك اللحظة، لأن أكبر الرجال اليابانيين سناً انحنى عبر المائدة، مع ابتسامة وانحناءة صغيرة، ونطق بفقرة كاملة مثل غمغمة من قفص طيور كبير، بينما انحنى الجميع نحوه وابتسموا وأصغوا، ولم أستطع مغالبة الإصغاء إليه أنا نفسي.‏
    كان خطيب الفتاة يشبهها من حيث الشكل. استطعت أن أراهما مثل منمنمتين معلقتين جنباً إلىجنب على لوحين خشبيين أبيضين. كان يليق به أن يخدم كضابط شاب في أسطول نلسون (2) في تلك الأيام حين كان ضعف ما مع حساسية أمرين لا يعيقان المرء عن نيل الترقيات.‏
    قالت: "سيعطونني سلفة تبلغ خمسمائة جنيه ، كما سبق لهم وباعوا حقوق نشر الطبعة ذات الغلاف الورقي." جاء التصريح التجاري الجاف بمثابة صدمة لي. كانت صدمة أيضاً لأنّها كانت من زميلة لي في المهنة. لم يكن عمرها يتجاوز العشرين. إنها لتستحق شيئاً أفضل من هذه الحياة.‏
    قال: "ولكن خالي...".‏
    "أنت تعرف أنك لا تنسجم معه. ولكن هكذا نستطيع أن نكون مستقلين تماماً.".‏
    قال بضغينة: "أنت من ستكون مستقلة.".‏
    "لن تلائمك تجارة النبيذ، أليس كذلك؟ لقد تحدثت مع ناشري عنك، وهناك فرصة جيدة جداً.. إذا ما بدأت ببعض القراءة..."..‏
    "ولكني لا أعرف شيئاً حول الكتب.".‏
    "سأساعدك في البداية.".‏
    "تقول أمي إن الكتابة عكاز جيدة...".‏
    قالت: "خمسمائة جنيه ونصف حقوق نشر الطبعة ذات الغلاف الورقي عكاز متينة جداً.".‏
    "شراب الشابليه جيد، أليس كذلك؟".‏
    "أعتقد ذلك".‏
    بدأت أغير رأيي فيه... لم تكن لديه اللمسة النلسونية. كان محكوماً بالهزيمة.. جاءته من الجانب وحاولت أن تهزه من الأمام والخلف: "هل تعرف ما قاله السيد دوايت؟".‏
    "من هو دوايت؟".‏
    "حبيبي، أنت لا تصغي، أليس كذلك؟ إنه ناشري. قال: إنه لم يسبق له أن قرأ رواية أولى في السنين العشر الأخيرة فيها مثل تلك القدرات على الملاحظة".‏
    قال بحزن: "هذا رائع.رائع".‏
    "ولكنه يريد مني أن أغير العنوان".‏
    "ماذا؟".‏
    "إنه لا يحب (الجدول دائم الدوران). يريد أن يسميها (المجموعة التشلسية).‏
    "وما الذي قلته؟".‏
    "وافقت. أعتقد فعلاً أنه في الرواية الأولى على المرء أن يحاول إبقاء الناشر سعيداً، وخاصة حين يكون هذا على وشك أن يدفع نفقات زواجنا، أليس كذلك؟".‏
    "أرى ما تعنينه.". وراح بشرود يحرك شراب الشابليه بشوكة... ربما قبل الخطوبة كان يشتري الشمبانيا دائماً. كان الرجال اليابانيون قد أنهوا وجبة السمك، وكانوا يطلبون بذلك القليل من اللغة الإنكليزية إنما بتهذيب شديد، من النادلة متوسطة العمر، سلطة فواكه طازجة. نظرت الفتاة إليهم ثم نظرت إليّ، ولكني أعتقدأنها لم تر سوى المستقبل. أردت كثيراً أن أحذرها ضد أي مستقبل يبنى على رواية أولى تسمى (المجموعة التشلسية). كان لي رأي أمه أنا أيضاً. كانت فكرة مهينة، ولكني كنت على الأرجح في سن أمها.‏
    أردت أن أقول لها: هل أنت واثقة من أن ناشرك يقول لك الحقيقة؟ الناشرون بشر. قد يبالغون أحياناً بمزايا الشباب والجميلات. هل ستقرأ (المجموعة التشلسية) بعد خمس سنوات؟ هل أنت مستعدة لسنوات الجهد ((للهزيمة الطويلة لأنك لا تفعلين شيئاً جيداً؟)) مع مرور السنين لن تصبح الكتابة أسهل، والجهد اليومي سيصبح أصعب على التحمل، أما تلك ((القدرات على الملاحظة)) فستضعف. وسيحكم عليك مع وصولك سن الأربعين بما أنجزته وليس بما تعدين به.‏
    "ستكون روايتي التالية حول سان تروبيه.".‏
    "لم أعرف أنك زرتها من قبل.".‏
    "لم أزرها.العين الجديدة هامة جداً. فكرت في أن نقضي هناك ستة أشهر.".‏
    "لن يكون قد تبقى الكثير من السلفة آنئذ".‏
    "السلفة مجرد سلفة. سأحصل على خمسة عشر بالمائة بعد بيع خمسة آلاف نسخة وعشرين بالمائة بعد عشرة آلاف. وبالطبع سأنال سلفة أخرى يا حبيبي حين ينتهي الكتاب الجديد. سلفة أكبر لو حققت (المجموعة التشلسية) مبيعات جيدة.‏
    "فلنفترض أنه لم يحققها.".‏
    "يقول السيد دوايت إنه سيحققها. لابدّ أنه يعرف".‏
    "من شأن خالي أن يعطيني كبداية ألفاً ومائتين.".‏
    "ولكن يا حبيبي، كيف ستستطيع القدوم إلى سان تروبيه. إذاً؟".‏
    "ربما من الأفضل أن نتزوج لدى عودتك؟".‏

    قالت بقسوة: "ربما لن أعود إذا حققت (المجموعة التشلسية) مبيعات كافية.".‏
    "أوه".‏
    نظرت إليّ وإلى مجموعة الرجال اليابانيين. أنهت نبيذها. قالت: "هل هذا شجار؟".‏
    "كلا".‏
    "لديّ عنوان الكتاب التالي:"(الأزرق اللازوردي).‏
    "ظننت أن اللازوردي هو الأزرق".‏
    نظرت إليه بخيبة أمل."لا تريد حقاً الزواج من روائية، أليس كذلك؟".‏
    "لست روائية بعد.".‏
    "لقد ولدت روائية.. هكذا يقول السيد دوايت. قدراتي على الملاحظة...".‏
    "أجل. قلت لي ذلك، ولكن يا عزيزتي، ألا يمكن أن تمارسي الملاحظة من مكان أقرب قليلاً إلى الوطن؟ هنا في لندن.".‏
    "فعلت ذلك في (المجموعة التشلسية) لا أريد أن أكرر نفسي.".‏
    كانت لائحة الحساب قد وضعت إلى القرب منهما منذ بعض الوقت الآن. أخرج محفظة نقوده ليدفع، ولكنها اختطفت اللائحة وأبعدتها عن يديه. قالت:"هذا الاحتفال يخصني أنا".‏
    "احتفال بماذا؟".‏
    "إنه بـ(المجموعة التشلسية) طبعاً. يا حبيبي أنت شديد الاهتمام بالزخرف، ولكن أحياناً... حسناً، أنت ببساطة لا تربط الأمور بعضها ببعض.‏
    "أفضل بالأحرى.. لوأنك لا تهتمين...".‏
    "كلا يا حبيبي، هذه المرة على حسابي. وحساب السيد دوايت طبعاً".‏
    استسلم هو بينما كان اثنان من الرجال اليابانيين يتكلمان في آن معاً، ثم توقفا فجأة وتبادلا الانحناء، وكأنهما قد علقا عند باب ما.‏
    حسبت الشاب والشابة منمنمتين متشابهتين، ولكن ياله من تباين بينهما، كان ذو الوسامة نفسه قادراً على احتواء الضعف والقوة. كان من شأن نظيرتها من طراز "ريجنسي"، على ما أفترض،أن تلد دزينة من الأطفال دون استخدام المخدر، بينما كان هو سيقع ضحية سهلة لأول عينين سوداوين في نابولي. هل سيكون هناك اثنا عشر كتاباً على رف مكتبتها في أحد الأيام؟ لابدّ لهذه الكتب أن تولد دون مخدر أيضاً.‏
    وجدت نفسي آمل أن تثبت (المجموعة التشلسية) أنها كارثة وأن تتحول مؤلفتها في النهاية، إلى مهنة موديل للصور الفوتوغرافية، بينما يرسخ هو قدميه بقوة في تجارة النبيذ في سانت دجيمز. لم أحبب أن أفكر بها تحتل مكانة "المسز همفري وورد"(3). في جيلها... وليس ذلك لأني لن أعيش حتى ذلك الحين. تنقذنا الشيخوخة من تحقق كثير من المخاوف. تساءلت في أي مؤسسة نشر يعمل ياترى هذا السيد دوايت؟ استطعت أن أتخيل الدعاية المغالى فيها التي سبق لـه وكتبها حول قدراتها الكاشطة على الملاحظة. ستكون هناك صورة فوتوغرافية، لو كان حكيماً، علىظهر الغلاف، فكتّاب المراجعات، كما الناشرين، بشر وهي لم تكن تبدو مثل المسز همفري وورد.‏
    استطعت أن أسمعهما يتحادثان بينما يأخذان معطفيهما من مؤخر المطعم. قال: "أتساءل ما الذي يفعله كل هؤلاء الرجال اليابانيين هنا؟"..‏
    قالت: "يابانيون؟ أي يابانيين يا حبيبي؟ أحياناً أنت شديد التهرب إلى حد أنك لا تريد الزواج مني إطلاقاً".‏
    الهوامش:‏
    (1)ـ ريجنسي: آخر تسع سنوات(1811-1820) من حكم الملك جورج الثالث في إنكلترا.(المترجم).‏
    (2) ـ نلسون: الأميرال نلسون (1758-1805) وهو القائد البريطاني الشهير الذي هزم أسطول نابوليون في معركة أبي قير. .(المترجم).‏
    (3)ـ المسز همفري وورد: (1851-1920) روائية إنكليزية كتبت الكثير من الروايات الواقعية المتزنة.(المترجم).‏

     

    Read more
  • ابنة تاجر الخيول

     

     

     بقلم دي لورانس 

     

    "طيب، مابيل، وماذا ستفعلين بنفسك؟"، سأل جو، بذلاقة لسان سخيفة. شعر أنه في غاية الأمان.ودون أن يصغي إلى أي جواب، استدار جانباً، نقل حبة تبغ إلى طرف لسانه، وبصقها إلى الخارج. لم يكنْ يكترث بأي شيء، طالما أنه هو نفسه يحس بالأمان، وبمنأى عن الأذى.
    كان الأشقاء الثلاثة والأخت جالسين حول مائدة الفطور المقفرة، يحاولون أن يتشاوروا فيما بينهم تشاوراً مفككاً بعض الشيء. نقر بريد الصباح النقرة الأخيرة على مصائر أفراد العائلة، وانتهى كل شيء. أما حجرة الطعام الموحشة نفسها، بقطع أثاثها الثقيل المصنوع من خشب الماهوغاني، فقد بدت كما لو أنها تنتظر من يتخلص منها.
    لكن المشاورة لم تسفر عن شيء. هيمن على الرجال الثلاثة جو غريب من العقم واللاجدوى، بينما كانوا منتشرين من غير اتساق حول المائدة، يدخنون ويفكرون ملياً وبصورة مبهمة في حالهم. الفتاة وحيدة، قصيرة القامة نوعاً ما، شابة في السابعة والعشرين، متجهمة الوجه. لم تكنْ تشاطر إخوتها الثلاثة الحياة ذاتها.

    لو كانت تحيا على غرارهم لبدت حسنة المظهر، ولحافظت على الاستقرار الرائق لسحنتها، سحنة "كلب بلدوغ"، كما يقول أشقاؤها.
    كان ثمّة وقع مشوش لقوائم الخيل في الخارج. تحرك الرجال الثلاثة كلهم في كراسيهم كي يراقبوا ماسيحدث، خلف شجيرات الأيلكس الداكنة التي تفصل شريط المرجة عن الطريق العام؛ يمكنهم أن يروا موكباً من الجياد الإنكليزية المخصصة للجرّ تتمايل خارج زريبتها الخاصة، وهي في طريقها إلى التمرّن. كانت هذه آخر مرة. هذه آخر الجياد التي ستفلت من أيديهم. كان الشبان الثلاثة مذعورين من تدهور حياتهم، وإن شعورهم بالكارثة التي أحاطتهم جميعاً لم يُبقِ لديهم أيَّ إحساس بالحرية الداخلية.
    ومع ذلك فقد كانوا ثلاثة شبان جميلي الطلعة، أقوياء الأبدان بصورة كافية. كان جو، الأكبر سناً، رجلاً في الثالثة والثلاثين، وسيماً ومتحرراً، يشع حيوية وعافية. وجهه أحمر، كان يفتل شاربه الأسود على إصبع سميك، أما عيناه فكانتا قلقتين غير عميقتين. كانت له طريقة حسية في الكشف عن أسنانه، عندما يقهقه، أما مشيته فكانت حمقاء. هاهو الآن يراقب الأحصنة بعينين تكسوهما غشاوة شبه زجاجية جرّاء القلق وعدم الارتياح، يخالطهما شيء من الذهول الناجم عن تردي الحالة المعاشية.
    أحصنة الجر الضخمة تأرجحت أثناء سيرها. كانت مربوطة الواحد عكس الآخر، الرأس إلى الذيل، كانت أربعة جياد، تبذل جهداً للوصول إلى ممر ضيّق متفرع من الطريق العامة، زارعةً حوافرها الضخمة بصورة هازئة في الطين الأسود الناعم، مؤرجحةً أكفالها المدورة الكبيرة بترف. ركضتْ خبباً خطوات قليلة مفاجئة فيما كانت تُساق إلى الممر الضيق، في المنعطف. كل حركةٍ من حركاتها كانت تنم عن قوة هائلة هادئة، وعن حماقةٍ جعلتها حبيسة الخضوع. سائس الخيل الذي في المقدمة تطلع إلى الوراء، هازاً حبل القيادة. وتوارى موكب الخيل عن الأنظار مختفياً في المجاز، وكان ذيل الحصان الأخير بارزاً للأعلى، متوتراً وصلباً، مشدوداً ومقيداً بالأكفال الضخمة المتأرجحة بينما هي تتمايل خلف أسيجة الشجيرات في حركةٍ أشبه ماتكون بالنوم.
    كان جو يراقب ذلك بعينين يائستين، تكسوهما غشاوة شبه زجاجية، كانت الجياد بالنسبة له مثل جسده هو تقريباً، يشعر هو الآن أنه مرهق حدّ الأعياء. لحسن الحظ كان هو قد خطب امرأة في مثل سنه، ومن هنا فإن أباها، الذي كان موظفاً مالياً في مقاطعة مجاورة، سوف يجد له مهنةً. سيتزوج هو ويُشد إلى نير. حياته انتهت، وأمسى هو الآن حيواناً مطيعاً.
    تنحى جانباً بارتباك، وقع حوافر الخيول المنسحبة لما يزل يتردد صداه في أذنيه. ومن ثم، بارتباك سخيف، مدّ أصابعه إلى بقايا لحم الخنزير المقدد في الصحون، صفّر بصوت ضعيف، ثم قذف البقايا إلى كلب ترير المستلقي لصق سياج المدفأة. راقب الكلب وهو يبتلعها، وانتظر ريثما يحدّق الحيوان في عينيه، ثم بانت على محياه تكشيرة طفيفة، وقال بصوت عال وسخيف:
    -"لن تنال مزيداً من لحم الخنزير، ماذا يمكنك أن تفعل، أنت أيها الكلب الصغير؟"
    هز الكلب ذيله بحركةٍ مترددة وكئيبة؛ ثم خفض كفليه، استدار، واستلقى ثانيةً.
    هيمن سكون بائس آخر عند المائدة، تململ جو في مقعده، غير راغب بالمغادرة إلى أن ينفض الاجتماع العائلي. فريد هنري، الأخ الثاني، كان منتصب القامة، أنيقاً، ويقظاً. راقب هو مرور الجياد بمزيد من رباطة الجأش. لو كان هو حيواناً، مثل جو، فإنه حيوان مسيطر وليس مسيطر عليه. كان سيداً لأي حصان من الأحصنة، وكان يمتاز بقدرٍ معتدل من التفوق والسيطرة، لكنه لم يكنْ بارعاً في معالجة تعقيدات الحياة. دفع شاربه البني الخشن إلى الأعلى، بعيداً عن شفته، ونظر بانفعال إلى شقيقته، التي كانت جالسةً بلا حراك، وعلى وجهها تلوح سيماء الغموض.
    "ستذهبين وتمكثين عند لوسي بعض الوقت، أليس كذلك؟"، سأل هو. الفتاة لم تجبْ.
    "لا أدري ماذا ستفعلين غير ذلك"، قال فريد هنري بإصرار.
    "اذهبي كخادمة"، قال جو محرّفاً النص بصورة مقتضبة.
    الفتاة لم تحرك ساكناً.
    "لو كنتُ في مكانها لذهبت للتدريب على مهنة التمريض"، قال مالكولم، الأخ الأصغر سناً. كان طفل الأسرة، شاب في الثانية والعشرين، بهي الطلعة، متناسق القسمات.
    إلا أن مابيل لم تلحظ وجوده، كانوا يتحدثون عنها ومن حولها طوال أعوام عديدة، بحيث أنها لم تكدْ تسمع شيئاً على الإطلاق.
    دقتْ ساعة الحائط المرمرية الموضوعة على الموقد بصوت واهن معلنةً انقضاء نصف ساعة، نهض الكلب المستلقي على بساط الموقد بحركةٍ مضطربة ونظر إلى المجموعة الجالسة إلى مائدة الفطور. بيد أنهم مازالوا جالسين في اجتماع سري عقيم.
    "أوه، طيب"، قال جو بغتةً، من غير أن يقترح شيئاً. "سوف أذهب"... دفع كرسيه إلى الوراء، باعد بين ركبتيه بهزةٍ إلى الأسفل، كي يحررهما، بطريقةٍ حصانيةٍ، ومضى إلى النار. لكنه لم يغادر الحجرة بعد؛ كان تواقاً لمعرفة ماسيفعله أو يقوله أشقاؤه الآخرون . شرع يحشو غليونه بالتبغ، مخفضاً بصره إلى الكلب، قائلاً بصوت عال ومتكلف:
    "أتذهب معي؟ أتأتي معي أيها الكلب الترير. هم لن يذهبوا إلى أماكن أبعد من تلك التي هم بصددها الآن. ألا تسمعني؟".
    هز الكلب ذيله بوهن، أبرز الرجل فكه وغطى غليونه بكفيه، ونفخ الدخان بتصميم، ناسياً نفسه في التبغ، مصوّباً نظراته طوال كل تلك المدة إلى الكلب ذي العينين البنيتين الشاردتين. رفع الكلب عينيه إلى الرجل في ارتياب كئيب. وقف جو بركبتين بارزتين بطريقة حصانية حقيقية.
    "هل تلقيتِ خطاباً من لوسي؟"، سأل فريد هنري شقيقته.
    "نعم، في الأسبوع الماضي" ردتْ أخته بطريقة حيادية.
    "وماذا قالت في رسالتها؟".
    مابيل لم تحرْ جواباً.
    "هل طلبت منكِ المجيء، والمكوث هناك؟"، ألح فريد هنري.
    "قالت يمكنني أن أفعل إن شئت.".
    "طيب، إذاً، خير لك أن تفعلي ذلك. أخبريها بأنكِ آتية يوم الاثنين.".
    واستقبل هذا الكلام بصمت.
    "إذاً هذا هو ماستفعلينه، صحيح؟". قال فريد هنري بشيء من الغيظ والسخط.
    لكنها لم تردْ عليه. كان يخيم على الغرفة صمت يزخر بالسخط واللاجدوى.
    كشر مالكولم بصورةٍ حمقاء.
    "عليكِ أن تتخذي قراراً من الآن وحتى الأربعاء القادم.". قال جو بصوت مرتفع، "وإلا وجدتِ نفسكِ فوق حجر الرصيف.".
    اكفهر وجه الشابة، إلا أنها ظلت جالسةً بثبات.
    "هو ذا جاك فيرجسون!". هتف مالكولم، الذي كان يحدق بلاهدف عبر النافذة.
    "أين هو؟"، صاح جو بصوتٍ عالٍ.
    "مر تواً.".
    "هل سيدخل؟".
    أتلع مالكولم عنقه ليرى البوابة.
    "أجل". قال هو.
    خيم صمت، مابيل لبثت جالسةً كامرأةٍ مدانةٍ، عند رأس الطاولة، ثم سُمِعَ صفير من المطبخ. هبّ الكلب واقفاً ونبح بصوت حاد. فتح جو الباب وصاح قائلاً: "هلمَّ"..
    بعد لحظةٍ دخل رجل في مقتبل العمر. يلف نفسه بمعطف ولفاع صوفي أرجواني اللون، أما قبعته التويد (نسيج صوفي خشن)، التي لم يرفعها، فقد كانت مسحوبة إلى الأسفل فوق رأسه. كان ربع القامة، وجهه طويل نوعاً ما وشاحب، أما عيناه فقد كانتا تبدوان متعبتين.
    "مرحباً، جاك! حسن، جاك!"، هتف مالكولم وجو بينما لم يقلْ فريد هنري غير "جاك".
    "ماذا ستفعل؟". سأل القادم الجديد، كان جلياً أنه يوجه كلامه إلى فريد هنري.
    "سيان. علينا أن نخلي المكان يوم الأربعاء- هل أنت مصاب بالزكام؟".
    "نعم. زكام شديد.".
    "لِمَ لا تلازم الفراش. طالما أنتَ مصاب بالبرد؟".
    "أنا ألازم الفراش؟ عندما لا أكون قادراً على الوقوف على قدميّ، من الجائز أن تكون لي فرصة سانحة في ملازمة السرير.". قال الشاب بصوت أجش. كانت له لهجة اسكتلندية طفيفة.
    "إنه عمل مرهق، صحيح". قال جو باسترسال، "إذا ماواصل الطبيب عمله هنا وهناك متحدثاً بصوت خفيض أجش، آنذاك سيترك انطباعاً سيئاً لدى مرضاه، أليس كذلك؟ ".
    جعل الطبيب الشاب يتأمل محدّثه.
    "المسألة لا تعني عندك شيئاً، صحيح؟"، سأل هو ساخراً.
    "هي لا تعنيني بالدرجة التي أعرفها. تباً لك، أتمنى أن لا تعنيني. علام تسألني؟".
    "في اعتقادي أنك كثير الاهتمام بالمرضى، إني أتساءل ما إذا يحتمل أن تكون أنتَ واحداً منهم.".
    "تباً، إني لستُ كذلك. لم أكن يوماً مريضاً عند طبيب متحمس، وآمل ألا أكون كذلك في المستقبل أيضاً". رد جو.
    حينذاك قامتْ مابيل من المائدة، لاح عليهم كلهم أنهم باتوا منتبهين لوجودها.
    بدأت هي تصف الصحون. تطلع الطبيب الشاب إليها. لكنه لم يخاطبها بكلمة. الواقع، لم يوّجه إليها تحيته. غادرت هي الحجرة مع الصينية، كان وجهها جامد الملامح من دون أن يطرأ عليها أي تغيير.
    "متى سينفد مالكم أنتم جميعاً؟". استفهم الطبيب. ثم التفت إلى جو:"هل وقعت في المصيدة؟
    "نعم، سبق وأن أخطرتك بأنني وقعت في المصيدة، أليس كذلك؟".
    "يتوجب علينا، إذاً، أن نتغلب على هذا الوضع -وداعاً، جاك، إن لم أرك قبيل مغادرتي". قال مالكولم مصافحاً الطبيب.
    انصرف إلى الخارج، ولحقه جو، الذي بدا كما لو أن له ذيلاً بين ساقيه.
    "حسن، هوذا قدركم"، هتف الطبيب، عندما ترك وحيداً مع فريد هنري. "ستذهب قبل الأربعاء، أليس كذلك؟".
    "تلك هي الأوامر"، رد الآخر.
    "إلى أين، إلى نورثامبتون؟".
    "نعم."
    "اللعنة!" صاح فيرجسون، بغم هادئ.
    لزم الاثنان الصمت.
    " حسمت الأمور كلها، صحيح؟" سأل فيرجسون
    "تقريباً.".
    حلت فترة صمت أخرى.
    "حسن، سأشعر بفراقك، ياعزيزي فريدي"، قال الطبيب الشاب.
    "وأنا أيضاً، سأحس بالوحشة بعيداً عنك، ياجاك". رد الآخر.
    "إن فراقك هو الجحيم بعينه". قال الطبيب متأملاً.
    التفت فريد هنري. لم يكن ثمة مايقال. أقبلتْ مابيل من جديد، كي تزيل ما تبقى من أشياء على المائدة.
    "وماذا ستفعلين أنتِ، آنسة بيرفين؟". سأل فيرجسون."ستذهبين إلى شقيقتكِ، صحيح؟".
    تطلعت إليه مابيل بنظرات ثابتة وخطيرة، كانت تشعره دوماً بالضيق، وتزعزع راحته الظاهرة.
    "لا" أجابت هي.

    "طيب، باسم القدر ماذا ستفعلين؟ أخبريني ما الذي تنوين عمله؟"، صاح فريد هنري بحدةٍ لا طائل تحتها.
    لكنها لم تفعل شيئاً سوى أنها أدارت رأسها، وتابعتْ عملها. طوتْ قماش المائدة الأبيض، وفرشت غطاء الشنيل( ).
    "إنها لا تعرف سبيلاً إلى الملل والتعب!". تمتم أخوها.
    لكنها فرغت من مهمتها بوجهٍ خالٍ تماماً من أي تعبير، الطبيب الشاب لا يني يراقبها بشغف واضح طوال كل تلك المدة. بعدها غادرت هي حجرة الطعام.
    شيعها فريدهنري بنظراته، زاماً شفتيه، عيناه الزرقاوان ركزتا النظر في خصومة حادة، بينما كان يكشر معبراً عن سخطه التام.
    "يمكنك أن تهشمها إلى شظايا، هذا هو كل مافي مقدورك أن تناله منها". قال: هو بنبرة واطئة.
    لاحتْ على ثغر الطبيب ابتسامة طفيفة.
    "ماذا ستفعل هي، إذاً؟" سأل هو.
    "اضربني إن كنت أعرف!". أجاب الآخر.
    خيم صمت. ثم تحرك الطبيب حركةً بطيئةً.
    "سأراك الليلة، هل أستطيع ذلك؟"، قال لصديقه.
    "نعم- أين سيكون لقاؤنا؟ هل ستذهب إلى مطعم جسديل؟".
    "لا أدري. فأنا أعاني من هذا الزكام. سأمر في كل الأحوال على الموون والستارز.".
    "لتتحسر ليزي ومي على ليلتهما مرةً واحدةً، مارأيك؟".
    "صحيح- لو أنني أحسستُ بمثل ما أحس به الآن.".
    "سيان-".
    عبر الشابان المجاز، حتى وصلا إلى الباب الخلفي معاً. كان المنزل واسعاً، لكنه الآن خالٍ من الخدم، ومهجور، في الخلف كان ثمة فناء مشيد بآجرات صغيرة، ووراءه مربع كبير مكسو بصغار وحمر الحصى، وله اصطبلات على الجهتين. وثمة حقول مائلة، شديدة الرطوبة، داكنة كالشتاء تمتد بعيداً في الجوانب المفتوحة.
    لكن الاصطبلات خالية الآن. جوزيف بيرفين، رب الأسرة كان رجلاً عديم الثقافة، وأمسى تاجر خيول كبيراً بعض الشيء. كانت الاصصبلات مليئة بالجياد. الخيول تذهب وتأتي يرافق رواحها ومجيئها اضطراب عظيم، ناهيك عن تجار وسائسي الخيل. وكان المطبخ يعج بالخدم. لكن في الفترة الأخيرة تدهورت الأمور تدهوراً سريعاً تزوج الرجل العجوز ثانيةً، كي يجدد نصيبه. الآن أمسى هو في عداد الأموات، وصارت عظامه رميماً، ولم يبقَ شيء غير الدين والتهديدات.
    طوال بضعة شهور، ظلت مابيل تعمل وحيدة بلا خدم في المنزل الكبير، تتدبر أمور البيت مع الفقر المدقع من أجل أشقائها غير الفعالين. دبرتْ الشؤون البيتية على مدى عشرة أعوام. إنما في السابق. استطاعت هي القيام بواجباتها بوسائل لا حصر لها. ومن ثم، ومهما كانت الأشياء قاسية ووحشية، جعلها الإحساس بالمال فخورةً وواثقةً من نفسها. قد يكون الرجال بذيئي الألفاظ، وقد تكون خادمات المطبخ سيئات السمعة، وقد يكون لأشقائها أطفال غير شرعيين. لكن طالما ثمة مال، فهي تشعر بالاستقرار، وبأنها مزهوة بنفسها بصورة موجعة، وبأنها متحفظة.
    لم يأتِ إلى البيت أي من الأصدقاء، كي ينقذ الخيل والرجال الذين يعانون من شظف العيش. مابيل ليس لها صديقات من جنسها، وخاصة بعد أن تزوجت شقيقتها وذهبتْ إلى دار بعلها. لكنها لم تبالِ بذلك. هي تذهب إلى الكنيسة بصورة منتظمة، كانت تصاحب والدها. وكانت تحيا على ذكرى أمها التي فارقت الحياة عندما كانت هي في ربيعها الرابع عشر. كانت مابيل تحب أمها المرحومة حباً جماً. كانت تحب أباها أيضاً، بطريقة مختلفة، تعتمد عليه، وتشعر بالحماية في كنفه، إلى أن بلغ هو سن الرابعة والأربعين حينذاك تزوج أبوها ثانيةً، وبعدها اتخذت هي موقفاً صلباً ضده. الآن رحل هو إلى العالم الآخر وتركهم جميعاً يائسين وغارقين في الدين.
    عانتْ هي معاناة كبيرة في خلال فترة الفقر. مامن شيء، على أية حال، كان بمقدوره أن يهز الكبرياء الحيواني، الفضولي، العنيد الذي يسيطر على كيان كل فرد من أفراد الأسرة. الآن، بالنسبة لمابيل، النهاية أتت لا محالة. مع ذلك هي لا تبحث عن حلٍ لمعضلتها. كانت تتبع الطريقة ذاتها في الحياة. كانت تحمل دوماً مفاتيح وضعها الخاص، وتحتمل مصاعبها يوماً بعد يوم بغباء وإصرار. لماذا يتعين عليها أن تفكر؟ لماذا ينبغي لها أن تجيب عن أسئلة أي فرد من الناس؟ أما يكفي أن النهاية قد حلتْ، ومامن مخرج منها. لم يعدْ يعوزها أن تطوف خلسةً الشارع الرئيس للمدينة الصغيرة، متحاشيةً عيون الآخرين، كما لم تعدْ هي تحتاج إلى أن تحط من قدر نفسها، فتدخل الحوانيت وتشتري أرخص الأطعمة، هي ذي خاتمة المطاف. لم تعدْ تفكر هي بأيٍّ من البشر، حتى بنفسها. كانت عديمة الذكاء وعنيدة، تبدو كما لو أنها في حالةٍ من حالات الاهتياج تدنو أكثر فأكثر من كمالها الذاتي، مجدها، مقتربةً من أمها المرحومة، التي كانت هي نفسها جليلة الشأن.
    بعد الظهر، أخذت حقيبتها الصغيرة، مع مجزة وإسفنجة وفرشاة تنظيف، وخرجتْ. كان يوماً شتائياً رمادياً، أما الحقول فكانت كئيبة، داكنة خضراء، وكان الجو مسوّداً بفعل دخان مشاغل سبك المعادن التي لا تبعد كثيراً من هنا. مضت مسرعةً، مسرعةً عبر طريق معبدة، غير مبالية بأي إنسان، مجتازةً المدينة متجهةً صوب فناء الكنيسة.
    هناك تشعر هي دوماً بالطمأنينة، طالما أنه مامن أحد يمكنه أن يشاهدها، مع أنها في الواقع وبكل معنى الكلمة معرّضة لنظرات كل امرئ يمر من هناك تحت جدار فناء الكنيسة. مع ذلك، ذات مرة تحت ظل المدفن الكبير المليء بالأطياف، بين القبور، شعرتْ مابيل بأن حصناً منيعاً، يعزلها عن العالم، وبأنها محتجزة بين جدار فناء الكنيسة كما لو أنها في بلد آخر.
    بحذرٍ جزتْ الحشائش التي طوقتْ اللحد، ونسقت الأقحوانات الصغيرة، البيضاء الضاربة إلى اللون الرمادي في الصليب، وحينما فرغت من ذلك، تناولت جرةً فارغةً من لحد مجاور، جلبتْ ماءً وبعناية تامة ودقة متناهية مسحتْ بالإسفنجة شاهدة القبر الرخامية وحجر الإفريز.
    منحها ذلك العمل القناعة المخلصة. شعرتْ بأنها في تماسٍ عميقٍ مع عالم أمها، بذلت مجهوداً عظيماً، مضتْ عبر المتنزه في حالةٍ أقرب ماتكون للسعادة الخالصة، كما لو أنها في إنجازها لهذا العمل تصبح في تلاحم حميم مع أمها. ذلك أن الحياة التي تسلكها في العالم أقل واقعيةً بكثير من عالم الموت الذي ورثته من أمها.
    يقوم منزل الطبيب على مقربةٍ من الكنيسة. فيرجسون، المساعد المستخدم حصراً، كان يعمل كالعبد المسترق في الريف، بينما هو يسرع الآن لمعاينة مرضاه الخارجيين في العيادة الجراحية. تطلع عبر المدفن بنظرةٍ خاطفةٍ، وشاهد الفتاة بينما هي تنجز مهمتها عند القبر، بدتْ منكبةً على عملها ومنعزلةٍ، كما لو أنها تبحلق في عالمٍ آخر. عنصر غامض مسَّ وتراً بداخله، وبينما كان يسير تباطأتْ خطواته، وجعل يراقبها كالمسحور.
    رفعتْ مابيل عينيها، حينما شعرت بنظراته، التقتْ نظراتهما. وكل منهما تطلع في وجه الآخر ثانيةً وفي وقت واحد، كل منهما شعر أنه اكتشف من قبل الآخر. رفع الطبيب قبعته وواصل مسيره. بقيتْ ذكرى وجهها راسخةً في وعيه. كما لو أنها رؤيا، عندما رفعت وجهها من شاهدة القبر في فناء الكنيسة، وتطلعتْ إليه بعينين كبيرتين، بطيئتين، ورائعتين، وجهها نفسه كان رائعاً، بدا أن وجهها قد سحره تماماً. كانت عيناها ذات قوة هائلة استحوذت على كيانه كله، كما لو أنه تعاطى عقاراً قوياً وفعالاً. قبل الآن كان فيرجسون يشعر بالضعف والإعياء. الآن عادتْ إليه الحياة شعر هو أنه قد تحرر من كيانه اليومي المتآكل.
    أكمل واجباته في العيادة الخارجية بأسرع مايمكن، ملأ بسرعة قناني القوم المنتظرين بالأدوية الرخيصة، ومن ثم، وبسرعة معهودة، بدأ رحلته ثانيةً ليزور حالات عديدة خلال قسم آخر من جولته على المرضى، قبل حلول فترة تناول الشاي. كان يفضل دوماً السير على قدميه، إن كان قادراً على ذلك، وخاصةً عندما يحس أنه ليس على مايرام، إذ يخيل له أن الحركة تعيد إليه نشاطه وحيويته.
    كان العصر قد حل، كان عصراً رمادياً، باهتاً، وشتائياً ذا برودة بطيئة، ندية، وثقيلة تتغلغل إلى أجساد البشر وتعطل طاقاتهم كلها. لكن لماذا يلزمه أن يفكر أو يلاحظ؟. تسلق التل على عجل وعرّج على الحقول الداكنة الخضرة، سالكاً الطريق الداكنة المكسوة بنفايات المعادن.بعيداً، وعبر منخفض قليل العمق في الريف، كانت المدينة ملتمة على نفسها مثل رماد خامد. ثمة برج، وقمة مستدقة، وكومة من المنازل الواطئة، الفجة، المندرسة. وعلى الحافة الأقرب من المدينة، مائلةً نحو المنخفض، كانت تقع أولدميدو "المرج القديم"، حيث منزل عائلة بيرفين. كان في ميسوره أن يرى الاصطبلات والمباني الإضافية بصورة واضحة، بينما هي تستلقي صوبه على المنحدر. حسن، لن يختلف إلى هناك كثيراً في المستقبل! ملاذ آخر سيخسره هو، مكان آخر ضاع: الرفقة الوحيدة التي يهتم بها في المدينة الصغيرة، الغريبة والقبيحة ضاعت منه الآن. لاشيء غير العمل، والكدح، والإسراع المستمر من مسكن إلى مسكن بين عمال منجم الفحم وعمال الحديد، هذه الحياة الشاقة أرهقته تماماً، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر بتوق شديد إليها.
    كان وجوده في مساكن العمال حافزاً له، وكان يتحرك إذا صح التعبير في المتن الأعمق من واقعهم الخشن. كانت أعصابه مستفزة ومشبعة. في وسعه أن يتغلغل عميقاً في الحياة الخاصة للرجال والنساء، هؤلاء جميعاً كانوا عاطفيين جداً، خشني الطباع، وعاجزين عن التعبير عن آرائهم. كان متذمراً، قال هو مرةً أنه كان يمقت الحجر الجهنمي. لكن والحق... يقال.. أثاره ذلك، كان الاتصال والتماس مع الناس الأفظاظ، شديدي الإحساس، محفزاً قوياً يمس أعصابه مساً مباشراً.
    أسفل أولدميدو "المرج القديم"، في غور الحقول الأخضر، القليل العمق، المخضل، ثمة بركة ماء عميقة، مربعة الشكل. مسح الطبيب المنظر الطبيعي بنظرة خاطفة ميز فيها هيئةً متشحة بالسواد تجتاز بوابة الحقل، ميممةً شطر البركة. أنعم النظر من جديد، من الجائز أن تكون تلك مابيل بيرفين، فجأةً أمسى وعيه يقظاً وحيوياً.
    لماذا تنزل هي إلى البركة؟ توقف في مسيره على المنحدر الذي في الأعلى، وجعل يحدق. كان في مقدوره أن يتأكد من أن ثمة هيكلاً أسود صغيراً يتحرك في غور النهار المعطل. بدا أنه شاهدها وسط هذه العتمة، وأنه كالمستبصر، رآها بالأحرى بعين العقل أكثر مما رآها بالبصر الاعتيادي. مع ذلك بوسعه أن يشاهدها بجزم كافٍ، بينما كان ينعم النظر بعينين يقظتين. شعر هو إذا ما نظر بعيداً، في الغسق الكثيف، والبشع، بأنه سيفقدها بكل مافي الكلمة من معنى.
    تابعها بدقة متناهية بينما كانت تتحرك، بصورة مباشرة وبعزم، كما لو كانت شيئاً مرسلاً أكثر منه متحركاً حركة بطيئة في حيوية إرادية، مجتازةً الحقل متجهةً صوب البركة. وهناك وقفت على الضفة لحظةً. لم ترفعْ رأسها أبداً. وبعدها جعلت تخوض في الماء ببطء.
    لبث الطبيب واقفاً بلا حراك بينما كان الهيكل الأسود الصغير يمشي ببطء وتروٍ إلى مركز البركة، ببطء شديد، موغلاً أعمق فأعمق في الماء الساكن، واستمرتْ هي تتقدم إلى الأمام عندما ارتفع الماء إلى مستوى ثدييها. عندئذٍ لم يعدْ يشاهدها في غسق النهار الذي انتهى.
    صرخ هو: "أنتِ يامن هناك! هل تَعينَ ما تفعلين؟".
    وحث الخطى مسرعاً، مهرولاً فوق الحقول الرطبة، المشبعة بالماء، مندفعاً عبر أسيجة الشجيرات، نازلاً إلى منخفض الظلمة الشتوية الجاسئة. استغرق دقائق معدودات في الوصول إلى البركة. وقف على الضفة، كان نفسَه ثقيلاً. لم يكن في مقدوره أن يرى شيئاً البتة. بدتْ عيناه كما لو أنهما تخترقان الماء الساكن، أجل، ربما يكون ذلك هو الظل الداكن للباسها الأسود تحت سطح الماء.
    .... جازف بالدخول البطيء إلى البركة، كان قاعها عميقاً، طين لين، غاص هو، وشلتْ برودة الماء ساقيه، بينما كان يتحرك بتؤدة استطاع أن يتنشق رائحة الطين البارد النتنة التي لوثت الماء كله. كانت الرائحة كريهة، ولم تستسغها رئتاه. مع ذلك، قاوم هو بلا مبالاة، أوغل في البركة أكثر فأكثر. ارتفع الماء البارد فوق مستوى فخذيه، حتى وصل إلى مستوى بطنه. غاص كل الجزء الأسفل من بدنه في العنصر البارد الشنيع. كان القاع شديد الليونة ومشكوكاً فيه، كان فيرجسون يخشى أن يغوص ويصبح فمه تحت سطح الماء. لم يكن قادراً على السباحة، ولهذا كان يشعر بالخوف.
    انحنى قليلاً، نشر ذراعيه تحت الماء وجعل يحركهما حركةً دائريةً، محاولاً تلمسها. تمايلت البركة الباردة الساكنة فوق صدره. أوغل من جديد، أعمق قليلاً، وثانيةً، وبينما كانت يداه في الأسفل، شرع يتحسس كل ماهو تحت الماء من حواليه. مسَّ لباسها. لكنه أفلت من أصابعه. وبذل مجهوداً يائساً في الإمساك به.
    بينما كان يفعل ذلك فقد إتزانه، وغاص، بصورةٍ مرعبةٍ، وجعل يختنق في الماء الفاسد الترابي، مكافحاً بصورة مجنونة من أجل دقائق قلائل. وفي الختام بعد فترة بدتْ أشبه بالأبدية، استطاع الوقوف على قدميه، انتصب ثانيةً في الهواء وتطلع من حوله. كان يلهث، وأدرك هو أنه مايزال حياً، ثم نظر إلى الماء. كانت مابيل قد نهضت من الماء على مقربةٍ منه. أمسك هو بثوبها، وسحبها إليه، ساعياً إلى أن يجد طريقه إلى اليابسة ثانيةً.
    سار ببطء شديد، وبعناية فائقة، مفكراً في التقدم البطيء. نهض أعلى فأعلى، خارجاً من البركة، أمسى الماء الآن في مستوى ساقيه؛ كان سعيداً، في راحة تامة بعد أن تخلص من براثن بركة الماء، رفع الفتاة وتهادى على الضفة، متحرراً من رعب الطين الرمادي الندي.
    طرحها على الضفة، كانت قد فقدت وعيها تماماً، والماء يسيل منها . جعل الماء يخرج من فمها، وبذل مجهوداً، كي يعيدها إلى وعيها. لا ينبغي له مواصلة العمل فترة طويلة جداً، قبل أن يشعر أن تنفسها عاد إليها ثانيةً؛ كان تتنفس تنفساً طبيعياً. تابع عمله مدةً أطول. كان بمستطاعه أن يحس أنها تحيا تحت كفيه؛ عادت هي إذاً إلى وعيها. نشف وجهها، لفها بمعطفه، بحلق من حوله في العالم المظلم قليلاً، الرمادي القاتم، ثم رفعها وترنح في مشيته على الضفة مجتازاً الحقول.
    بدت الطريق طويلة بصورةٍ لم تخطر له على بال، وبدا حمله ثقيلاً جداً وشعر أنه لن يصل إلى المنزل- لكنه أخيراً استطاع أن يصل إلى فناء الإصطبل، ومن ثم إلى فناء الدار. في المطبخ أرقدها على دثار الموقد، ونادى أحدهم. كان المنزل خالياً. لكن النار ماتزال مشتعلة في الموقد.
    ثم جثا ثانيةً كي يعتني بها. كانت تتنفس بانتظام، كانت عيناها مفتوحتين على وسعهما كما لو أنها في أتم وعيها، لكن ثمة شيء ماغائب في نظراتها. كانت تعي كيانها، لكنها لا تعي بما حولها.
    قفز درجات السلم، أخذ عدداً من البطانيات من السرير، ووضعها أمام النار كي تدفأ، ثم خلع رداءها المشبع بالماء، والذي يفوح برائحة الطين. جفف بدنها بمنشفة ولفها عاريةً بالبطانيات. ثم دخل حجرة الطعام، باحثاً عن مشروب كحولي. يوجد قليل من الويسكي، أخذ هو رشفةً منه، وسكب في فمها شيئاً منه.
    كان تأثير المشروب فورياً، تطلعت في وجهه، كما لو أنها كانت تنظر إليه مدةً من الزمن، إلا أنها الآن فقط أمستْ واعيةً به.
    "دكتور فيرجسون؟"... سألت هي.
    "ماذا؟"... رد عليها.
    كان قد تجرّد من معطفه، وحاول أن يجد لباساً جافاً في الطابق الأعلى. لم يكن يطيق رائحة الماء الطيني الراكد، وكان خائفاً حتى الموت على صحته:
    "ماذا فعلتُ؟"، قالت هي:
    "غصت في البركة"، أجابها. جعل يرتجف مثل مريض حقيقي، ولم يعدْ قادراً على العناية بها. بقيتْ تركز نظراتها عليه، بدا حزيناً، بينما هو يتطلع إليها عاجزاً. خف الارتجاف، وعادت إليه الحياة ثانية، حياة مظلمة وغير معلومة، إنما قوية.
    "هل فقدتُ صوابي؟".. سألتْ هي، بينما كانت عيناها ماتزالان مركزتين عليه.
    "ربما، في اللحظة الحاضرة"، أجابها. أحس بالهدوء، لأنه استعاد قواه، زايله التوتر الغريب المضطرب.
    "هل أنا معتوهة الآن". سألته.
    "أنتِ؟"، فكر ملياً. مرتْ لحظة ثم قال هو بصدق:"لا". أشاح وجهه جانباً.. الآن هو خائف، لأنه كان يشعر بالدوار، وأحس بصورةٍ غامضة بأنها أقوى منه، في هذا الموضوع. واستمرت في النظر إليه بثبات طوال الوقت. "هل يمكنكِ أن تخبريني أين يمكنني أن أجد ثياباً جافة كي أرتديها؟"سالها.
    "هل غصتَ في البركة من أجلي؟". سألته.
    "لا" أجابها. "خضتُ فيها. لكنني دخلت في الماء أيضاً".
    خيم صمت لحظة، تردد هو، كان يتحرق شوقاً للصعود إلى الطابق العلوي كي يحصل على ملابس جافة، إنما كانت في داخله رغبة أخرى. بدتْ وكأنها تريد الإمساك به. يبدو أن إرادته قد ذهبتْ لتنام. وتركته هو، واقفاً هناك خائر القوى أمامها، لكنه شعر بأن داخله دافئ، لم يرتعدْ على الإطلاق، مع أن ثيابه كانت مبللةً بالماء وملتصقة بجسده.
    "لماذا فعلتَ ذلك؟". سألته.
    "لأنني لم أردكِ أن ترتكبي مثل هذا العمل الأحمق". قال هو.
    "لم أكن حمقاء"، قالت، هي ما تزال هي تتطلع إليه راقدةً على الأرض، حيث كان دثار أريكة تحت رأسها. "كان ذلك هو العمل الصحيح الذي ينبغي لي القيام به. كنتُ أعرف ماكنتُ أفعله.".
    "سأذهب وأتخلص من هذه الأشياء الرطبة"، قال هو. لكنه مايزال لا يملك القدرة على الابتعاد عنها، مالم ترسله هي. بدا كما لو أنها حياة جسده بيديها. وأنه غير قادر على أن يخلّص نفسه، أو لعله لا يودّ ذلك أصلاً.
    فجأةً نهضت هي، ثم أمستْ واعيةً بحالتها. شعرتْ بالبطانيات التي حولها، وتحسست ساقيها. بدا على مدى لحظة كما لو أنها فقدت صوابها.
    نظرت من حولها بعينين وحشيتين، كما لو أنها تفتش عن شيء ما. جمّدها الخوف، رأت ثيابها مبعثرةً على الأرض.
    "من نضا عني ملابسي؟". سألته، استقرت نظراتها على وجهه.
    أجاب هو: "أنا. كي أعيدك إلى الوعي.".
    وعلى مدى لحظات قلائل لبثت تنظر إليه بصورة مروِّعة. تباعدت شفتاها.
    "هل أنتَ مغرم بي إذاً؟". سألت هي.
    كان واقفاً يتطلع إليها مفتوناً. بدتْ روحه كما لو أنها على شفير الذوبان. مشتْ متثاقلة على ركبتيها، بينما كان واقفاً هناك، تشبثت به بيقين غريب حاسم، ورنتْ إليه بعينين براقتين، ذليلتين، تنمان عن التجلي، والانتصار من نفسها. "أنتَ تحبني. أنا أعرف أنكَ تحبني، أنا أعرف.".
    وراحت تقبله بعاطفة جياشة، كما لوأنها غير مبالية بأي شيء آخر في الدنيا كلها.
    خفض بصره متطلعاً إلى شعرها المبلل المشوش كان منذهلاً، حائراً، وخائفاً، لم يخطر بباله أن يغرم بها. لم يرغب بالوقوع في هواها. عندما أنقذها من الغرق وأعاد إليها وعيها، كان ذلك بدافع ضميره المهني كطبيب، وكانت هي بمثابة مريضة. لم تكن عنده أي فكرة شخصية عنها. كلا، إن تدخل العنصر الشخصي كان شيئاً بغيضاً بالنسبة له، إنه تدنيس لشرفه المهني. إنه شيء مروِّع أن تطوّقه هكذا.ومع ذلك لم يكن قادراً على الإفلات منها.
    تطلعت إليه ثانيةً، بالتوسل ذاته، توسل الحب القوي والفعال، وبالضياء نفسه، ضياء النصر المرعب والذي لا حد له، في ضوء اللهب الرقيق الذي يبدو كما لو أنه آتٍ من وجهها كالنور، كان هو خائر القوى. ومع ذلك لم يكن عازماً على أن يقع في هواها. لم ينوِ أن يغرم بها. ثمة شيء عنيد في داخله رفض الإفصاح عن نفسه.
    "أنتَ مغرم بي"، كررت هي في تمتمة وقاحة عميقة ومفرطة الحماسة.
    "أنت مغرم بي.".
    كانت يداها تجرانه، تجرانه إلى الأسفل نحوها، كان خائفاً، لا بل يشعر هو بقليلٍ من الرعب. ذلك أنه في الواقع لم يكن عازماً على الوقوع في حبها. مع ذلك كانت يداها تسحبانه إليها. مدّ ذراعه بسرعة كي يثبت نفسه، وأمسك كتفها العارية، بدا كما لو أن لهباُ يحرق الكف التي أمسكت كتفها الناعمة. ليس له أية نية في أن يغرم بها: كانت إرادته الكلية ضد استسلامه. كان ذلك شيئاً مروِّعاً. ومع ذلك مذهلة كانت لمسة كتفيها، جميلاً كان إشراق وجهها. هل يحتمل أن تكون قد جُنت؟ كان يرهب الوقوع في شباك هواها. ومع ذلك شيء مابداخله أورثه الألم أيضاً.
    كان يحوّل بصره إلى الباب، بعيداً عنها. بيد أن يده بقيت على كتفها، وفجأةً أمستْ هي في غاية الهدوء. خفض بصره إليها. صارت عيناها الآن مفتوحتين على مداهما بسبب الخوف، والشك، وزال الألق من وجهها، رجع إليه ظل الكآبة الشنيعة. لم يكن في مقدوره أن يحتمل لمسة سؤال عينيها له، ونظرة الموت وراء السؤال.
    بأنينٍ باطني أفشى مابداخله، وجعل فؤاده يستسلم لها، لاحت على محياه بسمة لطيفة مفاجئة. أما عيناها، اللتان لم تفارقا وجهه، شيئاً فشيئاً أغرورقتا بالدموع. تأمل الماء الغريب يترقرق في عينيها، كما لو أن نافورة بطيئة انبجست هناك، وبدا كما لو أن فؤاده قد اشتعل وذاب في صدره.
    لم يعد يحتمل النظر إليها بعد الآن. هوى على ركبتيه وقبض على رأسها بيديه وضمّ وجهها إلى حنجرته. كانت جد ساكنة. فؤاده، الذي بدا كما لو أنه قد تفطر، كان يشتعل بنوعٍ من الكرب في صدره. وأحس بعبراتها الحارة، البطيئة تبلل حنجرته. لكنه لم يكن قادراً على الحركة.
    أحس أن دموعها الحارة تبلل عنقه وتجاويف عنقه، وظل بلا حراك، معلقاً بأحد خيوط أبديات الإنسان. الآن فقد صار أمراً لا مفر منه أن يضم وجهها إليه؛ لن يدعها تفلت منه ثانية، لن يدع رأسها يفلت من مسكة يده. ودّ أن يبقى أبداً على هذه الحال، وقلبه يسبب له ألماً كان بمثابة حياة بالنسبة له.
    من غير أن يعلم، كان يخفض بصره على شعرها البليل، الناعم، البني اللون. ثم، فجأةً، شمَّ الرائحة الكريهة لذلك الماء الراكد، وفي اللحظة ذاتها انسحبت مبتعدةً عنه وتطلعتْ إليه. كانت عيناها كئيبتين ولا يسبر غورهما. كان يخشى تينك العينين، وشرع في تقبيلها، من غير أن يعرف ماكان يفعله. تمنى أن لا يرى تلك النظرات الرهيبة الكئيبة التي لا يسبر غورها في تينك المقلتين.
    عندما أدارت وجهها إليه ثانيةً، كان يشع بحمرة خفيفة رقيقة، ومن جديد بزغ ذلك البريق الرهيب للفرح في عينيها، الذي أرعبه حقاً، والذي رغم ذلك ود أن يشاهده، لأنه كان يخشى نظرة الشك أكثر منه.
    "أتحبني؟".. سألته، متلعثمة بعض الشيء...
    "نعم". هذه الكلمة كلفته مجهوداً موجعاً، ليس لأنها غير حقيقية، إنما لأنها كانت حقيقة جديدة جداً. هذا القول مزّق ثانيةً فؤاده الممزق حديثاً، وبالكاد تمنى هو أن يكون قوله حقيقياً، حتى الآن.
    رفعت وجهها إليه، وانحنى فيرجسون للأمام، وقبلها برقة، قبلةً كانت بمثابة عربون أبدي. وحينما قبلها توتر قلبه ثانيةً في صدره. لم يكن عازماً على التوّله بها. لكن الآن انتهى كل شيء. فقد عبر الخليج متجهاً إليها، وكل ماتركه وراءه صار ذابلاً وعقيماً.
    بعد القبلة، عيناها درت ثانيةً دموعاً مدرارة. كانت جالسة بلا حراك، بعيدة عنه، ووجهها مخفض ومشاح جانباً، ويداها مطويتان في حجرها. انهمرت العبرات ببطء شديد. خيّم صمت تام، هو أيضاً، لبث جالساً بلاحراك ملتزماً الصمت على دثار الموقد. الألم الغريب لقلبه الذي تفطر بدا كما لو أنه شرع يتلفه. أكان يلزمه أن يعشقها؟ أهذا عشق! أكان يجب أن يُشرّط بهذه الطريقة! -هِم، طبيب!- كم سيسخر منه الناس جميعاً لو أنهم عرفوا!
    -كانت فكرة معرفة الآخرين بغرامه هذا تؤلمه ألماً شديداً.
    في خلال الألم الصريح واللافت للنظر لتلك الفكرة نظر إليها من جديد.
    كانت جالسة هناك مخفضة الرأس مستغرقةً في التفكير، رأى دمعةً تهمي، فاشتعل اللهب في فؤاده.
    "لمَ تبكين؟".. سألها بنبرة مختلفة.
    رفعتْ بصرها إليه، ووراء غلالة الدمع جلب وعيها بوضعها لأول مرة نظرةً قاتمةً من الخجل إلى عينيها.
    "أنا لا أبكي ، حقيقةً"، قالت، وهي تتأمله نصف خائفة.
    مد يده، وبرفق قبض على ذراعها العارية.
    "أنا أحبكِ، أنا أحبكِ!" قال بصوتٍ ناعم، خفيض ومرتعش، لا يمت إليه بصلة.
    انكمشت، وطأطأت رأسها. مسكة يده الرقيقة، النافذة على ذراعها ضايقتها، رفعتْ بصرها إليه.
    "أريد الذهاب"، قالت:"أريد أن أذهب وآتيك ببعض قطع الملابس الجافة.".
    "لِمَ؟ أنا على مايرام.". قال.
    "لكنني أنوي الرحيل.". قالت هي: ثم أردفت: "وأريدكَ أن تبدل ثيابكَ.".
    حررّ ذراعها، ولفتْ هي نفسها ببطانية، متطلعةً إليه بشيء من الخوف. لكنها لم تنهض.
    وبعد ثانية، نهضتْ بعصبية، لفتْ جسدها كله بالبطانية. راقبها في تشوش واضطراب، بينما كانت هي تسعى لتحرير نفسها ولف نفسها بحيث يمكنها أن تسير راقبها من غير شفقة، وكانت هي تدرك ذلك، وبينما هي تمشي، كانت البطانية تتجرجر على الأرض، ولما شاهد هو بنظرةٍ خاطفةٍ قدميها وساقها البيضاء، حاول أن يتذكر مفاتنها عندما لفها بالبطانية، لكنه وقتها لم يكنْ يرغب بالتذكر، لأنها لم تكن حينذاك تعني شيئاً بالنسبة له، وإن طبيعته منعته من تذكرها كما هو الحال عندما كانت لا تعني شيئاً بالنسبة له.
    أرعبته ضوضاء متمتمة، مكتومة آتية من داخل المنزل المظلم، ثم سمع صوتها:
    "توجد ثياب." نهض ومضى إلى أسفل السلم، ولملم قطع الملابس التي رمتها له. ثم عاد إلى النار، كي يدلك نفسه، ويرتدي ثيابه، كشر مشمئزاً من مظهره عندما فرغ من لبس الثياب.
    كانت النار قد بدأت تخمد، لذا وضع شيئاً من الفحم. أضحى المنزل الآن شديد العتمة، عدا ضوء مصباح الشارع الذي كان يلمع ضعيفاً وراء أشجار البهشية. أشعل مصباح الغاز بعيدان ثقاب وجدها على رف الموقد. ثم أفرغ جيوب ثيابه الخاصة، ورمى ملابسه المبللة بهيئة كومة في حجرة غسل الأطباق والآنية. بعدها جمع ثيابها المشبعة بالماء، برفق، ووضعها بهيئة كومة منفصلة على سطح الوعاء النحاسي في حجرة الأطباق والآنية.
    كان الوقت في الساعة الجدارية يشير إلى السادسة. ساعته اليدوية توقفت عن العمل. ينبغي له العودة إلى عيادته الجراحية. انتظر، لكنها لم تنزل بعد، لذا مضى هو إلى أسفل السلم، ونادى: "ينبغي لي الذهاب.".
    وعلى الفور سمعها تنزل درجات السلم. لبستْ أجمل ثيابها، كان فستاناً من نسيج الفوال الرقيق الأسود، وكان شعرها مسرّحاً ومرتباً، لكنه مايزال بليلاً. نظرت إليه- ورغماً عنها ابتسمتْ.
    "لا أحبكَ بتلك الملابس." قالت هي.
    "هل بدوتُ مثيراً للسخرية؟". أجابها.
    كل منهما كان خجلاً من الآخر.
    "سأعد لك قليلاً من الشاي". قالت.
    "لا، يتعين عليّ الذهاب.".
    "هل ينبغي عليك الذهاب فعلاً؟" وتأملته ثانيةً بعينيها المفتوحتين على وسعهما، والمتوترتين، والمرتابتين، ومن جديد، من خلال الألم الساكن في قلبه عرف مقدار حبه لها. مضى وقبلّها برقة، وبعاطفة، قبلّها قبلة القلب الموجوع.
    "وشعري يعبق برائحة جد فظيعة". غمغمت هي بحيرة وارتباك. "وأنا الآن في منتهى الكآبة، أنا في منتهى الكآبة! أوه لا، أنا في غاية الكآبة.".
    وانخرطتْ في بكاء يفطر القلب. "أنتَ ترغب بالوقوع في هواي، أنا رهيبة!".
    "لا تكوني حمقاء، لا تكوني حمقاء"، قال هو، ساعياً إلى تهدئتها. قبلّها وحملها بين ذراعيه."أنا أريدكِ، أريد الزواج منكِ، سوف نتزوج، على عجل، على عجل -غداً إذا تمكنتُ من ذلك.".
    لكنها نحبتْ نحيباً مُراً، وصاحت:
    "أحس بالكآبة. أحس بالكآبة، أشعر أنني رهيبة بالنسبة لك.".
    "كلا، أنا أريدكِ". هذا هو كلِ ما أجاب به، بتهور، بتلك النبرة الفظيعة التي أخافتها أكثر تقريباً من رعبها الخاص من أن لا يكون راغباً فيها.


    The horse dealer’s daughter
    pp 150-167.
    المصدر:
    The Second Penguin Book
    of Short Stories.

    Read more
  • الأميرة

     

     



    قصة: د. هـ. لورنس

    ترجمة : ماجد الحيدر

    بالنسبة الى أبيها، فهي "الأميرة". أما بالنسبة الى خالاتها وأخوالها في بوسطن فهي ليست سوى "دولي أوركيوهارت .. الكائن المسكين الصغير"..

    كان "كولن أوركيوهارت" ذا مسٍ طفيفٍ من الجنون. ينحدر من أسرة اسكتلندية عريقة ويدعي أن دماً ملكياً يجري في عروقه. وفي هذه النقطة بالذات كان أنسباؤه الأمريكيون يقولون إنه "مخبول بعض الشيء". ذلك لأنهم لم يعودوا يتحملون سماع المزيد عن ماهية الدماء الاسكتلندية التي تزرّق عروقه، فالأمر برمته صار من قبيل السخف ومصدراً للحرج. والحقيقة الوحيدة التي كانوا يتذكرونها هي كونه لا ينتمي الى أسرة "ستيوارت"[1]

    كان رجلاً وسيماً ذا عينين زرقاوين واسعتين تبدوان أحياناً كأنهما تحدقان في الفراغ، وشعر أسود ناعم أسدل على جبينٍ خفيض، وقوامٍ غاية في الجاذبية. فإذا أضفت الى ذلك صوتاً رائع النبرات يتصف في العادة بالخفوت والحياء ولكنه يغدو أحياناً قوياً رناناً كالبرونز، عندها تستطيع أن تدرك مجموع تلكم المفاتن.

    يخيل إليك كبطلٍ كلتي قديم[2] إذ لم ينقصه إلا ارتداء التنورة الاسكتلندية الرمادية التي تكشف عن ركبتيه وتعليق كيس الدراهم الفرائي التقليدي. وكان صوته يبدو آتياً من أعماق ذلك الماضي الأوسياني[3].

    لقد نُظر اليه كواحدٍ من اولئك السادة المهذبين الذين يمتلكون دخلاً كافياً لكن من دون ثراء، ممن كانوا لخمسين خلت يتسكعون على غير هدى هنا وهناك، دون أن يبلغوا مكاناً ما، ودون أن يفعلوا شيئاً ما، ودون أن يصبحوا، بالتحديد، شيئاً ما. ورغم هذا فهو يستقبل بالترحاب والمودة في الأوساط الراقية في غير واحد من الأقطار.

    لقد ظل عازبا عن الزواج حتى ناهز الأربعين حين التقى بالآنسة الغنية "بريسكوت" من "نيو إنكلاند".

    فُتنت "حنا بريسكوت" ذات السنوات الإثنتين والعشرين بالرجل ذي الشعر الفاحم الناعم والعينين الزرقاوين الواسعتين الغامضتين. كانت نساء كثيرات قد وقعن في حبه قبلها، لكن "كولن أوركيوهارت" بغموضه المعهود تجنب أية ارتباطات قاطعة.

    عاشت السيدة أوركيوهارت أعواماً ثلاثاً في هالة الضباب والسحر التي أضفاها حضور زوجها، ثم أرهقها الأمر. كانت الحال أشبه بالعيش مع شبحٍ ساحر. فهو يتعامل مع أغلب الأمور بتغافل كامل ، بل قل شبحي. صحيح أنه ظل على الدوام فاتناً ، دمثاً ، ومهذباً، ولطيفا بصوته الموسيقي الخافت، لكنه غير حاضر قط. وحين ننظر للأمر برمته فإنه لم يكن موجوداً البتة .. "أبداً ما هنا " كما يقال بالعامية.

    أصبح مع نهاية العام الأول أباً لبنت صغيرة، ولكن ذلك لم يضف عليه المزيد من الوجود المادي. وفي غضون الأشهر الأولى صار جماله بالذات وطبيعته الموسيقية الساحرة أمرين لا يطاقان بالنسبة إليها… الصدى الغريب .. كان مثل صدىً حي! وحتى بشرته نفسها لم تكن لتبدو لمن يلمسها مثل بشرة إنسان حقيقي!

    ربما يعود السبب الى أن به مسٌ من الجنون. تيقنت من ذلك ليلة ولدت ابنتها.:

    -"آه . هكذا أخيراً حضرت أميرتي الصغيرة"

    قال في تلك الليلة بصوته الكلتي الغنائي الخارج من أعماق حنجرته مثل ترنيمة جذلة وهو يتمايل طرباً.

    كانت طفلة ضئيلة ضعيفة ذات عينين زرقاوين واسعتين مندهشتين. عمدوها باسم "ماري هنرييتا" لكنها كانت تنادي ذلك الكائن الضئيل "يا دميتي" وأما هو فكان يسميها على الدوام "أميرتي".

    لم يعد يجدي معه أي هجوم عنيف، إنه يكتفي بأن يفتح عينيه الزرقاوين الواسعتين لتصبحا أكثر اتساعاً ويلبس مظهراً طفولياً هادئاً لا يحيد عنه.

    لم تكن "حنا بريسكوت" قوية البنية، ولم تمتلك يوماً رغبة عارمة بالحياة. وهكذا ماتت فجأة عندما بلغت طفلتها عامها الثاني. شعر آل "بريسكوت" بحقدٍ دفين مكتوم حيال "كولن أوركيوهارت". قالوا إنه رجل أناني، ولذلك قطعوا ما كان يصل "حنا" من مالٍ بعد شهر واحد من دفنها في "فلورنسا"، بعد أن ألحوا على الأب بأن يعهد لهم بالصغيرة ، وبعد أن أجابهم بكل لطفٍ وكل "موسيقيّة" ولكن بكل إصرارٍ بالرفض القاطع. لقد تصرف إزاء آل "بريسكوت" وكأنهم ليسوا من عالمه، أو ليسوا أشياء حقيقية بالنسبة اليه، بل ظواهر عرضية أو غراموفونات ، آلات حاكية ينبغي أن يجاب عليها. ولقد كان يجيبهم بالفعل، لكنه لم يعر أي اهتمام الى حقيقة وجودهم. وعزموا على مقاضاته أمام المحاكم باعتباره غير أهل لرعاية الصغير، لكن ذلك كان سيثير الفضائح. ولذلك لجئوا في النهاية الى أبسط الحلول.. نفضوا عنه أيديهم. لكنهم واظبوا على إرسال رسائلهم الوسواسية الى الطفلة وعلى نفحها ببعض الهدايا النقدية المتواضعة في أعياد الميلاد وفي ذكرى رحيل أمها.

    ظل الأقرباء البوسطنيون أعواماً طويلة مجرد حقيقة لفظية بالنسبة الى الأميرة. وبقيت مع أبيها الذي يرتحل على الدوام، ولو بوسائل متواضعة، ويعيش من دخله المتوسط. ولم تسافر هي قط الى أمريكا.

    تنقلت الطفلة من حاضنة الى أخرى: في ايطاليا كانت هناك إحدى الـ "كونتادينات"، وفي الهند إحدى الـ "أيّا"ت، وفي ألمانيا كان لديها فتاة شقراء من الفلاحين. كان الأب وابنته لا يكادان ينفصلان عن بعضهما البعض. لم يكن الأب رجلاً انطوائيا؛ فحيثما ذهب كان يشاهَد وهو يلبي الدعوات الرسمية ويخرج للغداء أو للشاي وفي النادر للعشاء. وفي كل الأحوال برفقة الصغيرة. واعتاد الناس على تسميتها بالأميرة "أوركيوهارت" كما لو كان هذا اسمها بالمعمودية.

    كانت الفتاة مخلوقاً عذبا خفيف الظل، بشعرها الذهبي الغامق الذي استحال الى بني ناعم، وبعينيها الزرقاوين الواسعتين الجاحظتين قليلا اللتين تميزتا منذ البداية بالصراحة والذكاء المفرطين. كانت بالغة رشيدة على الدوام رغم أنها لم تكبر في الحقيقة أبداً : دائماً طفولية ، ودائماً حكيمة الى حدٍ غريب.

    لقد كانت غلطة أبيها:

    -" ينبغي على أميرتي ألا تلقي كبير اهتمام الى الناس، أو الى ما يقولون أو يفعلون" لطالما ردد عليها "الناس لا يعرفون ما هم قائلون أو فاعلون. إنهم يثرثرون ويثرثرون . يؤذون بعضهم البعض وكثيراً ما يؤذون أنفسهم الى درجة البكاء. لكن لا تلقي بالاً يا أميرتي الصغيرة، فكل ذلك محض هراء. إن في داخل كل انسان كائنا آخر، وحشا عديم المبالاة. إنزعي عنهم كل ما يقولون ويفعلون أو يحسون مثلما ينزع الطاهي قشور البصل. وعندها سترين في لب كل انسانٍ .. سترين شيطاناً أخضر اللون يستحيل عليك انتزاعه . هذا الشيطان الأخضر لا يتغير أبداً، لا يبالي قط بكل ما يحدث للأوراق الخارجية للمرء، لكل اللغو وكل الأزواج والزوجات والأطفال، كل المآزق وكل الهرج والمرج. إنزعي كل القشور عنهم وستجدين على الدوام ثمة شيطاناً أخضر منتصباً في كل امرأة ورجل. ذلك الشيطان هو الذات الحقيقية للرجل والذات الحقيقية للمرأة. إنه لا يبالي بأيٍ كان، فهو ينتمي الى عالم الشياطين والجنيات البدائيين، أولئك الذين لا يبالون قط. ورغم ذلك فإن هناك شياطين كبارا وآخرين وضيعين ، وهناك جنيات شيطانية رائعات وأخريات سوقيات...ولكن، ما من جنيّة ملكية بقيت الى اليوم… أنتِ فقط يا أميرتي الصغيرة . أنتِ آخر من تبقـى من العرق الملكــي للبشر الغابرين. أنتِ الأخيرة يا أميرتي، ولا أحد سواك. أنا وأنتِ آخر من تبقى. وعندما أموت لن يبقى إلاك. ولهذا يا حبيبتي أنت لن تعيري اهتماماً كبيراً لأي انسان في هذا العالم، لأن شياطينهم جميعاً تافهة سوقية. إنها ليست ملكية الانحدار. أنت فقط الملكية، من بعدي أنا. تذكري ذلك على الدوام، وتذكري دوماً أنه هذا هو "سرنا الكبير". إذا ما أخبرتِ الناس سيحاولون قتلك. إنهم جميعاً يحسدونك لأنك أميرة. إنه سرنا الكبير يا حبيبتي: أنا أمير، وأنتِ أميرة. وإننا ننحدر من ذلك الدم الغابر القديم. وإننا لمحتفظون بسرنا هذا بيننا نحن الاثنين. وهكذا يا عزيزتي عليكِ أن تعاملي الناس بكل أدب، فالنبالة تقتضي هذا [4]. غير أن عليك ألا تنسي بأنك أنتِ فقط آخر الأميرات، وأن كل من عداك دونك أنت، دونك في النبل، وأقرب منك الى العامية.

    عامليهم بأدب ولطف ورفق يا حبيبتي. لكنكِ أنتِ الأميرة، وهم العامة. لا تجعليهم أبداً أنداداً لكِ. إنهم ليسوا كذلك. ستجدينهم على الدوام يفتقرون الى اللمسة الملكية، تلك التي لا يملكها سواك"

    وتعلمت الأميرة الدرس باكراً: درسها الأول في الكتمان المطلق وفي استحالة أية علاقة حميمة إلا مع أبيها، ودرسها الثاني في التأدب البسيط ذي مسحة التفضل. ومنذ طفولتها تبلور شيء ما في شخصيتها، شيء جعلها واضحة، صافية كالبلور، ولكن لا سبيل الى النفاذ اليها.

    -"يا للطفلة العزيزة!" كانت مضيفاتها يعلقن "كم هي لطيفة! وكم هي عتيقة الطراز! يالها من سيدة، تلك المخلوقة الضئيلة المسكينة"

    كانت منتصبة القامة، تفيض حلاوة، صغيرة على الدوام بل وضئيلة الحجم. وعندما تقف الى جانب الرجل الضخم الأنيق المخبول قليلاً الذي هو أبوها كانت تبدو كطفلٍ أبدلته جنيات الحكايات. لم تكن ترتدي غير البسيط من الثياب، زرقاء في الغالب أو رمادية رقيقة، مع ياقة صغيرة من تطريز ميلانو القديم أو من الحرير المشغول بدقة. كانت يداها رقيقتين للغاية، حتى أن صوت البيانو ليبدو حين تعزف عليه كأنه يخرج من آلة "السبياينيت" الصغيرة.[5]

    خارج المنزل كانت تفضل، بدلاً من المعطف، ارتداء عباءةٍ فضفاضة وقلنسوة أو نوعاً من القبعات الصغيرة من طراز القرن الثامن عشر. أما بشرتها فكانت نقية صافية كزهرة تفاح. لقد بدت وكأنها خطت لتوها خارجة من لوحة ما. لكن أحداً لم يعرف حتى يوم موتها تلكم اللوحة الغريبة التي حبسها أبوها بين أطرها التي لم تخرج عنها أبداً.

    لمرتين اثنتين طالب جدها وجدتها وخالتها "مود" برؤيتها، مرة في روما والأخرى في باريس. وفي كلتا المرتين خرجوا من لقائها مفتونين مبهورين ، مفتخرين وممتعضين. كانت صغيرة رائعة الجمال، طاهرة القلب، ولكن ذكية وواثقة من نفسها ثقة غريبة. وتلكم اللمسة الواثقة من الدماثة المشوبة بالترفع وذلك البرود الداخلي هما بالذات ما أغاض أقرباءها الأمريكيين.

    لم تفتن الصغيرة في الحق أحداً مثل جدها. كان مخلوب اللب بها، بل كان بطريقة ما يعشق المخلوقة الصغيرة البريئة. ولقد فاجأته زوجته مراراً بعد تلك اللقاءات وهو ساهم يطيل التفكير في حفيدته ويتحرق الى رؤيتها ثانية، وظل حتى النهاية متعلقاً بأهداب آماله الساذجة في أن تأتي وتعيش معه.

    -" شكراً جزيلا يا جدي. إنك طيب للغاية. ولكن كما ترى، أنا وأبي ثنائي قديم جداً، ثنائي ذو نزوات غريبة، نعيش في عالمٍ خاصٍ بنا"

    أفسح لها والدها المجال كي ترى العالم، من الخارج. وسمح لها بالقراءة. وفي سني مراهقتها قرأت "زولا" و"موباسان". وبعيون"زولا" و"موباسان" رأت باريس. وبعدها بقليل أخذت تقرأ لـ"تولستوي" و"دوستويفسكي". أربكها الأخير، ولكن بدا أنها تفهم الآخرين بشكلٍ حكيمٍ ولاذع، تماما كما فهمت حكايات "ديكاميرون"[6] التي قرأتها في لغتها الإيطالية القديمة، أو أشعار "نبلنغ"[7].

    غريبةً كانت، وخارقة. كانت تفهم الأشياء بشكل حرفي تحت الضياء البارد الذي غابت عنه كل دفقة من نار. لم تكن مخلوقاً بشرياً بكل معنى الكلمة، لم تكن إلا كطفلةٍ أبدلتها الجنيات.

    وأكسبها ذلك عداواتٍ غريبة: كان سواق المركبات والعتالون في محطات القطارات، وخصوصاً في روما وباريس يعاملونها حين تكون وحيدة بفظاظة وقسوة على حين غرة. كانوا يطيلون التحديق فيها ببغضٍ عنيف مفاجئ. كانوا يشعرون أن بها لامبالاة غريبة، بسيطة، مجردة. لامبالاة بكل ما يشعرون هم بأهميته. كانت عظيمة الثقة بنفسها. وكانت زهرة صباها خالية من كل عطر.

    قد يحدث أن تنظر الى سائقٍ من روما، شهوانيٍ داعر، كما لو تتفرج على زخرفةٍ تصويرية مضحكة، الأمر الذي يدفعها الى الابتسام. كانت تعرف عنه كل شيء عن طريق "زولا".

    أما التلطف المشوب بالكبرياء، ذاك التلطف الذي تصدر به أوامرها اليه، كما لو أنها –المخلوق الجميل الرقيق- هي وحدها الحقيقية، وإنه هو –الوحش الغليظ الفظ- لم يكن غير ضربٍ من "كاليبان[8] يتخبط في الوحل على حافة المستنقع المليء بأزهار اللوتس، ذلك التلطف الغريب كان يثير حنق الرجل، ابن البحر المتوسط، الذي يفاخر بفحولته، والذي ما يزال سر الشهوة الجنسية سره الوحيد. فإذا بوجهه يربد ويمتقع، وإذا به يتنمر عليها في وحشية وفظاظة بشعتين، لأنها بالنسبة اليه لا تملك غير اللامبالاة الشبيهة بالكفر والنابعة من عقمها هي.

    لقاءات كهذه كانت ترعبها وتجعلها تدرك حاجتها الى دعمٍ خارجي. فقوة روحها لم تكن لتمتد حتى تشمل أولئك العامة الذين يمتلكون كل القوة الجسدية. لقد كانت تدرك الحقد العنيد وراء مهاجمتهم إياها، لكنها لم تفقد الصواب أبداً. كانت تنفحهم بعض المال بهدوء ثم تنزل وتولي الأدبار.

    لكنها لحظات خطرة، لذلك تعلمت كيف تتهيأ لها. إنها الأميرة.. إنها جنية الشمال الرقيقة. فكيف عساها أن تفهم براكين الشهوة التي يفجرونها إزاءها في نوبات من الحقد والكراهية؟ ما كانوا أبداً يهاجمون أباها على هذه الشاكلة، وقد أدركت منذ وقت مبكر أن أمها، المرأة النيوإنكلندية الكامنة فيها هي ما كانوا يكرهون. لم يحدث، ولو لدقيقة واحدة، أن رأت بعينين رومانيتين قديمتين، أن رأت نفسها عقيمة، وردة مجدبة ترتدي حلة من تشامخٍ ولامبالاة لا تحتمل. لكن ذلك ما كان السائق الروماني يرى فيها: إنه يتوق الى تحطيم هذا البرعم العقيم. فجمالها اللاجنسي وسطوتها يدفعانه الى حالٍ من ثورةٍ وحشيةٍ.

    حين بلغت التاسعة عشرة من العمر مات جدها تاركاً لها ثروةً يعتد بها في أيدٍ أمينة لأوصياء مسؤولين. كان عليهم أن يسلموها المال شريطة أن تقيم ستة أشهر في العام داخل الولايات المتحدة.

    -"لماذا يفرضون عليّ الشروط؟" قالت لأبيها "أنا أرفض أن أسجن ستة أشهر في العام في الولايات المتحدة. سوف نخبرهم أن يحتفظوا بالنقود"

    -"لنتصف بالحكمة يا أميرتي الصغيرة. لنكن حكيمين. كلا. نحن معدمون تقريباً، ولسناً بمأمنٍ من العدوان. أنا لن أسمح لكائن من كان أن يعتدي عليّ. أنا أمقت ذلك!" واتقدت عيناه إذ قال هذا "يمكن أن أقتل أي رجلٍ أو امرأةٍ إذا أغلظ لي. لكننا منفيان في هذا العالم، نحن بلا حول ولا قوة. وإذا صرنا فقراء بالفعل فإننا سنصبح غاية في الضعف وعندها سأموت. كلا يا أميرتي. لنأخذ نقودهم، وعندها لن يجرؤ أحد على أن يكون فظاً معنا. دعينا نأخذها كما لو إننا نرتدي بذلك ثياباً تقينا من عدوانهم.

    هنا بدأت مرحلة جديدة، عندما أخذ الأب وابنته يقضون الأصياف قرب البحيرات الكبرى أو في كاليفورنيا أو في الجنوب الغربي. كان الأب شاعراً من نوع ما وكانت الابنة رسامة نوعا. كتب اشعاراً عن البحيرات وعن غابات الشجر الأحمر العملاق، وانجزت هي رسوماً لطيفة. كان رجلاً قوي البنية ويحب الخروج الى البرية ويحدث أحيانا أن يخرجا سوية أياما بأكملها، يجذفان في قارب صغير وينامان عند نيران المخيمات في العراء. يا للأميرة الرقيقة الصغيرة! لقد كانت باسلة على الدوام.. على الدوام باسلة. يحدث لها أن تمتطي معه ظهور الخيل عبر شعاب الجبال حتى لا تغدو من فرط إعيائها غير ذهن دون جسد يجلس منفرج الساقين على ظهر حصانٍ صغير. بيد أنها لم تستسلم أبداً. وفي الليل كان يلفها ببطانياتها فوق سرير من أماليد صنوبر بلسمية وهي مستلقية ترقب النجوم دون تذمر.. لقد كانت تؤدي دورها في الحياة. كانوا يسألونها والسنون تمضي: وهي تصبح شابة في الخامسة والعشرين، ثم امرأة في الثلاثين، أميرةً رقيقةً عذراء، "تعرف كل شيء" بشكل رزين هادئ مثل امرأة عجوز، باكراً بكل معنى الكلمة .. كانوا يسألونها:

    -"ألم تفكري يوماً بما ستفعلين عندما يغادرك أبوك؟"

    فكانت تطالع محدثها بذلك التجرد الساحر، البارد، الذي يميزها، وتجيب:

    -"لا. لم أفكر بذلك"

    كانت تملك بيتاً صغيراً جميلاً في لندن، وبيتاً آخر صغيراً مكتملاً في "كَنِكْتَكِت" وضعت على كل منهما مدبرة أمينة، فلها إن هي شاءت أن تختار بين منزلين. وكان لها العديد من المعارف المشوّقين من أهل الأدب والفن. فماذا تريد فوق ذلك؟

    هكذا مرت السنون دون أن تشعر بها. كانت تتمتع بتلك الهبة التي تميز ملائكة الجن الذين لا هُم بالرجال ولا بالنساء: فيوم صارت في الثالثة والثلاثين بدت وكأنها ما تجاوزت الثالثة والعشرين. ورغم ذلك فإن والدها كان يشيخ، وتزداد غرابة أطواره. وصار عليها الآن أن ترعاه وتحميه وهو في جنونه الانفرادي. أمضى سنواته الأخيرة الثلاث في منزل "كَنِكْتَكِت". كان يزداد نفوراً، وتعاوده بين الحين والحين نوبات من عنفٍ تكاد تقتل الأميرة الصغيرة. فالأذى الجسدي كان في نظرها أمراً فظيعاً يكاد يحطم قلبها. بيد أنها عثرت على امرأة تصغرها بعدة سنوات، مرهفة، متعلمة، وعينتها مرافقة وممرضة للعجوز المجنون. وهكذا لم يعترف أحد بأمر جنونه بشكلٍ صريح. وأظهرت الآنسة "كيومن" ولاءً عاطفياً عميقاً للأميرة، وتعلقاً غريباً يشوبه الحب بالعجوز الوسيم اللطيف الأشيب الذي ما كان ليتذكر نوباته العنيفة بمجرد انقضائها.

    كانت الأميرة في الثامنة والثلاثين عندما مات والدها. لم تتغير هي البتة. لما تزل ضئيلة الجرم، لما تزل مثل زهرةٍ جليلةٍ .. لا رائحة فيها. ولما يزل شعرها البني الأملس المقصوص الشبيه بلون فراء القندس الذي نشر برقة حول وجهها الشبيه بزهرة تفاح، الذي يزينه أنف مقوس فتبدو كلوحة شخصية مختالة من عصر النهضة. في صوتها، في سلوكها ومشيتها وجلوسها ووقوفها كانت تزداد هدوءً فكأنها زهرة تفتحت في مكان ظليل. من عينيها الزرقاوين كان يطل ذلك التحدي الأبدي المقتضب الذي تحول بمر السنين الى تهكم وسخرية. لقد كانت الأميرة. وفي تهكم كانت تنظر الى عالم أولئك الذين لا أمير لديهم.

    رغم أن موت والدها قد خفف عن كاهلها لكن كل شيء من حولها بدا وكأنه قد تبخر. لطالما عاشت في ضرب من البيت الزجاجي، في جو مفعم بجنون أبيها. وعلى حين غرة رفع هذا البيت الزجاجي. فإذا بها مكشوفة في الهواء الطلق، الوسيع، الفج ، المبتذل.

    ما العمل ؟ ما الذي ستفعله ؟

    بدت كأنها تقف وجهاً لوجه أمام الفراغ المطلق. ما عاد لها غير الآنسة "كيومن" التي شاركتها سرها، وتقريباً في عاطفتها نحو أبيها. لقد أحست الأميرة في الحقيقة أن محبتها لأبيها المجنون قد انتقلت والى حد بعيد وبطريقة غريبة الى"شارلوت كيومن" خلال الأعوام الأخيرة.

    صارت الآنسة كيومن الآن الإناء الذي ضم تلك العاطفة نحو الرجل الراحل، أما هي، الأميرة، فقد كانت إناءً خاوياً. إناءً خاوياً في مستودع الدنيا الكبير.

    ما العمل ؟[9] ما الذي ستفعل ؟

    أحست أنها طالما لا تقدر أن تتبخر كما يتبخر الكحول من قارورة مفتوحة فإن عليها أن تفعل شيئاً. لم تشعر طوال حياتها الماضية بوطأة المسؤولية ولم تشعر أبداً أن عليها أن تفعل شيئاً بعينه. كان ذلك متروكاً للعامة من الناس. أما وقد مات والدها فقد وجدت نفسها واقفة على حافة هذا الحشد من العامة، تقاسمهم لزوم "عمل" شيء ما. كان أمراً مهيناً بعض الشيء وقد شعرت الآن بأنها تتبذل. وفي الوقت نفسه فإنها وجدت نفسها تنظر الى الرجال بعينٍ أكثر دهاء؛ عين من تروم الزواج. ليس لأنها أحست بأي ولعٍ مفاجئ بالرجال، أو انجذاب اليهم. كلا، لم تزل في الأساس غير مهتمة بهم ولا منجذبة نحوهم، لكن "الزواج"، ذلك المفهوم المجرد المبهم فرض عليها نوعاً من السلطان. وقد آمنت بأن الزواج كفكرة مجردة مطلقة كان الشيء الذي يجب أن تقدم عليه، لقد أدركت كل الحقائق، لكن الرجل تراءى شيئاً من ممتلكات عقلها هي، لا كائناً آخر، شيئاً قائماً بذاته.

    توفي والدها في الصيف، في الشهر الذي أعقب عيد ميلادها الثامن والثلاثين. وعندما انتهى كل شيء بدا واضحاً ما ينبغي فعله: السفر بالطبع، ومع الآنسة كيومن. فهمت المرأتان إحداهن الأخرى بشكل عميق، لكنهما ظلتا على الدوام في نظر إحداهن للأخرى: الآنسة أوركيوهارت والآنسة كيومن. واحتفظتا غريزياً بمسافة معينة فيما بينهما. فالآنسة كيومن، المنحدرة من عائلة فيلادليفية متمسكة بالتقاليد، الذكية رغم قلة أسفارها، والتي تصغر الأميرة بأربع سنوات، أحست بشكل عميق بأنها تلميذة لسيدتها، وكانت تشعر بنوع من التبجيل العاطفي نحو الأميرة التي بدت لناظريها خالدة، سرمدية الشباب. لم يكن في وسعها أن ترى صفوف الأحذية الصغيرة الطريفة الرائعة في خزانة الأميرة دون أن تحس بوخزة في قلبها، وخزة من عطفٍ واحترام يكاد يصل حد الرهبة.

    وكانت الآنسة كيومن هي الأخرى طاهرة بريئة، لكن نظرة مندهشة متحيرة كانت تطل من عينيها. كانت ذات بشرة شاحبة صافية ورغم أن وجهها متناسق القسمات فإن نوعاً من الإنشداه يظهر على تعابيره، في حين تتمتع الأميرة بلمسة فريدة من جلال عصر النهضة. كان صوت الآنسة كيومن خافتاً يصل حد الهمس، وهو التأثير الحتمي لطول بقائها في غرفة السيد. غير أنه كان خفوتاً أجشاً.

    لم ترغب الأميرة بالسفر الى أوربا. بل بدا الغرب وجهتها المقصودة. والآن وقد رحل أبوها شعرت أن عليها أن ترحل غرباً.. دائماً نحو الغرب، مقتفية بلا شك الطريق الامبراطوري الذي ينقطع فجأة على مسافة قليلة من الساحل الباسفيكي الذي يعج بحشود السابحين المترفين. لا ، ليس الساحل الباسفيكي. لقد فضلت التوقف قبل ذاك. فالجنوب الغربي أقل ابتذالاً. ولهذا قررت الذهاب الى نيومكسيكو.

    وصلت هي والآنسة كيومن الى مزرعة "سيراجورد" قرب نهاية، آب عندما كانت الجموع تقفل راجعة الى الشرق. تقع المزرعة على ضفة نهر يخترق منطقة صحراوية تبعد أربعة أميال تقريباً عن أقدام الجبال، وميلا واحدا عن قرية هندية تدعى "سان كريستوبال". كانت مزرعة للأغنياء؛ فقد دفعت الأميرة مقابل إقامتها والآنسة كيومن ثلاثين دولاراً في اليوم، لكنها حصلت بالمقابل على كوخ صغير خاص داخل بستان لأشجار التفاح مع طباخ ممتاز، رغم أنها والآنسة كيومن كانتا تتناولان طعامهما في الأمسيات في قاعة الضيوف الكبيرة. ذلك لأن الأميرة لما تزل تعلل نفسها بفكرة الزواج.

    كان ضيوف المزرعة من مختلف الأصناف، عدا الفقراء. وكانوا جميعا أغنياء من الناحية العملية وكان العديد منهم يتصف بالرومانسية. البعض منهم جذاب للغاية، بعضهم أناس عاديون، بعضهم من أهل السينما، ظرفاء جداً ولا يفتقرون الى الجاذبية رغم عاميتهم، والعديد منهم من اليهود. لم تعن الأميرة باليهود رغم أن الحديث معهم كان في العادة أكثر امتاعاً.

    وهكذا فقد تحدثت كثيراً مع اليهود، مارست الرسم مع الفنانين، امتطت الخيل مع شباب جامعيين، وأمضت على العموم وقتاً طيباً. بيد أن إحساساً لازمها كإحساس سمكة خارج الماء أو طير في غابة غريبة. وظل "الزواج" فكرة مجردة تماماً، لا تقترن بأي واحد من أولئك الشبان، ولا حتى الظرفاء منهم.

    كانت الأميرة تبدو في الخامسة والعشرين. فنضارة فمها، والبراءة الهادئة الرقيقة التي ترتسم على وجهها لا تعطيها يوماً واحدا أكثر. لم يفسد الأمر غير النظرة المقتضبة الفظة التي في عينيها. وعندما كانت "ترغم" على كتابة عمرها كانت تخط "ثمانية وعشرين" راسمة الرقم "اثنين" بشكل سيئ حتى لا يتبين "ثلاثة" واضحة.

    لمح لها البعض بالزواج، وعلى وجه الخصوص فتيان جامعيون أشاروا الى الأمر من بعيد. لكنهم جميعاً سقطوا أمام نظرة الاستخفاف الساخرة التي يرونها في عينيها. فالأمر يبدو لها على قدر من منافاة العقل، والسخف، وقليل من الوقاحة من جانبهم.

    الرجل الوحيد الذي أسر اهتمامها كان واحداً من المرشدين، رجلاً يدعى "روميرو" : "دومنغو روميرو". كان هو نفسه من باع المزرعة الى آل "ويليكون" قبل عشرة أعوام مقابل ألفي دولار. وسافر زمنا ثم ظهر ثانية في المكان. كان ابناً لروميرو العجوز، آخر أفراد العائلة الأسبانية التي ملكت في الماضي أميالاً من الأراضي حول "سان كريستوبال". لكن قدوم الرجل الأبيض، وضياع القطعان الكبيرة من الماشية، والكسل القاتل الذي غلب على الرجال في هذه الأرض الجرداء المحاذية للجبال قضى في النهاية على عائلة روميرو، وكان آخر الأحفاد مجرد فلاحين مكسيكيين. أنفق دومينغو، الوريث، دولاراته الألفين وعاد ليعمل عند البيض، وكان عندها يناهز الثلاثين، رجلاً طويلاً، صامتاً، بفم متجهم مقفل، وعينين سوداوين تطالعانك بشيء من كآبة.

    كان يبدو من الخلف وسيما، ذا جسم قوي سوي، وقذالٍ حسن شديد الاسمرار، ومليئاً بالحيوية. غير أن وجهه الأسمر كان طويلاً ثقيل القسمات ويكاد يكون شرير الملامح بسبب ذلك الخلو الغريب من التعبير الذي يميز مكسيكيي منطقته. إنهم أقوياء ويبدون أصحاءً، لكن بنية أجسادهم وطبيعتهم تبدوان جامدتين، كما لو أنه ما من مكان، ما من مكان على الإطلاق لتندفع نحوه طاقاتهم. أما وجوههم التي انحدرت نحو ضربٍ من التثاقل الأشوه فقد بدت كأنها لا تملك مبرراً للحياة[10]. وكأن كل واحد من الرجال الفرادى، والسلالة كلها، لا يملكون مبرراً للعيش. إنهم ينتظرون: أما الموت وأما أن توقظهم الرغبة والأمل. أنك لترى في بعض العيون السود تلك النظرات التي تميز التائبين، وذلك الغموض السري الكئيب الشنيع الذي توحي به صورة الجمجمة والعظام المتقاطعة. لقد وجدوا معنى للحياة في تعذيب النفس، وفي تقديس الموت. ولأنهم لم يتمكنوا من انتزاع مغزى ايجابي لأنفسهم في هذا المشهد الذي وجدوا أنفسهم يولدون فيه، المشهد الهائل، الجميل الحقود في آنٍ معاً، تراهم يستديرون نحو أنفسهم ويعبدون الموت من خلال تعذيب الذات. وها هو الحزن الغامض الناتج عن ذلك يتجلى في عيونهم.

    غير أن العيون الداكنة للمكسيكي، ثقيلة في الغالب ونصف حية، عدوانية أحياناً ورقيقة أحيانا أخرى، وكثيراً ما كساها ذلك البريق الهندي القاتل وتلكم الغشاوة الهندية القاتلة.

    ربما كان دومينغو روميرو الصورة المثالية للمكسيكي، بوجهه النموذجي الثقيل الطويل الحليق، وفمه الذي يكاد يكون كئيباً حد التوحش: كانت عيونه سوداء ذات مرأى هندي. وهناك، في منتصف اليأس الذي يغشاها سوف ترى شرارة من الاعتداد والثقة بالنفس.. شرارة وحسب وسط هذا الظلام اليائس الذي لا يريم. غير أن هذه الشرارة إنما هي التي تميزه عن سائر الرجال. إنها تضفي على محياه نوعاً من رهافة الحس اليقظى، وقدراً من الجمال. كان يرتدي ثياباً أنيقة خفيفة وقبعة سوداء بقمة خفيضة بدلاً من غطاء الرأس الثقيل الذي يضعه المكسيكي العادي. كان صموتاً، منطوياً، يكاد لا يظهر في المشهد، ولهذا صار مرشداً ممتازاً يتمتع بذلك الذكاء اليقظان السريع الذي يتنبأ بالصعاب قبل نزولها. وكان يجيد الطبخ أيضاَ، فيروح ينحني على نار المخيم، محركاً يديه الضامرتين الرشيقتين السمراوين. العيب الوحيد الذي فيه هو إنه صعب المعاشرة؛ ولم يكن محدثاً لبقاً أو أليفاً.

    -"أوه ، لا ترسل معنا روميرو" كان اليهود يقولون "أنت لا تقدر أن تحصل منه على أية استجابة".

    كان السياح يجيئون ويذهبون، لكنهم لم ينظروا الى أعماقه إلا فيما ندر. لم يرَ أحد منهم على الإطلاق تلك الشرارة التي تتوسط عينيه، لم يكونوا أحياء بما يكفي كي يروها. لكن الأميرة لامستها ذات يوم، عندما اصطحبته دليلاً. كانت تصطاد السلمون في مجرى الوادي فيما انشغلت الآنسة كيومن بمطالعة كتاب ما، وقد أوثقت الجياد تحت الأشجار. كان روميرو يحاول تثبيت طعم مناسب الى سنارة الأميرة. وضع الطعم في السنارة وناولها إياها ناظراً في وجهها. في تلك اللحظة لمحت تلكم الشرارة في عينيه وأدركت على الفور أنه كان رجلاً حقيقياً وبأن شيطانه –كما كان والدها سيقول- كان شيطاناً ممتازاً. وتغير على الفور سلوكها نحوه.

    كان قد أوقفها فوق صخرةٍ تطل على بركة ماء هادئة، أمام صف من أشجار الحور القطني[11]. كان الوقت أوائل أيلول وقد أصبح الماء يبرد بالفعل، لكن أوراق الحور لما تزل خضراً. وقفت الأميرة فوق الصخرة: امرأة ضئيلة لكن حسناء، في بلوزة ناعمة ضيقة رمادية وسروال للركوب حسن التفصيل رمادي اللون أيضاً، وحذاء طويل أسود، فيما يكافح شعرها البني المنثور مندفعاً من تحت قبعتها اللبادية الرمادية الصغيرة. امرأة ؟ ليس بالضبط. طفلة مستبدلة من نوع ما، انتصبت في لوحة تخطيطية فوق صخرة ناتئة في مجرى وادٍ ثائرٍ بري.

    كانت تجيد استعمال السنارة، فقد جعل منها أبوها صائدة ماهرة. وكان روميرو بقميصه الأسود وسرواله العريض الأسود الذي حشر نهايتيه في حذاء ركوبٍ واسع أسود هو الآخر، يصطاد أسفل منها على مقربة وقد وضع قبعته فوق صخرة من خلفه وانحنى برأسه الأسود الى الأمام قليلاً وهو يراقب الماء. لقد اصطاد ثلاث أسماك وكان من وقت لآخر يلقي نظرة أعلى الجدول نحو الأميرة الواقفة هناك بكل عذوبة. رأى أنها لم تصطد شيئاً بعد فأسرع بوضع سنارته جانباً في هدوء وتقدم نحوها. تفحص بعينيه الذكيتين سنارتها، وتفحص موضع وقوفها ثم أقترح بلطفٍ بعض التغييرات واضعاً يديه السمراوين الحساستين قبالتها. ثم تنحى في هدوء ووقف متكئاً على إحدى الأشجار وشرع بمراقبتها. كان يمد لها يد العون من بعيد. أدركت هي ذلك، وارتعشت، وفي خلال لحظة علقت سنارتها بشيء، وفي دقيقتين كانت قد اصطادت سمكة جيدة.

    تطلعت اليه سريعاً وقد التمعت عيناها، وتضرج خداها. وعندما التقت عيناهما ارتسمت على وجهه ابتسامة محيية، مفاجئة للغاية، وذات جمالٍ غريب. أدركت أنه يساعدها، وأحست في وجوده بأنها في كنف حنان رجولي ماكر لم تألفه من قبل، فتورد خداها واكفهرت عيناها الزرقاوين. وصارت من بعد تبحث عنه وتتطلع على الدوام اليه، والى ذلك الخيط الغامض من العطف الرجولي الذي كان قادراً على منحه إياها، كأنه يخرج من صدره، من أعماق قلبه.. وكان هذا شيئاً لم تألفه من قبل.

    ونمت بينهما مودة مبهمة غير معلنة. أحبت صوته، أحبت مظهره وحضوره. كانت الإسبانية لغته "الطبيعية" وكان يتكلم الإنجليزية كأنها لغة أجنبية، بطيئة الى حدٍ ما، ينتابها شيء من التردد، ولكن في جهارةٍ حزينةٍ وكئيبة تخلفت عن لغته الإسبانية[12]. كان في منظره نوع من الاتزان الحاذق: لحيته حليقة على الدوام، وشعره الخشن الطويل قليلاً من الأمام مهندم بعناية من الخلف. ومنحه قميصه الأسود الناعم المصنوع من الكشمير، وحزامه الجلدي العريض وسرواله الأسود الفضفاض الحسن التفصيل الذي ينتهي داخل جزمة رعاة البقر العريضة الموشاة.. منحه كل ذلك قدراً من أناقةٍ لا تخبو. لم يكن يضع على حذائه ابزيماً أو حلقات فضية. كانت أحذيته موشاة فقط في أعلاها بتلبيسة من جلدٍ أبيض. كان يبدو رشيقاً، أهيف القد، ورغم ذلك بالغ القوة.

    في الوقت نفسه كان يمنحها بشكل مبهم إحساسا بأن الموت منه غير بعيد. ربما كان هو الآخر نصف عاشقٍ للموت. ومهما كان الأمر فإن إحساسها ذاك صيره شخصا "محتملا" بالنسبة اليها.

    لقد جعل منها صغر جسمها فارسة ممتازة. سلموها في المزرعة فرساً كميتا ذات لون محبب وبنية متينة ورقبة عريضة قوية وظهر أجوف فكانت فرساً لا يشق لها غبار. كانت تدعى "تانسي" وكان عيبها الوحيد هو العيب المعتاد في الأفراس : المزاج الهستيري. وهكذا أخذت الأميرة تنطلق كل يوم نحو الجبال على صهوات الخيل برفقة الآنسة كيومن وروميرو. وفي إحدى المرات خيما في البرية أياما عديدة مصطحبين صديقين آخرين من الفريق.

    -"أعتقد أني أفضل الأمر أكثر حين نكون نحن الثلاثة لوحدنا" قالت الأميرة لروميرو فمنحها واحدة من ابتساماته تلك، التي تضفي على وجهه شكلاً جديداً. من المدهش أن لا أحد من الرجال البيض كان قادراً على أن يظهر لها ذلك العطف وتلك الرقة، تلك القدرة على العون الصامت من البعد: سواء عندما تخفق في الصيد، أو عندما ترهقها فرسها أو تصاب تانسي فجأة بالرعب. وكأن روميرو كان قادراً على أن يرسل لها "من القلب" شعاعاً خفياً من العون والمؤازرة. لم تعرف شيئاً كهذا من قبل، وكان ذلك يجعلها ترتجف ارتجافاً. ثم تلك الابتسامة التي تجعد فجأة وجهه الأسمر وتكشف عن أسنانه البيض القوية. كانت تجعد وجهه حتى يغدو مثل تصوير زخرفي متوحش. غير أن فيها لهيباً معتماً من العطف نحوها، وشيئاً يبلغ من الدفء حداً يجعلها تشعر بالزهو بذاتها الأميرية الحقيقية. ثم تلك الومضة الحية، الخفية في عينيه، التي أبصرتها والتي تعرف أنه يعرف أنها أبصرتها. لقد خلقت نوعاً من التفاهم بينهما، تفاهم صامت رقيق. وهنا، في هذا الفهم المتبادل، كان يغدو رقيقاً مثل امرأة.

    ورغم ذلك كله فإن حضوره كان يطرد من بالها فكرة الزواج الملازمة لها، ولسبب ما لم تستطع فكرة الزواج منه هو بالذات أن تدخل عقلها الصغير الغريب. ولم يكن ذلك بسبب واضح محدد. فقد كان في شخصه رجلاً مهذباً، وكانت هي تملك من المال ما يكفيهما، فلم تكن هناك معضلة حقيقية، ولا كانت هي بالتقليدية. كلا، الآن أدركت السبب: إن شيطانيهما يصلحان للزواج، ولربما كانا متزوجين فعلاً، لكن ذاتيهما كآنسة تدعى أوركيوهارت وسيد يدعى دومينغو كانا لسبب ما غير متوافقين. إن بينهما ألفة عجيبة وتفاهماً رقيقاً. لكنها لم تدرك قط كيف يمكن أن يؤدي ذلك الى الزواج. ولربما كان بمقدورها وبسهولة أكبر أن تقترن بواحد من أولئك الشبان الظرفاء من هارفرد أو ييل.[13]

    ومضى الوقت، تركته يمضي. وجاءت أيام أيلول الأخيرة، واصفرت أشجار الحور الرجراج [14] فوق الجبال، وأخذت شجيرات السنديان تميل الى الاحمرار.، لكن أشجار الحور القطني في الوادي وحول الجدول لما تتغير بعد.

    -"متى ترحلين؟" سألها روميرو مثبتاً فيها عينيه الداكنتين الصريحتين.

    -"في نهاية أكتوبر. لقد وعدت أن أكون في "سانتا بربارا" بحلول نوفمبر."

    كان يحاول إخفاء الشرارة التي في عينيه، لكنها رأت التثاقل الكئيب المميز على فمه المتجهم.

    كانت قد شكت له مراراً من أنها لم تشاهد حيواناً بريا خلا بعض السناجب العادية أو المخططة وربما قنفذاً أو جرذا برياً ما، لكنها لم تر غزالاً أو دباً أو أسداً.

    -"أليس من حيوانات أكبر في هذه الجبال؟" سألت بخيبة أمل.

    -"بلى. هنالك بعض الغزلان. لقد رأيت آثارها. ورأيت أيضاً آثاراً لدب"

    -"ولكن لماذا لا يستطيع المرء أن يرى الحيوانات نفسها؟" وبدت حزينة مستاءة مثل طفلة.

    -"رؤيتها فيه بعض الصعوبة. إنها لن تسمح لك بالاقتراب منها. عليك أن تلبثي ساكنة عند الأماكن التي ترتادها، وإلا فعليك أن تتعقبي آثاراً مسافة طويلة"

    -"لن أطيق الرحيل دون أن أراها : دباً أو غزالاً ما"

    وغمرت وجهه فجأة ابتسامة متسامحة.

    -"حسناً، وماذا تريدين؟ هل تريدين الصعود الى مكان في الجبال وانتظار مجيئها؟"

    -"نعم" أجابت ناظرة اليه بدفقة مفاجئة من طيشٍ ساذج. واستعاد وجهه على الفور مسحة الحزن والإحساس بالمسؤولية.

    -"حسناً" قال بشيء من التهكم ولمسة من السخرية "عليك أن تجدي منزلاً، فالجو في الليل شديد البرد، وعليك قضاء الليل كله داخل بيت ما"

    -"أليس هناك من بيوت في الأعالي؟"

    -"بلى. أمتلك هناك كوخاً صغيراً، بناه أحد الباحثين عن الذهب قبل زمن طويل. يمكنك الذهاب الى هناك وقضاء ليلة فيه. لربما ترين شيئاً. ربما!… لست متأكداً. وقد لا يأتي شيء"

    -"وما مقدار الفرصة"

    -"حسناً. لا أعرف. في آخر مرة كنت فيها هناك رأيت ثلاثة غزلان نزلت تشرب الماء، كما اصطدت راكونين[15]. ولكن قد لا نرى شيئاً هذه المرة"

    -"هل هناك ماء في تلك الأنحاء ؟"

    -"اجل. هناك بركة مستديرة صغيرة ، تعرفين، تحت أشجار الراتنج [16] تصب فيها مياه الجليد"

    -"أهي بعيدة ؟ "

    -"نعم. الى حدٍ ما. أترين الى تلك الحافة الناتئة هناك ؟" واستدار صوب الجبال ورفع يده في إيماءة مؤثرة للغاية باتجاه الغرب مشيراً الى البعد "تلك الحافة حيث لا أشجار. صخور فقط" كانت عيناه السوداوان تحدقان في المدى البعيد ووجهه جامداً كأنما يعتصره الألم "تستديرين حول القمة ثم الى الأمام، ثم تهبطين من خلال أشجار الراتنج الى حيث يوجد الكوخ. أبي هو اشترى موضع التنقيب ذلك من منقب أعلن إفلاسه، لكن لم يعثر أحد على أي ذهب أو على أي شيء آخر. لم يذهب أحد الى هناك. هناك موحش جداً!"

    راقبت الأميرة الكتلة الهائلة، الرائعة الجاثمة من جبال روكي. كان الوقت أوائل أكتوبر، وقد بدأت أشجار الحور الرجراج تنزع عنها أوراقها الذهبية. وفي الأعالي كانت أشجار الراتنج والصفصاف تضرب من بعيد الى السمرة، فيما كانت البقع الكبيرة المستوية من أشجار البلوط فوق المرتفعات حمراء بلون الدم.

    -"هل أستطيع الصعود الى هناك؟" سألته وقد استدارت اليه والتقت بالشرارة التي في عينيه. كان وجهه مثقلاً بالمسؤولية.

    -"نعم. تستطيعين الذهاب. لكن سيكون هناك ثلج على القمة. برد فظيع، ووحدة فظيعة"

    -"إني لعازمة على الذهاب" قالت بإصرار.

    -"حسناً. تستطيعين الذهاب، ما دمت راغبة بذلك"

    لكنها شكّت في أن آل ويليكسون سيدعونها تذهب، على الأقل لوحدها مع روميرو والآنسة كيومنز. غير أن العناد المميز في طبعها، وهو العناد الذي ربما امتزج بالجنون، قد استحوذ عليها. كانت تريد أن تخترق الجبال وتنظر الى قلبها الخفي. كانت تريد أن تنحدر الى ذلك الكوخ تحت أشجار الراتنج قرب البركة الجبلية ذات الماء الأخضر الرقراق. كانت تريد أن ترى حيوانات البر وهي تتحرك هنا وهناك ، في لاوعيها البري.

    -"لنخبر آل ويليكسون بأننا نروم التنزه عند وادي "فريجيولس" هكذا قالت له.

    كانت الرحلة الى ذلك الوادي أمراً معتاداً ليس فيه مشقة. فلا برد هناك ولا وحشة، وفي إمكانهم أن يبيتوا في منزل خشبي أسموه فندقاً. التفت روميرو اليها سريعاً وأجاب:

    -"إن أردتِ قول ذلك. أخبري السيدة ويليكسون بنفسك. أعرف تماماً أنها ستفقد صوابها معي إن أخذتك الى الجبال نحو ذلك المكان. وعلي الذهاب أولاً مع حصانٍ محمل بالأمتعة لآخذ الكثير من الأغطية وبعض الخبز. ربما لن تتحمل الآنسة كيومنز الأمر، ربما لن تستطيع. الرحلة شاقة"

    كان يتحدث ويفكر، بتلك الطريقة المكسيكية الثقيلة المفككة.

    -"لا تلق بالا " أصبحت الأميرة على حين غرة مصممة ومتصلبة في سطوتها "أريد أن أفعلها. سأرتب الأمور مع السيدة ويليكسون، وستذهب أنت يوم السبت"

    هز رأسه ببطء وقال:

    -" يجب أن أذهب يوم الأحد مع حصان الأمتعة والبطانيات. لا يمكن قبل الأحد"

    -"حسن جداً ، سننطلق إذن يوم الاثنين" قالتها بشيء من الاستياء، فقد كرهت أن يعارضها أحد أدنى معارضة. أدرك أنه إذا ما انطلق بالأمتعة فجر الأحد فلن يعود إلا في وقت متأخر من الليل، لكنه وافق على أن ينطلقوا صباح الاثنين، في السابعة. وتم إخبار الآنسة كيومنز بالتحضير لرحلة فريجيولس. أمضى روميرو يوم الأحد خارجاً ولم يكن قد ظهر عندما أخلدت الأميرة الى النوم. لكنها شاهدته صباح الاثنين عندما كانت ترتدي ثيابها وهو يقود الجياد الثلاثة من الحظيرة. وكانت معنوياتها مرتفعة.

    تجمع بعض الجليد عند حافات سواقي الري فقد كان الليل بارداً. وزحفت السناجب نحو دفء الشمس واستلقت بأعين واسعة، قلقة، بكماء، وقد منعها الخدر من الجري. قالت الأميرة:

    -"ربما نظل في الخارج يومين أو ثلاثة"

    فأجابتها السيدة ويليكسون، المرأة الفتية البارعة من شيكاغو:

    -"حسن إذن. لن نبدأ بالقلق عليكم قبل يوم الخميس" وأضافت " على أية حال فإن روميرو سيعتني بكم، إنه جدير بالثقة حقاً"

    عندما توجهوا صوب الجبال كانت الشمس قد أشرقت لتوها على الصحراء، فلونت أشجار الخشب الزيتي والقصع[17] بضياء شاحب شحوب الرمال الرمادية، وأنارت السهل الفسيح الذي يحيطهم. والى اليمين التمعت ظلال قرى الهنود الطينية، منبسطة تكاد لا ترى فوق هذا السهل .. تراباً فوق تراب! والى الوراء امتدت المزرعة وحزم من أشجار الحور القطني المزغبة التي اصفرت ذراها تحت السماء الزرقاء الرائعة. كان الخريف ينثر ألوانه في المسافات الشاسعة الى الجنوب الغربي. لكن الثلاثة كانوا يخبّون على الطريق صوب الشمس التي تلألأت كالذهب فوق كتلة الجبال الهائلة وقد شرعت منحدراتها الجانبية تشع باصفرار ملتهبة بضياء آخر تحت الزرقة الباردة للسماء الشاحبة. أما المنحدرات الأمامية فقد كانت في الظل، مغمورة بحمرة أشجار البلوط واللون الذهبي الباهت لأشجار الحور والسواد المزرق للصفصاف والزرقة الرمادية للصخور، فيما كان الوادي طافحاً بزرقةٍ عميقة.

    قادوا الجياد فرادى، في رتل يتقدمه روميرو على حصانٍ أدهم، وقد ارتدى هو الآخر ثياباً سوداء راسماً بقعة حالكة مضطربة في ذلك الشحوب الرقيق للمنظر، حيث توشحت حتى أشجار الصنوبر البعيدة بغشاءٍ من شحوبٍ أزرق بدلاً من لونها الأخضر. سار روميرو صامتاً في محاذاة أشجار الخشب الزيتي المزغبة وتلته الأميرة على فرسها الكميت. أما الآنسة كيومنز التي ما كانت تشعر بالارتياح على حصانها فقد سارت في النهاية، في الغبار الشاحب الذي أثاره الباقون، وكان حصانها يعطس أحياناً فتجفل هي.

    لكنهم مضوا قدماً في خبب لطيف. لم ينظر روميرو الى ما حوله، كان بمقدوره سماع الحوافر التي تتبعه، وكان هذا كل ما يريد. أما الأميرة فقد شعرت بعجزٍ غريب إزاء هذا الرجل اللامبالي الذي يسير مبتعداً على الدوام. لكنها ظلت فرحة تياهة.

    دنوا من التلال السفحية المستديرة الشاحبة، المنقطة ببقعٍ سوداء مستديرة من أشجار الأرز والبنيون[18]. صلصلت الجياد وقعقعت فوق الصخور، وكانوا يصادفون بين الحين والحين واحدة من أشجار الخشب الزيتي الكبيرة الممتلئة وقد أبرزت باقة من أزهار صوفية ناعمة مثل ذهب خالص. وانعطفوا نحو الظلال الزرقاء، ثم صعّدوا في منحدر صخري شديد الميلان. وامتدت الأرض الشاحبة بعيداً الى الأسفل، الى الوراء، ثم هبطوا الى ظلال وادي سان كريستوبال.

    كان الجدول يتدفق طافحاً سريعاً. وكانت الجياد تنتزع في مسيرها بين وقت وآخر باقة من العشب. وأخذ الطريق يضيق، ويمتلئ بالصخور التي لفتها الظلال. وساد البرد والعتمة والجياد تتسلق وتتسلق مصعِّدة نحو الأعالي. وتزاحمت جذوع الأشجار حول الجدول الظليل الهادئ الذي يضيق. كانوا في غمرة أشجار الحور التي نمت منتصبة، ناعمة، رشيقة الى علو شاهق، وفوقهم كانت الذرى الذهبية .. كانت الشمس. وبعيداً الى الأسفل، في المكان الذي كانت الجياد تجاهد لتتسلق الصخور وتدور حول جذوع الشجر كانت الظلال الزرقاء لما تزل جنباً الى جنب مع خرير المياه. وكنت تجد بين الفينة والأخرى أطواقاً مدلاة من لحية العجوز[19]،.أو زهرة غرنوق شاحبة[20] محشورة هنا أو هناك، بين الطحالب والصخور، في هذه البقعة العذراء. وها هي القشعريرة تغمر قلب الأميرة من جديد، وهي تبصر أي تشابك لليأس والبِلى يقبع في هذه الغابات البكر.

    زحفوا نازلين، وخوضوا وعبروا الجدول، ثم تسلقوا الصخور ومضوا عبر شعاب الجانب الآخر من الجبل. توقف حصان روميرو الأدهم ملقياً نظرةً حيرى على الأشجار الساقطة ثم قفز من فوقها بخفة، وتبعته كميت الأميرة في حذر، لكن جواد الآنسة كيومنز الأشقر هاج وتمنع، فصار لزاما أن يدار به من حول الأشجار. وفي الهدوء الغامر نفسه الذي لا يقطعه إلا وقع حوافر الجياد وصوت تناثر الماء الذي يخوضون فيه شقوا طريقهم نحو الأعالي، يغمرهم الظل المتشابك الكثيف للوادي.

    أحياناً وهم يعبرون الجدول كانت الأميرة تلقي نظرة خاطفة على الذرى فإذا بقلبها يحتبس بين أضلاعها؛ فهناك في العلى، بعيداً في السماء، كانت قمم الجبال تلمع في اصفرار مرقش بأشجار تنوب راتنجية سمراء، صافية كأزهار نرجس برية، تواجه هذه الزرقة الفيروزية الشاحبة التي تمتد عالية جليلة فوق الظلال الزرقاء المعتمة التي تسير الأميرة فيها. وعندما يعبرون المنحدرات الأكثر اتساعاً كانت تحاول الإمساك بأغصان البلوط الحمراء كالدم، غير دارية بما ينتابها من أحاسيس.

    أصبحوا الآن على ارتفاع كبير، وربما أشرفوا بعض الأحيان فوق الوادي نفسه، في الأخاديد الخفيضة، تحت القمم المنقطة ذات البريق الذهبي، التي شمخت دونهم. وغطّوا من جديد، وعبروا الجدول، وسارت الجياد في حذر شديد فوق ملاءة كثيفة من أغصان الحور الساقطة المهشمة فإذا بهم يتخبطون فجأة بين كتلة من الصخور. وتقدم الأدهم وعبر وهو يهز ذيله أما الأميرة فقد تركت فرسها تختار موضع قدميها فعبرت هي الأخرى تلك الكتلة الصخرية وعندها سمعوا الجلبة المسعورة للأشقر في آخرتهم. وانتبهت الأميرة الى وجه روميرو وهو ينظر حوله في انتباه شيطاني غريب ثم تلفتت هي الأخرى كي ترى الأشقر يعرج في محاذاة الصخور وقد احمرت إحدى ركبتيه الشقراوين الباهتتين من أثر الدماء. وصرخت الآنسة كيومنز:

    -"لقد كاد أن يهوي"

    ترجل روميرو وأسرع في نزول الممر، وشرع بتفحص الركبة الجريحة، بعد أن هدأ من روع الحصان.

    -"هل هو جريح ؟ " صرخت الآنسة كيومنز في قلق وترجلت سريعاً. وصاحت حين رأت الدم يسيل في خيط رفيع من القائمة النحيلة الشقراء:

    -"آه ، يا إلهي ! أليس هذا فظيعاً! "

    كانت تتحدث بصوت متوجع وهي شاحبة. تفحص روميرو ركبة الحصان، ثم جعله يمشي بضع خطوات، ثم انتصب واقفاً وهز رأسه.

    -"ليس بذلك السوء! لم ينكسر شيء! "

    وانكب ثانية على الركبة الجريحة ثم رفع بصره الى الأميرة وقال:

    -"يمكنه الاستمرار، ليس الأمر بالغ السوء "

    ونظرت الأميرة من علٍ الى الوجه الأسمر في صمت، وصاحت الآنسة كيومنز :

    -"ماذا ؟ أيستمر في الصعود حتى هناك؟ لِكَم من الساعات؟"

    -"خمس تقريبا " أجاب روميرو ببساطة.

    -"خمس ساعات! " صاحت الآنسة كيومنز "حصان بركبة عرجاء! وجبل شديد الانحدار! وَيْ ! "

    -"نعم. أنه وعر حقاً في الأعلى" قال روميرو دافعاً قبعته الى الوراء ومحدقاً بالركبة النازفة فيما وقف الأشقر في حزنٍ أليم.

    -"لكني أظن أنه سيفلح في صعوده" أضاف الرجل.

    -"آه " صاحت الآنسة كيومنز وعيونها تكتضان فجأة بدموع حبيسة " لن أفكر بذلك. لن أصعد به الى هناك، ولو أعطوني مال الدنيا "

    -"ولم لا تفعلين؟ " سأل روميرو.

    -"هذا سيؤلمه "

    انحنى روميرو من جديد على ركبة الحصان.

    -"ربما يؤلمه قليلاً، لكنه سينجح، ولن تتيبس ساقه"

    -"ماذا! أمتطيه خمس ساعات صاعدة هذه الجبال الوعرة! " صاحت الآنسة كيومنز " لا أستطيع. أبداً لا أستطيع. سأقتاده قليلاً وأرى إن كان بمقدوره السير. لكني "لا أستطيع" ركوبه ثانية. لا أستطيع. دعاني أمشي على قدمي"

    -" ولكن يا عزيزتي الآنسة كيومنز، إذا قال روميرو أنه سيكون بخير –" قالت الأميرة فقاطعتها الآنسة كيومنز:

    -"أنا أعرف أنه يتألم. آه. لا أستطيع أبداً تحمل ذلك"

    ولم يجدِ شيءٌ مع الآنسة كيومنز. فقد كانت فكرة الحيوان الجريح تضعها دائماً في حالة هستيرية.

    تقدموا قليلاً سائرين وهم يقودون الأشقر. كان يعرج بشكل سيئ نوعاً ما. وجلست الآنسة كيومنز على صخرة.

    -"وَيْ ! إن رؤيته عذاب لا يطاق! إنها لوحشية! "

    -"سيتوقف عن العرج بعد قليل إن لم تلقي اليه بالاً " قال روميرو "أنه الآن يتملقك ويبالغ في العرج كي يثير انتباهك"

    -"لا أظن أن هناك مجالاً للتملق" أجابت الآنسة كيومنز بمرارة "بإمكانك أن ترى كم يتألم"

    -"الأمر لا يؤلم كثيراً" قال روميرو. ولزمت الآنسة كيومنز الصمت في عداء.

    كانت ورطة حقيقية. وتوقف الفريق دونما حراك على قارعة الطريق: الأميرة على سرجها، الآنسة كيومنز جالسة على الصخرة، وروميرو الملفوف بالسواد يقف بعيداً قرب الأشقر المتعب.

    -"حسناً" قال الرجل أخيراً واختلس نظرة سريعة الى الحصان المنشغل بقضم الأعشاب الجبلية وهو يدوس على الأعنة المدلاة "أظن إذن أن علينا الرجوع"

    "لا. أوه، لا!" رن صوت الأميرة التي أعولت بغضب وحزن عظيمين، لكنها سرعان ما كبحت جماح نفسها. ونهضت الآنسة كيومنز في نشاط وقالت في وقار وبرود:

    -"دعاني أعد بالأشقر، وامضيا أنتما الإثنان"

    استقبلا كلماتها بصمت. وحدقت اليها الأميرة بسخرية تقارب الوحشية.

    -"لم يمض علينا غير ساعتين" قالت الآنسة كيومنز "ولا أمانع البتة في قيادته والعودة به. لكني لا أستطيع ركوبه. لا أستطيع امتطاءه بركبته تلك"

    واستقبلا كلماتها هذه ايضاً بصمت قاتل، وظل روميرو ساكنا خامدا.

    -"حسن إذن" قالت الأميرة "قوديه وارجعي. ستكونين بخير. لن يصيبك سوء على أية حال. أخبريهم أننا واصلنا الرحلة وأننا سنعود غداً أو بعد غد"

    كانت تتكلم ببرود ووضوح. ذلك لأنها لم تكن لتطيق أية معارضة.

    -"الأفضل أن نعود جميعاً ونأتي في يوم آخر" قال روميرو دون تصميم.

    -"لن يكون هناك يوم آخر!" صاحت الأميرة "أنا أريد الاستمرار" ونظرت مباشرة الى عينيه، والتقت بالشرارة التي فيهما.

    رفع روميرو كتفيه قليلاً وقال:

    -"إن كنت تريدين ذلك. سأمضي معك. لكن يمكن للآنسة كيومنز أن تركب حصاني حتى آخر الوادي فيما أقود الأشقر، ثم أرجع اليك"

    ورتبوا الأمر على ذلك. وضعوا سرج الآنسة كيومنز على الحصان الأدهم وأمسك روميرو بعنان الحصان الأشقر وأقفلا راجعين. ومضت الأميرة لوحدها وصعّدت في بطءٍ شديد. كان الغضب المحتدم على الآنسة كيومنز يعميها عن كل ما حولها؛ فاكتفت بأن ترخي زمام فرسها لتسير كما يحلو لها. رافقتها نوبة الغضب الغريبة طوال ساعة تقريباً. وكانت في هذا الوقت قد ارتقت الى علوٍ لا يستهان به. سارت الفرس بعزم طوال الوقت، ثم انكشفا على منحدر عارٍ، ودار الشِعب خلال سيقان الحور الرجراج الهشة. كانت الريح تهب هنا، حيث تعرت بعض الأشجار لتوها، فيما تهز أخريات أقراص أوراقها الخالصة الصفار، الشبيهة بتويجات الأزهار، بينما يبدو المنحدر قبالتها مثل كتلة متماسكة من الصوف تشع باصفرار نرجسي، ناعمة مثل فراء ثعلب ذهبي، صفراء كنرجسات حية في الريح، في شمس الجبال العالية.

    توقفت ونظرت الى الوراء. كانت المنحدرات العظيمة القريبة مرقشة بالذهب وبسمرة أشجار الراتنج مثل نسر لم يطرح ريشه. وكان الضوء المنبسط يلمع فوقها. وبعيداً، عبر فسحة الوادي كانت ترى الزرقة الشاحبة للصحراء الشبيهة بسطح بيضة امتد فوقها الصدع المعتم المتغضن الذي شكله وادي ريو كراند. والى البعيد، البعيد انتصبت الجبال الزرق على الأفق مثل صف من الملائكة.

    وفكرت في مغامرتها: ها هي الآن تمضي وحيدة مع روميرو. لكنها واثقة تمام الثقة من نفسها، ولم يكن روميرو من الرجال الذين قد يلمسونها ضد إرادتها. كانت هذه فكرتها الأولى. وتملكتها رغبة واحدة ثابتة هي أن تجتاز حافات الجبال وأن تنظر في الهيولى الداخلية لجبال روكي. لقد أرادت الذهاب مع روميرو بالتحديد لأن به شبهاً غريباً بها، ورابطة غريبة تربط بينهما. ولم تكن الآنسة كيومنز على أية حال غير نغمة ناشزة نافرة.

    وتقدمت بفرسها. وانتهت أخيراً الى أكناف القمة. ورأت في البعد الانحناء العظيم من الصخور والأشجار الرمادية الميتة حيث ينتهي الجبل قبالة السماء. لكن في المدى القريب كانت أشجار الراتنج الكثيفة السمراء تقف كالأهداب الشائكة، وعند قدميها رقدت أكناف القمة: وادياً منبسطاً صغيراً من العشب اليابس وأشجار الحور الصفر المنتصبة بهدوء والجدول ينساب عبرها في قطرات كالخيط. كان وادياً أو هيكلاً ينصب منه الجدول في رفق نحو الصخور والأشجار السفلى للوادي. ومن حولها سادت رقة ملائكية: العشب اليابس الناعم، غياض من أشجار الحور الرقيقة الجذوع التي تُسقِط رقاقاتها مثل تويجات الزهور. ومثل الزهور كانت أشجار الحور تنتصب في أجمات وتنزع تويجاتها الصفراء المشرقة والجدول الصغير السريع ينساب في نعومة مثل خيطٍ رقيق بين العشب البري الذاوي.

    هنا قد يتوقع المرء رؤية غزال أو خشف أو كائن بري ما كما لو كان في جنة صغيرة، وهنا كان عليها أن تنتظر روميرو حيث يتناولان الغداء. حلت سرج حصانها وأسقطته أرضاً في جلبةٍ، وتركت فرسها تتجول في حبلها المرخى الطويل. كم كانت تانسي جميلة بلونها الأسمر الضارب الى الحمرة بين الأوراق الصفر التي ترقد مثل الغشاوة التي تكسو تماثيل البرونز فوق الأرض الذابلة.

    أما الأميرة نفسها فقد ارتدت كنزة صوفية ذات زغابات شاحبة ذابلة مثل العشب وسروال ركوب ذا لون برتقالي مصفر نقي. وشعرت بأنها في الصورة تماماً.

    أخرجت من جيوب السرج رزمة الغداء ونشرت منديلاً صغيراً وجلست في انتظار روميرو. ثم أشعلت ناراً صغيرة وتناولت بيضة متبلة. ثم ركضت خلف تانسي التي كانت تبتعد عبر الجدول، وجلست أخيراً في الشمس: في السكون الرائق قرب أشجار الحور وانتظرت.

    كانت السماء زرقاء. وكان جبلها الصغير ناعماً رقيقاً مثل أرض الأحلام. لكن المنحدرات العظيمة كانت ترتفع من أمامها ومن فوقها، شاهقة، معتمة بخصلات مدببة من أشجار الصفصاف، أو مكتضة بأشجار ميتة تنتصب كأهداب رمادية بين الصخور المتجهمة، أو مبقعة بالأسود والذهبي. إنها الجبال الفاتنة، الوحشية، المتجهمة، الفظة.. في لحظات رقتها.

    رأت الأميرة تانسي تنتصب، ثم تشرع بالجري. وخرج من عتمة غابة الراتنج التي عبر الجدول شخصان مثل شبحين على ظهور الخيل. كانا هنديين راكبين يلتفان كالمومياء في بطانيات قطنية رمادية شاحبة وقد برزت بنادقهما من السرجين. وتقدما من فورهما نحوها، نحو خيط الدخان. وعندما اقتربا كشفا عن وجهيهما وحيياها ناظرين اليها بعيونهم السوداء في فضول. كان شعرهما الأسود متلبدا وعلى أكتافهما انسدلت جدائل طوال مغبرات. لقد بديا في غاية التعب.

    ترجلا قرب نارها الصغيرة .. المخيم يعني المخيم! لفا البطانيات على حقويهما وأنزلا السرجين عن الحصانين الصغيرين وحلا وثاقهما ثم قعدا. أحدهما هندي فتي سبق أن التقته وأما الثاني فكان أكبر سناً.

    -"أنتَ وحدك؟" سأل الأصغر

    -"روميرو سيعود في غضون دقائق" قالت واختلست النظر الى الطريق من ورائها.

    -"آه روميرو! أنتَ معه؟ أين ذاهبان أنتما؟"

    -"حول القمة. وأنتما؟"

    -"نذهب نحن أسفل ، الى بيولا"

    -"كنتما خارجين للصيد؟ كم مضى عليكما؟"

    -"نعم كنا خارجاً خمسة أيام" وضحك الأصغر ضحكة صغيرة لا مغزى لها.

    -"هل ظفرتما بشيء؟"

    -"كلا. رأينا آثار ظبيين، لكن لم نظفر بلا أي شيء"

    ولاحظت الأميرة كتلة مشبوهة تحت أحد السرجين: غزال ملفوف بالتأكيد. لكنها لم تعلق بشيء.

    -"لا بد أنكما شعرتما بالبرد"

    -"نعم. باردة جداً في الليل. وجوعانين. ما أكلنا من البارحة. أكلنا كل ما عندنا" وأطلق ثانية ضحكته العديمة المعنى.

    كانا يبدوان تحت جلدهما الداكن رجلين جائعين مهزولين. فتشت الأميرة عن الطعام في حقائب السرج، وعثرت على بعض الخبز وقطعة من اللحم المقدد –مؤونة السفر المعتادة-. ناولتهما إياه فشرعا بتحميص شرائح منه فوق النار على أعواد طويلة. وهكذا وجد روميرو المخيم الصغير عندما هبط المنحدر: الأميرة في سروالها البرتقالي وقد لفت رأسها بمنديل حريري أزرق وبني وهي جالسة قبالة الهنديين الأسودي الرأسين وبينهم نار المخيم، بينما انحنى احدهما يشوي اللحم وقد تدلت من شعره المجدول المعصوب ظفيرتان كأنهما سقطتا من التعب.

    تقدم روميرو بوجهه الخالي من التعبير، وحياه الهنديان بالاسبانية. أنزل سرجه وأخرج بعض الطعام من الحقائب وجلس ليأكل عند النار. وذهبت الأميرة الى الجدول لتشرب وتغسل يديها.

    -"عندكم قهوة؟" سأل الهنديان فأجاب روميرو :

    -"لا نحمل قهوة"

    تسكعوا قرابة الساعة في شمس الظهيرة الدافئة ثم أسرج روميرو الخيل. وظل الهنديان مقرفصين عند النار. إنطلق روميرو والأميرة مبتعدين وعبرا الجدول نحو غابة الراتنج التي خرج الهنديان منها من قبل وصاحا محيين بالهندية :أديوس!

    حين صارا لوحدهما التفت روميرو ونظر اليها بفضول بطريقة لم تستطع فهمها، والتمعت عيناه ببريق قوي. فتساءلت للمرة الأولى إن كانت قد استعجلت الأمور.

    -"أرجو أن لا تمانع بالذهاب معي بمفردنا" قالت الأميرة فأجابها:

    -"إن أنتِ شئت"

    انكشفا الآن عند أقدام المنحدر العظيم العاري لقمة روكي حيث تناثرت أشجار الراتنج الميتة النافرة مثل أهداب شائكة على جثة خنزير رمادي ممدد. قال روميرو إن المكسيكيين أحرقوا هذه الجبال قبل عشرين عاماً لطرد البيض منها. كان هذا القسم من منحدر القمة يشبه الجثة حقاً. وأخذت معالم الطريق تضيع حتى كادت أن تختفي تماماً لولا أن روميرو استدل بالأشجار الى أحرقتها إدارة الغابات. وتسلقا المنحدر الشبيه بالجثة، بين الراتنجات الرمادية الميتة المتهاوية، ثم خرجا للريح.

    هبت الرياح مندفعة من ناحية الغرب صاعدة من الصحراء، عبر فم الوادي. وهناك، بعيداً عن فم الوادي كانت الصحراء ترقد مثل سراب عظيم وتميل مرتفعة شيئاً فشيئاً نحو الغرب، هائلة، شاحبة. وشق على الأميرة النظر.

    مضت الجياد عبر المنحدر لساعة كاملة، صاعدة في جهدٍ عظيمٍ من أكفالها، تتوقف أحياناً كيما تتنفس، ثم تزحف من جديد، شاقة طريقها مرحلة بعد مرحلة، فوق هذا الجدار المائل المكفهر، والريح تضرب مثل قاطرةٍ هائلة.

    بعد ساعة كاملة كانا يخبان فوق المنحنى ولم يعودا يجهدان في الصعود المباشر. وصار كل شيء حولهم ميتاً، رمادياً. وشقت الجياد طريقها فوق جثث الراتنجات الفضية-الرمادية. لكنهما أصبحا الآن قرب القمة، قرب الذروة. فصارت الجياد نفسها تعجل كي تطوي هذه النتفة الأخيرة.

    سلكا طريقهما دائرين حتى بلغا رقعة من غابة الراتنجات قرب القمة ذاتها فأسرعا بولوجها هاربين من الريح الآلية الهائلة العملاقة التي صفرت في وحشية باردة شاحبة. وهكذا عبرا من خلال الستارة الظلماء من الأشجار، وانبثقا فوق القمة.

    لا شيء يمتد أمامهم الآن سوى الجبال. الجبال العظيمة، الهائلة، التي تربض في عقدة عظيمة متشابكة خالية من أي روح أو حياة. وتحت الخصلات السوداء الشائكة للراتنجات القريبة رقدت بقع من الجليد الأبيض. كانت الوديان الخالية من الروح محض حفر من الصخر والراتنج أما القمم المستديرة والذرى المستدقة من الصخور الرمادية فكانت تتزاحم واحدة إثر الأخرى مثل قطيع هائل عظيم.

    أخاف المشهد الأميرة. كان وحشياً للغاية. لم تكن تظنه بهذه الوحشية وهذا العداء للحياة. ورغم ذلك فقد حققت إحدى أمنياتها: لقد رأته، رأت اللب الهائل المخيف، البغيض، لجبال روكي. رأته هناك، تحت أعينها، في الرهبة الثقيلة العظيمة التي توقعها في النفس. وأرادت الرجوع. في هذه اللحظة أرادت الرجوع. لقد أشرفت ببصرها على تشابك أحشاء هذه الجبال، وشعرت بالخوف.. أرادت الرجوع. لكن روميرو كان يتقدم، على الجانب المحمي من الريح من غابة أشجار الراتنج، فوق تجاويف الجبال الداخلية. واستدار نحوها وأشار الى المنحدر بيده السمراء.

    -"هنا كان أحد المنقبين يبحث عن الذهب"

    كانت كومة رمادية من التراب المستخرج تنتصب قرب إحدى الحفر مثل وجرِ غريرٍ[21]عملاق. وقد بدت كأنها حديثة العهد بالحفر.

    -"قبل وقتٍ قصير؟ "

    -"كلا. منذ زمن طويل - عشرين أو ثلاثين عاماً " وأمسك زمام حصانه ونظر الى الجبال

    -"أنظري. هناك يمتد طريق مصلحة الغابات؛ على امتداد تلك الحافات، ثم القمة، ثم بعيداً حتى يصل الى "لوسي تاون" حيث الطريق الحكومي. سنهبط الى هناك- حيث لا طريق- أنظري. وراء ذلك الجبل. أترين القمة؟ حيث لا أشجار، وقليل من العشب.؟"

    ذراعه مرتفعة. يده السمراء تشير الى البعد. عيناه السوداوان تخترقان المسافات وهو جالس على صهوة جواده الأدهم الذي استدار نحوها: بدا في ناظريها غريباً منذراً بالشؤم. لم تكن ترى منه غير شيطانه. كانت تشعر بالدوار، وببعض الغثيان وهي على هذا الارتفاع. ولم تكن قادرة على أن "ترى" المزيد. لم تر غير نسرٍ يستدير محلقاً في الهواء فيُسقِط الضوء القادم من الغرب ظله في الأسفل.

    -"هل سأنجح في الوصول الى ذلك البعد؟ " سألت الأميرة في وهن وفظاظة.

    -"آه، نعم! كل شيء سهل الآن. لا مزيد من الأماكن الوعرة"

    سارا على طول الحافة، صاعدين، نازلين، لازمين الجانب الداخلي المحمي من الريح، في الظل المعتم. كان الجو بارداً، ثم ارتفع الطريق من جديد. ووجدا نفسيهما فوق مسلك حاد ضيق يهوي الجبل من جانبيه الى أعماق سحيقة. وانتاب الأميرة خوف شديد. ونظرت هنيهة الى البعيد فأبصرت الصحراء، وحافات الصحراء، والمزيد من الصحراء، ثم المزيد من الحافات الزرق، تلمع في شحوب، هائلة، بعيدة نحو الأسافل، منحنية في شحوب هائل نحو الأفق الغربي. كان مشهداً مخيفاً، أثيريا في اتساعه الوامض، الشاحب، نصف الصقيل، الذي يميل صوب الغرب، فلم تستطع تحمل رؤيته. أما الى اليسار فكانت كتلة الجبال الخرقاء المتشابكة الراكعة في ثقلٍ عظيم.

    أغمضت عينيها وتركت وعيها يتبخر، واقتفت الفرس آثار الطريق، ماضية في الريح من جديد. أدارا ظهريهما للرياح ميممين وجهيهما نحو الجبال. وخيل اليها أنهما انحرفا عن الطريق الذي ما عاد مرئياً.

    -"كلا" قال مشيراً بيده المرفوعة "ألا ترين الى الأشجار المحروقة؟"

    واستطاعت بعد أن استنفرت بعض وعيها أن تبصر فوق جذع راتنجة ميتة شاحبة آثاراً قديمة لفأس عملت في خشبها. لكن البرد والريح وهذا العلو الشاهق خدروا عقلها.

    واستدارا ثانية وبدءا بالنزول. وأخبرها أنهما تركا الطريق كانت حوافر الخيل تنزلق فوق الحجارة الرخوة مستكشفة طريقها نحو الأسفل. كان الوقت عصرا والشمس تومض مندفعة في السماء الدنيا: إنها الرابعة تقريباً. ومضت الجياد بعزم. بطيئة لكن في عناد. وازداد الهواء برداً. كانا الآن بين القمم المتكتلة الثقال والوديان المقعرة الشديدة الميل. وصارت بالكاد تعي وجود روميرو.

    ترجل وتقدم ليساعدها في النزول عن سرجها. وترنحت لكنها لم تكشف عن ضعفها.

    -"يجب أن نزحف هنا نازلين. يمكنني اقتياد الجياد"

    كانا فوق الحافات المرتفعة يواجهان منحدراً عارياً شديد الميلان يغطيه العشب الجبلي الشاحب المصفر الذي غشيته بأكمله أشعة الشمس الغربية. إنه منحدر شديد الميل. وأحست الأميرة أنها قد تنزلق وتهوي كما لو في زحليقة أطفال نحو الهوة العظيمة. لكنها لملمت نفسها والتمعت عيناها من جديد بالإثارة والتصميم. واندفعت الريح من جانبيها وتناهى الى سمعها عزيفها بين الأشجار في الأسفل البعيد. واصطبغ خداها ببقع مضيئة، وتطاير شعرها في الريح. كانت مثل مخلوقٍ بري، ملائكي، صغير.

    -"كلا، سأقتاد فرسي بنفسي"

    -"حاذري إذن من سقوطه فوقك" قال روميرو ثم ابتعد هابطاً ذلك المنحدر الشاهق الشاحب، فوق العشب الذابل، من صخرةٍ لأخرى، عائذاً بكل شق مائلٍ صغير. وأخذ الحصان من خلفه يثب، وينزلق، ويجمد أحياناً كالميت، دافعاً ساعديه الى الوراء، رافضاً كل تقدم. عندها كان روميرو يرفع عينيه نحوه ويجذب اللجام برفق ويشجع المخلوق الحائر المرتبك. وسرعان ما يعود الحصان ليرخي ساعديه في ارتعاش، ويواصل النزول.

    وانطلقت الأميرة في تعقب متهورٍ أعمى. مترنحة لكن رشيقة. وأبصرها روميرو الذي واضب على الالتفات اليها لينظر كيف تتدبر أمرها؛ أبصرها ترفرف نازلة مثل طيرٍ صغيرٍ غريب: سروال ركوبها البرتقالي يخفق مثل قدمي إوزة، ورأسها الملفوف في المنديل الأزرق والأصفر يدور من هنا وهناك كرأس طائرٍ متوجٍ بالزرقة. وزلت الكميت وتمايلت خلفها، لكن الأميرة واصلت النزول في تهور وعزم، كبقعة حية ضئيلة فوق خاصرة الجبل الهائلة المصفرة الغائرة. صغيرة للغاية ! صغيرة كبيضة طائرٍ قصيمة. وأغرق المشهد عقل روميرو في ظلام الشك والعجب.

    لكنهما كانا مرغمين على النزول كي يخرجا من هذه الريح الصرصر التي تخدر الأجساد. وانتصبت أشجار الراتنج في الأسفل، حيث ينبثق جدول صغير من بين الصخور. واندفع روميرو مبعداً، شاقاً الى الأسفل طريقاً متعرجة. ويعيداً من ورائه، في أعالي المنحدر، رفرفت الأميرة الزاهية، الصغيرة، وهي تمسك بالعنان المرخى الطويل للفرس المتثاقلة بأقدامها الأربعة المنزلقة.

    وانتهوا أخيراً الى الأسفل. وجلس روميرو في الشمس قرب أجمات عليقٍ هندي انخفضت عن مهب الريح. ودنت الأميرة وخداها يضطرمان بالألوان في توهجٍ عجيب، عيناها زرقاوان قاتمتان، أكثر قتامة من منديل رأسها.

    -"لقد فعلناها" قال روميرو.

    -"نعم" قالت الأميرة وألقت الأعنة الى الأرض، وارتمت على العشب وقد عجزت عن الكلام، عجزت عن التفكير. لكنهما صارا، بنعمة من السماء، في الشمس، بعيداً عن مهب الريح.

    استعادت في دقائق قليلة وعيها وتحكمها. وشربت قليلاً من الماء، بينما اعتنى روميرو بالسرجين. ثم انطلقا من جديد وهما يقتادان الفرسين مسافة أخرى أسفل الجدول. ثم صار بامكانهما معاودة الركوب. سارا نزولاً الى إحدى الضفاف، ثم ولجا غيضة في الوادي مكتضة بأشجار الحور، وسلكا طريقاً متعرجاً بين جذوع الشجر النحيلة الناعمة الشاحبة.وضياء الشمس يظهر ويختفي أمامهم، وأوراق الحور الاسطوانية تتموج بإشارات آلية غريبة وكأنها تنثر الضياء الذهبي أمام ناظريها. وسارا وسط نثارٍ من ذهبٍ يخطف الأبصار.

    ثم دخلا في العتمة، بين أشجار الراتنج الصمغية الداكنة. كادت الأغصان الوحشية تسقطها من على الفرس المرة تلو المرة فكان عليها أن تتلوى وتتأرجح كي تتفاداها. غير أنهما رأيا ما يشبه الطريق القديم المندرس. وفجأةً انبثقا في الشمس، على حافة الغابة الصغيرة, وهناك أبصرا الكوخ الصغير، وقاع الوادي الصغير العاري إلا من الصخور الرمادية وأكوام الحجارة، والبركة المستديرة بمائها الأخضر، العميق، المعتم الخضرة وقد أوشكت الشمس على مغادرتها. بل إن الظلال ما لبثت أن غطت الكوخ والأميرة نفسها حالما ترجلت. لقد غمرتهم العتمة الدانية، عتمة الغسق. أما في الأعالي فقد ظلت الجبال سابحة في الضياء.

    كان كوخاً صغيراً أشبه بجحر حفر في الأرض، قرب أشجار الراتنج بأرضية من تراب وباب بلا فواصل. لم يكن يتسع إلا لسريرٍ خشبي مبيت في الجدار وثلاثة جذوع مقطوعة جعلت مقاعد للجلوس ثم محلٍ يشبه الموقد .. ولا شيء آخر. لم يكن للحفرة أن تضم شخصين إلا في مشقة، وكان السقف قد زال منذ زمنٍ فنشر روميرو مكانه أغصان راتنج سميكة.

    غزت المكان تلك العفونة الغريبة للغابة البدائية: عفونة الحيوانات وفضلاتها. عفونة البرية التي كانت الأميرة تعرف مقدار إثارتها للتقزز.

    كانت تحس بالإرهاق والوهن. أسرع روميرو فأحضر قبضة من ناعم الأغصان وأشعل ناراً صغيرة في الموقد الحجري ثم خرج ليعتني بالجياد. وطفقت الأميرة ترمي الأعواد في النار في وهن وآلية، في ضربٍ من الإنشداه، وهي ترقب النار مسحورة مفتونة. لم يكن بمقدورها أن تزيد النار لئلا يحترق الكوخ. وتسلل الدخان من المدخنة البالية المصنوعة من حجر وطين. وعندما عاد روميرو وهو يحمل الأكياس والسرجين وعلقهما على الجدار جلست الأميرة على الجذع الخشبي قبالة الموقد القديم لتدفئ يديها الصغيرتين فوق اللهيب. والتمتع سروالها البرتقالي وكأنه نار ثانية. كانت في حالة من الذهول المطبق.

    -"هل تتناولين الآن شيئاً من الويسكي أو الشاي أم تنتظرين بعض الحساء؟" سألها فنهضت ونظرت اليه بعينين مضيئتين ذاهلتين نصف مستوعبتين، والأوان تضطرم في خديها، وأجابته:

    -"بعض الشاي، مع قليل من الويسكي. أين الإبريق؟ "

    -"انتظري. سأحضر الأشياء"

    التقطت عباءتها من السرج وتبعته الى العراء. كانا غارقين في هوة عميقة من الظلال، لكن السماء في الأعالي لما تزل مشرقة ، وذرى الجبال تلتمع بأشجار الحور كالتماع النار. وكانت الخيل تقضم العشب من بين الصخور. تسلق روميرو كومة من الحجارة الرمادية وشرع بإزالة الصخور والجذوع حتى كشف عن فوهة واحدة من حفر المنقبين القديمة. كان هذا مستودعه السري. أخرج لفافات من الأغطية، وأواني للطبخ، وموقداً نفطياً صغيراً، وفأساً .. عدة المخيمات المعتادة. بدا في نظر الأميرة خفيفاً، نشيطاً، طافقاً بحيوية وسرعةٍ أخافتاها بعض الشيء.

    أمسكت بأحد القدور وانحدرت نحو البركة. كان الماء ساكناً وغامضاً للغاية وذا لون عميق الاخضرار ولكن في نقاء وشفافية كالزجاج. كم كان المكان بارداً! كم كان مليئاً بالغموض والخوف! ربضت عند الماء لتغسل القدر وهي ملفوفة بعباءتها الداكنة، وأحست بالبرد الشديد من فوقها، وبالظل الذي يجثم على كاهلها ويحنيها نحو الأرض مثل حملٍ ثقيل. كانت الشمس تغادر الذرى، وترحل لتتركها تحت العتمة العميقة التي سرعان ما ستسحقها سحقاً.

    شرارات ؟ أم أعين ترصدها عبر الماء؟

    حدقت مثل نائم مغناطيسي، واستطاعت بعينيها الحادتين أن تتعرف في الضباب على صورة شاحبةٍ لوشقٍ[22] يربض في الجانب الآخر من البركة، شاحباً كالصخور التي يجثم بينها. كان يراقبها بعيونٍ باردةٍ مكهربة فيها قوة غريبة، نوعٌ من التساؤل الجليدي وانعدام الخوف. رأت شواربه المندفعة وأذنيه المزغبتين المنتصبتين بقوة. كان يراقبها بفضولٍ حيوانيٍ بارد، وكان هذا شيئاً شيطانياً، شديد الوحشية.

    أبدت حركة سريعة فدلقت الماء، واختفى الحيوان في طرفة عين، وقد ثنى ذيله الصغير، قافزاً مثل قطةٍ مذعورة غريبة ناعمة الحراك. كان مشهداً لا يخلو من السحر. ولكن ياله من ترقب جليدي، شيطاني، لا يعرف التعب! وارتجفت من البرد والخوف. كانت تعرف من قبل ما تثيره البراري من فزع وكراهية.

    حمل روميرو لفافات الأفرشة وعدة المخيم الى الكوخ الخالي من النوافذ الذي خيم عليه الظلام. أشعل مصباحاً ثم خرج من جديد وبيده الفأس. وسمعته يقطع الأخشاب وهي تطعم النار بالحطب لتسخن الماء. وحين دخل وقد ملأ ذراعيه بعصي من شجيرات البلوط كانت قد رمت لتوها بعض الشاي في الماء الساخن.

    -"إجلس لتشرب الشاي" قالت له.

    سكب قليلاً من الويسكي المهرب[23] في أكواب الخزف، وجلسا في غمرة الصمت على الجذعين يرتشفان الشراب الساخن ويسعلان من أثر الدخان بين وقت وآخر.

    -"لنحرق نحن عيدان البلوط هذه" قال روميرو "إنها لا تبعث الدخان كثيراً"

    بدا لها غريباً ونائياً ولا يتفوه إلا بما يجب أن يقال. أما هي فكانت من جانبها بعيدةً عنه أيضاً. كانا بعيدين عن بعضهما، تفصلهما عوالم كاملة، لكنهما الآن على هذا القرب الشديد. حلّ لفافة من الأفرشة ونشر البطانيات وجلود الأغنام على السرير الخشبي.

    -"أرقدي واستريحي" قال لها "وأنا أعد العشاء"

    وقررت أن تفعل ذلك. لفت عباءتها حول نفسها واضطجعت معطية وجهها للجدار. وسمعته وهو يعد العشاء على الموقد النفطي الصغير، وسرعان ما شمت رائحة الحساء ثم سمعت أزيز الدجاج الذي يحمر في المقلاة.

    -"تأكلين عشاءك الآن؟" سألها.

    جلست في السرير بحركة قانطة متشنجة ودفعت شعرها للوراء وأحست بأنها محاصرة في زاوية.

    -"ناولني إياه هنا" قالت له.

    ناولها أولاً كوباً من الحساء. جلست بين الأغطية وتناولته على مهلٍ. كانت جائعة. ثم ناولها صحناً من قطع الدجاج المقلي وهلام الزبيب الزبد والخبز. كان الطعام لذيذاً. وأعد القهوة وهما يتناولان الدجاج. لم تتفوه بكلمة. كان الاستياء يملؤها.. كانت محاصرة.

    عندما انتهى العشاء غسل الأطباق ونشفها ووضع كل شيء في محله لئلا يكتظ الكوخ الصغير. وأرسل خشب البلوط دفأه الطيب البهي. لبث بعض الوقت متحيراً ثم سألها:

    -"تريدين أن تخلدي للنوم باكراً"

    -"باكراً " أجابت " وأين ستنام؟"

    -"سأصنع لي فراشاً هنا" وأشار الى الأرض قرب الجدار "البرد شديد في الخارج"

    -"نعم" أجابته "أظنه كذلك"

    جلست دون حراك، خداها ساخنان، وأفكار متصارعة تلف ذهنها. راقبته وهو يطوي البطانيات على الأرض ومن تحتها جلود الأغنام. ثم خرجت الى الليل.

    كبيرة كانت النجوم، وكان المريخ يجلس على حافة أحد الجبال وكأنه دون ريب عين لامعة لأسدٍ جبلي جاثم. أما هي فكانت في الأسفل، عميقاً الى لأسفل، في نقرةٍ من الظلام. وبدا لها أنها تسمع وسط هذا الصمت العميق الفرقعة الخفية للبرد وشحنات الكهرباء التي تصدر عن غابة الراتنجات. وطغت على صفحة الماء نجيمات غريبة أجنبية. كان الليل آخذاً بالانجماد، وتناهى من فوق التلال عواء الذئاب المنغم الباكي. وتساءلت كيف ستكون حال الجياد.

    وأقفلت نحو الكوخ وهي ترتجف قليلاً. وتبين الضياء الدافئ من خلال الشقوق. ودفعت الباب المتداعي النصف المفتوح.

    -"ماذا عن الجياد؟ " سألته

    -"حصاني الأدهم لن يذهب بعيداً. وفرسك ستظل معه – تريدين النوم الآن ؟"

    -"أظن ذلك"

    -"حسناً، سأعلف الجياد بعض الشوفان"

    وخرج الى الليل.وتأخر في العودة بعض الشيء. كانت راقدة في سريرها وقد لفت نفسها بإحكام. نفخ على المصباح فأطفأه، ثم جلس في فراشه ليخلع ثياب، واضطجعت مديرة ظهرها، وسرعان ما غطّت في النوم في هذا الهدوء.

    حلمت بأن السماء تسقط ثلجاً. وبأن الثلج يهمي عليها عبر السقف، ناعماً، ناعماً، وهي عاجزة. وكانت ستدفن تحته وهي حية. كانت تزداد برداً وتزداد، وكان الثلج يثقل على جسدها. كان الثلج يمتصها. واستيقظت برعشة مفاجئة تشبه الألم. كانت بردانة للغاية، ربما خدرت البطانيات الثقيلة جسدها. وخيل اليها أن قلبها عاجز عن الخفقان، وأحست أنها لن تستطيع الحراك. نهضت جالسة بارتعاشة أخرى. كان الظلام عميقاً، لم تكن هناك شرارة من نار. لقد أشتعل الخشب الخفيف عن آخره. جلست في الظلام الدامس الكثيف، لم تستطع أن ترى من خلال الشقوق غير نجمة وحيدة.

    ماذا كانت تريد؟ آه، ماذا كانت تريد ؟

    جلست في السرير وأخذت تهتز وتتمايل في بؤس. كانت تسمع التنفس المطرد للرجل النائم. كانت ترتجف من البرد. وبدا لها أن قلبها سيتوقف. أرادت الدفء والحماية. أرادت أن تُنتزَع من نفسها. لكنها في الوقت نفسه أرادت، وربما أكثر من أي شيء، أن تظل سليمة، سليمة، لم يلمسها أحد. أن لا يكون لأي كان سلطة عليها، أو حقاً يطالبها به. كانت هذه حاجة جامحة في نفسها: أن لا يكون لأي كان، وبالتحديد لأي رجل كان، أية حقوق أو سلطة عليها. أن لا تكون ملكاً لأيما شيء، أو أيما إنسان.

    ولكن ذلك الشيء الآخر! وهذا البرد الشديد الذي يرجفها. وقلبها الذي لا يستطيع النبض!

    آه. أما من أحد يعين قلبها على الخفقان!

    حاولت أن تتكلم فلم تستطع. ثم حررت حنجرتها.

    -"روميرو" قالت بصوت غريب " البرد شديد"

    من أين جاء صوتها؟ وصوت من كان في هذا الظلام؟

    وسمعته ينتصب جالساً ويقول بصوته المجفل الذي يتذبذب برنين خالته معادياً:

    -"ماذا ؟ ما الأمر؟ ها؟"

    -"أنا بردانة"

    وقام من بين الأغطية ووقف بحذاء السرير.

    -"أتريدينني أن أدفئك ؟"

    -"نعم"

    حالما رفعها بين ذراعيه أرادت أن تصرخ به أن لا يلمسها. وصلبت جسدها. لكنها لم تنبس ببنت شفة. أما هو فقد كان دافئاً، لكنه ذلك الدفء الحيواني الفظيع الذي يلغي وجودها ويسحقها. كان يلهث مثل حيوان مغتلم. واستسلمت هي لـ "هذا الشيء". لم تكن تريد أبدا، أبدا أن تستسلم. لكنها "رضيت" أن يحدث لها. وبإرادتها هي اضطجعت وتركته يحدث لكنها لم تكن تريده. لم تكن تريد أن تهاجَم أو تُمَس أو تُخاشَن. كانت تريد أن تحتفظ بنفسها لنفسها.

    ورغم ذلك فقد وافقت على حدوثه، وحدث، ولهثت بشعورٍ من الارتياح والخلاص عندما انتهى كل شيء. وكان عليها رغم ذلك أن تظل في القبضة الصلبة القوية لهذا المخلوق الآخر، هذا الرجل. خشيت أن تكافح للتخلص. خافت كثيراً البرد الجليدي لذلك السرير الآخر.

    -"هل تريدين الابتعاد عني؟" سألها بصوته الغريب.

    آه لو كانت بعيدة بآلاف الأميال! ورغم ذلك فقد رضيت أن تكون بهذا القرب، وأجابته:

    -"لا" وأحست بالفرح الغريب والفخر الذين غمراه من جديد، وعلى حسابها هي، لأنه ظفر بها. وأحست بأنها ضحية. وكان هو جذلاً بسلطته عليها، بتملكه، بمتعته.. وعندما حل الفجر كان يغط في النوم. انتصبت جالسة فجأة وقالت:

    -"أريد ناراً"

    فتح عينيه البنيتين على اتساعهما، وابتسم بترفٍ غريبٍ ناعم.

    -"أريدك أن توقد لي ناراً" قالت له. ألقى نظرة عجلى على الشقوق المضاءة وتصلب وجهه الأسمر استقبالاً للنهار.

    -"حسناً " قال لها "سأوقدها" وأخفت وجهها وهو يرتدي ثيابه. لم تتحمل النظر اليه. كان مصطبغاً بالترف والفخار. أخفت وجهها في يأسٍ تقريباً. ولكنها عندما شعرت بتيار الهواء البارد الذي داهمها عندما فتح الباب تسللت الى موضعه الدافئ في الفراش. ما أسرع ما انحسر الدفء عندما غادر المكان. أوقد ناراً ثم خرج وعاد بعد قليل وهو يحمل الماء.

    -"إبقي في الفراش حتى تشرق الشمس" قال لها "الجو بارد جداً"

    -"ناولني عباءتي"

    لفت العباءة حول جسدها بإحكام ووقفت وسط البطانيات. كان الدفء قد بدأ يشع من النار

    -"أفترض أننا سنبدأ بالرجوع حالما ننهي إفطارنا" قالت له.

    كان جاثماً عند الموقد النفطي يقلي البيض المطروق. نظر اليها فجأةً كالمصعوق، وصوب عينيه البنيتين المتسعتين بالترف والنعومة.

    -"أتريدين ذلك؟"

    -"من الأفضل أن نعود بأسرع ما يمكن" قالت وهي تتجنب عينيه.

    -"تريدين الابتعاد عني؟" أعاد عليها سؤال الليلة البارحة في نوع من الوجل.

    -"أريد أن أبتعد عن هذا المكان" قالت بتصميم. وكان هذا صحيحاً. لقد أرادت قبل كل شيء أن تبتعد، أن تعود الى عالم البشر.

    انتصب على قدميه بتمهل وهو يمسك المقلاة.

    -"ألا تحبين ما جرى الليلة البارحة؟"

    -"ليس كثيراً" أجابته "لماذا؟ هل تحبه أنت؟"

    أنزل المقلاة ووقف يحدق في الجدار. وأدركت أنها سددت اليه ضربة قاسية. لكنها لم تلن. لقد كانت ترد الصاع بالصاع. كانت تريد استرداد نفسها بالكامل. فقد تشعر بإحساس غريب بأنه ما زال يمتلك جزءاً منها.

    نظر اليها بوجهٍ مكفهرٍ كئيب وتملاها على مهلٍ.

    -"أنتن الأمريكيات" قال لها "تحاولن دائماً الحط من قدر الرجال"

    -"لست أمريكية" أجابته "أنا بريطانية. وأنا لا أريد الحط من قدر أحد. أنا فقط أريد الرجوع. الآن"

    -"وماذا ستقولين عني، هناك في الأسفل؟"

    -"سأقول إنك كنت لطيفاً معي للغاية، وطيباً جداً"

    وجثم ثانية واستمر بتقليب البيض. ناولها صحنها وقهوتها وجلس الى طعامه. ولكنه لم يستطع أن يبتلع من شيئاً فنظر اليها وسألها:

    -"ألا تحبين الليلة البارحة؟"

    -"ليس كثيراً" أجابته رغم بعض الصعوبة "أنا لا أهتم بهذا النوع من الأمور"

    وغمرت وجهه حيرة ذاهلة إزاء هذه الكلمات، وتلتها على الفور نظرة مكفهرة من غضب، ثم من يأسٍ متحجرٍ مشؤوم.

    -"لا تفعلين؟"

    -"ليس كثيراً" ردت عليه، ونظرت الى عينيه في عداءٍ راسخ.

    وامتقع وجهه بلهيب مكفهر.

    -"أنا أجعلك" قال لها وكأنه يحدث نفسه. ونهض وتناول ثيابها المعلقة على المشجب: الثوب الداخلي الكتاني الناعم، سروال الركوب البرتقالي، الكنزة الصوفية، المنديل الأزرق والأصفر، ثم التقط حذائي ركوبها والخفين الخرزيين وسحقها جميعاً بين ذراعيه وفتح الباب. ورأته وهو ينزل نحو البركة الخضراء الداكنة في الظل المتجمد لذلك الوادي العميق ويلقي الثياب على صفحة الماء المتجمد. ورأت الأميرة حاجاتها: الثوب الكتاني الأبيض، السروال البرتقالي، الأحذية السوداء والخفين الأزرقين، رأتها جميعاً منثورة في كومة متشابكة من الألوان، فوق المرآة الخضراء المعتمة الصافية، في الظل الأزرق. والتقط روميرو بعض الأحجار وضرب بها صفحة الماء حتى تكسر الجليد واختفت الثياب المرتعشة في الماء الذي يتكسر فيردد الوادي صدى تهشمه.

    جلست بين الأغطية وقد غمرها اليأس، وشدت إليها بقوة عباءتها الزرقاء الشاحبة. وعاد روميرو من فوره الى الكوخ.

    -"الآن ستظلين معي هاهنا"

    واشتعلت بالغضب. والتقت عيناها الزرقاوين بعينيه. كانا مثل شيطانين يراقب أحدهما الآخر. وتكشف وجهه، من خلف هذا القنوط المقيم، عن توق شيطاني الى الموت. ورآها تنظر حولها وهي تستكشف الكوخ. ورآها وعينها على البندقية، فالتقطها وخرج. وعندما رجع جر سرجها وحمله الى البركة وألقاه فيها، ثم أخذ سرجه وفعل به الشيء نفسه.

    -"والآن. هل ستبتعدين؟" قال وهو يتطلع اليها مبتسما.

    فكرت في إقناعه وملاطفته، لكنها أدركت أن ذلك لن يعود مجديا بعد. جلست بين أغطيتها في ضرب من اليأس المتجمد، وقد تصلبت كالجليد من شدة الغضب. وأنهى روميرو بعض الأشغال المعتادة، ثم حمل بندقيته واختفى. نهضت في "بجامتها" الزرقاء وقد انكمشت في عباءتها ووقفت عند الباب. كانت البركة الخضراء الغامقة لما تزل ساكنة، وكانت المنحدرات الحجرية شاحبة متجمدة. ورقد في الوادي ظل عميق ساكن كالموت، ورأت الخيل من بعيد وهي تعلف. آه لو استطاعت الإمساك بواحد منها!

    كانت الشمس الساطعة في منتصف طريقها الى أعالي الجبل، كانت الساعة التاسعة. ظلت وحدها طوال النهار، وكانت تشعر بخوف لم تكن تعرف له سببا؛ ربما كانت تلك الطقطقة الآتية من غابة الراتنج المعتمة، ربما ذلك التوحش القاسي لهذه الجبال. لكنها ظلت طوال النهار جالسة عند المدخل تتطلع الى بصيص من أمل. وظلت أمعاؤها تتقطع من الخوف. ورأت في المدى البعيد بقعة سوداء ربما تكون دباً يتسكع في الشمس فوق المنحدر المعشب الشاحب . وعندما رأت روميرو عند العصر وهو يدنو في حزن صامت حاملا بندقيته وغزالا ميتا، هدأ التقلص في أمعائها ثم شعرت بمزيد من البرد. كانت تحس إزاءه بخوف بارد كالجليد.

    -"هناك لحم غزال" قال لها وهو يرمي الغزال القتيل عند قدميها "أنت لا ترغبين بالابتعاد عن هنا، هذا مكان جميل"

    وانكمشت نحو الكوخ.

    -"تعالي الى الشمس" قال لها وهو يتبعها. نظرت اليه بعينين خائفتين معاديتين "تعالي الى الشمس" أعاد عليها وهو يجرها من ذراعها في رفق بقبضته القوية. وأدركت أن لا جدوى من العصيان. قادها الى الخارج بهدوء وجلس في المدخل دون أن يفلت ذراعها.

    -"إنها دافئة في الشمس" قال لها "أنظري، هذا مكان لطيف، وأنت امرأة بيضاء حلوة، لماذا تتصرفين معي بنذالة؟ اليس هذا مكانا لطيفا! تعالي! تعالي الى هنا! إنها دافئة هنا بالتأكيد"

    وجرها اليه، ونزع عنها العباءة رغم مقاومتها المتحجرة، وضمها وهي في "البجامة" الزرقاء الخفيفة.

    -"أنت بالتأكيد امرأة بيضاء صغيرة جميلة، صغيرة وجميلة. لن تكوني وضيعة معي –أنتِ لا تريدين ذلك- أنا أعرف أنك لا تريدين"

    وكان عليها أن تستسلم له وهي متصلبة، عديمة الحول. وأشرقت الشمس على أديمها الأبيض الرقيق.

    -"أنا بالتأكيد لن أبالي بالجحيم بعد هذا" قال لها وقد سيطر عليه من جديد مزاج من مرح مترف غريب. غير أنها كانت تقاومه –رغم ضعفها الخارجي- بكل صلابة وحزم وعندما تركها بعد ذلك قالت له على حين غرة:

    -"تظن أن بمقدورك الاستحواذ عليّ بهذه الطريقة. لكنك لن تستطيع. لن تستطيع أبداً أن تستحوذ عليّ"

    وقف ينظر اليها كالمصعوق وعلى محياه تتصارع مشاعر مختلفة: العجب، الدهشة، لمسة من خوف، وألم غير واعٍ يشوه وجهه حتى ليغدو أشبه بالقناع. ثم خرج دون أن ينطق بكلمة، علق الغزال القتيل على أحد الغصون وشرع بتقطيعه. وغطست الشمس بينما هو عاكف على جزارته هذه وحل الليل البارد من جديد.

    -"هل ترين؟" قال لها وهو منكب على إعداد العشاء "أنا لن أدعك تذهبين. أتذكر أنك أنت ناديتني في الليل إن لي بعض الحق. إذا أردت أن تسوي الأمر في الحال، وأن تقولي أنك اردت البقاء معي فإننا سنسوي الأمر الآن وننزل الى المزرعة غدا ونتزوج أو نفعل ما تريدين، ولكن عليك أن تقولي أنك أردت البقاء معي، وإلا فإني سأبقى هنا، حتى يحدث شيء ما"

    إنتظرت قليلا ثم أجابت:

    -"لا أريد أن أكون مع أحد ضد إرادتي. أنا لا أكرهك. على الأقل لم أكرهك حتى حاولت وضع إرادتك فوق إرادتي. لن أسمح لأي كان أن يفرض إرادته عليّ. لن تنجح أنت ولن ينجح أحد. لن تستطيع وضعي رهن إرادتك، ولن يكون لديك متسع من الوقت للمحاول، فعما قريب سيرسلون من يبحث عني"

    توقف عند جملتها الأخيرة وراح يفكر فيها فندمت على ما فرط منها، ثم عاد من جديد لينكب على تحضير الطعام.

    لم يستطع أن يستحوذ عليها مهما كرر الانتهاك. لقد كانت روحها صلبة لا شرخ فيها كالماس. لكنه كان يستطيع تهشيمها. إنها تعرف ذلك ، وقد رضيت هي بأن تتهشم.

    حاول مرارا بطريقة عنيفة كئيبة أن يوسع رغبته نحوها، وكانت في كل مرة تتمزق من الغضب وتشعر بأنها ميتة لا محالة. ذلك لأنه تمكن بطريقة غريبة من السيطرة عليها، على جزء منها لم تكن تدركه ولا تتمنى إدراكه. كانت تحس، وهي تتقلب في غضب حارق ممزق، بأن خيط حياتها سينفرط وبأنها لا بد ميتة. إنها النار الحارقة التي تعذبها من الداخل. آه لو عادت من جديد وحيدة، باردة، عذراء لم تمس! ترى هل سيمكنها أن تطيق نفسها مرة أخرى؟ لم تكرهه حتى الآن. كان الأمر أبعد من ذلك، مثل لعنة ممزقة حارقة. أما وجوده الشخصي فكانت بالكاد تشعر به.

    في اليوم التالي لم يسمح لها بإيقاد النار لئلا يجلب الدخان الانتباه. كان يوما مكفهرا وكانت تحس ببرد شديد. ظل روميرو في الجوار، وسخن الحساء على الموقد النفطي. ورقدت هي بين البطانيات دون حراك. وعند العصر سحبت الأغطية فوق رأسها وانخرطت في بكاء شديد وهي التي لم يسبق لها أن بكت بشكل حقيقي طوال حياتها. جر البطانيات وكشف عن وجهها كي يرى سبب اهتزازها: كانت تنشج في نوبة هستيرية يائسة. أعاد الغطاء على وجهها وخرج. راح يتأمل الجبال حيث تجرجر الغيوم أذيالها وتخلف وراءها نتفاً من الثلج. كان يوما عاصفا، فظيعا. كان شيطان الشتاء يزحف على الأرض.

    بكت طوال ساعات. وحل بينهما بعدها صمت عظيم. كانا الآن شخصين ميتين. ولم يلمسها بعد ذلك كرة أخرى. وعندما حل الليل رقدت وأخذت ترتجف مثل كلب محتضر. وأحست أن ارتجافها هذا سيمزق شيئا في جسدها فتموت. وأجبرت في النهاية على الكلام فقالت له من ين أسنانها التي تصطك:

    -"هل لك أن تشعل نارا. أشعر بالبرد الشديد" وجاء صوته مجيبا:

    -"هل تريدين المجيء اليّ؟"

    -"أفضل لأن تشعل لي نارا" قالت واسنانها تصطك حتى لتنقسم الكلمات الى نصفين.

    ونهض وأوقد نارا. وانتشر الدفء أخيرا وصار في إمكانها أن تنام.

    وكان اليوم التالي قارس البرد. وهبت بعض الرياح، لكن الشمس أشرقت في النهاية. أخذ يتجول في صمت بوجه كوجوه الميتين. وأزداد الأمر كآبة. وبلغ من شبهه بالموت أن تمنت منه فعل أي شيء إلا الاستمرار في هذه التجاهل. لو سألها الآن أن تنزل معه الى الناس وتتزوج مه لفعلت. ماذا يهم؟ لا شيء يهم على أية حال. لكنه لم يشأ سؤالها. كانت الرغبة في داخله ميتة، ثقيلة مثل الجليد. واستمر في مراقبته حول المنزل.

    في اليوم الرابع كانت جالسة في الشمس عند المدخل وقد لفت نفسها بإحدى البطانيات. رأت فارسين يصعدان قمة المنحدر المعشب، شخصين ضئيلين على البعد فأطلقت صيحة. رفع نظره سريعا ورآهما. كان الرجلان قد ترجلا وشرعا يبحثان عن آثار الطريق.

    -"إنهم يبحثون عني" قالت الأميرة

    -"حسن جدا !"[24] أجاب بالأسبانية وأحضر بندقيته وجلس على الأرض ووضعها على ركبتيه.

    -"آه" صاحت به "لا تطلق النار!"

    نظر اليها جانبيا وسألها:

    -"لماذا؟ هل تحبين البقاء معي ؟"

    -"كلا، ولكن لا تطلق"

    -"لن أذهب الى السجن"

    -"لا يتحتم عليك الذهاب –لا تطلق النار" لكنه دمدم:

    -"سأطلق" وجثا من فوره على ركبتيه وصوب بدقة. وجلست الأميرة في نوبة من اليأس والشقاء. دوت الطلقة خارجة، ورأت على الفور أحد الحصانين يثب فوق المنحدر الشاحب المعشب ثم يتدحرج هاويا. وسقط الرجل على العشب ولم يعد يُرى. أما الثاني فقد تسلق صهوة حصانه وأخذ يعدو به فوق المنحدر الخطير في استدارةٍ طويلة حتى وصل أقرب شجرة راتنج يحتمي بها. بانغ! بانغ! بانغ! دوت طلقات روميرو. لكنه أخطأ في كل مرة. وقفز الحصان الهارب مثل الكنغر نحو ملجأ يحميه واختفى عن النظر. وتحصن روميرو خلف إحدى الصخور منتظرا أن يبدي الرجل أية إشارة تنم عنه. وساد الهدوء المتوتر تحت ضوء الشمس الساطع. جلست الأميرة على السرير وقد تكورت كما المشلول، وظل روميرو طوال ساعات، كما خيل لها، راكعا خلف صخرته بقميصه الأسود ورأسه الحاسر وهو يراقب ويراقب. كان ذا مظهر رشيق جميل. وتساءلت الأميرة لماذا لا تحس بالأسف عليه. لكن روحها كانت صلبة باردة، وما كان لقلبها أن يلين، رغم أنها مستعدة الآن لأن تعطي كل شيء إذا قيض له أن يلين. إذا أمكنها أن تناديه نداء الحب. ولكن لا. لم تكن تحبه. بل لم تستطع قط أن تحب أحداً. كان هذا أمراً راسخا مختوما في داخلها كمثل حقد قديم مقيم.

    وأجفلت فجأة وكادت تسقط من السرير. ودوت من وراء الكوخ إطلاقة قريبة للغاية. وقفز روميرو في الهواء وتلوى وذراعاه ممدودتان، ثم دوت إطلاقة ثانية وهو لما يزل في الهواء… وهوى الى الأرض في صخب. وتلوى وقد قبض بكفيه على التراب قبالة باب الكوخ.

    جلست الأميرة في سكون وجمود، تحدق في الرجل المنكب على وجهه على الأرض. بعد لحظات اقترب من الكوخ رجل يرتدي زي رجال إدارة الغابات: شاب يعتمر قبعة عريضة ويرتدي قميصا داكنا من الصوف الناعم، وحذائين للركوب وفي يده بندقية، وسار بخطى عراض نحو الجسد الممدد.

    -"ظفرت بك يا روميرو!" قال بصوت عال وأدار الرجل الميت على ظهره. كانت بركة صغيرة من الدم قد انتشرت في المكان الذي كان فيه صدر روميرو.

    -"همم ! " قال موظف إدارة الغابات "أظن أني أصبتك في مكان أقرب مما ظننت " وأقعى هناك يتأمل الرجل القتيل. وأيقظه النداء البعيد لرفيقه فانتصب واقفا.

    -"هاللو بيل ! " صاح برفيقه "نعم ! ظفرت به ! قتلته ! بالتأكيد"

    وخرج الثاني من الغابة راكبا حصانه الرمادي. كان ذا وجه متورد ودود وعينين بنيتين مستديرتين اتسعتا من الفزع. وسأل في قلق:

    -"لم يفارق الحياة ؟ "

    -"يبدو أنه فعلها" أجاب الشاب ببرود. ترجل الثاني وانحنى على الجثة، ثم وقف ثانية وهز رأسه.

    -"نعم، نعم ! لقد مات حقا! إنه هو بالتأكيد. يا ولد ! إنه دومينغو روميرو"

    -"نعم، أعرف ذلك" أجاب الشاب، ثم استدار في ارتباك ونظر داخل الكوخ الى حيث قبعت الأميرة ملفوفة بالبطانية وهي تحدق بعينين متسعتين كعيني بوم.

    -"أهلا " قال الشاب وهو يدنو من الكوخ. ونزع قبعته محييا. آه، يا لشعور السخف الذي أحست به ! رغم أنه لم يقصد ذلك. لكنها لم تستطع الكلام، مهما كان ما تشعر به.

    -"لماذا بدا هذا الرجل بإطلاق النار ؟" سألها الرجل.

    بحثت عن الكلمات بشفتيها الخدرتين.

    -" لقد فقد عقله !" قالت باقتناع كئيب، متلعثم.

    -"يا إلهي ! أتعنين أنه قد جن ؟ واو ! هذا فظيع. هذا إذن يفسر كل شيء. همم !"

    وقبل التفسير دون كثير جدال.

    إستطاعا ببعض المشقة أن ينزلا بالأميرة الى المزرعة. لكنها كانت هي الأخرى قد مسها بعض الجنون.

    -"لست متأكدة أين أنا" قالت للسيدة ويليكسون، وتمددت في السرير "هل لك أن تشرحي لي"

    وشرحت السيدة ويليكسون بلباقة.

    -"آه، نعم ! " قالت الأميرة " لقد تذكرت .. وقد تعرضت الى حادث في الجبال، أليس كذلك ؟ ألم نلتق برجل أصيب بالجنون؟"

    أما ما جرى في الحقيقة فقد تكتموا عليه. وسافرت الأميرة شرقا برعاية الآنسة كيومنز بعد اسبوعين. كانت تبدو كأنها شفيت تماما. كانت الأميرة العذراء التي لم تمس. لكن شعرها المعقوف شاب عند الصدغين، واصطبغت عيناها بمسحة من الخبال. كان بها مس طفيف من الجنون.

    -" منذ الحادثة التي عرضت لي في الجبال، عندما جن أحد الرجال وقتل الحصان الذي كنت أركبه فاضطر دليلي الى قتله، لم أعد أشعر بأني على ما يرام"هكذا صاغت الأمر.

     

    وبعد زمن تزوجت من أحد الكهول. وبدت سعيدة راضية.

    شاعر وقاص ومترجم - العراق
    26/3/2002

     

     

    [1] آل ستيوارت (House of Stuart) الأسرة الملكية التي حكمت اسكتلندا من عام 1371 وإنكلترا من عام 1603 لغاية عام 1714 عندما استلمت الحكم أسرة هانوفر.

    [2] الكلت أو السلت (Celt) عرق هندو-أوربي سكن قديماً أجزاء من أوربا الغربية والجزر البريطانية وما تزال آثارهم اللغوية موجودة في اسكتلندا وويلز وايرلندا.

    [3] نسبة الى (Ossian) وهو شاعر-محارب كتب الملاحم الآوسيانية التي تدور حول مغامرات الأبطال الغاليين في ايرلندا واسكتلندا في القرون الوسطى.

    [4] في الأصل Noblesse Oblique .

    [5] Spinet : آلة تشبه البيانو لكنها أصغر وأقل تعقيداً.

    [6] Decameron (وتعني الأيام العشرة) : حكايات من فلورنسة عصر النهضة رويت على لسان عشرة أشخاص اعتزلوا الناس أثناء وباء الطاعون الكبير.

    [7] The Nibelung poems مجموعة أشعار كتبها مؤلف نمساوي مجهول أوائل القرن الثالث عشر وتروي مغامرات البطل "سيغفريد"

    [8] Caliban في مسرحية شكسبير "العاصفة" : مخلوق ممسوخ أخرق يعيش وحيداً في جزيرته.

    [9] في الأصل بالفرنسية Quoi faire ?

    [10] في الأصل بالفرنسية Raison d’ être .

    [11] الحور القطني cottonwood : نوع من الأشجار الطويلة ذات أوراق مثلثة مسننة وبذور قطنية تصدر فروعها المتدلية أصواتا مجلجلة في الريح.

     

    [12] حاولت كما سيلاحظ القارئ أن أحاكي قدر المستطاع بعض العجمة التي وردت في أحاديث الشخصيات ذات الأصول الهندية أو الأسبانية (المترجم)

    [13] Yale جامعة أمريكية عريقة تقع في ولاية كنكتكت.

    [14] الحور الرجراج Aspen ضرب من أشجار الحور (poplar) ترتعش أوراقه إذا هب عليها النسيم.

    [15] الراكون Raccon حيوان ثديي يعيش في شمال أمريكا.

    [16] الراتنجية أو البيسية Spruce أشجار من الفصيلة الصنوبرية تكثر في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

    [17] القصع sage والخشب الزيتي greasewood ضربان من الشجر.

    [18] البنيون Pinon نوع من الصنوبر الأمريكي.

    [19] لحية العجوز old-man’-beard نوع من الحزازيات الشبيه بالطحال يتدلى في خصل كثيفة من أغصان الأشجار.

    [20] زهرة الغرنوق Cranesbill نوع من أزهار الجيرانيوم.

    [21] الغرير badger : حيوان ثديي قصير القوائم يحفر ثقوباً في الأرض يحتمي بها.

    [22] الوشق أو القط البري bobcat حيوان متوحش يعيش في أمريكا الشمالية يعيش على الطيور والقوارض ويصل وزنه أحياناً الى 15 كلغم.

    [23] كانت الولايات المتحدة قد حظرت في الفترة بين 1919 و 1933 بيع وتصنيع واستيراد الخمور.

    [24] في الأصل بالأسبانية Muy bien! .

     

    Read more
  • أدولـــــــف

     

     

     

    " أدولـــــــف "
    تأليف: دي.هـ لورانس

     

    عندما كنّا صغاراً، كان والدنا يعمل في الليل، أغلب الأحيان. ومرةً، في ربيع إحدى السنين، عاد إلى البيت مُتعباً وشاحب اللون، كعادته. كنّا في الطابق السفلي من البيت مانزال بثياب النوم، نستقبل الصباح بفرح وضجة. ربّما كان من المؤلم لأبي أن يرانا مسرورين، ونحن نستقبل الصباح الذي يأتي ليجد أبي في حالةٍ من التعب.
    لم يكن أبي يذهب للنوم في صباحات أيام الربيع المشرقة على الرغم من عمل ليل طويل، بل اعتاد أن يجلس معنا. وفي ذلك اليوم، بالذات، كان أبي فرحاً لأنّه عاد مشياً على قدميه بين الحقول. فهو يحبّ الصباح المشرق بعد ليل المنجم الطويل. كان يراقب العصافير المبتهجة، والأشجار الندية، ويحاول تقليد زقزقة العصافير، بما يماثل صوتها. وكان يردّد دائماً أنّه يتمنى أن يفهم لغة الطيور.
    في ذلك الصباح المشمس عاد والدي ليجدنا متحلقين حول الطاولة الكبيرة. كان يتثاقل في مشيته، ولقد أزعجتنا خطواته الثقيلة وهي تحدث ضجةً تعكّر هدوء الصباح، وتضع حدّاً لهرجنا الصباحي.
    ذهب إلى المطبخ، ثم عاد، بعد قليل. لم يتكلم أحدّ منّا بحضوره. لكننا شعرنا أنّه يريد أن يخبرنا شيئاً ما.
    - "أعطوني شيئاً ما لأحتسيه....!! قال لنا.
    وضعت أمي الشاي أمامه، على الفور، فصبها لنفسه في الفنجان. ولكنه بدلاً من أن يتناول فنجانه ويأخذ رشفةً كبيرةً منه، كعادته، مدّ يده إلى جيبه الكبير المنتفخ وأخرج منه شيئاً ما أسود وضعه على الطاولة بين الفناجين.
    كان ذلك الشيء الأسود أرنباً صغيراً!!
    جلس الأرنب بين الفناجين وأرغفة الخبز، جامداً، وكأنّه تمثال ليس أكثر....!!
    - "أرنب...؟؟!! من أعطاك إياه يا أبي؟!".
    ضحك وراح يخلع معطفه. بينما قفزنا جميعنا باتجاه الأرنب.
    "أهو حيّ... هل نحسّ ضربات قلبه..؟!".
    سحب والدي فنجانه ومطّ شفتيه من تحت شاربيه السوداوين وأخذ رشفةً كبيرة.
    - "من أين جئت به يا أبي؟؟! " سألناه.
    - " لقد التقطته...." قال وهو يمسح فمه ولحيته بيده.
    - "أين....؟!" عدنا نسأل ثانيةً.
    وجاء صوت أمي هادراً وبسرعة:
    - "إنّه أرنب بريّ متوحش!!"..
    " نعم . هو كذلك" أجاب أبي.
    - لماذا أحضرته إلى هنا... ما شأننا به؟!". صرخت أمي باحتجاج.
    - "نحن نريده... نحن نريده" صرخنا أنا وإخوتي.
    - "بالتأكيد أنتم تريدونه.....!!" قالت أمي وهي تهزّ رأسها.
    لكن صوتها تلاشى بسبب الضجة التي كنا نقوم بها فرحين بهذا المخلوق الصغير.
    في طريقه، بين الحقول، عائداً إلى البيت، وجد أبي الأرنب.
    وقربه كانت الأرنب -الأم- ميتةً مع ابنيها أما هذا الثالث فقد بقي حياً لوحده.
    - "لكن من قتل الأرانب يا أبي؟!" سألناه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالحزن.
    - "لا أعرف. ربّما يكونوا قد تناولوا سُماً مع طعامهم فماتوا... عدا هذا الأرنب الصغير الذي وجدته في غيبوبة....".
    - " لماذا جلبته..... ربّما يسبب لنا متاعب...." عاد صوت أمي يهدر بغضب.
    لم يجب أبي بشيءٍ. لكن كنّا جميعنا غير موافقين على ما قالته أمي.
    - "كان من واجب أبي أن يحضره، فهو صغيرٌ ولا يستطيع أن يعيش معتمداً على نفسه.:.. وكان من المحتمل أن يموت لولا أبي...." قلنا لأمي بلهجة عتاب اعتراضاً على ما سمعناه منها.
    - "لكنه مع ذلك في طريقه إلى الموت.. عندها سيكون في البيت صراخ آخر"..ردّت أمي وهي تهزّ رأسها. فقد كانت تكره موت الحيوانات في البيت.
    غاصت قلوبنا بعد ما سمعناه من أمي عن احتمال موت الأرنب.
    - "أعتقد أنّه لن يموت" قال أبي مؤكداً.
    - "بل إنّه سيموت.. لقد حصل مثل هذا كثيراً، معنا، من قبل؟!"
    قالت أمي...
    - "الحيوانات لا تموت دائماً... بل تقاوم الموت وتنجح في دفعه أحياناً.. مثل الإنسان...." قال أبي بلهجةٍ غاضبةٍ.
    وهنا راحت أمي تذكره بالحيوانات التي أتى بها إلى البيت ولاقت حتفها... مما جعلنا -نحن الأولاد- نبكي كثيراً وتسيل دموعنا بغزارة بسبب ذلك.
    أجلسنا -نحن الأولاد- الأرنب الصغير على أرجلنا ووضعناه في أحضاننا. كان ساكِناً وعيناه مفتوحتين. جلبنا له الحليب الساخن، وقربناه من فمه، لكنه كان غير مبالٍ أبداً بما نفعله من أجله.
    وضعنا قطرات من الحليب على شفتي الأرنب، لكنه لم يتحرك، بل هزّ رأسه ليتخلص من تلك القطرات. بعضنا راح يبكي خوفاً على حياته.
    - "خذوه إلى الحقل.... ليس هنا مكانه...." قالت أمي بلهجةٍ آمرةٍ. لكنّ أمرها بقي دون تنفيذ.
    ذهبنا لنرتدي ملابسنا وكي نذهب للمدرسة، بينما بقي الأرنب جالساً. كان مثل غيمةٍ داكنةٍ صغيرة لا تتحرك من مكانها. رحنا نراقبه، وقد بدأت مشاعرنا تتلاشى شيئاً فشيئاً نحوه.
    ربما يكون من العبث أن نحب هذا المخلوق. هذا ما فكرنا به.
    ربّما لا يريد حبنا وعواطفنا. أيكون مخلوقاً متوحشاً؟! لقد أصبح أكثر صمتاً عندما اقتربنا منه ثانيةً.
    - "يجب ألاّ نحبّه..... يجب ألاّ نحبّه... قد لا يستحق حبنا؟!"..
    قلت لأشقائي.
    لففت الأرنب بثوبٍ صوفيٍ ووضعته في زاوية مظلمةٍ في غرفة الجلوس الباردة، ووضعت صحناً من الحليب أمامه. وعندما شاهدت أمي ما قمت به، أعلنت أنّها لن تدخل غرفة الجلوس مادام الأرنب فيها، وقالت:
    - "سوف لن أهتمّ بأفكاركم السخيفة....".
    عدنا من المدرسة بعد منتصف النهار، وتسللنا إلى الغرفة.
    كان الأرنب ساكناً، بدون أية حركة، وملفوفاً بثوب الصوف، كما تركناه، وكانت تلك مشكلتنا الكبيرة: "لماذا يبقى هكذا؟!"...
    وسألنا أمي بدهشة:
    - "لماذا لم يتناول الحليب يا أمي؟!"
    - "إنّه يفضل أن يعيش حياته الخاصة، بعيداً عن هنا. إنّه شيءٌ صغيرٌ تافه....!!"
    يفضل أن يعيش حياته الخاصة!! إنّها مشكلة!!...
    اقتربنا منه، ووضعنا أمامه بعض الأعشاب الطرية وقريباً من فمه، لكنّه لم يبدِ أيّ اهتمام. كانت عيناه تلمعان.
    ذهبنا لتناول الشاي. وعندما أدرنا ظهورنا له، قفز بضعة سنتيمترات خارج قطعة الصوف، وجلس ساكناً بدون غطاء.
    حلّ الظلام، انطلق والدي إلى عمله، أمّا الأرنب فقد بقي ساكناً، وبدت علائم اليأس على أشقائي. وهذا معناه أنّ سيلاً من الدموع سيحصل قبل النوم، حزناً على الأرنب وتعاطفاً مع حالته.
    تجمّع الغضب في عيني أمي.
    لففنا الأرنب، ثانيةً، بقطعة الصوف، بعدما نقلناه إلى الغرفة الأخرى، ووضعناه قرب موقد النار النحاسي. وهكذا فرّبما يتخيّل نفسه داخل حجره. وضعنا العديد من الصحون، أربعة أو خمسة، متناثرةٍ حوله، هنا وهناك، على الأرض.
    أينما يتحرك -إذا ما تحرّك- فسوف يكون الطعام قريباً منه.
    دخلت أمي الغرفة لتأخذ ما تريده منها ثم خرجت لتعلن أنّها لن تدخلها ثانيةً قبل رحيل هذا الشيء التافه الصغير.
    جاء صباح اليوم التالي بأنواره. نزلت إلى الطابق الأرضي كي أرى الأرنب. وعندما فتحت باب الغرفة سمعت حركةً ما.
    بعد ذلك شاهدت الأرنب يحدق بي، وقطرات الحليب على الأرض.
    كانت عيناه حمراوين. أخذ يحرك أنفه، وهو يحدّق بي.
    كان الأرنب بصحةٍ جيدة.
    - "أبي... الأرنب سوف يعيش.. لن يموت..."قلت.
    - "ذلك مايجب أن يحصل بالطبع...ردّ أبي وهو يبتسم كان لابدّ أن نطلق اسماً ما على الأرنب، فسميناه "أدولف" لم نستطع أن نحبّه كثيراً، لأنّه كان أرنباً برياً، غير ودود.
    بعد ذلك أصبح أليفاً وكان يمثل فرحاً حقيقياً بالنسبة لنا.

     

    _________________________________________________________________________________

    * القصة مترجمة من كتاب: SELECTED STORIES , LAWRANCE
    وعنوانها الأصلي "Adolf"
    د. هـ لورانس D. H. Lawrance 1885-1930
    ولد في "ايست وود" في انكلترا. اسمه الكامل ديفيد هنري لورانس. قاص وروائي وشاعر ورسام. وتبرز شهرته بشكل أساسي، كقاص وروائي.
    ينحدر من عائلة فقيرة فهو ابن لعامل في مناجم الفحم.
    بينما كانت أمه سيدةً مثقفة، تعلق بها لورانس كثيراً.
    اهتمّ، في أعماله بمعالجة العلاقات الاجتماعية لاسيّما قضايا الحب والزواج. أمضى فترةً من حياته في الولايات المتحدة ثم في فرنسا حيث مات بسبب إصابته بمرض السل.

    * أعماله:
    1 - أبناء وعشاق- رواية.
    2 - عشيق السيدة تشاترلي - رواية.
    3 - نساء عاشقات - رواية.
    4 - الفتاة الضائعة - رواية.
    5 - قصص قصيرة.
    أهم الذين كتبوا عنه الناقد وليام هوبكن.
    وقد تشكلت في انكلترا جمعية اسمها "جمعية لورانس".
    جعلت منزله متحفاً يضم أعماله ولوحاته، وتعمل على التعريف بأدبه ونشر الدراسات عنه.

    

     

    Read more
  • شجرة المنزل

     

     

    شجرة المنزل "ألبرتو مورافيا*" ـــ ت.وفاء شوكت


    كانت الخلافات بين أوديناتو وزوجته كارينا، تتواصل حول ملاءمة العيش وسط الطبيعة، أو وسط الأبنية التي يشيِّدها الإنسان. كان أوديناتو، وهو رجل نظام ودراسة، يميل إلى حياة متحضِّرة، بيتية، مدنيَّة، بعيدة عن عنف الطبيعة وألغازها.

    أما كارينا، فكانت تحب ممارسة التمرينات الرياضية في الهواء الطلق، والسباحة، والشمس، والغابات، وتحب السير عاريةً على الشاطئ، ومثل ذلك من الأمور.

    وإذا ما كنا نريد سحب النزاع الذي يبقيانه دائماً في حدود العواطف الزوجية، أمكننا القول، إن الزوج يمثِّل حضارةً عقلانية، وإنسانية، مدنية، الخ؛ وإن الزوجة تمثَّل العكس تماماً. وتحدث أحياناً في هذه العائلات البرجوازية مجابهات صغيرة جداً مماثلة تخفي وراءها مجابهاتٍ أكبر بكثير.‏


    وبالمقابل، كما سبقت أن قلنا، كان النزاع ينحصر دائماً في حدود الحميمية الزوجية. صحيح أنهما لم يكونا متفقين حول هذا التفصيل، لكن الوفاق كان تاماً تقريباً بينهما،‏ حول باقي الأمور.

    وكان كل شيء يسير دائماً على ما يرام، لو لم تبرز فجأةً مشكلة الشجرة المزعجة.‏


    كان الزوجان ميسورَيْن بل ثريَّان، يسكنان في مبنى قديم وسط المدينة.

    وكان في الشقة، من بين غرفٍ أخرى، قاعة استقبال فسيحة. والحال أن كارينا وجدت أن زوجها، وقد عادت إلى المنزل بعد ظهر يومٍ من الأيام، يستعدّ، وهو مسلَّح بسطام (1)، لقطع جُنْبَة (2)، أو بالأحرى، شجيرة لا تزال ليِّنة، نمت، فجأةً، في زاوية قاعة الاستقبال، بين المدفأة ذات الطراز الإمبراطوري، وصِوان المائدة، طراز لويس الخامس عشر، المملوء بالتماثيل الصغيرة الثقيلة الزخرف، وأواني "سيفر" (3) الخزفية؛ كان طول النبتة أو الشجيرة الآن متراً.

    وهي نبتة لم ترها زوجة أدويناتو أبداً من قبل هي طويلة ومستقيمة، أوراقها كبيرة وخضراء، لامعة وذات وبرٍ قليل من جهة، ومائلة إلى البياض من الجهة الأخرى. باختصار، أوراق شبيهة جداً بأوراق الدلب. لكن بدلاً من رأس ورقة الدلب الذي يجعلها تشبه غالباً يداً أصابعها متباعدة، كانت هذه الأوراق على شكل قلب، لـه رأسان، أو بالأحرى قلبان ذائبان في واحد، يشبهان بالضبط القلبين الذين يحفرهما العشاق في قشر الشجر ويجمعانهما بسهمٍ واحد يخترقهما.

    كانت هذه الشجيرة تنبثق من الأرض المبرقشة.

    وبالإمكان رؤية الجذور الليِّنة وقد غمست لحاها بين لوحتين صغيرتين منها، بوضوح.‏


    أطلقت المرأة صرخةً وهي ترى أوديناتو يُشْهِر السطام، بطريقةٍ عدوانية، ضد النبتة الصغيرة الناعمة؛ فتدخَّلت في الوقت المناسب، لتحوِّل اتجاه الضربة، التي وقعت أخيراً على صِوان المائدة طراز لويس الخامس عشر، محطَّمة واجهته الزجاجية.

    وتبع ذلك مشادةً حاميةً بينهما: ومثلما يحدث دائماً في مثل تلك الحالات، أعطت الشجرة، التي كانت غير ذات معنى بذاتها، الفرصة لإطلاق العديد من الأحقاد المكبوتة؛ كان أوديناتو يصرّ على أنه يجب اقتلاع النبتة، التي، برأيه، لا تنسجم مع طراز الديكور في القاعة.

    وكارينا تلومه على كراهيته المعتادة للطبيعة، وتصرخ قائلة: "هذه هي حقيقتك، حين ترى شجرةً فإن أول فكرة تخطر ببالك هي قطعها.. لكن، ألا تعرف أن الأشجار مقدَّسة؟" ويجيب أوديناتو على ذلك بأنه لا يملك شيئاً ضد الأشجار؛ إلا أن وجود شجرةٍ في المنزل يشكِّل عائقاً كبيراً. هذا دون الأخذ بالحسبان وجود فرق بين شجرةٍ وأخرى: فليتها كانت شجرة سنديان، وهي شجرة نبيلة، كانت أوراقها تتوِّج رؤوس المحاربين القدامى، أو شجرة الغار المقدَّسة (وهي شجرة ربَّات الفن)، أو شجرة الزيتون الورعة والمسالمة، أو شجرة سرو جنائزية لكن حالمة، أو حتى، ولمَ لا، شجرة صنوبر، نستطيع تزيينها في نهاية العام بالشموع وأكاليل الزهر.

    أما هذه الشجرة، فالله وحده يعلم من أين خرجت، وأي شجرةٍ قذرةٍ هي. وترد زوجته قائلة:‏
    "لكن، أخيراً، لمَ تزعجك؟ إنها لا تعوي مثل الكلب، ولا توسِّخ المكان مثل الطير... إنها صامتة، محتشمة.. لا، لا، إنه حقاً رأي قَبْلي (4)." وبدأ أوديناتو، بعد أن عاد السطام إلى المدفأة، وهو يعترض على وجود الشجرة في منزلـه، بالتراجع شيئاً فشيئاً، تحت شتائم زوجته، باتجاه مكتبه. كان يستسلم دائماً تقريباً أمام كارينا، التي كانت تزداد تسلُّطاً، بشرط، كما كان من عادته أن يقول، ألا تحشر أنفها في كتبه، وفي ما عدا ذلك، تستطيع فعل ما تريده. وهكذا، فتح أوديناتو باب مكتبه في ذلك اليوم، بعد أن ردَّد بصرامةٍ شديدة، أنه لا يحبِّذ إطلاقاً قصة الشجرة هذه، واختفى بداخله.‏


    أمضت كارينا طوال بعد ظهر اليوم ذاته وهي تقرأ مؤلَّفات في علم النبات، وتبحث في مسألة النوع الذي يمكن أن تنتمي إليه هذه الشجرة الغامضة؛ ليس ثمة شك في كونها شجرة، لأن لون الجذع وقوامه خشبيَّان.

    ويسمح شكل الورقة، من جهةٍ أخرى، بتصنيفها بالتأكيد بين الأوراق العريضة ذات الورقية النافضة. حتى الآن، كانت كارينا في وضعٍ حسن؛ أما تسمية الشجرة باسمٍ فأمر مستحيل البتَّ فيه. ولابد أن تكون، على الرغم من ذلك، شجرةً سريعة النمو، لأن كارينا لم تذكر رؤيتها ليلة البارحة خلال استقبالٍ صغير تمَّ في قاعة الاستقبال وقد نمت، في ليلةٍ واحدةٍ فقط، ما يقارب نصف المتر.

    وحسبت كارينا أنه في معدَّل كهذا سيصل طول الشجرة إلى ثلاثة أو أربعة أمتار، في أسبوع. وكانت تقف، من وقتٍ إلى آخر، وهي تقوم بأبحاثها، لتداعب أوراق الشجرة. وفي ذلك المساء، رفض أوديناتو المتذمِّر أن يتكلَّم مع زوجته، عمداً. لكن كارينا كانت تفكِّر في شجرتها، وتشعر بأنها سعيدة.‏


    وفي الأيام التالية، تأكْدت تكُّهنات كارينا بدقة. كانت الشجرة تنمو، وتقتضي الحال قول ذلك، بسرعةٍ كبيرة. وأصبحت نبتة المنزل بالأمس، شجيرة في صباح اليوم التالي. وأصبح الجذع خشبياً عند الأسفل، قائماً نحو الأعلى، وأخذ لون القشرة البنيِّ يطرد اللون الأخضر النباتي بشكلٍ جليّ. حتى الأغصان اكتسبت شكلاً: الأكبر منها تثخن، والأصغر تحوَّل اللُّب الطري فيه إلى ليفٍ لدن مغطى بالقشر.

    ووصل غصن من أغصانها إلى الصوان، وكان بالأمس لا يمسَّه. كانت كارينا في أوج سعادتها، وأخطر أوديناتو نفسه، مع أنه ردَّد أن هذا الشيء سوف لن يتأخَّر في خلق المشاكل، التي أهمُّها إدخال نوتة خاطئة في ديكور قاعة الاستقبال، أخطر للاعتراف، وهو يصرف بأسنانه، بأنها كانت شجيرة جميلة.‏


    وفي ذلك اليوم، لم تهتم كارينا، وقد أثارتها الحماسة، إلا بالشجرة.

    فطوت سجادة "البخارى" التي كانت ترسل رأسها في الزاوية، وانتزعت ورقتين عفنتين، بالطبع، ثم ذهبت لتحضر مرشَّة، وضعت مستنقعاً حقيقياً على الأرض. صغرت البركة شيئاً فشيئاً واختفت، وهي إشارة صريحة إلى أن الشجرة شرٌ كامل.‏


    بعد هذه البدايات السعيدة، لم تفعل الشجرة سوى النمو. كان الجذع، الذي هو بحجم ساق، ينتصب تقريباً حتى منتصف الجدار، بَميَلان قليل نحو مركز الغرفة.

    واتخَّذت القشرة هيئتها النهائية، قشرة ناعمة، عسليَّة، فاتحة، بيضاء هنا، صفراء هناك، وأعلى بزرقة السماء، قريبة جداً من قشرة الأوكاليبتوس.

    كان للشجرة أربعة أغصان رئيسية. يميل أحدها إلى جهة الصِوان، مُخْفياً بخطٍ غير متوقَّع، الزجاج الذي كسره أوديناتو.

    والثاني يميل لجهة المدفأة، حيث كانت المرآة المتحرِّكة، التي تزيِّن الساعة ذات الطراز "الإمبراطوري"، إنها تختفي الآن، في الخضرة؛ والثالث، الأكبر ربما، لأنه كان أكثر حرية في التمدُّد على راحته، تتقدَّم أوراقه تقريباً إلى وسط قاعة الاستقبال، والرابع أخيراً، يقف عمودياً، وينسحق على زاوية السقف. باختصار، كانت الشجرة تتنامى.‏


    ودعت كارينا، وهي في قمة سعادتها صديقاتها الحميمات جداً، لتأتين لتأمُّل الشجرة.

    وأتت النساء يملؤهن الفضول، لأنهن سمعن الحديث عن الشجرة بغموض، ويعتقدن حقيقةً أن الأمر يتعلَّق بنبتة "فوشية" (5) أو "أزالية" (6)، وباختصار بذاك النوع من النباتات العادية التي تضعها السيدات في أصيص، في زوايا قاعة الاستقبال.

    لكنهن تجمَّدن عندما وجدن أنها شجرة حقيقية، لها جذور، وجذع، وأغصان، وكل شيء، ابتكار فريد في نوعه، حتى في زمن الحداثات الغريبة هذا. لذا، سكتن بضع ثوانٍ، من الذهول والحسد، وليس فقط كلامياً، بل عقلياً أيضاً.

    وأخيراً، لم تعد تلك الثرثارات يعرفن ماذا يَقُلْنَ أو بماذا يُفَكِّرن. بعد خروجهن من منزل كارينا، استعدن شجاعتهن وقُلْنَ في أنفسهن إن الشجرة لم تكن هذا الشيء الخارق، بالدرجة التي تصوَّرتها صاحبة المنزل. وقالت إحداهن: "حسناً، كانت شجرة، وإذاً؟ كان من الأطرف لو وجد في قاعة الاستقبال، ما أدراني أنا؟ مِطْيَرَة (7) أو شبل داجن". وأضافت امرأة أخرى: "بماذا تفيد الشجرة؟ إنها ثابتة مثل صخرة، صامتة مثل سمك الشبوط (8)، وليس باستطاعتنا القول إن بإمكان كارينا استخدامها للوقاية من الشمس. فجدران المنزل تقوم بتلك المهمة. وختمت الشريرات قائلات: "كلا، إنها شذوذ حقيقي، بل أكثر من ذلك: ذوقها مريب.‏


    بعد أسبوع، بلغ قطر الشجرة البالغة الآن متراً ونصف المتر عند القاعدة. وازداد ميلان الجذع نحو وسط الغرفة، حتى ليقال إن الشجرة كانت تمد ليس أغصانها، بل ذراعيها، لتستحوذ على الغرفة، ولون القشرة الفاتح واللَّحمي يؤكِّد هذا الشعور الحيواني المجسِّي (9).

    وتنغرز جذورها الضخمة والملتوية، مثل المخالب بين لويحات الأرضية، رافعةً وقالبةً إياها. كانت كارينا، وهي فريسة لهوى شجرتها، قد أخلت قاعة الاستقبال بأكملها.‏


    كان من الغريب حقاً الدخول إلى هذه القاعة الكبيرة، ولا نجد بين جدرانها الأربعة العارية، المغطاة بالورق الموشى، سوى شجرةٍ ضخمة، وحيدة ومنفيَّة في زاوية، مماثلة لأخطبوط نباتي، بأذرعها الكثيرة الورق، الممدودة لتعجَّ في هذا الحيِّز أو المنتصبة لاكتشاف السقف.

    كان هذا الكائن الضخم المهيب، يدهش بأنه لا ينطق، ولا ينادي بصوتٍ كئيبٍ وحانق. والحال أن أوديناتو، شرط تركه وشأنه، لم يعد يزعج زوجته أبداً.

    لكنه كان يطلق مكبوتاته خفيةً جالساً مع أحد أصدقائه في مكتبه، ويقول:‏
    "ليس لأني أعترض على الشجرة بحد ذاتها، لكن لكل شيء مكانه... الأشجار في الغابة، والإنسان في منزله.. ماذا تعني شجرة في قاعة الاستقبال؟ هذه الطريقة في رزِّ الطبيعة داخل‏
    المنازل، هي حداثة شمالية... إن الشماليين يملؤون منازلهم بالنباتات، ربما لأنهم لا يزالون يذكرون الزمن، القريب العهد، الذي كانوا يختبئون فيه، في تجويف شجرة البلوط.. أما نحن، فإننا ننتمي إلى حضارة أقدم... ولا نحتمل الغموض أو العدوى... مدننا مصنوعة من الحجارة.. يبدأ الريف خارج الأسوار، وليس ضمن الجدران!..." هكذا كان يوضِّح فكرته، بوقار.

    لكن أصدقاءه كانوا يقولون فيما بينهم إنه رجل ضعيف، وإن زوجته، كما يقال، هي التي ترتدي البنطال في منزله.‏


    أخيراً، وفي ليلة جميلة من ليالي ذاك الصيف، أيقظت فرقعة رهيبة الزوجين، تبعتها فرقعة كمية كبيرة من الأنقاض.

    ركضا نحو قاعة الاستقبال، وأول شيء رأياه من خلال فتحةٍ كبيرة في السقف، هو النجوم والهلال. هتفت كارينا وهي تركض لتقبلّ جذع شجرتها العزيزة شجرتي العزيزة تريد تنسُّم الهواء العليل!" فكرَّ أوديناتو: "هاكم كيف هنَّ النساء". لكنه، هنا أيضاً، لم يستطع الاحتجاج.‏


    بعد شهر، كانت الشجرة تملأ قاعة الاستقبال بأكملها بأوراقها المضغوطة والمتشابكة. كانوا يفتحون الباب ويجدون أنفسهم وجهاً لوجه، كما يقال، مع غابة. أوراق، وأوراق، وأوراق. في مثل هذه الظروف، لم يكن مدهشا ًأن يجد أوديناتو ذات ليلةٍ الشجرة، صراحةً، في سريره. لا أكثر ولا أقل.

    كان غضن قد دخل الباب المحطَّم وتقدَّم نحو السرير الزوجي للرجل المثقَّف.

    ووجد الزوجان نفسيهما مفصولين نهائياً، بحاجز من الأوراق والأغصان. وكان أوديناتو يتذمَّر، من ذلك، قائلاً إن الشجرة تنمو، صراحةً، فوقه، وتضايقه، لأنها تضرب ظهره وساقيه. وكارينا تجيبه بأنه متعصِّب حقيقةً، وجهله مطبق. أما هي، فكانت تشعر بتنميل الأوراق على طول جسمها، الشيء الذي يؤثِّر فيها تأثيراً آخر مختلفاً تماماً. وتقول إنه حمَّام الطبيعة.‏


    وفي فصل الخريف، سقطت الأوراق، وملأت قاعة الاستقبال بأكوامٍ حفرٍ تصدر حفيفاً.

    أحضرت كارينا مُشَدِّباً قَلَّم الشجرة. وتشوَّشت قراءات أوديناتو بضعة أيام بسبب ضربات الفأس.

    وأخيراً، قدَّمت كارينا الشجرة لزوجها، فخورة مثل أمٍ تعرض ابنها بشعره المقصوص للمرة الأولى، وقد اقتصرت على أغصانها الأكبر دون أوراقٍ أو فروع، قوية ذات عضلات، أكثر من أي وقتٍ مضى، جاهزة لمواجهة قسوة الشتاء. تظاهر أوديناتو المذعن، بالإعجاب بها. لكنه، في نفسه، كان يعتقد أن الطبيعة هي كارثة جميلة، وأن على الحضارة التي تحترم نفسها أن تبقيها أبعد ما يمكن عنها.‏

    ________________________________________________________________________________________________________
    * ألبرتو مورافيا‏
    ولد ألبرتوا مورافيا في روما عام 1907، وتوفيّ فيها عام 1990. ألَّف كتابه الأول وهو في الثانية والعشرين من عمره: "اللامبالون"، الذي ضمن لـه الشهرة الفورية. ونشرت روايته "المرأة الفهد" بعد وفاته، عام 1991. من أعماله: "الاحتقار"، "السأم"، "رحلة إلى روما"، وأخيراً "نزهات إفريقية". ظهر كتابه "جدل الأخطبوطات" في إيطاليا عام 1956، وهو مجموعة نصوص متهوِّرة، يبدو فيها مورافيا غير متوقَّع، ينهل من الميثولوجيا والأساطير الوثنية.‏
    (1) سطام (حديدة تحرَّك بها النار)‏
    (2) جُنْبَة (كل شجرة علوها متران إلى أربعة أمتار، تظل صغيرة، وإن شاخت).‏
    (3) سيفر (خزف فاخر من صنع مدينة سيفر بفرنسا).‏
    (4) رأي قَبْلي (رأي مكوَّن من قبل لا رجوع فيه).‏
    (5) فوشية (جُنْبَة مشهورة بزهرها تعرف باسم نباتي ألماني).‏
    (6) أزالية (جنبة للتزيين من فصيلة الخلنجيات).‏
    (7) المِطْيرَة (بناء كبير مخصَّص لتربية الطيور).‏
    (8) الشَّبوط (سمك يعيش في المياه الحلوة).‏
    (9) المجس (زائدة لا مفصليَّة قابلة للانمغاط والانكماش، توجد عند بعض الحيوانات، تمكنها من القبض على فريستها).‏

     

    Read more
  • ســعادة للبيع

     

     

    ســعادة للبيع تأليف : البرتو مورافيا- ترجمة : وفاء شوكت


    نحو منتصف بعد ظهر كل يوم، كان الموظف العجوز، المتقاعد، المدعو ميلون، يخرج من منزله، بصحبة زوجته أرمينيا، وابنته جيوفانا. كانت زوجته بدينة ومتقدِّمة في السن، وابنته هزيلة البنية وقد أصبحت الآن مسنَّة ومثل المخبولة. كان آل ميلون الثلاثة، الذين يسكنون ساحة "ديللا ليبيرتا"، يصعدون ببطء، على خطا أرمينيا السمينة، يمسحون شارع "كولادي ريانزو"، متأمِّلين واجهات المخازن الواحدة تلو الأخرى. وكانوا يغيِّرون الرصيف في ساحة ريزور جيمنتو" ويعودون، وهم يتابعون تأمَّل المحلات بالعناية ذاتها، نحو ساحة "ديللا ليبيرتا".‏
    كان هذا الذهاب والإياب يستغرق قرابة ساعتين، الوقت الكافي للتجلُّد حتى تحين ساعة العشاء. ولم يعد أفراد عائلة ميلون الثلاثة، الفقراء جداً، يدخلون إلى قاعة سينما أو مقهىً منذ زمنٍ طويل. كان التنزُّه هو تسلية حياتهم الوحيدة.‏
    وفي يومٍ من الأيام، وبعد أن خرجوا في الساعة المعتادة وصعدوا شارع "كولادي ريانزو" تقريباً حتى ساحة "ريزور جيمنتو"، لفت انتباه أفراد عائلة ميلون الثلاثة مخزن جديد، وكأنه فُتِح بطريقةٍ سحرية، في المكان الذي لم يكن حتى مساء أمس سوى حِباك(1) مغبرّ. وكان صقيل الزجاج يمنعهم عن تمييز البضاعة. فاقتربوا، ثلاثتهم، من المخزن، ودون أن ينبسوا ببنت شفة، شكلوا نصف دائرةٍ على الرصيف وهم يصطفون أمام واجهاته.‏
    كانوا يرون الآن البضاعة بوضوح: السعادة. كان أفراد عائلة ميلون الثلاثة، مثل جميع الناس هنا، قد سمعوا دائماً، الحديث عن هذه السلعة، ولم يروها قط. كانوا يتناقشون حولها هنا وهناك، كأنها شيء نادر جداً، فيصفها البعض بالخيالية، مشككين بوجودها الحقيقي تقريباً. وصحيح أن المجلات كانت تنشر من حينٍ لآخر مقالاتٍ طويلة مصوَّرة، يقولون فيها إن السعادة في الولايات المتحدة إن لم تكن عامة، فهي على الأقل سهلة المنال؛ لكن، كما نعلم، أمريكا بلاد بعيدة، والصحفيون يتخيَّلون أشياء كثيرة. وعلى ما يبدو، كانت توجد وفرة من السعادة في الأزمنة الغابرة، لكن ميلون، مثل كل الذين كانوا طاعنين في السن الآن، لا يتذكَّر أبداً أنه رآها.‏
    وها هو متجر الآن، وكأن الأمر لم يحصل، وأن الموضوع يتعلَّق بالأحذية أو أدوات المائدة، يقدِّم صراحةً هذه البضاعة، لأي شخص يريد شراءها. وهذا ما يفسِّر دهشة أفراد عائلة ميلون الثلاثة المسمَّرين إلى الأرض، الجامدين أمام هذا المتجر الغريب.‏
    ويجب القول إن هذا المتجر كان يُحسِن عرض بضاعته جيداً في واجهاته الكبيرة المؤطَّرة بحجر الترافرتين(2) اللامع، وكانت لافتته من طراز عام 1900، وجميع إكمالاته وزيناته مصنوعة من المعدن المطلي بالنيكل(3) . وفي الداخل أيضاً، كانت طاولاته على الطراز الحديث، وكان بائعان أو ثلاثة من الشبان الحيويين، أنيقي الملبس، يجذبون، بظهورهم فقط، الزبون الأكثر تردداً. وتظهر في الواجهات "السعادات" مثل بيض "عيد الفصح"، وهي معروضة حسب كبرها، وتوافق جميع الميزانيات. فيوجد منها الصغير والوسط والضخم، قد تكون مزيَّفة، وضعت للدعاية. وكان لكل سعادةٍ بطاقتها الصغيرة، مع السعر المدوَّن عليها بالأحرف الطباعية المائلة.‏
    وانتهى الأمر بالعجوز ميلون إلى القول بسطوةٍ، معبِّراً عن أفكارهم: -هذا إذاً، لم أكن لأتوقع ذلك أبداً...‏
    فسألته الفتاة ببراءة:‏
    -ولماذا يا أبي؟‏
    رد عليها العجوز بانزعاج قائلاً:‏
    -لأنه، ومنذ سنواتٍ عديدة، يُقال لنا بأنه لا توجد سعادة في إيطاليا، وأنها تنقصنا، وأن استيرادها يكلِّف كثيراً... وها هم فجأةً، يفتحون مخزناً لا يبيعون فيه سواها.‏
    قالت الفتاة:‏
    -قد يكونون اكتشفوا منجماً.‏
    فانبرى ميلون يقول مغتاظاً:‏
    -ولكن أين، ولكن كيف؟ ألم يقولوا لنا دائماً إن باطن الأرض في إيطاليا لا يحتوي عليها؟... لا نفط، ولا حديد، ولا فحم، ولا سعادة... ثم، هناك أشياء ينتهي بنا الأمر إلى أن نكتشفها... هل تتخيَّلين... عندي شعور بأنني سأرى عناوين كبيرة تقول: بالأمس، كان "فلان" يتنزَّه في جبال "كادور"، واكتشف منجم سعادة من نوعيةٍ ممتازة... هيه، كلا، كلا... إنها بضاعة أجنبية.‏
    وتدخَّلت الأم بهدوءٍ قائلة:‏
    -حسناً، أين المشكلة؟ هناك، لديهم الكثير من السعادة وهنا، ليس لدينا شيء منها: إنهم يستوردونها... أين الغرابة؟"‏
    رفع العجوز كتفيه حانقاً، وقال:‏
    "حججٌ غير معقولة... هل تفهمين فقط ما هو معنى استيراد؟‏
    هذا معناه صرف نقودٍ ثمينة... نقود بإمكاننا استخدامها لشراء القمح... إن البلد يتضوَّر جوعاً... نحن بحاجة إلى القمح... ومهما قلتِ، فإن الدولارات اليسيرة التي نجمعها بالحرَام، نقوم بإنفاقها على شراء هذه البضاعة، هذه السعادة!‏
    ولفتت ابنته انتباهه قائلة:‏
    -ولكننا بحاجةٍ أيضاً إلى السعادة.‏
    أجابها العجوز:‏
    -هذا شيء غير ضروري. قبل كل شيء، يجب التفكير في الغذاء.. أولاً الخبز، وبعد ذلك السعادة... ولكن على أي حال هذا بلد اللا منطق: أولاً السعادة، وبعد ذلك الخبز.‏
    فلاحظت زوجته الحليمة:‏
    -كم تغضب سريعاً! حسناً، أنت لا تحتاج إلى السعادة.. لكن الجميع ليسوا مثلك.‏
    وخاطرت ابنته بالقول:‏
    -أنا، مثلاً...‏
    فردَّد الأب بنبرة مهدِّدة:‏
    -أنتِ، مثلاً...‏
    وتابعت الفتاة بيأس:‏
    -أنا، مثلاً، سأشتري حقاً، واحدة، واحدة صغيرةً منها، لأعرف فقط كيف هي مصنوعة هذه السعادة.‏
    فقال الأب مقاطعاً ومغتمَّاً:‏
    -هيا بنا.‏
    وتركت المرأتان نفسيهما تُقْتادان بطاعة. لكن العجوز كان الآن منزعجاً. فقال:‏
    -لم أكن أتوقَّع ذلك منكِ حقاً، يا جيوفانا.‏
    -ولماذا، يا أبي؟‏
    -لأنها بضاعة من السوق السوداء، من محدثي النعمة، من أصحاب الملايين... إن موظفاً في "الدولة" لا يستطيع أن يطمح إلى السعادة ويجب ألا يفعل... وعندما تقولين بأنك تودين شراءها، تثبتين على الأقل عدم إدراكك...‏
    كيف... نحن نؤجِّر غرفاً في منزلنا، ويصلني راتبي التقاعدي تقريباً في أول الشهر، وأنتِ... آهٍ، إنك تخيِّبين أملي، إنك تخيِّبين أملي.‏
    غشت الدموع عينيّ ابنته. فقالت الأم:‏
    -هل ترى كيف أنتَ، إنك تمضي وقتك في تأنيبها. ثم إنها لا تملك شيئاً في الحياة، وهي شابة، فأين الغرابة في أن ترغب في تذوُّق السعادة؟‏
    -لا شيء... لقد استغنى والدها عنها، فهي أيضاً باستطاعتها الاستغناء عنها.‏
    كانوا الآن قد وصلوا إلى ساحة "ريزور جيمنتو".‏
    لكن، خلافاً لعادتهم، أراد العجوز، هذه المرَّة، العودة على الرصيف ذاته. وعندما وصلوا أمام المخزن، توقَّف، ونظر طويلاً إلى الواجهة، وقال:‏
    -هل تعرفان ماذا أعتقد؟ إنها مزيَّفة.‏
    -ماذا تريد أن تقول.؟‏
    -حسناً؛ أمس فقط، كنت أقرأ في الجريدة أن سعادة صغيرةً مثل هذه، في أمريكا، أقول جيداً في أمريكا، تكلِّف عدة مئاتٍ من الدولارات... فكيف من الممكن أن يقدِّموها لنا بهذا الثمن؟ إن سعرها مع تكلفة النقل يكلِّف أكثر بكثير... إنها مزيَّفة، إنها منتجات محليَّة... لا يوجد في ذلك أدنى شك.‏
    وجازفت الأم بالقول:‏
    -لكن الناس يشترونها.‏
    -وما الذي لن يشتريه الناس... سوف يكتشفون ذلك بعد أن يعودوا إلى منازلهم، خلال عدة أيام... غشاشون!‏
    وتابعوا نزهتهم. لكن جيوفانا كانت تبتلع دموعها، وتفكِّر بأن السعادة، حتى المزيَّفة، ستعجبها.‏
    (1) حِباك: حظيرة من قصب شدَّ بعضه إلى بعض).‏
    (2) ترافرتين حجر جيري من مدينة تيبور بإيطاليا).‏
    (3) نيكل معدن أبيض).‏

     

     

    Read more
  • الرضيع

     

     

    الرضيع ـــ ألبرتو مورافيا ـ ت.حصة منيف

    " عن الإنكليزية "‏

    حين أتت السيدة المحسنة التي تنتمي لجمعية رعاية الأطفال لزيارتنا سألتنا، كما يفعلا لجميع، لماذا ننجب كل هذا العدد من الأطفال، فانبرت زوجتي التي كانت تشعر بانقباض في ذلك اليوم لتعلن صراحة ودونما مواربة: "لو كانت لدينا الإمكانيات لذهبنا إلى السينما في المساء.

    وبما أننا لا نملك النقود فإننا نأوي إلى الفراش، وهكذا يولد الأطفال". بدا الانزعاج على السيدة عندما سمعت هذه الملاحظة ومضت دون أن تضيف كلمة واحدة. أما أنا فقد عنّفت زوجتي قائلاً بأنه لا يصح الإعلان عن الحقيقة دائماً،وعلى المرء كذلك أن يعرف مع من يتعامل قبل أن يعلن الحقيقة.‏

    في سن الشباب قبل أن أتزوج كنت أتسلى في كثير من الأحيان بقراءة الأخبار المحلية في الجريدة حيث يصفون كل المصائب التي يمكن أن تحدث للناس مثل حوادث السرقة، والقتل،والانتحار، وحوادث الطرق. من بين كل تلك المصائب واحدة لم أكن أتصور على الإطلاق أن أواجهها وهي أن أصبح "حالة تثير الشفقة"، أي حين يثير شخص ما مشاعر العطف بسبب حظه العاثر دون أن يعزى ذلك لمصيبة محددة أصابته، أي أن حالته تعود لمجرد كونه على قيد الحياة، ليس إلا.

    كنت شاباً حينذاك كما ذكرت، ولم أكن أعرف معنى إعالة أسرة كبيرة. غير أنني أرى الآن أنني تحولت تدريجياً إلى ما يعني بالضبط تعبير "حالة تثير الشفقة" وهذا ما يثير دهشتي. كنت أقرأ مثلاً: "إنهم يعيشون في حالة فقر مدقع". حسناً، ها نحن نعيش في حالة فقر مدقع.

    أو يقولون: "وهم يعيشون في بيت ليس له من مقومات البيت غير الاسم".

    وها أنا الآن أعيش في "تورمارانشيو"، مع زوجتي وأطفالي الستة في غرفة خالية إلا من مراتب كثيرة مفروشة على الأرض.

    وحين تمطر السماء يتدفق الماء فوق رؤوسنا كما يتدفق على المقاعد الموجودة في شارع "ربيتا".

    أو قد أقرأ: "وما أن اكتشفت المرأة المسكينة أنها حامل حتى قررت أن تتخلص من ثمرة عاطفتها تلك".

    حسناً، لقد اتخذت وزوجتي هذا القرار بناءً على اتفاق مشترك حين اكتشفنا أنها حامل للمرة السابعة.

    قررنا في الواقع أن نترك الطفل في إحدى الكنائس بعد أن يعتدل الطقس ويصبح أكثر دفئاً، أي أن نتركه لرعاية وإحسان أول من يصادفه العثور عليه.‏

    بالمساعي الحميدة لمثل أولئك السيدات المحسنات دخلت زوجتي المستشفى لتضع مولودها.

    وما أن تحسنت حالتها حتى عادت مع المولود إلى "تورمارانشيو".

    قالت حين دخلت الغرفة: "أتدري؟ على الرغم من أن المستشفى يظل مستشفى إلا أنني كنت أود أن أبقى هناك بمحض إرادتي بدلاً من العودة إلى هنا".

    وما أن تفوهت بهذه الكلمات حتى أطلق الوليد صرخة لا تصدق، وكأنما فهم معنى كلماتها. كان طفلاً لذيذاً يانعاً له صوت قوي بحيث أخذ يمنع النوم عنّا جميعاً حين يستيقظ ليلاً ويبدأ في البكاء.‏

    عندما حلّ شهر أيار وغدا الهواء دافئاً بحيث يسمح بالخروج دون ارتداء معطف انطلقنا أنا وزوجتي من "تورمارانشيو" إلى روما.

    كانت زوجتي تحتضن الطفل وتضمه إلى صدرها وقد لفته بكمية كبيرة من الخرق وكأنما ستتركه في حقل من الجليد دون أن يصيبه أذى.

    ما أن بلغنا المدينة، وكأنها تريد أن تخفي حقيقة أنها تمقت ما هي مقدمة عليه، فقد أخذت تتحدث دونما انقطاع وهي مبهورة الأنفاس وعلائم الإجهاد تبدو عليها وقد تناثر شعرها في كل اتجاه وبرزت عيناها من مآقيهما. تتحدث حيناً عن الكنائس المختلفة التي يمكن لنا أن نترك الطفل فيها، مؤكدة بأن من الواجب أن تكون كنيسة يرتادها الأغنياء. فمن الأفضل أن يتربى الطفل بيننا إن كان من سيلتقطونه فقراء مثلنا. وما تلبث بعد قليل أن تتحول لتقول بأنها تصرّ على أن تكون الكنيسة منذورة للسيدة العذراء لأنه كان له اابن أيضاً وبذا يمكنها أن تتفهم أموراً معينة، وبذا ستمنحه ما يستحق من عطف.

    هذه الطريقة في الكلام أرهقتني وهيجت أعصابي- خصوصاً وأنني كنت أشعر بالإذلال أيضاً وأمقت ما أنا مقدم عليه.

    غير أنني كنت أحاول إقناع نفسي بأن علي أن أتمالك مشاعري وأبدو هادئاً لكي أساعدها على التماسك. تفوهت ببعض الاعتراضات مستهدفاً قطع هدير كلامها ثم قلت لها: "عندي فكرة... لم لا نتركه في كنيسة القديس بطرس؟" ترددت للحظة ثم أجابت: "لا، فهي كبيرة جداً وقد لا يرونه هناك... أفضّل تلك الكنيسة الصغيرة في شارع "كوندوقي" حيث توجد كل تلك المحلات الجميلة التي يرتادها الكثيرون من الأغنياء- إنها المكان المناسب!"‏

    ركبنا الحافلة حيث جلست صامتة بين الآخرين، وكانت تعيد ترتيب الحرام الصوفي وتحكمه حول الطفل بين حين وآخر، أو تكشف عن وجهه بحرص وتتأمل وجهه.

    كان الطفل نائماً ووجهه محمرّ ومتورد في وسط كل تلك اللفائف.

    ثيابه رثة شأن ثيابنا، والشيء الجميل الوحيد الذي يرتديه هما القفازان المصنوعان من الصوف الأزرق، وكان في الحقيقة يفرد يديه على اتساعهما وكأنما يتباهى بقفازيه. نزلنا في "لارجو جولدوني" وعادت زوجتي تثرثر من جديد، ثم توقفت أمام واجهة أحد بائعي المجوهرات وقالت لي وهي تشير إلى المجوهرات المعروضة على رفوف مغطاة بالمخمل الأحمر: "هل ترى ما أجملها! الناس يأتون إلى هذا الشارع ليشتروا المجوهرات والأشياء الجميلة الأخرى.

    أما الفقراء فليس لهم شأن بهذ االمكان. وفيما هم ينتقلون من محل إلى آخر يدخلون الكنيسة ليصلّوا للحظة من الزمن،وبعد ذلك، وبينما هم في مزاج رائق يجدون الطفل ويأخذونه..." قالت كل ذلك وهي تقف وتحدق بالمجوهرات وتشد الطفل إلى صدرها وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وهي تتكلم وكأنما تحادث نفسها.

    أما أنا فلم أكن أجرؤ على مجادلتها. توجهنا إلى الكنيسة، كانت صغيرة وقد دهنت بكاملها بحيث بدت وكأنها من المرمر الأصفر؟ وبها عدد من المحاريب ومنبر كبير. قالت زوجتي بأنها تتذكرها على نحو آخر، وأما وهي كما تراها الآن فإنها لا تحبها على الإطلاق.

    ومع ذلك فقد غمرت أصابعها في الماء المقدس، وصلّت ثم تابعت سيرها بخطى بطيئة حول المكان وهي تتفحصه بعينين مرتابتين وبعدم ارتياع وتضم الطفل إلى صدرها.‏

    كان هنالك نور بارد ساطع ينبعث من قنديل يتدلى من قبة الكنيسة، وأخذت زوجتي تطوف من محراب إلى آخر وهي تتفحص كل شيء: المقاعد، والمحاريب والصور لتحكم فيما إن كانت مكاناً مناسباً تودع فيه الطفل.. أما أنا فقد كنت أتبعها وأسير على مسافة منها وأراقب الباب بحذر طوال الوقت.‏

    دخلت فجأة فتاة شابة ممشوقة القوام ترتدي ثوباً أحمر، يزين رأسها شعر أشقر ينسدل كالذهب،ركعت الفتاة والتصقت حينذاك تنورتها بجسمها، وصلّت لفترة دقيقة واحدة فحسب ثم خرجت ثانية دون أن تنظر إلينا.

    أما زوجتي التي كانت تراقبها فقد قالت فجأة: "ليس هذا بالمكان المناسب، فالناس الذين يرتادونه هم، شأن هذه الفتاة، على عجلة من أمرهم كي يمضوا ليتسلوا ويتفرجوا على المحلات.. لنذهب! ثم خرجت على الفور.‏

    عدنا أدراجنا إلى الشارع وسرنا مسافة ما عائدين بخطى مسرعة على طول شارع "كورسو"، زوجتي تتقدمني وأنا أسير وراءها.

    ما لبثنا أن دخلنا كنيسة أخرى قرب "بيازيا فينيسيا".

    كانت هذه أكثر اتساعاً وبدت شبه مظلمة، تمتلئ بالصور واللوحات المذهبة والخزائن الزجاجية المزدحمة بقلوب فضية تتلامع في وسط النور المائل للعتمة. كان هنالك عدد كبير نسبياً من الناس داخل الكنيسة، وبنظرة عابرة تبين لي أنهم ممن يعيشون عيشة رخية، فالنساء جميعاً يرتدين القبعات في حين يرتدي الرجال ملابس مرتبة. كان هنالك واعظ يلوح بذراعيه يمنة ويسرة وهو يلقي موعظة من فوق المنبر والجميع يوجهون أنظارهم إليه.

    بدا لي الوضع حسناً إذ أن أحداً لن يلحظنا ضمن ذلك الجو. همست لزوجتي: "هلنحاول أن نتركه هنا؟" طأطأت رأسها موافقة فاتجهنا إلى إحدى الزوايا الجانبية التي يعمّها الظلام بحيث يصعب عليك أن ترى ما حولك. لم يكن هناك أحد، ولذا غطّت زوجتي وجه الطفل بزاوية الحرام الذي تلفه به ثم وضعته على أحد المقاعد، كما لو كانت تتخلص من لفة تعوق حرية حركة يديها، ثم ركعت وصلت لفترة طويلة وهي تضع كفيها على وجهها.

    أما أنا، ولأنني لم أجد ما أفعله فقد أخذت أتفحص مئات القلوب الفضية مختلفة الأحجام والتي تغطي جدران المصلى.

    وقفت في النهاية وقد علت وجهها إمارات الإصرار وسارت مبتعدة ببطء، وسرت وراءها على مسافة قليلة منها.

    وفي تلك اللحظة صرخ الواعظ قائلاً: "وقال المسيح: إلى أين تمضي يا بطرس؟" أجفلت عند ذلك وكأنما كان يوجه السؤال إليّ، وبينما كانت زوجتي تهم برفع ستارة الباب كي تخرج أفزعنا صوت انطلق من ورائنا يقول: "سيدتي!  لقد تركت لفة على المقعد هناك."‏

    كانت تلك امرأة ترتدي السواد، من ذلك النمط من النساء المتدينات اللاتي يقضين نهارهن متنقلات بين الكنيسة وغرفة المقدسات.

    أجابتها زوجتي: "أجل، يا إلهي، شكراً لك فقد نسيتها". ولذا حملت اللفة ثانية وخرجنا ونحن نشعر بأننا أقرب إلى الموت منا إلى الحياة.‏

    قالت زوجتي بعد أن خرجنا: "يبدو أن أحداً لا يريد صغيري هذا."

    قالت تلك الجملة وكأنها شخص حمل بضاعة إلى السوق متوقعاً أن يبيعها بسرعة ولكنه يفاجأ عندما لا يجد من يرغببها، أخذت تسرع الخطى من جديد وتنهب الأرض بقدميها وهي تلهث بحيث بدت أقدامها وكأنها لا تكاد تمس الأرض.

    وصلنا إلى كنيسة "بيازا سانتي أبوستولي"، وكانت هذه مفتوحة. وما أن دخلت زوجتي ورأتها واسعة فسيحة ظليلة حتى همسة قائلة: "هذا مانريده".

    مشت تغمرها علائم التصميم واتجهت إلى إحدى الزوايا الجانبية، ووضعت الطفل على مقعد وأسرعت عائدة باتجاه المدخل دون أن تتمتم حتى بصلاة قصيرة أو تقبل جبين الطفل، وكأنما الأرض تلتهب تحت أقدامها. ولكنها، وما أن قطعت عدة خطوات حتى اهتزت الكنيسة بصوت بكاء يائس، فقد حان وقت رضاعة الطفل فيما يبدو، وحيث أنه دقيق غاية الدقة في مواعيده فقد أخذ يبكي من شدة الجوع. بدا على زوجتي وكأنها فقدت رشدها حينذاك إذ هرولت أولاً باتجاه الباب، ثم التفتت وهي ما تزال تهرول وجلست على أحد المقاعد دون تفكير وفتحت أزرار قميصها لتعطيه ثديها، وما أن أخرجته حتى التهمه الطفل وكأنه ذئب مفترس وأخذ يرضع بشراهة ويقبض على الثدي بكلتي يديه وقد توقف عن البكاء. ولكننا ما لبثنا أن سمعنا صوتاً يصيح بها: "لا يمكنك أن تفعلي ذلك في هذاالمكان.

    اذهبي من هنا، اخرجي إلى الشارع!" كان هذا صوت قيّم غرفة المقدسات، وهو رجل عجوز ضئيل الجسم ذو لحية بيضاء، ضئيلة تمتد تحت ذقنه وصوت أكبر من جسمه. نهضت زوجتي وهي تغطي صدرها ورأس الطفل ما استطاعت ثم قالت: "ولكن العذراء تحمل طفلها بين يديه اكما نراها في الصور كما تعلم." أجاب بحدة: "هل تشبّهين نفسك بالعذراء أيتها المرأة الدعية؟"‏

    حسناً، غادرنا تلك الكنيسة أيضاً ومضينا لنجلس في حديقة "بيازيافينيسيا" حيث أعطت زوجتي ثديها للطفل ثانية إلى أن ارتوى وعاد إلى النوم من جديد.‏

    كان المساء قد حل والكنائس تغلق أبوابها وقد حل بنا التعب والارتباك، ولم تعد في جعبتنا أية أفكار قابلة للتنفيذ. شعرت باليأس وأنا أفكر بكل ما حل بنا ونحن نقدم على أمر لا يجدر بنا أن نفعله، ولذا قلت لزوجتي: "اسمعي، لقد تأخرنا ولست أستطيع الاستمرارعلى هذا الحال.. علينا أن نقرر." أجابت ببعض المرارة: "ولكنه لحمك ودمك! هل تريد أنتتركه كيفما اتفق، في أي زاوية كما قد يترك الناس لفة من الأحشاء لكي تأكلهاالقطط؟" قلت: "لا، لم أقل ذلك، غير أن هنالك أموراً على المرء أن يفعلها على الفورودون تفكير، وإلا فإنه لن يقدم عليها على الإطلاق." أجابت: "حقيقة الأمر هي أنك تخشى أن أغير رأيي وأعيده إلى البيت ثانية.

    أجل، أنتم الرجال جميعكم جبناء! أدركت بأن علي ألا أجادلها في تلك اللحظة، ولذا قلت لها بلهجة تتسم بالاعتدال: "لا تغضبي! إنني أدرك مشاعرك، ولكن تذكري بأنه مهما حل به فسيكون أفضل له من أن يشب في "تورمارانشيو" في غرفة دون مرحاض أو مطبخ، غرفة تمتلئ بالحشرات شتاء وبالذباب صيفاً. صمتت ولم تجب.‏

    بدأنا نسير ثانية دون أن ندري إلى أي اتجاه نحن ماضيان.

    شاهدت شارعاً ضيقاً صغيراً دوننا،كان مهجوراً تماماً وينحدر من الشارع الذي كنا نسير فيه، ورأيت سيارة رمادية مغلقة تقف عند أحد المداخل.

    طرأت لي فكرة فتوجهت إلى السيارة وعالجت بابها فانفتح. قلت لزوجتي: "أسرعي! هذه هي فرصتنا... ضعيه في المقعد الخلفي."

    فعلت ما قلت ووضعت الطفلفي المقعد الخلفي وأغلقت الباب.

    فعلنا ذلك في لمح البصر ودون أن يرانا أحد، ثم تأبطت ذراعها وأسرعنا في طريقنا إلى "بيازا ديل كورينالي".‏

    كانت الساحة خالية وشبه مظلمة إذ لم تكن فيها إلا بضعة مصابيح مضيئة في أسفل البنايات،أما المصابيح الأخرى فكانت مطفأة.

    روما كانت تلتمع تحتنا أسفل السياج.

    توجهت زوجتي إلى النافورة تحت المسلة وجلست على أحد المقاعد وبدأت تبكي على الفور وهي تدير ظهرها لي. قلت لها: "ماذا بك الآن؟" أجابت: "أحسّ بأنني أفتقده بعد أن تركته! أشعرأن هناك شيئاً مفقوداً هنا حيث كان يمسك بصدري."

    قلت في محاولة لتهدئتها: "أجل، لاشك بذلك، ولكنك ستتعودين على هذا الأمر."

    هزت كتفيها وتابعت البكاء، وفجأة جفت دموعها كما يجف ماء المطر عن أرض الشارع مع هبوب الريح.

    قفزت ثانية من مكانها وقد تملكها الغضب وأشارت إلى إحدى البنايات المطلة على الساحة وهي تقول: "سأذهب إلى هناك فوراً وسأطلب رؤية الملك لأخبره بكل شيء." صرخت فيها وأنا أقبض على ذراعها: "قفي، هل جننت؟ ألست تعرفين أنه لم يعد هنالك ملك بعد؟" قالت: "وماذا يهمني في ذلك؟سأكلم من أخذ مكانه!" واندفعت راكضة نحو بوابة القصر، ولا يعلم إلا الله وحده ماذا كانت ستفعل لو أنني لم أقل لها في لحظة يأس: "حسناً! اسمعي، لقد فكرت في الأمر ثانية. لنذهب إلى تلك السيارة ونستعيد الطفل، أعني سنربيه بأنفسنا. ما الفارق؟ طفل آخر ليس إلا!" كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القضية كلها حيث تغلبت تلك الفكرة على فكرة مخاطبة الملك.

    وقالت وهي تهرول باتجاه الشارع الصغير الذي كانت تقف فيه السيارة الرمادية: "هل تظن أنه ما زال هناك؟" أجبتها: "بالتأكيد! لم يكن ذلك إلامنذ خمس دقائق فقط."‏

    كانت السيارة ما تزال هناك بالفعل، غير أنه في اللحظة التي كانت تهم فيها زوجتي بفتح الباب برز من المدخل رجل قصير القامة في أواسط عمره تبدو عليه سيماء الأهمية فصاحبها: "توقفي.. توقفي.. ماذا تفعلين بسيارتي؟" أجابته زوجتي دون أن تلتفت وهي تنحني لتلتقط اللفة من فوق المقعد: "أريد ما هو لي!" ولكن الرجل قال بإصرار: "ولكن ماذا لديك هناك؟ إنها سيارتي، هل تفهمين؟ سيارتي!"‏

    ليتك رأيت زوجتي حينذاك، فقد شدت قامتها واتجهت نحوه وهي تصيح: "ومن أخذ منك أي شيء؟ لاتخف! ليس هناك من سيأخذ منك أي شيء، أما سيارتك فإنني أبصق عليها.. انظر!"‏

    وبصقت بالفعل على باب السيارة. قال الرجل بحيرة: "ولكن تلك اللفة؟" أجابته بانفعال: ليست لفة، بل هي طفلي.

    يمكنك أن تراه إن أردت!"‏

    كشفت عن وجه الطفل كي يراه ثم تابعت تقول: "لن تنجب أنت وزوجتك طفلاً في مثل جماله حتى ولو ولدتما من جديد! لا تقترب مني وإلا فإنني سأصرخ وأطلب الشرطة لأقول لهم بأنك كنت تحاول أن تسرق طفلي!" ثم أخذت تشتمه وتهدده حتى أن الرجل المسكين كاد يسقط مغشياً عليه وهو يقف فاغر الفم أحمر الوجه. وفي النهاية سارت بخطى متهادية حتى وصلت إلى جانبي عند زاوية الشارع.‏

    (تمت)

     

    *البرتو مورافيا - 1907-1990‏

    يمكن اعتبار ألبرتو مورافيا واحداً من أكثر كتاب القرن العشرين شهرة، ليس على مستوى بلده إيطاليا فحسب بل على مستوى العالم أيضاً.

    فلقد أنتج خلال حياته ما يزيد على ثلاثين كتاباً بين رواية ومجموعات للقصص القصيرة والمسرحية والمقالة وأدب الأطفال، إضافةإلى الشعر.‏

    أقعد المرض مورافيا منذ سن مبكرة مما حال دون تلقيه تعليماً رسمياً.

    غير أن ذلك لم يقطعه عن عالم الأدب والإبداع.

    في سن الثامنة عشرة صدرت له رواية كانت أولى أعماله الأدبية ولاقت على الفور نجاحاً كبيراً بحيث أصبح يعتبر أحد الشخصيات الأدبية القيادية في إيطاليا.

    وما أن أصبحت صحته تمكنه من التجوال حتى عمل مراسلاً صحفياً لصحيفتين إيطاليتين مرموقتين في الولايات المتحدة أولاً ثم في الصين.‏

    عندما عاد إلى إيطاليا عام 1936، وجد أن حكومة موسوليني الفاشستية قد منعت تداول أعماله ووضعتها على القائمة السوداء وما لبث جهاز الاستخبارات الفاشستي (الجستابو) أن بدأ بملاحقته بسبب كتاباته المناوئة للنظام الفاشستي بحيث كادت هذه السلطات تتهمه بمعاداة الدولة.

    ولهذا اضطر إلى التنقل من مكان إلى مكان في داخل إيطاليا.

    ولقد لجأ إلى جنوب إيطاليا حيث عاش لفترة من الزمن مع الفلاحين الفقراء والرعاة مما عمق من تعاطفه مع تلك الفئات ومن تركيزه في كتاباته على حياة البؤس التي تعيش في ظلها تلك الطبقات المعدمة.

    وعلى الرغم من منعه من الكتابة خلال تلك الفترة ظل يواصل الكتابة تحت اسم مستعار.‏

    اتسمت نظرة مورافيا الأدبية بسمات تراجيدية لأنه كان يشعر بأن الإنسان قد تحول إلى آلة. وهو يعلن بأن النظر إلى الإنسان على أنه وسيلة وليس غاية هو أساس الشر في العالم.‏

    قصص مورافيا القصيرة بشكل خاص أكسبته شهرة عالمية حيث تكشف عن انسلاخ الطبقة البورجوازية في إيطاليا وتخليها عن هويتها الوطنية حيث أنها لم تعد تهتم إلابمصالحها ومتعها الخاصة.‏

     

    Read more
  • الجنون

     

     

     

    الجنون تأليف: ألبرتو مورافيا ـــ ت.عدنان محمود محمد


    تستطيع المرأة أن تعرف خلال حياتها رجالاً كثيرين، لكنها لن تعرف إلا أباً واحداً وربما لهذا السبب اعتبرتُ الرجلَ الذي كنت أدعوه من كل قلبي رجلَ حياتي، في نهاية الأمر، أباً لي.

    نعم إنه أب جدير بهذا الاسم بدلاً من الأب غير الجدير والذي أدين له بوجودي في هذا العالم، وأفضّل أن أدعوه "بابا" وقد استطاع أن يجعلني أعيش حياتي كلها كطفولة مستمرة تفيض إحساساً بالأمان والسلام، هذا ماكان يُشكّل الأساس الحقيقي والصادق لزواجنا.

    لايهمني إن كان يكبرني بحوالي ثلاثين عاماً وأني مثقفة (أحمل إجازة في العلوم، وأجريت ذات مرة بحثاً في الجامعة، كمدّرسة) وهو رجل مال، أقل مني ثقافة وغائص في المال حتى رقبته.

    إن مايهمني هو أني أحسُّ بنفسي قادرة على أن أكون في المقدمة خلال وجودي كله معه.

    ذلك أنه، بالإضافة إلى الحب الجسدي الذي نعيشه والذي يدوم فإننا نعيش أيضاً الحبَّ الأبوي والحبَّ البنوي اللذين يدومان، بطبيعتهما، إلى الأبد.‏


    بعد عامين من العلاقة السرية (يجب أن أقول "المتخفية"، فقد كان مضطراً إلى التخفي عندما كان يريد أن يراني لأن له زوجةً وأولاداً) قررت ذات مرة أن أقوم بشراء بعض الحاجات في الحي الغريب الذي نسكنه. ولدى خروجي من أحد المخازن لاحظت على مقربة مني امرأة بالغة الأناقة، طويلة القامة، جميلة الخلق، سمراء من الجنس الهجين كما يبدو، كانت واقفة إلى جانب الرصيف كما لو أنها تنتظر أحداً ما أوشيئاً ما.

    بالكاد تنبهتُ لوجودها، حين ظهرت سيارة أعرفها كل المعرفة وكان رجل -بابا يقودها. توقفَتْ. فُتح الباب وصعدت المرأة وانطلقت السيارة من جديد. ألقت المرأة بذراعيها حول عنق رجل حياتي لتقبّله على شحمة أذنه ثم اختفيا من حياتي.‏


    هرعتُ إلى البيت وجلستُ في غرفتي. نظرت حولي وفجأة، أحسست بماذا أقول؟ نعم أحسست برغبة ضاغطة في أن أرمي كل مايوجد حولي وأن أرمي -لاتخافوا من الكلمة- العالم بأسره. هذا الأثاث وهذه الكتب جميعاً وهذه الطنافس وهذه السجاجيد.

    داهمتني رغبة في أن أتقيأها كلها، في أن أنظر إليها بالاشمئزاز نفسه وبالدهشة نفسها التي ننظر بها إلى كومة من المواد المتعددة الألواث التي تخرجها معدة مريضة. كان ذلك في إحدى الأمسيات الشتوية وبقيت غارقة في تأمل حياتي التي تقيأتها للتو حتى خيّم الظلام تماماً.‏ 

    تلمساً، ذهبت إلى غرفتي. تداعيت على سريري ورحت أفكر في الطريقة التي يجب أن أسلكها من الآن فصاعداً في معاملة عشيقي.

    واجهت حلولاً متعددة ولم يناسبني أي منها. بالتأكيد يجب أن أغادر حتى يغادرني هذا الشعور بالاشمئزاز ولكن أين أذهب؟‏
    قلت لنفسي بتفكير منطقي تماماً: "ليس المهم مغادرة مكان والاستقرار في مكان آخر، بل المهم مغادرة الأماكن كلها" مباشرة، وبلا تردد، أشعلت مصباح القراءة، سكبت قليلاً من الماء في كوب ثم ابتلعت كل مااحتواه أنبوب الحبوب المنوّمة: حبتين، حبتين... في أعماقي، لم تخامرني أبداً فكرة موتي بل فكرة موت إحساساتي وذكائي، لئلا أعود قادرة على التفكير في أي شيء ولا على رؤية أي شيء لاسيما صورة سيارة تبتعد، يقودها عشيقي -بابا وتلك المرأة، سارقة الحب، تكلمه بحنان في أذنه.

    سقطت في ثقب أسود، خرجت منه بعد اثنتي عشر ساعة إذا وجدت نفسي نائمة في إحدى غرف المستشفى هو الذي نقلني إليه، فعندما لم يرني في الموعد الذي حدده لي في ذاك اليوم اشتمَّ رائحة مصيبة حدثت.

    عندما صحوت، وجدت نفسي في مشفى لايعالج إلا الاضطرابات العقلية الخفيفة، ولم يكن مصحة عقلية. لم يظنُ "بابا" سابقاً أني أصبحت مجنونة لكنه أدخلني إلى هذا المشفى لأن الطبيب الذي يديره صديق له.‏


    هل عرف عشيقي أني حاولت الانتحار بسببه؟ هذا ما لم أعرفه أبداً. أما كونه ارتاب في شيءٍ ما فهذا أمر غير مستبعد لأني لمست، طيلة السنوات التي تلت الحادث، في موقفه إزائي ضيقاً وحافزاً للشعور بالذنب من محبين معاً.‏


    مكثت في المشفى مايقرب من أسبوع ورجوت طبيبي أن يُفهم بابا -عشيقي أني مازلت تحت تأثير الصدمة، صدمة محاولة للانتحار فاشلة وأني أُفضّل -الآن على الأقل- ألاّ أقابل أحداً. كانت الأيام السبعة التي أمضيتها وحيدةً مفيدةً لي.

    لقد توصلت أخيراً إلى معرفة الطريق التي يجب أن أسلكها مع الرجل الذي خانني، لن أقطع صلتي به ولن أواصلها، بل "سأعلقّها".‏


    لاأريد، بالطبع، أن أجعله يملّني، بل أريد منه أن يواصل اهتمامه بي ولو كان ذلك بلا طائل. قد يظن أحدكم أني تخيلت طريقة للانتقام ناعمة وقاسية.

    لا، لاشيء من هذا القبيل. في الواقع كنت أريد أن أستمر في رؤيته لأني مازلت أحبه وبما أن حبي قد أطيحَ به لذا لم أعد أريد أن أراه ثانية. إذاً بين هاتين الرغبتين المتناقضتين: المرض العقلي الذي يمكن أن يشفى منه والذي يمكنه أيضاً ألا يشفى منه والذي، إذا لم يُشْفَ منه المرء، فإنه يقطع كل علاقة له مع الآخرين.‏


    إن مرضي العقلي هذا يؤدي بشكل رائع المهمة التي حددتُها له: يجب عليه أن "يعلّق" علاقتنا.‏


    ولسبب آخر كانت إقامتي في هذا المشفى بالغة الفائدة.

    فبعد أن راقبت المرضى الذين يعالجهم توصلت إلى تحديد الصفات الخاصة بالمرض المتخيَّل الذي قررت بدءاً من هذه اللحظة أن أكون مصابة به بصورة دائمة. لقد اخترت شكلاً خفيفاً من أشكاله لكنه عنيد.

    وربما لايمكن الشفاء منه -إنه مرض الكآبة الانحطاطي الذي يكون مصحوباً في أطواره الأولى بهلوسات عديدة ومتنوعة.

    عليَّ إذاً أن أكون حزينة وواهنة وكارهة للبشر.

    وعليَّ في الوقت نفسه أن أسمع وأرى أشياء غير موجودة ولايمكن أن يكون لها وجود.‏


    بعد عدة أيام من عودتي إلى البيت اتصلت ببابا سابقاً وشرحت له ما أحسُّ به.

    قلت له إني أكلمه وأنا قابعة في الظلام الدامس، وحيدة، وحيدة تماماً.

    وفي الوقت نفسه أحسُّ بأن رجلاً يسكن معي في البيت وأني أسمعه يمشي في الغرفة المجاورة ويفتح الأبواب ويغلقها ويدندن بصوت خافت.

    أبدى بابا سابقاً الكثير من الاستغراب ثم سألني: ألستِ تخافين من هذه الأصوات الغريبة؟ لا، لا، إني لا أخاف. إني أسمعها وهذا كل مافي الأمر.

    ألا تودّين أن آتي لرؤيتك حالاً؟ لا، لا، فوجوده يوقف هلوساتي، لا.

    لم أكن أطيق رؤيته، لم أكن أطيق رؤية أحد. ولكن متى نلتقي؟ قريباً، قريباً جداً. عندما أُشفى، بعد شهر مثلاً. لقد أقنعه صوتي الصادق المشوب ببحة حزن حقيقي. وبعد أن جعلني أقسم بأني أحبه، وهذا قسم صحيح لأني حقاً مازلت أحبه، غادرني بعد أن تواعدنا على الالتقاء على الهاتف مرة في الأسبوع على الأقل.‏


    عندما أقسمت له أني أحبه لم أجانب الحقيقة.

    أما فيما يخص هلوساتي فقد كذبت.

    وعن وجود رجل في بيتي فقد كان صحيحاً كل الصحة، فقد كنت شابة جميلة ولم أشكُ من قلة العاشقين.

    ولدى خروجي من المشفى ذهبت مباشرة لتصيُّد أقلهم قبحاً. كان طالباً يدعى مانليو، وبعد وقت قصير مارسنا الحب.

    لم أكن أحب هذا المانليو، بل كنت أحب مموِّلي، لم أكن أريد الانتقام، لم أكن أريد شيئاً محدداً.

    فقط تابعتْ الحياة مسيرتها مع زيادة هذا الخيال الذي بسببه كنت أنفي لعشيقي سابقاً أنها تتابع مسيرتها. على العموم، كان مرضي العقلي ينتصب بيننا كلوح من الزجاج الذي يسمح لنا أن نرى الآخرين ولايسمح لهم برؤيتنا.

    أنا أرى مموِّلي وحبه لي بينما هو لايراني ولا يرى مانليو الواقف خلفي منتظراً بفارغ الصبر انتهاء المكالمة.‏


    وهكذا بدأت بالنسبة لي حياة مزدوجة أو بالأحرى حياة منقسمة إلى قسمين، القسم الأول حقيقي لكنه منفي كما هو والقسم الآخر غير واقعي لكنه مُعلَن ثبات على أنه الوحيد الواقعي. كنت أعيش حياتي اليومية ككل الناس، وبشكل اعتيادي.

    ومع ذلك كنت أقول لبابا سابقاً إن حياتي "معلّقة" بسبب اضطراباتي النفسية ولن أستأنف وجودي إلا في اليوم الذي سنلتقي فيه.‏


    هنا قد يقول قائل إنه من السهل على هذا الرجل (بابا) أن يتأكد من صدق أقوالي وأن يكتشف أني لم أكن مريضة وأن لدي عشيقاً.. إلخ. جوابي هو أننا ننتمي إلى وسطين مختلفين وأنت في مدننا الحديثة قد تمر سنوات دون أن يلتقي شخصان يعرفان بعضهما البعض.‏


    وقد يقول آخر مامن رجل يتابع اتصالاته خلال عدة قرون مع امرأة ترفض أن تراه.

    وهنا أيضاً لدي إجابة هي أن ممولي الذي يحسُّ بذنبه كان يريد أن أسامحه بأي ثمن.‏هاقد مرت خمس سنوات على إقامتي القصيرة في المشفى.

    حدثت خلالها أمور كثيرة. ماهي هذه الأمور؟ هي ذي باختصار شديد: لقد بدَّلتُ مانليو بأليساندرو وهذا برانيرو وهذا بليفْيو.

    قمت بعدة رحلات إلى الخارج، وفي كل مرة كنت أسافر مع رجل مختلف: سافرت إلى البرازيل، إلى الهند، إلى المغرب، إلى جنوب أفريقيا. بعد سفري إلى هذه البلد صرت حاملاً من ليفيو ورزقت بطفل. وخلال ثلاث سنوات رافقت ليفيو في تنقلاته كلها وأصبحت مبعوثة خاصة لإحدى الصحف اليومية.

    ثم قطعت علاقتي مع ليفيو وأنجبت طفلاً آخر من الرجل الذي أعيش معه الآن ويدعى فيدريكو.

    غيّرت شقتي ثلاث مرات ومهنتي مرتين، وأجريت بحوثاً علمية وأصبحت سكرتيرة تحرير في مجلة متخصصة في هندسة المدن.. تابع بابا وعشيقي سابقاً اتصالاته الهاتفية معي بشكل منتظم.‏ 

    كنت أرفض أن أراه رفضاً قاطعاً وأُبدي مظاهر مرضي كلها بصوت لا أفتعله إلا عند كلامي معه. صوت ناعم، واضح، حزين، أقول له إني أُحسُّ أني في حالة سيئة وإني لاألتقي أحداً وإني مازلت وحيدة وإني أرى سرابات غريبة وهلوسات، أحياناً أكون متأكدة من أن لي ولدين وأحياناً ثلاثة عشاق وكلهم يحبونني بجنون، وطوراً أكون متأكدة من أني عدت للتو من رحلة إلى بلد استوائي أو أني غيَّرتُ شقتي.‏


    كنت أقول الحقيقة لكني كنت أصورها كالوهم، كأحلام أحلمها وأنا مفتوحة العينين. كانت لهجتي دائماً صادقة رغم أنها مشوبة ببعض الحزن.

    كنت أردد على مسامعه أني أحبه ولم أحب سواه وأننا سنلتقي ذات يوم قريب.

    كان الأمر غريباً لكنه كان يميل إلى تصديق مثل هذه الوعود.‏


    والآن يجب أن أعترف أن هذه المكالمات الهاتفية الشهرية مع الرجل الوحيد الذي أحببته تضع الوجود الذي أعيشه يومياً على طريق خياليٍ غريب ومليءٍ بالهلوسات. ولكنَّ هذا التوهم للمرضى العقلي (ولكن هل هذا توهم؟ أليس مرضاً أن يتوهم الإنسان المرض؟) أعطى للناس وللأحداث في حياتي نوعاً شبحياً من الأشياء التي لاتنجح في إقناعي كلياً بوجودها الفعلي حتى عندما تتكرر وتتطور. هذا صحيح تماماً، إذ إني، أحياناً، في الوقت الذي أكلِّم فيه عشيقي العجوز أرتب جلستي بحيث يستطيع الرجل الذي أعيش معه أن يجلس بجانبي ويعانقني كما لو أني كنت أريد أن أتأكد من وجوده ومن أنه هو حقاً وليس كائناً من نسج خيالي.‏


    كانت مكالمتنا الأخيرة نموذجية حقاً. فأنا لم أستطع مقاومة متعة تسجيله كما هو: "كيف حالك؟" "بينَ بين!" "أمازال سيئاً؟" "قل أكثر سوءاً" "هل تريدين أن أقول لك مايلزمك حتى تتعافين؟ أنت في حاجة إلى زوج وعدة أولاد وأسرة لسوء حظي أني لا أستطيع أن أمنحك هذه الأمور لكني سأكون سعيداً إن حصلتِ عليها."

    "أنت على حق، أنا في حاجة إلى أسرة.

    هذا صحيح لدرجة أني أحس بنفسي في حالة في منتهى السوء. وهلوساتي تصوِّر، كيف أقول لك؟ دوراً أسرياً، زوجياً.

    أسمع أصوات أطفال يجرون ويضحكون في الغرفة المجاورة.

    أستيقظ ليلاً وأتخيل رجلاً ينام بجانبي. ولكن هل تعلم أني أسمع حقاً أصوات أطفال وأني ألمس ظهر رجل نائم؟" "أتتألمين كثيراً؟" "أوه، نعم، وأحياناً يبدو لي أني أصبحت مجنونة تماماً، أقصد أنَّ حالتي تزداد سوءاً وأني أغوص في حالة من الجنون لا شفاء منها" "أي نوع من الجنون؟" "هذا سهل فهمه، أليس كذلك؟ إنه جنون يجعلكِ تعتقدين أنك طبيعية وتشبهين الناس جمعياً" "عزيزتي المسكينة، نعم، إني أفهمك.

    ولكن ألا تودين، ألا تودين حقاً أن آتي لرؤيتك؟ أنا واقعي كما تعرفين، واقعي جداً، وواقعيتي ستطرد خيالاتك" "لا، لا، هذا مستحيل، لن أستطيع استقبالك، أحس بألم، ألم شديد" بهذه الكلمات تودعنا.

    ثم لبست ثيابي على عجل فقد كان زوجي غير الواقعي في انتظاري ليصحبني للعشاء عند أصدقاء غير واقعيين.

    آه، نعم. يلزم القليل لتحويل الواقع إلى حلم ولكن يلزم الكثير لتحويل الحلم إلى واقع.‏

     

     

     

     

    Read more
  • الـــوردة

     

     

     

     

    الرضيع ـــ ألبرتو مورافيا ـ ت.حصة منيف


    " عن الإنجليزية "‏


    حين أتت السيدة المحسنة التي تنتمي لجمعية رعاية الأطفال لزيارتنا سألتنا، كما يفعل الجميع، لماذا ننجب كل هذا العدد من الأطفال، فانبرت زوجتي التي كانت تشعر بانقباض في ذلك اليوم لتعلن صراحة ودونما مواربة: "لو كانت لدينا الإمكانيات لذهبنا إلى السينما في المساء. وبما أننا لا نملك النقود فإننا نأوي إلى الفراش، وهكذا يولد الأطفال". بدا الانزعاج على السيدة عندما سمعت هذه الملاحظة ومضت دون أن تضيف كلمة واحدة.

    أما أنا فقد عنّفت زوجتي قائلاً بأنه لا يصح الإعلان عن الحقيقة دائماً، وعلى المرء كذلك أن يعرف مع من يتعامل قبل أن يعلن الحقيقة.‏


    في سن الشباب قبل أن أتزوج كنت أتسلى في كثير من الأحيان بقراءة الأخبار المحلية في الجريدة حيث يصفون كل المصائب التي يمكن أن تحدث للناس مثل حوادث السرقة، والقتل، والانتحار، وحوادث الطرق.

    من بين كل تلك المصائب واحدة لم أكن أتصور على الإطلاق أن أواجهها وهي أن أصبح "حالة تثير الشفقة"، أي حين يثير شخص ما مشاعر العطف بسبب حظه العاثر دون أن يعزى ذلك لمصيبة محددة أصابته، أي أن حالته تعود لمجرد كونه على قيد الحياة، ليس إلا.

    كنت شاباً حينذاك كما ذكرت، ولم أكن أعرف معنى إعالة أسرة كبيرة.

    غير أنني أرى الآن أنني تحولت تدريجياً إلى ما يعني بالضبط تعبير "حالة تثير الشفقة" وهذا ما يثير دهشتي. كنت أقرأ مثلاً: "إنهم يعيشون في حالة فقر مدقع". حسناً، ها نحن نعيش في حالة فقر مدقع. أو يقولون: "وهم يعيشون في بيت ليس له من مقومات البيت غير الاسم".

    وها أنا الآن أعيش في "تورمارانشيو"، مع زوجتي وأطفالي الستة في غرفة خالية إلا من مراتب كثيرة مفروشة على الأرض.

    وحين تمطر السماء يتدفق الماء فوق رؤوسنا كما يتدفق على المقاعد الموجودة في شارع "ربيتا".

    أو قد أقرأ: "وما أن اكتشفت المرأة المسكينة أنها حامل حتى قررت أن تتخلص من ثمرة عاطفتها تلك".

    حسناً، لقد اتخذت وزوجتي هذا القرار بناءً على اتفاق مشترك حين اكتشفنا أنها حامل للمرة السابعة.

    قررنا في الواقع أن نترك الطفل في إحدى الكنائس بعد أن يعتدل الطقس ويصبح أكثر دفئاً، أي أن نتركه لرعاية وإحسان أول من يصادفه العثور عليه.‏


    بالمساعي الحميدة لمثل أولئك السيدات المحسنات دخلت زوجتي المستشفى لتضع مولودها.

    وما أن تحسنت حالتها حتى عادت مع المولود إلى "تورمارانشيو".

    قالت حين دخلت الغرفة: "أتدري؟ على الرغم من أن المستشفى يظل مستشفى إلا أنني كنت أود أن أبقى هناك بمحض إرادتي بدلاً من العودة إلى هنا". وما أن تفوهت بهذه الكلمات حتى أطلق الوليد صرخة لا تصدق، وكأنما فهم معنى كلماتها.

    كان طفلاً لذيذاً يانعاً له صوت قوي بحيث أخذ يمنع النوم عنّا جميعاً حين يستيقظ ليلاً ويبدأ في البكاء.‏


    عندما حلّ شهر أيار وغدا الهواء دافئاً بحيث يسمح بالخروج دون ارتداء معطف انطلقنا أنا وزوجتي من "تورمارانشيو" إلى روما.

    كانت زوجتي تحتضن الطفل وتضمه إلى صدرها وقد لفته بكمية كبيرة من الخرق وكأنما ستتركه في حقل من الجليد دون أن يصيبه أذى.

    ما أن بلغنا المدينة، وكأنها تريد أن تخفي حقيقة أنها تمقت ما هي مقدمة عليه، فقد أخذت تتحدث دونما انقطاع وهي مبهورة الأنفاس وعلائم الإجهاد تبدو عليها وقد تناثر شعرها في كل اتجاه وبرزت عيناها من مآقيهما.

    تتحدث حيناً عن الكنائس المختلفة التي يمكن لنا أن نترك الطفل فيها، مؤكدة بأن من الواجب أن تكون كنيسة يرتادها الأغنياء.

    فمن الأفضل أن يتربى الطفل بيننا إن كان من سيلتقطونه فقراء مثلنا.

    وما تلبث بعد قليل أن تتحول لتقول بأنها تصرّ على أن تكون الكنيسة منذورة للسيدة العذراء لأنه كان لها ابن أيضاً وبذا يمكنها أن تتفهم أموراً معينة، وبذا ستمنحه ما يستحق من عطف. هذه الطريقة في الكلام أرهقتني وهيجت أعصابي- خصوصاً وأنني كنت أشعر بالإذلال أيضاً وأمقت ما أنا مقدم عليه. غير أنني كنت أحاول إقناع نفسي بأن علي أن أتمالك مشاعري وأبدو هادئاً لكي أساعدها على التماسك. تفوهت ببعض الاعتراضات مستهدفاً قطع هدير كلامها ثم قلت لها: "عندي فكرة... لم لا نتركه في كنيسة القديس بطرس؟" ترددت للحظة ثم أجابت: "لا، فهي كبيرة جداً وقد لا يرونه هناك... أفضّل تلك الكنيسة الصغيرة في شارع "كوندوقي" حيث توجد كل تلك المحلات الجميلة التي يرتادها الكثيرون من الأغنياء- إنها المكان المناسب!"‏


    ركبنا الحافلة حيث جلست صامتة بين الآخرين، وكانت تعيد ترتيب الحرام الصوفي وتحكمه حول الطفل بين حين وآخر، أو تكشف عن وجهه بحرص وتتأمل وجهه. كان الطفل نائماً ووجهه محمرّ ومتورد في وسط كل تلك اللفائف.

    ثيابه رثة شأن ثيابنا، والشيء الجميل الوحيد الذي يرتديه هما القفازان المصنوعان من الصوف الأزرق، وكان في الحقيقة يفرد يديه على اتساعهما وكأنما يتباهى بقفازيه. نزلنا في "لارجو جولدوني" وعادت زوجتي تثرثر من جديد، ثم توقفت أمام واجهة أحد بائعي المجوهرات وقالت لي وهي تشير إلى المجوهرات المعروضة على رفوف مغطاة بالمخمل الأحمر: "هل ترى ما أجملها! الناس يأتون إلى هذا الشارع ليشتروا المجوهرات والأشياء الجميلة الأخرى.

    أما الفقراء فليس لهم شأن بهذا المكان.

    وفيما هم ينتقلون من محل إلى آخر يدخلون الكنيسة ليصلّوا للحظة من الزمن، وبعد ذلك، وبينما هم في مزاج رائق يجدون الطفل ويأخذونه..." قالت كل ذلك وهي تقف وتحدق بالمجوهرات وتشد الطفل إلى صدرها وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وهي تتكلم وكأنما تحادث نفسها.

    أما أنا فلم أكن أجرؤ على مجادلتها. توجهنا إلى الكنيسة، كانت صغيرة وقد دهنت بكاملها بحيث بدت وكأنها من المرمر الأصفر؟ وبها عدد من المحاريب ومنبر كبير.

    قالت زوجتي بأنها تتذكرها على نحو آخر، وأما وهي كما تراها الآن فإنها لا تحبها على الإطلاق.

    ومع ذلك فقد غمرت أصابعها في الماء المقدس، وصلّت ثم تابعت سيرها بخطى بطيئة حول المكان وهي تتفحصه بعينين مرتابتين وبعدم ارتياع وتضم الطفل إلى صدرها.‏


    كان هنالك نور بارد ساطع ينبعث من قنديل يتدلى من قبة الكنيسة، وأخذت زوجتي تطوف من محراب إلى آخر وهي تتفحص كل شيء: المقاعد، والمحاريب والصور لتحكم فيما إن كانت مكاناً مناسباً تودع فيه الطفل.. أما أنا فقد كنت أتبعها وأسير على مسافة منها وأراقب الباب بحذر طوال الوقت.‏


    دخلت فجأة فتاة شابة ممشوقة القوام ترتدي ثوباً أحمر، يزين رأسها شعر أشقر ينسدل كالذهب، ركعت الفتاة والتصقت حينذاك تنورتها بجسمها، وصلّت لفترة دقيقة واحدة فحسب ثم خرجت ثانية دون أن تنظر إلينا. أما زوجتي التي كانت تراقبها فقد قالت فجأة: "ليس هذا بالمكان المناسب، فالناس الذين يرتادونه هم، شأن هذه الفتاة، على عجلة من أمرهم كي يمضوا ليتسلوا ويتفرجوا على المحلات.. لنذهب! ثم خرجت على الفور.‏


    عدنا أدراجنا إلى الشارع وسرنا مسافة ما عائدين بخطى مسرعة على طول شارع "كورسو"، زوجتي تتقدمني وأنا أسير وراءها.

    ما لبثنا أن دخلنا كنيسة أخرى قرب "بيازيا فينيسيا".

    كانت هذه أكثر اتساعاً وبدت شبه مظلمة، تمتلئ بالصور واللوحات المذهبة والخزائن الزجاجية المزدحمة بقلوب فضية تتلامع في وسط النور المائل للعتمة. كان هنالك عدد كبير نسبياً من الناس داخل الكنيسة، وبنظرة عابرة تبين لي أنهم ممن يعيشون عيشة رخية، فالنساء جميعاً يرتدين القبعات في حين يرتدي الرجال ملابس مرتبة.

    كان هنالك واعظ يلوح بذراعيه يمنة ويسرة وهو يلقي موعظة من فوق المنبر والجميع يوجهون أنظارهم إليه.

    بدا لي الوضع حسناً إذ أن أحداً لن يلحظنا ضمن ذلك الجو.

    همست لزوجتي: "هل نحاول أن نتركه هنا؟" طأطأت رأسها موافقة فاتجهنا إلى إحدى الزوايا الجانبية التي يعمّها الظلام بحيث يصعب عليك أن ترى ما حولك.

    لم يكن هناك أحد، ولذا غطّت زوجتي وجه الطفل بزاوية الحرام الذي تلفه به ثم وضعته على أحد المقاعد، كما لو كانت تتخلص من لفة تعوق حرية حركة يديها، ثم ركعت وصلت لفترة طويلة وهي تضع كفيها على وجهها.

    أما أنا، ولأنني لم أجد ما أفعله فقد أخذت أتفحص مئات القلوب الفضية مختلفة الأحجام والتي تغطي جدران المصلى.

    وقفت في النهاية وقد علت وجهها إمارات الإصرار وسارت مبتعدة ببطء، وسرت وراءها على مسافة قليلة منها.

    وفي تلك اللحظة صرخ الواعظ قائلاً: "وقال المسيح: إلى أين تمضي يا بطرس؟" أجفلت عند ذلك وكأنما كان يوجه السؤال إليّ، وبينما كانت زوجتي تهم برفع ستارة الباب كي تخرج أفزعنا صوت انطلق من ورائنا يقول: "سيدتي! لقد تركت لفة على المقعد هناك."‏


    كانت تلك امرأة ترتدي السواد، من ذلك النمط من النساء المتدينات اللاتي يقضين نهارهن متنقلات بين الكنيسة وغرفة المقدسات.

    أجابتها زوجتي: "أجل، يا إلهي، شكراً لك فقد نسيتها". ولذا حملت اللفة ثانية وخرجنا ونحن نشعر بأننا أقرب إلى الموت منا إلى الحياة.‏


    قالت زوجتي بعد أن خرجنا: "يبدو أن أحداً لا يريد صغيري هذا." قالت تلك الجملة وكأنها شخص حمل بضاعة إلى السوق متوقعاً أن يبيعها بسرعة ولكنه يفاجأ عندما لا يجد من يرغب بها، أخذت تسرع الخطى من جديد وتنهب الأرض بقدميها وهي تلهث بحيث بدت أقدامها وكأنها لا تكاد تمس الأرض.

    وصلنا إلى كنيسة "بيازا سانتي أبوستولي"، وكانت هذه مفتوحة. وما أن دخلت زوجتي ورأتها واسعة فسيحة ظليلة حتى همسة قائلة: "هذا ما نريده".

    مشت تغمرها علائم التصميم واتجهت إلى إحدى الزوايا الجانبية، ووضعت الطفل على مقعد وأسرعت عائدة باتجاه المدخل دون أن تتمتم حتى بصلاة قصيرة أو تقبل جبين الطفل، وكأنما الأرض تلتهب تحت أقدامها. ولكنها، وما أن قطعت عدة خطوات حتى اهتزت الكنيسة بصوت بكاء يائس، فقد حان وقت رضاعة الطفل فيما يبدو، وحيث أنه دقيق غاية الدقة في مواعيده فقد أخذ يبكي من شدة الجوع.

    بدا على زوجتي وكأنها فقدت رشدها حينذاك إذ هرولت أولاً باتجاه الباب، ثم التفتت وهي ما تزال تهرول وجلست على أحد المقاعد دون تفكير وفتحت أزرار قميصها لتعطيه ثديها، وما أن أخرجته حتى التهمه الطفل وكأنه ذئب مفترس وأخذ يرضع بشراهة ويقبض على الثدي بكلتي يديه وقد توقف عن البكاء.

    ولكننا ما لبثنا أن سمعنا صوتاً يصيح بها: "لا يمكنك أن تفعلي ذلك في هذا المكان.

    اذهبي من هنا، اخرجي إلى الشارع!" كان هذا صوت قيّم غرفة المقدسات، وهو رجل عجوز ضئيل الجسم ذو لحية بيضاء، ضئيلة تمتد تحت ذقنه وصوت أكبر من جسمه. نهضت زوجتي وهي تغطي صدرها ورأس الطفل ما استطاعت ثم قالت: "ولكن العذراء تحمل طفلها بين يديها كما نراها في الصور كما تعلم."

    أجاب بحدة: "هل تشبّهين نفسك بالعذراء أيتها المرأة الدعية؟"‏
    حسناً، غادرنا تلك الكنيسة أيضاً ومضينا لنجلس في حديقة "بيازيا فينيسيا" حيث أعطت زوجتي ثديها للطفل ثانية إلى أن ارتوى وعاد إلى النوم من جديد.‏


    كان المساء قد حل والكنائس تغلق أبوابها وقد حل بنا التعب والارتباك، ولم تعد في جعبتنا أية أفكار قابلة للتنفيذ. شعرت باليأس وأنا أفكر بكل ما حل بنا ونحن نقدم على أمر لا يجدر بنا أن نفعله، ولذا قلت لزوجتي: "اسمعي، لقد تأخرنا ولست أستطيع الاستمرار على هذا الحال.. علينا أن نقرر."

    أجابت ببعض المرارة: "ولكنه لحمك ودمك! هل تريد أن تتركه كيفما اتفق، في أي زاوية كما قد يترك الناس لفة من الأحشاء لكي تأكلها القطط؟" قلت: "لا، لم أقل ذلك، غير أن هنالك أموراً على المرء أن يفعلها على الفور ودون تفكير، وإلا فإنه لن يقدم عليها على الإطلاق."

    أجابت: "حقيقة الأمر هي أنك تخشى أن أغير رأيي وأعيده إلى البيت ثانية.

    أجل، أنتم الرجال جميعكم جبناء! أدركت بأن علي ألا أجادلها في تلك اللحظة، ولذا قلت لها بلهجة تتسم بالاعتدال: "لا تغضبي! إنني أدرك مشاعرك، ولكن تذكري بأنه مهما حل به فسيكون أفضل له من أن يشب في "تورمارانشيو" في غرفة دون مرحاض أو مطبخ، غرفة تمتلئ بالحشرات شتاء وبالذباب صيفاً. صمتت ولم تجب.‏


    بدأنا نسير ثانية دون أن ندري إلى أي اتجاه نحن ماضيان. شاهدت شارعاً ضيقاً صغيراً دوننا، كان مهجوراً تماماً وينحدر من الشارع الذي كنا نسير فيه، ورأيت سيارة رمادية مغلقة تقف عند أحد المداخل. طرأت لي فكرة فتوجهت إلى السيارة وعالجت بابها فانفتح.

    قلت لزوجتي: "أسرعي! هذه هي فرصتنا... ضعيه في المقعد الخلفي." فعلت ما قلت ووضعت الطفل في المقعد الخلفي وأغلقت الباب. فعلنا ذلك في لمح البصر ودون أن يرانا أحد، ثم تأبطت ذراعها وأسرعنا في طريقنا إلى "بيازا ديل كورينالي".‏


    كانت الساحة خالية وشبه مظلمة إذ لم تكن فيها إلا بضعة مصابيح مضيئة في أسفل البنايات، أما المصابيح الأخرى فكانت مطفأة.

    روما كانت تلتمع تحتنا أسفل السياج. توجهت زوجتي إلى النافورة تحت المسلة وجلست على أحد المقاعد وبدأت تبكي على الفور وهي تدير ظهرها لي.

    قلت لها: "ماذا بك الآن؟" أجابت: "أحسّ بأنني أفتقده بعد أن تركته! أشعر أن هناك شيئاً مفقوداً هنا حيث كان يمسك بصدري."

    قلت في محاولة لتهدئتها: "أجل، لا شك بذلك، ولكنك ستتعودين على هذا الأمر."

    هزت كتفيها وتابعت البكاء، وفجأة جفت دموعها كما يجف ماء المطر عن أرض الشارع مع هبوب الريح.

    قفزت ثانية من مكانها وقد تملكها الغضب وأشارت إلى إحدى البنايات المطلة على الساحة وهي تقول: "سأذهب إلى هناك فوراً وسأطلب رؤية الملك لأخبره بكل شيء."

    صرخت فيها وأنا أقبض على ذراعها: "قفي، هل جننت؟ ألست تعرفين أنه لم يعد هنالك ملك بعد؟" قالت: "وماذا يهمني في ذلك؟ سأكلم من أخذ مكانه!" واندفعت راكضة نحو بوابة القصر، ولا يعلم إلا الله وحده ماذا كانت ستفعل لو أنني لم أقل لها في لحظة يأس: "حسناً! اسمعي، لقد فكرت في الأمر ثانية.

    لنذهب إلى تلك السيارة ونستعيد الطفل، أعني سنربيه بأنفسنا.

    ما الفارق؟ طفل آخر ليس إلا!" كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القضية كلها حيث تغلبت تلك الفكرة على فكرة مخاطبة الملك.

    وقالت وهي تهرول باتجاه الشارع الصغير الذي كانت تقف فيه السيارة الرمادية: "هل تظن أنه ما زال هناك؟" أجبتها: "بالتأكيد! لم يكن ذلك إلا منذ خمس دقائق فقط."‏


    كانت السيارة ما تزال هناك بالفعل، غير أنه في اللحظة التي كانت تهم فيها زوجتي بفتح الباب برز من المدخل رجل قصير القامة في أواسط عمره تبدو عليه سيماء الأهمية فصاح بها: "توقفي.. توقفي.. ماذا تفعلين بسيارتي؟" أجابته زوجتي دون أن تلتفت وهي تنحني لتلتقط اللفة من فوق المقعد: "أريد ما هو لي!" ولكن الرجل قال بإصرار: "ولكن ماذا لديك هناك؟ إنها سيارتي، هل تفهمين؟ سيارتي!"‏


    ليتك رأيت زوجتي حينذاك، فقد شدت قامتها واتجهت نحوه وهي تصيح: "ومن أخذ منك أي شيء؟ لا تخف! ليس هناك من سيأخذ منك أي شيء، أما سيارتك فإنني أبصق عليها.. انظر!"‏
    وبصقت بالفعل على باب السيارة. قال الرجل بحيرة: "ولكن تلك اللفة؟" أجابته بانفعال: ليست لفة، بل هي طفلي.

    يمكنك أن تراه إن أردت!"‏
    كشفت عن وجه الطفل كي يراه ثم تابعت تقول: "لن تنجب أنت وزوجتك طفلاً في مثل جماله حتى ولو ولدتما من جديد! لا تقترب مني وإلا فإنني سأصرخ وأطلب الشرطة لأقول لهم بأنك كنت تحاول أن تسرق طفلي!" ثم أخذت تشتمه وتهدده حتى أن الرجل المسكين كاد يسقط مغشياً عليه وهو يقف فاغر الفم أحمر الوجه.

    وفي النهاية سارت بخطى متهادية حتى وصلت إلى جانبي عند زاوية الشارع.‏
    *البرتو مورافيا - 1907-1990‏
    يمكن اعتبار ألبرتو مورافيا واحداً من أكثر كتاب القرن العشرين شهرة، ليس على مستوى بلده إيطاليا فحسب بل على مستوى العالم أيضاً. فلقد أنتج خلال حياته ما يزيد على ثلاثين كتاباً بين رواية ومجموعات للقصص القصيرة والمسرحية والمقالة وأدب الأطفال، إضافة إلى الشعر.‏
    أقعد المرض مورافيا منذ سن مبكرة مما حال دون تلقيه تعليماً رسمياً.

    غير أن ذلك لم يقطعه عن عالم الأدب والإبداع. في سن الثامنة عشرة صدرت له رواية كانت أولى أعماله الأدبية ولاقت على الفور نجاحاً كبيراً بحيث أصبح يعتبر أحد الشخصيات الأدبية القيادية في إيطاليا.

    وما أن أصبحت صحته تمكنه من التجوال حتى عمل مراسلاً صحفياً لصحيفتين إيطاليتين مرموقتين في الولايات المتحدة أولاً ثم في الصين.‏


    عندما عاد إلى إيطاليا عام 1936، وجد أن حكومة موسوليني الفاشستية قد منعت تداول أعماله ووضعتها على القائمة السوداء وما لبث جهاز الاستخبارات الفاشستي (الجستابو) أن بدأ بملاحقته بسبب كتاباته المناوئة للنظام الفاشستي بحيث كادت هذه السلطات تتهمه بمعاداة الدولة.

    ولهذا اضطر إلى التنقل من مكان إلى مكان في داخل إيطاليا. ولقد لجأ إلى جنوب إيطاليا حيث عاش لفترة من الزمن مع الفلاحين الفقراء والرعاة مما عمق من تعاطفه مع تلك الفئات ومن تركيزه في كتاباته على حياة البؤس التي تعيش في ظلها تلك الطبقات المعدمة.

    وعلى الرغم من منعه من الكتابة خلال تلك الفترة ظل يواصل الكتابة تحت اسم مستعار.‏


    اتسمت نظرة مورافيا الأدبية بسمات تراجيدية لأنه كان يشعر بأن الإنسان قد تحول إلى آلة.

    وهو يعلن بأن النظر إلى الإنسان على أنه وسيلة وليس غاية هو أساس الشر في العالم.‏


    قصص مورافيا القصيرة بشكل خاص أكسبته شهرة عالمية حيث تكشف عن انسلاخ الطبقة البورجوازية في إيطاليا وتخليها عن هويتها الوطنية حيث أنها لم تعد تهتم إلا بمصالحها ومتعها الخاصة.‏

     

     

     

     

    Read more
  • اللوحـة

     

     

     

    اللوحـة ـــ بقلم البيرتو مورافيا ترجمة: وفاء شوكت


    البيرتو مورافيا‏


    ولد ألبيرتو مورافيا في روما عام 1907، وتوفي فيها عام 1990 ألَّف كتابه الأول وهو في الثانية والعشرين من عمره: "غير المبالين" الكتاب الذي ضمن له الشهرة الفورية. وظهر كتابه "المرأة- الفهد"، وهي رواية طبعت بعد وفاته، عام 1991. ومن أعماله: "الاحتقار"، "السأم"، "رحلة إلى روما"، وأخيراً: "نزهات إفريقية". وظهر كتابه "جدل الأخابيط" في إيطاليا عام 1956، وهو مجموعة نصوصٍ متهوِّرة، يبدو فيها مورافيا غير متوقَّع، ينهل من الميثولوجيا والأساطير الوثنية.‏


    ***‏
    استشار أحد تجَّار الكحول، يدعى مارتيناتي، وقد وجد نفسه يملك سيولةً نقدية وفيرة، كما يقال، أحد أبناء إخوته، كان يختلط بالأوساط الفنيَّة، وقرَّر استثمار جزء من مدَّخراته في شراء اللوحات.

    ترك مارتيناتي، الذي لم يكن خبيراً في هذا المجال، الأمر لابن أخيه، الذي قام سريعاً بجمع مجموعةٍ صغيرة من الأعمال الفنيَّة، لأفضل رسَّامينا المعاصرين.‏


    لم يكن مارتيناتي، فيما سبق، لينفق قرشاً واحداً على هذه اللوحات، التي كان ابن أخيه يجعله يشتريها بأثمانٍ باهظة.

    وكان يتشبَّث بتصورين اثنين: الجمال الطبيعي والتقليد الحقيقي؛ ولو تُرك لـه المجال ليعبِّر عن رغبته، لاشترى هذه المناظر الموحية، والشخصيات التافهة، والفلاَّحات الصغيرات، والرعاة، وأطفال الشوارع، والنباتات التي تؤكل التي تملأ محلات تجَّار الفن المذهبَّة، والتي تعتبر من أدنى اللوحات مستوى وأكثرها رواجاً من الناحية التجارية.‏


    ومع ذلك، لم يكن مارتيناتي، وهو رجل جاهل، يملك الشجاعة الكافية لمعارضة ابن أخيه صراحةً، وكان يستمر، وهو يتنهَّد، بحشو منزله بهذه اللوحات التي يجدها، بالأحرى، ملطّخة بالألوان برعونةٍ، أكثر منها مرسومة.‏


    وكانت تقوم بينه وبين ابن أخيه حرب خفيَّة. فكان مارتيناتي، وهو يواصل تمويل شراء هذه الأعمال الفنيَّة الرائعة المزعومة، يفكِّر ملياً في الثأر بغتةً من قريبه المعتد بنفسه.

    كان يود أن يمتلك لوحةٍ وأن يقدِّمها فجأةً لابن أخيه، الذي سيصيح عندئذٍ ويهزأ به، لكن الأمر سيَّان.

    فعلى الأقل، سيعرف مارتيناتي إلى أين ينظر، من بين جميع بقع الألوان التي توسِّخ جدران منزله.‏


    ورأى مارتيناتي، أخيراً، وقد أصبح زائراً مجتهداً لصالات البيع ومخازن التحف، أنه وجد ضالَّته المنشودة.

    كان الأمر يتعلَّق بلوحةٍ ذات مقاييس كبيرة، تمثِّل كما حدَّد لـه البائع، مارك أنطونيو، الجنرال الكبير، والملكة كليوباترا.

    وتظهر في الصورة الملكة جالسةً على عرشها، مرتديةً ثوباً فخماً، والجنرال منحنٍ عند قدميها، إشارة للارتباط العاطفي بينهما وتُرى، في الخلفية، قاعةً كبيرة، لها أعمدة من الرخام، وقبب مغطاة بالتصاوير الجدارية.

    ولم يكن مارتيناتي يقدِّر كثيراً نبل الموضوع فقط، بل إن اللوحة بذاتها، لأنه، كما شرح قائلاً لزوجته، كانت الشخصيتان فيها حيتين، ولا ينقصهما إلا القدرة على الكلام. ودفع مارتيناتي، دون علم ابن أخيه دائماً، ثمن اللوحة، وجعلهم يسلِّمونها له في منزله.‏


    بعد أن ثبَّت اللوحة في مكان الشرف في قاعة الطعام، دعا مارتيناتي ابن أخيه، وأطلعه على مشتراه ليس دون اضطراب.

    لم يلقِ ابن أخيه نحو اللوحة أكثر من نظرةٍ خاطفة، ثم سأله بكم اشتراها؛ وأعلن أخيراً، ببرود، أن اللوحة كانت عبارة عن إنسانٍ فانٍ، وأنها تساوي أقل من ثمن إطارها. فأجابه مارتيناتي، غاضباً، أنه كان مقتنعاً بالعكس، وذلك لصدق الشخصيتين اللتين تبدوان حيتين. وإذا كانت هذه اللوحة، بشخصيها المماثلين كثيراً لكائنين حقيقيين، لا تساوي شيئاً، فما قيمة هذه اللوحات الملطَّخة وغير المفهومة التي اشتراها له ابن أخيه إذاً؟ رفع ابن أخيه كتفيه، وقال له إنه قد سبق وشرح لـه ذلك ألف مرةٍ: إن ما يهمَّ في الرسم هو الفن وليس الموضوع المصوَّر.

    فردَّ عليه مارتيناتي بأن القيمة الأساسية للوحةٍ ما، من وجهة نظره هو، هي في تصوير أشياء يمكننا فهمها والإعجاب بها.

    وعدا ذلك، كان من الأفضل ترك الجدران عارية.

    باختصار، كانت المناقشة تتفاقم بعد أن حاول مرةً أخيرة الشرح لعمه ماهيَّة الرسم الجيد، ثم نعته ابن أخيه بالعنيد والجاهل، وذهب وهو يصفق الباب وراءه.‏


    وفي ذلك المساء بالذات، أعلن مارتيناتي لزوجته قائلاً: "هذا غير مجدٍ... لن أترك نفسي أبداً أقتنع بتفضيل بقعٍ ملّونةٍ، غير ذات معنى، على شخصين مثل هذين، حيَّين وحقيقيين جداً، حتى ليقال إنهما مستعدان للوثب خارج اللوحة".

    رفع عينيه لا إرادياً وهو يتحدَّث على هذا النحو، وأرسل نظرةً خاطفة إلى اللوحة. فوقعت الملعقة التي كان يرفعها إلى شفتيه عندئذٍ، في صحن حسائه، لأنه رأى أن هذين الشخصين الحقيقيين، والواقعيين جداً، قد غيرا وضعهما صراحةً.

    كانا جالسين أحدهما عند قدمي الآخر.

    وكان الشيء الذي لا يصدّق الآن، بحصر المعنى، هو أن مارك أنطونيو الذي جلس بدوره على العرش، قد حمل كليوباترا على ركبتيه. كان الوضع حميماً جداً؛ لكن الشخصين قد حافظا على جلالهما كاملاً.‏


    طلب مارتيناتي، الذي لم يكن يصدِّق عينيه، من زوجته أن تنظر إلى اللوحة هي أيضاً. فنظرت وأدركت أن الشخصين قد غيّرا وضعهما حقاً. لكنها لم تدهش من ذلك، مثله.

    وجعلته يلاحظ، بكثير من الفطرة السليمة وكما كان يقول هو نفسه، إن الشخصين كانا حيَّين حقيقة وما هو الغريب إذاً في أنهما، وقد تعبا من الجلوس بالوضع ذاته، قد رغبا في تغييره؟ واضطر مارتيناتي، بعد تفكير إلى الاعتراف بأن هذه الملاحظة لم تكن دون أساس. وأنهيا وجبتهما وهما يعلِّقان على الحدَث، وينظران، من وقتٍ إلى آخر، إلى جلسةً الشخصين المتعانقين فوق، في اللَّوحة.‏


    وفي اليوم التالي، كانت المفاجأة الجديدة: كان مارك أنطونيو، ربما لشعوره بالغيرة، يقف وذراعاه مرفوعتان، يهاجم كليوباترا، التي كانت تبدو أنها تجيبه سريعاً وبالمثل.‏


    قالت زوجة مارتيناتي، إذا حكمنا، على الأقل، على المظاهر، فإن لمارك أنطونيو كل الحق في التصرُّف على هذا النحو، لأن كليوباترا امرأة مغناج شهيرة. أما مارتيناتي، فأخذ يدافع عن كليوباترا بحماسة شديدة حتى أن زوجته، وقد أصابتها الغيرة بدورها، اتَّهمته بأنه ينمِّي ميلاً سرياً نحو الملكة المثيرة.‏


    وذهب الزوجان للنوم بمزاجٍ سيِّء.‏


    في تلك الليلة، بدا أن الزوجين قد اكتسبا فجأةً، إضافة إلى قدرتهما على الحركة، القدرة على الكلام. واستيقظ مارتيناتي على ضجة أصواتٍ ثائرة تصعد من قاعة الطعام، فذهب بثوب النوم وعلى رؤوس أصابعه، ليسترق السمع. كان صوت الملكة تسهل معرفته، بتنويعات نغماته المزماريَّة والخادعة؛ أما صوت مارك أنطونيو، فكان غليظاً وعنيفاً.

    لكن الكلمات لم تكن مفهومة.

    ربما كانا يتحدَّثان باللغة اللاتينية، أو ربما بالإغريقية، أو ربما بلغةٍ شرقيةٍ ما.‏


    بقي مارتيناتي مختبئاً خلف الباب، فترة من الزمن، يستمع إلى هذين الصوتين اللذين يتشاجران، مسحوراً، كما صرَّح بذلك لزوجته فيما بعد، بهذا الحوار في الظلام، بلغةٍ مجهولة قديمة وذات نبرات أجشَّة، استحضرت عالماً مفقوداً، بأكمله، أخيراً، وقد شعر بالبرودة ترتفع من قدميه العاريتين عبر جسده كله، انحنى إلى الأمام وخاطر بقول: "صه!" حذرة. لكنهما تابعا نقاشهما كما لو أن الأمر لم يحصل.

    وعاد مارتيناتي، محبطاً، لينام، وظلَّ يسمع، طوال الليل، وهو نصف نائم، مساوماتهما في الظلام، في قاعة الطعام المجاورة لغرفة نومه.‏


    بعد تلك الليلة، ضاعف الشخصان علامات الحياة.

    أحياناً كانا يتكلَّمان، وأحياناً يتخذان أكثر الأوضاع غرابةٍ وأكثرها حريةً، وأحياناً أخرى، بصراحة، كانا يخرجان من بابٍ مرسومٍ على الخلفية، ويتركان اللوحة خاوية.

    وهذه الطريقة بالمغادرة، هي التي كانت تزعج مارتيناتي خصوصاً. وكان يقول لنفسه، أوافق على أن يتجادلا ليلاً، وأوافق أيضاً على أن يتعانقا، ويتداعبا، الخ. أما أن يختفيا، فلا؛ كان ذلك يتخطى المألوف.

    فهو لم ينفق كل ذلك المال ليحصل على لوحة خالية.

    وكانت زوجته ترد عليه قائلة: "إنه كان يثبت بهذه الكلمات، كعادته دائماً، أن تفكيره فظٌ ونفعي. فهذان الشخصان لم يكونا من المعدمين، الذين لا يملكون سوى غرفةٍ واحدة. كانا ملكة وقائداً رومانياً.

    والله وحده يعلم كم غرفةٍ يضم قصرهما! ومن الطبيعي جداً أن يحتجبا من وقتٍ إلى آخر، متعبين، لكونهما مرسومين. وكان مارتيناتي يرد عليها بأنهما قد رسما ليوجدا في الإطار، وليس للذهاب ليتفرَّغا لأعمالهما الصغيرة، إلا أن أكبر عيب لهذين الشخصين الحيين جداً هو طبيعة علاقاتهما الصاخبة وغير المتحفِّظة.

    وفي الوقت الحاضر، لم يعد ينقضي يوم أو ليلة، لا يتشاجران فيها، لسببٍ أو لآخر.

    وكانت نزاعاتهما المستمرة تحدث الكثير من الإزعاجات. فكانت، قبل كل شيء، تثير بين مارتيناتي وزوجته مشاجرات مماثلة، لأن زوجته كانت تتحيَّز للمسكين مارك أنطونيو، الذي كان، تبعاً لرأيها، ضحية امرأة عديمة الحياء والذَّمة، بينما كان مارتيناتي يدافع برقَّةٍ عن الملكة الجميلة.

    ثم إنهما كانا بالجلجلة الحنجرية المتقطِّعة لصديقهما، يمنعان الزوجين من أن يتناولا طعامهما بسلامٍ نهاراً، تماماً، كما يمنعانهما من النوم ليلاً.

    لم يعد هناك أدنى شك الآن في أن الشخصين حيَّان، وحيَّان جداً؛ لكن مارتيناتي بدأ يتمنى أن يكونا، على الأقل ليلاً وفي أثناء الوجبات، أقلَّ حياة.‏


    وما زالا على هذه الحال، حتى أخذ مارتيناتي ينظر نظرةً مختلفة تماماً إلى اللوحات، التي كان يحتقرها فيما مضى، والتي جعله ابن أخيه يشتريها.

    صحيح أن النساء العاريات ذوات الأقدام الضخمة، والوجه الملتوي، والرجال الحول، والمشوَّهون، الذين يسكنون تلك اللوحات، كانوا لا يتحرَّكون ولا يتكلَّمون؛ لكن الآن، بدت غير واقعيتهم مفضَّلةً أكثر بكثير من حيوية العاشقين الملكيين وباختصار كان أولئك العراة، وتلك الرسومات، يقومون بواجبهم، ألا وهو البقاء جامدين داخل الإطار.

    وأعلن مارتيناتي لزوجته، أنه، بعد أن فكَّر جيداً بالموضوع، ربما كان الرسامون الحديثون على حق، بالرسم بهذه الطريقة، الخارجة عن كل مألوف، والبعيدة عن كل حقيقة. فالواقعية الحيَّة، على المدى الطويل، مثل واقعيةِ لوحةٍ قديمة، تصبح غير محتملة.‏


    وبعد أن تردَّد كثيراً، حزم مارتيناتي أمره، أخيراً، في ليلةٍ، كان الصوتان يتشاجران فيها بشراسةٍ أعنفٍ من المعتاد، فذهب إلى قاعة الطعام، ورفع اللوحة، وحملها إلى السقيفة، دون أن يهتم بالحوار الدائر فيها، ووضعها أرضاً على مقعد قديم محطَّم.

    ثم أعاد غلق الباب بالمفتاح، وعاد لينام من جديد.‏

     

     

     

     

    Read more
  • ذاكرة غانياتي الحزينات

     

     



    "يجب الإقدام على عمل شيء مناف للذوق - قالت امرأة الفندق، محذرة العجوز إيغوشي
    - : يتوجب عليك عدم وضع إصبعك في فم المرأة النائمة، ولا محاولة عمل أي شيء مشابه."


    ياسوناري كاواباتا

     

     

    الفصل الأول
    بيت الجميلات النائمات

    في السنة التسعين من سنوات حياتي، رغبت في أن أهدي إلى نفسي ليلة حب مجنون، مع مراهقة عذراء. تذكرت روسا كباركاس، صاحبة بيت سري، اعتادت أن تتصل بزبائنها الجيدين، عندما يكون تحت تصرفها جديد جاهز. لم أستسلم قط لهذا الإغراء، أو لأي واحد آخر من إغراءاتها الفاحشة، ولكنها لم تكن تؤمن بنقاء مبادئي. فكانت تقول بابتسامة خبيثة: الأخلاق مسألة زمن أيضا ، ولسوف ترى. كانت أصغر مني بعض الشيء، ولم تعد لدي أخبار عنها منذ سنوات طويلة، بحيث يمكن أن تكون قد ماتت. ولكنني، منذ الرنين الأول، تعرفت على صوتها في الهاتف، وبادرتها دون مقدمات:
    - اليوم، أجل.
    فتنهدت قائلة: آه، يا عالمي الحزين، تختفي عشرين عاما، وتعود لتطلب مستحيلات فقط. وفورا، استعادت السيطرة على فنها، وعرضت علي ستة من الخيارات الشهية، ولكن عليك أن تعلم، جميعهن مستعملات. ألححت عليها أن لا، ويجب أن تكون عذراء، وأريدها هذه الليلة بالذات. فسألت مفزعة: ما الذي تريد أن تجربه؟ لا شيء، أجبتها مهانا، حيث تسبب الإهانة لي أكبر ألم، فأنا أعرف جيدا ما أستطيعه وما لا أستطيعه. فردت دون تأثر بأن العلماء يعرفون كل شيء، ولكن ليس كل شيء: فالوحيدون الآخذون بالبقاء من مواليد برج العذراء هم أنتم أناس آب. لماذا لم تطلب مني ذلك قبل بعض الوقت؟ فأجبتها: الإلهام لا يعطي إنذارا مسبقا. ولكن ، ربما أستطيع، انتظر، قالت ذلك، وهي أكثر علما على الدوام من أي رجل، وطلبت مني، ولو يومين، لتتقصى السوق بعمق. فرددت عليها بجد أنه في صفقة مثل تلك، وفي مثل عمري، تكون كل ساعة سنة. قالت هي دون مجال للشك: ليس ممكنا إذن، ثم أضافت: ولكن لا يهم، فالأمر هكذا أكثر إثارة، يا للعنة، سأتصل بك بعد ساعة.
    لا حاجة لأن أقول ذلك لأنه يمكن تمييزي عن بعد فراسخ: أنا قبيح خجول، ومن زمن مضى. لكنني لعدم رغبتي في أن أكون كذلك، رحت أتصنع العكس تماما، حتى شمس هذا اليوم، الذي قررت فيه أن أروي لنفسي كيف أنا، بمشيئتي الحرة والخاصة، ولو لمجرد طمأنة ضميري. لقد بدأت بمكالمتي غير المألوفة مع روسا كاباركاس، لأن تلك المكالمة، وأنا أنظر إليها اليوم، كانت بداية حياة جديدة، في سن يكون فيها معظم البشر الفانين قد ماتوا.
    إنني أعيش في بيت من الطراز الكولونيالي، على رصيف شمس حديقة سان نيكولاس، حيث أمضيت كل أيام حياتي، بلا امرأة وبلا ثروة، وحيث عاش ومات أبواي، وحيث قررت أن أموت وحيدا، على السرير نفسه الذي ولدت فيه، وفي يوم أرغب أن يكون بعيدا، وبلا ألم. لقد اشترى أبي البيت في مزاد علني، في أواخر القرن التاسع عشر، فأجر الطابق الأرضي، كمتاجر فاخرة لشركة يملكها إيطاليون، واحتفظ لنفسه بهذا الطابق الثاني، ليعيش سعيدا مع ابنة أحد أولئك الإيطاليين، فلورينا دي ديوس كارغامنتوس، عازفة ماهرة لموسيقى موزارت، ومتعددة اللغات، وغاريبالدية، والمرأة الأكثر جمالا والأفضل موهبة بين كل من عرفتهن المدينة على الإطلاق: إنها أمي.
    نطاق البيت واسع ومنير، فيه أعمدة من المرمر، وأرضيات شطرنجية من الموزاييك الفلورنسي، وأربعة من أبواب زجاجية تتفتح على شرفة بارزة حيث كانت تجلس أمي في ليالي آذار، لتردد أغنيات حب مع بنات عمومتها الايطاليات. ومن هناك، ترى حديقة سان نيكولاس، ومعها الكاتدرائية وتمثال كريستوف كولومبس، وإلى الوراء منها حانات المرسى النهري، والأفق الفسيح لنهر مجدالينا الكبير، على بعد عشرين فرسخا من مصبه. الشيء الوحيد غير اللطيف في البيت، هو أن الشمس تنتقل من نافذة إلى أخرى خلال النهار، ويتوجب إغلاقها جميعها من أجل محاولة نوم القيلولة في العتمة الحارقة. عندما بقيت وحيدا، وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، انتقلت إلى ما كان مخدع أبوي، وفتحت بابا للمرور إلى غرفة المكتبة وبدأت أبيع في المزاد كل ما يفيض عن حاجتي لكي أعيش، وانتهى الأمر بما يفيض عن حاجتي إلى أن يكون كل شيء باستثناء الكتب وأرغن اللفافات

     

    لقد كنتُ طوال أربعين سنة، مصحح البرقيات في جريدة دياريو لا باث، وهي مهمة تتلخص في ترميم أخبار العالم التي نتلقفها من الفضاء الفلكي، على الموجات القصيرة أو من رموز شفرة مورس، واستكمالها بنثر محلي. وأنا اليوم أعيش بين بين، على معاشي التقاعدي من تلك المهنة المنقرضة؛ وأعيش بقدر أقل على تقاعدي كأستاذ نحو قشتالي ولاتيني، ولا أكاد أكسب شيئا تقريبا من عمود يوم الأحد الذي أكتبه للجريدة دون توقف، منذ أكثر من نصف قرن، ولا أكسب شيئا على الإطلاق من تعليقاتي الموسيقية والمسرحية التي ينشرونها مجانا في المرات الكثيرة التي يأتي فيها عازفون بارزون. لم أفعل شيئا قط غير الكتابة، ولكنني لا أمتلك موهبة الروائي ولا مزيته، وأجهل تماما قوانين التأليف الدرامي، وإذا كنت قد ورطت نفسي في هذا المشروع، فلأنني أثق بنور الكثير الذي قرأته في الحياة. وهذا يعني، بلغة رومانس فجة، أنني نهاية سلالة بلا مزايا ولا بريق، ليس لديه ما يورثه لأحيائه سوى هذه الوقائع التي أتهيأ لروايتها كيفما أمكن، في هذا الاستذكار للحب الكبير.
    تذكرت يوم إكمالي تسعين سنة، كالعادة، في الخامسة صباحا. وكان التزامي الوحيد، لأن اليوم جمعة، هو كتابة عمودي الصحفي الذي يحمل توقيعي، وينشر أيام الآحاد في ريو دي لا باث. كان يمكن لأعراض الفجر أن تكون ملائمة تماما لانعدام السعادة: فقد كانت تؤلمني عظامي منذ الصباح الباكر، وهناك حرقة في شرجي، وكان هناك رعد عاصفة، بعد ثلاثة شهور من الجفاف. استحممت فيما كانت القهوة تسخن، تناولت فنجانا محلى بعسل النحل، ومعه قرصان من الكاثابيه، ولبست أفرهولي البيتي الكتاني الفضفاض.
    موضوع مقالتي لذلك اليوم، وكيف لا، هو سنواتي التسعون. لم أفكر قط في السن على أنها ثقب في السقف يقطر الماء منه، لينبه أحدنا إلى كمية الحياة الآخذة بالتبقي له. لقد سمعت منذ طفولتي المبكرة أن القمل الذي يتكاثر في الشعر يهرب مذعورا على الوسائد، عندما يموت الشخص، مسببا الحرج والخجل للأسرة. وكان هذا عبرة لأتجنب ذلك المصير، فسمحت بقص شعر رأسي كله عندما ذهبت إلى المدرسة، وما زلت أغسل خصلات الشعر القليلة المتبقية لي، بصابون الكلب الشكور. هذا يعني، وأقوله الآن، إن حس الحياء الاجتماعي كان، منذ طفولتي المبكرة، أفضل تكونا لدي من حس الموت.
    لقد احتطت منذ شهور، كيلا يكون مقالي في ذكراي، مجرد حسرة على السنوات الذاهبة، وإنما العكس تماما: تمجيد للشيخوخة. بدأت بالتساؤل، متى بدأت أعي أنني صرت عجوزا، وأظن أن الأمر حدث قبل وقت قصير جدا من ذلك اليوم. ففي الثانية والأربعين من عمري لجأت إلى الطبيب لألم في ظهري، سبب لي ضيقا في التنفس، فلم يول الطبيب أهمية للأمر، وقال لي: إنه ألم عادي في مثل سنك.
    فقلت له:
    - غير العادي إذن، في هذه الحالة، هي سني.
    ابتسم لي الطبيب ابتسامة مشفقة، وقال: أرى أنك فيلسوف. كانت تلك هي المرة الأولى التي فكرت فيها بسني، بمعايير الشيخوخة ولكنني سرعان ما نسيت ذلك. اعتدت على الاستيقاظ كل يوم بألم مختلف، يبدل موضعه وأسلوبه مع مرور السنوات، فهو يبدو أحيانا كمخلب الموت، وفي اليوم التالي يزول. وقد سمعت، في تلك الفترة من يقول إن أول أعراض الشيخوخة هو بدء الأمر بالتشابه مع أبيه. لا بد أنني محكوم بالشباب الأبدي. هذا ما فكرت فيه آنذاك، لأن بروفيلي الحصاني ليس فيه أي شبه على الإطلاق بالبروفيل الكاريبي الخام الذي كان عليه أبي، ولا بروفيل أمي الروماني الإمبراطوري، والحقيقة هي أن أول التبدلات تكون شديدة البطء، لا تكاد تلحظ، ويواصل أحدنا العيش، بينه وبين نفسه، مثلما كان على الدوام، إلا أن الآخرين يلحظون التبدلات من الخارج.
    في العقد الخامس، بدأت أتخيل ما هي الشيخوخة، عندما انتبهت إلى أولى فجوات الذاكرة. كنت أذرع البيت بحثا عن النظارة، ثم اكتشفت أنني أضعها على عيني، أو أدخل بها تحت مرشة الاستحمام، أو أضع نظارة القراءة دون أن أنزع نظارة بعد البصر. وفي أحد الأيام تناولت الفطور مرتين، لأنني نسيت المرة الأولى منهما ؛ وتعلمت التعرف إلى ضيق أصدقائي عندما لا يجرؤون على تنبيهي إلى أنني أروي لهم الحكاية نفسها التي رويتها الأسبوع الفائت. في ذلك الحين، كانت هناك في ذاكرتي قائمة وجوه معروفة، وقائمة أخرى باسم كل واحد من أصحاب تلك الوجوه، ولكنني في لحظة تبادل التحية، لا أتوصل إلى المطابقة بين الوجوه والأسماء.
    عمري الجنسي لم يقلقني قط، لأن قدراتي الجنسية لا تعتمد علي أنا نفسي بقدر ما تعتمد عليهن، وهن يعرفن كيف يفعلن ذلك وماذا يفعلن، عندما يشأن. إنني أضحك اليوم من الفتيان الذين في الثمانين، ممن يستشيرون الطبيب مذعورين من هذه التبدلات المفاجئة دون أن يدروا أنها ستكون أسوأ في التسعين، ولكنها لا تهم: إنها مخاطر بقاء المرء حيا. وما يمكن اعتباره نصرا للحياة، بالمقابل أن ذاكرة المسنين تضيع في الأمور غير الجوهرية، ولكنها نادرا ما تخطئ في الأمور التي تهمنا حقا. وقد أوضح شيشرون ذلك بجرة قلم: لا وجود لمسن ينسى أين خبأ كنزه.
    بهذه الأفكار، وأخرى عديدة أنهيت المسودة الأولى لمقالتي، عندما اندلعت شمس آب من بين أشجار اللوز في الحديقة: ودخلت سفينة البريد النهرية، المتأخرة أسبوعا بسبب الجفاف، في قنال المرفأ وهي تجأر. فكرتُ: إلى هنا وصلت سنواتي التسعون. لن أعرف السبب أبدا. ولست أسعى إلى معرفته، ولكن الأمر كان تعويذة للتعزيم على ذلك الاستذكار المدمر، عندما قررت الاتصال هاتفيا بروسا كاباركاسن كي تساعدني في تكريم ذكراي بليلة ماجنة. كنت قد أمضيت سنوات في سلام مقدس مع جسدي مكرسا نفسي لإعادة قراءة غير منتظمة للكلاسيكيين الذين أفضلهم، ولبرامج موسيقاي الخاصة المنتقاة، غير أن رغبتي في ذلك اليوم كانت ملحة، حتى إنها بدت لي رسالة من الرب. بعد المكالمة، لم أستطع مواصلة الكتابة علقت أرجوحة النوم في ركن المكتبة، حيث لا تصل شمس الصباح، واستلقيت بصدر منقبض بلهفة الانتظار.
    لقد كنت طفلا مدللا لأب متعدد المواهب قضى عليه السل وهو في الخمسين، ومتمسك بالشكليات لم يعرف له خطأ قط ، وطلع عليه الصباح ميتا في فراش ترمله، في يوم توقيع معاهدة نيرلاندا التي وضعت حدا لحرب الألف يوم، وحروب القرن الماضي الأهلية الكثيرة. لقد بدل السلام المدينة في اتجاه لم يكن متوقعا ولا مرغوبا. فقد أغنى حشد من النساء المتحررات، حتى الهذيان، الحانات القديمة، في شارع أنتشا الذي تحول بعد ذلك إلى ممر آبييو، وهو الآن جادة كولومبس، في مدينة روحي هذه التي يقدرها المقربون والغرباء لطيب طباع ناسها وصفاء ضوئها.
    لم أضاجع امرأة قط دون أن أدفع لها! والقليلات اللواتي لم يكن من نساء المهنة، أقنعتهن بالحجة أو بالإكراه، بأن يأخذن النقود ولو لمجرد رميها في القمامة. منذ العشرين من عمري بدأت بوضع سجل بالاسم، والسن، والمكان، وبموجز تذكيري بالظرف والأسلوب. فكنّ حتى الخمسين من عمري خمسمائة وأربع عشرة امرأة، ضاجعت كل واحدة منهن مرة واحدة على الأقل. أوقفت تلك القائمة عندما لم يعد الجسد قادرا على الكثير، وواصلت الحساب بلا أوراق. لقد كانت لي أخلاقياتي الخاصة. فأنا لم أشارك قط في عربدة جماعية، ولا في معاشرات عامة، ولم أشاطر أحدا الأسرار، ولا رويت لأحد مغامرة من مغامرات الجسد أو الروح. فقد أدركت منذ شبابي أنه لا يمكن لأي من ذلك كله أن يمر دون حساب.
    العلاقة الغريبة الوحيدة هي تلك التي أقمتها لسنوات، مع داميانا الوفية. لقد كانت طفلة تقريبا، شبه هندية، وقوية وبدائية، كلامها قليل وحاسم، تتنقل حافية كيلا تزعجني وأنا أكتب. أتذكر أنني كنت أقرأ (النضارة الأندلسية) في أرجوحة النوم في الردهة، ورأيتها مصادفة تنحني على حوض غسل الثياب، بتنورة قصيرة جدا، تكشف تكوراتها الغضة. ومدفوعا بحمى لا تقاوم، رفعتها من وراء، أنزلت لها سروالها الداخلي حتى الركبتين، انقضضت بالمقلوب. فقالت هي، بآهة كئيبة: آي، يا سيدي، هذا لم يخلق للإدخال وإنما للإخراج. زلزلة عميقة هزت جسدها ولكنها ظلت ثابتة. ولإحساسي بالمهانة، لأنني امتهنتها، أردت أن أدفع لها ضعف ما كانت تتقاضاه أغلاهنّ آنذاك، ولكنها لم تقبل ولا فلسا واحدا. فكان علي أن أزيد راتبها بقيمة مضاجعة كل شهر، ودوما وهي تغسل الملابس، ودائما في الاتجاه المعاكس.
    لقد فكرت في بعض الأحيان بأنه يمكن لسجلات الفراش تلك، أن تكون دعامة لقصة عن بؤس حياتي الضائعة، ونزل علي العنوان من السماء (ذاكرة غانياتي الحزينات)، حياتي العامة بالمقابل، تخلو مما هو مشوق ومثير للاهتمام: يتيم الأب والأم، أعزب بلا مستقبل، صحفي متوسط الإمكانيات، ومتوصل أربع مرات إلى التصفية النهائية في مسابقات كارتاخينا دي إندياس الشعرية، والشخص المفضل لرسم الكاريكاتير بسبب قبحي النموذجي. هذا يعني: حياة ضائعة بدأت، بصورة سيئة، مساء اليوم الذي أخذتني فيه أمي من يدي، وأنا في التاسعة عشرة من عمري، إلى صحيفة (دياريو دي لا باث) لترى إن كان بإمكانها التوصل إلى نشر عرض عن الحياة المدرسية، كنت قد كتبته لمادة اللغة القشتالية والخطابة. وقد نشر يوم الأحد، مع تقديم تشجيعي كتبه مدير الجريدة. وبعد مرور سنوات، حين عرفت أن أمي قد دفعت مقابل نشره، ومقابل نشر مقالاتي السبع التالية كذلك، كان الوقت قد فات للشعور بالخجل، إذ كان عمودي الصحفي الأسبوعي يحلق بجناحيه الخاصين، وكنت قد سرت فوق ذلك مصحح البرقيات، وناقدا موسيقيا.
    منذ حصولي على شهادة الثانوية بدرجة امتياز، بدأت بإعطاء دروس في اللغة القشتالية واللاتينية، في ثلاث مدارس عامة، في الوقت نفسه. كنت أستاذا سيئا بلا ميول، وبلا أي شفقة على أولئك الأطفال المساكين الذين يذهبون إلى المدرسة، باعتبارها أسهل الطرق للهرب من طغيان آبائهم. الشيء الوحيد الذي استطعت عمله لهم، هو إبقاؤهم تحت رعب مسطرتي الخشبية، لكي يحفظوا عني على الأقل، قصيدتي المفضلة: (هذي التي تراها الآن يا فابيو، ويا للألم، مجرد حقول عزلة وربوة ذاوية كانت في زمن مضى إيتاليكا الشهيرة). وفي شيخوختي فقط عرفت مصادفة اللقب الخبيث الذي أطلقه علي التلاميذ من وراء ظهري: الأستاذ ربوة ذاوية. هذا هو ما منحتني إياه الحياة، ولم أفعل شيئا لأستخلص منها المزيد. كنت أتناول الغداء وحيدا، في الاستراحة بين حصة وأخرى. وفي الساعة السادسة مساء أصل إلى مكاتب تحرير الجريدة، لأتصيد الأخبار عن الفضاء الفلكي. وفي الحادية عشرة ليلا عند إغلاق الطبعة تبدأ حياتي الحقيقية

     

    كنت أنام في الحي الصيني مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع، مع رفقة شديدة التنوع، حتى إنني توّجت مرتين بلقب (زبون السنة)، فبعد العشاء في مقهى روما القريب، أختار أيّا من المواخير دون تعيين، وأدخل خفية من بوابة الفناء الخلفي. كنت أدخل من هناك بدافع المتعة، ولكن الأمر تحول إلى جزء من مهنتي، بفضل خفة لسان كبار ثرثاري السياسة، ممن يقدمون لعشيقات ليلة عابرة، ما لديهم من أسرار الدولة، دون أن يخطر ببالهم أن الرأي العام يسمع أصواتهم من خلال الجدران الكرتونية. عن هذه الطريق ،وكيف لا، اكتشفت أيضا أنهم يعزون عزوبتي التي لا عزاء لها، إلى ميول لوطية ليلية أشبعها مع أطفال أيتام في شارع دي لاكريمن. وقد حالفني الحفظ بنسيان ذلك لأنني إضافة إلى أسباب طيبة أخرى، عرفت أيضا الأشياء الجيدة التي كانت تقال عني، وقدرتها بما تستحق.
    لم يكن لي أصدقاء حميمون قط، والقلة الذين تمكنوا من الاقتراب مني، هم الآن في نيويورك. هذا يعني أنهم ميتون. لأن ذلك هو المكان الذي أفترض أن الأرواح المحزونة تذهب إليه، كيلا تتمثل حقيقة حياتها الماضية. منذ تقاعدي لم يعد لدي إلا القليل لأعمله، اللهم إلا حمل أوراقي إلى الجريدة أيام الجمعة مساء، أو القيام بمساع أخرى على شيء من الأهمية: حضور حفلات موسيقية في قاعة الفنون الجميلة، أو معارض رسم في المركز الفني، وأنا عضو مؤسس فيه؛ أو محاضرة تمدنية بين حين وآخر في جمعية الإصلاح العام؛ أو حدث كبير مثل موسم فابريغاس في مسرح أبولو.
    في شبابي، كنت أذهب إلى صالات السينما غير المسقوفة، حيث يمكن أن يفاجئنا خسوف قمري، أو نزلة صدرية مزدوجة، بفعل وابل مطر في غير أوانه، ولكنني لم أكن أهتم بالأفلام قدر اهتمامي بعصفورات الليل اللواتي يضاجعن بثمن تذكرة الدخول، أو يقدمن ذلك مجانا أو بالدين. فالسينما ليست من ميولي. وكان الإعجاب الداعر بشيلي تيمبل هو القطرة التي طفحت بها الكأس.
    الرحلات الوحيدة في حياتي، هي أربع رحلات إلى المسابقات الشعرية في كارتاخينا دي إندياس، قبل بلوغي الثلاثين، وليلية خبيثة في مركب ذي محرك، بدعوة من سكرامينتو مونتييل إلى افتتاح ماخور له في مدينة سانتا مارتا. أما بشأن حياتي المنزلية فأانا قليل الأكل وغير متطلب. عندما هرمت داميانا، ولم تعد تطبخ لي في البيت صارت وجبتي النظامية الوحيدة منذ ذلك الحين عجة البطاطا في مقهى روما بعد إغلاق الجريدة.
    ولهذا ظللت عشية إكمالي التسعين سنة دون غداء، ولم أستطع التركيز على القراءة، بانتظار أخبار من روسا كاباركاس. كانت الزيزان تصفر حد التقزز في قيظ الساعة الثانية، وقد أجبرني دوران الشمس على النوافذ المفتوحة على أن أبدل مكان أرجوحة النوم ثلاث مرات. لقد بدا لي على الدوام أن أيام ذكرى ميلادي هي الأشد حرا طوال العام، وقد تعلمت تحمل ذلك، غير أن مزاجي في ذلك اليوم لم يتح لي التحمل كثيرا. ففي الساعة الرابعة بعد الظهر، حاولت أن أهدئ نفسي بسماع مقطوعات التشيلو المنفرد الست، لجان سبستيان باخ، في نسختها النهائية لدون بابلو كاسالس. إنني أرى فيها ما تتضمنه الموسيقى كلها من حكمة. ولكنها بدل أن تهدئني كالعادة خلفتني في أسوأ حالات الوهن. غفوت مع السوناتا الثانية منها، وهي تبدو لي متكاسلة بعض الشيء. وفي الحلم اختلط علي أنين التشيلو بأنين سفينة حزينة مضت. وعلى الفور تقريبا أيقظني الهاتف، وأعاد لي الحياة صوت روسا كاباركاس الصدئ: إن لك حظا مجنونا، قالت لي، ثم أضافت: وجدت لك واحدة أفضل مما أردته أنت، ولكن هناك مشكلة: إنها تكاد لا تتجاوز الرابعة عشرة. قلت لها مازحا دون أن أفهم مسوغاتها: ليس لدي مانع في تبديل حفاظات. فقالت هي: الأمر لا يتعلق بك، ولكن من الذي سيدفع عني ثلاث سنوات سجن؟
    لن يكون هناك من يدفعها، وهي نفسها أقل من أي شخص آخر بالطبع. فهي تجني محصولها من بين قاصرات السن اللواتي يعرضن أنفسهن في محلها، فتدربهنّ وتعتصرهن، إلى أن ينتقلن إلى أسوأ حياة عاهرات مجازات، في ماخور إوفيميا الزنجية التاريخي. لم تدفع أي غرامة قط، لأن بيتها هو منتدى السلطات المحلية، ابتداء من المحافظ وحتى أصغر موظف في مقر المحافظة، ولم يكن ممكنا تصور أن صاحبة المحل تنقصها القدرات على ارتكاب المخالفات على هواها. وهكذا فإنه لا هدف من وساوسها، في اللحظة الأخيرة سوى جني منفعة أكبر من خدماتها: فالخدمة أغلى ثمنا كلما كانت أكثر عرضة للعقاب. تمت تسوية الخلاف بإضافة بيزوين اثنين إلى الخدمة. واتفقنا على أن أكون في بيتها الساعة العاشرة ليلا ومعي خمسة بيزوات نقدا ومقدما. ولا دقيقة واحدة قبل ذلك، لأن الطفلة يجب أن تقدم الطعام لإخوتها الصغار وتنومهم، وتنوم أمها المقعدة بفعل الروماتيزم.
    كانت لا تزال هناك أربع ساعات، وفي أثناء انقضائها كان قلبي يمتلئ بزبد حامض يعيق تنفسي. بذلت مجهودا عقيما لأمضي الوقت بإجراءات اللباس. لا جديد في الحقيقة، فحتى داميانا تقول إنني أرتدي ملابسي بطقوس سيد مطران. جرحت نفسي بشفرة الحلاقة، وكان علي أن أنتظر إلى أن يبرد ماء الدش الذي سخنته الشمس في الأنابيب. ومجرد الجهد البسيط في تجفيف جسدي بالمنشفة جعلني أتعرق من جديد. لبست ما يتوافق مغامرة الليلة: بدلة الكتان البيضاء، والقميص ذا الخطوط الزرق، والياقة المقساة بالنشاء، وربطة العنق الحريرية الصينية، والحذاء المستعاد الشباب والملمع بالزنك والساعة الذهبية ذات السلسلة المثبتة بعروة الياقة. وبعد ذلك طويت طرفي ساقي البنطال إلى الداخل كيلا يلاحظ أني تقلصت شبرا.
    يشاع عني أنني بخيل، لأنه ليس هناك من يتصور أنني فقير إلى هذا الحد، وأنا أسكن حيث أسكن، والحقيقة أن ليلة مثل تلك الليلة كانت أكبر بكثير من مواردي. أخرجت من صندوق مدخراتي الموضوع تحت السرير بيزوين اثنين لاستئجار الغرفة، وأربعة لصاحبة البيت، وثلاثة للصبية، وخمسة احتياطية لعشائي ونفقات ضئيلة أخرى. أي الأربعة عشر بيزوا التي تدفعها لي الجريدة مقابل شهر من مقالات يوم الأحد، خبأتها في جيب سري في الحزام، وتعطرت بمرشة ماء فلوريدا من صنع لانمان أند كيمب- باركلي أند كومباني. عندئذ أحسست بمخلب الذعر، ومع قرع ناقوس الساعة الثامنة الأول نزلت متلمسا طريقي على الدرج المظلم، متعرقا من الخوف، وخرجت إلى ليلة عشية ذكراي السنوية المشعة.
    كان الجو قد برد. جماعات من الرجال المتوحدين يتجادلون صارخين حول كرة القدم في جادة كولومبس، بين سيارات الأجرة المتوقفة صفا في منتصف الشارع. جوقة نحاسية تعزف فالسا فاترا، تحت أشجار الحور المزهرة. إحدى العاهرات البائسات اللواتي يصطدن زبائن معدمين في شارع (الكتبة العموميين) طلبت مني السيجار المعهودة وأجبتها الجواب الدائم نفسه: تركت التدخين منذ ثلاثة وثلاثين عاما وشهرين وسبعة عشر يوما. ولدى المرور أمام "السلك الذهبي" نظرت إلى الواجهات المضاءة ولم أر نفسي مثلما أشعر بها، وإنما أكثر شيخوخة وأسوأ ملبسا.
    قبل العاشرة بقليل ركبت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يوصلني إلى المقبرة الكونية، كيلا يعرف إلى أين أنا ذاهب في الواقع، نظر إلي من خلال المرآة وقال لي: لا تخفني بهذه الأمور أيها السيد العالم، أرجو من الله أن يبقيني بمثل حيويتك. نزلنا معا من السيارة قبالة المقبرة، لأنه لم يكن يملك نقودا فكة، وكان علينا أن نصرف النقود في (القبر)، وهي حانة بائسة يبكي فيها سكارى الفجر على موتاهم. عندما صفينا الحساب قال لي السائق بجد: كن حذرا يا دون، فبيت روسا كاباركاس لم يعد ولو مجرد خيال لما كان عليه، فلم أستطع إلا أن أشكره مقتنعا مثل الجميع بأنه لا وجود لأي سر تحت السماء يخفى على سائق جادة كولومبس.
    توغلت في حي فقراء لا علاقة له بالذي عرفته في أزمنتي. كانت الشوارع الفسيحة ذات الرمال الساخنة نفسها، ببيوت أبوابها مشرعة، وجدران من خشب غير مصقول، سقوف من السعف المر، وأفنية مفروشة بالحصى. لكن ناسها فقدوا الطمأنينة. وكانت هناك في معظم البيوت حفلات جمعة، يرتد صخبها وأطباقها في الأحشاء. يمكن لأي كان أن يدخل بخمسين سنتافو إلى الحفلة التي تروقه أكثر، إنما يمكنه كذلك أن يظل يرقص مجانا على الأرصفة. كنت أمشي متلهفا أن تبتلعني الأرض داخل أبهتي المزركشة، لكن أحدا لم يلتفت إليّ باستثناء خلاسي نحيل كان يجلس متناوما عند بوابة بيت جماعي. صرخ من كل قلبه:
    - وداعا يا دكتور. وأتمنى لك ضربا سعيدا.
    وماذا يمكنني أن أفعل سوى شكره؟ كان علي أن أتوقف ثلاث مرات كي ألتقط أنفاسي، قبل أن أبلغ المنحدر الأخير، ومن هناك رأيت القمر النحاسي الضخم الذي يرتفع في الأفق، وأحسست بتسرع غير متوقع في البطن. جعلني أخشى على مصيري، ولكنه مر مرورا عابرا. وفي نهاية الشارع، حيث يتحول الحي إلى غابة أشجار مثمرة، دخلت إلى حانوت روسا كاباركاس.
    لم تكن تبدو هي نفسها. لقد كانت فيما مضى أكثر القوادات تكتما، وبالتالي أكثرهن شهرة. امرأة ضخمة الحجم، كنا نريد تتويجها رقيب إطفائيين، سواء لضخامتها أو لفعاليتها في إطفاء شبق رجال المدينة. لكن الوحدة قلصت جسدها، وجعدت جلدها، وشحذت صوتها ببراعة شديدة. بدت معها كما لو أنها طفلة مسنة. لم يبق لها مما كانت عليه في السابق إلا أسنانها الدقيقة، مع واحد منها غلفته بالذهب للتجمل. وكانت تحتفظ بحداد صارم على زوجها الميت، بعد خمسين سنة من الحياة المشتركة، وقد زادت على ثياب الحداد قلنسوة سوداء لموت ابنها الوحيد الذي كان يساعدها في إساءاتها. لم يبق حيا فيها سوى عينيها الصافيتين والقاسيتين ومنهما عرفت أن طبيعتها لم تتغير.
    هناك في الحانوت مصباح شاحب، يتدلى من السقف، وليس في خزائن الدكان أي شيء للبيع، حتى أنه لا ينفع أحيانا كغطاء لتجارة يعرفها الجميع، ولكن لا أحد يعترف بها. كانت روسا كاباركاس تتحدث إلى زبون عندما دخلت على رؤوس أصابع قدمي. لست أدري إذا ما كانت لم تتعرف علي حقا، أم أنها تظاهرت بذلك للحفاظ على الشكليات. جلست على مقعد الانتظار ريثما تنتهي، وحاولت أن أعيد في ذاكرتي ترميم ما كانت عليه. فأكثر من مرتين عندما كنا كلانا كاملين، أخرجتني هي من الرهبة. أظن أنها قرأت أفكاري، لأنها التفتت إلي وتفحصتني بتمعن منذر بالخطر. ثم تنهدت بأسى: الزمن لا يؤثر عليك. فأردت مجاملتها: أما أنت فيؤثر عليك، ولكن إلى الأحسن. وقالت هي: بجد، حتى إن وجه الحصان الميت الذي لك يبدو وقد انبعث. فقلت بخبث: ربما لأنني بدلت المذود. وتحمست هي وقالت لي: كان لك، على ما أذكر، نبوت عبد تجديف. كيف حاله الآن؟ تملصت من السؤال بمهارة: الشيء الوحيد المختلف منذ لم نعد نلتقي هو أنني أشعر بحرقة في الشرج أحيانا. وكان تشخيصها فوريا: بسبب عدم الاستعمال. فقلت لها: لا أستعمله إلا لما صنعه الرب من أجله. ولكنه كان يحرقني حقا منذ زمن، ودائما عندما يكون القمر بدرا. بحثت روسا في درج منضدتها الذي مثل درج الخياط وفتحت علبة مرهم أخضر، له رائحة مرهم نبتة العطاس. قل للطفلة أن تدهنها لك بإصبعها هكذا، محركة سبابتها بقوة وبدون خجل. فأجبتها بأنني ما زلت بحمد الله قادرا على القيام بواجبي دون مراهم شعوذات شعبية. فقالت ساخرة: آي أيها المعلم، عذرا للحياة. وانتقلت إلى موضوعها.
    الطفلة في الغرفة منذ العاشرة، قالت لي؛ إنها جميلة، نظيفة، وحسنة التربية، ولكنها تكاد تموت خوفا، لأن صديقة لها هربت مع حمال سفن من غايرا، قد نزفت خلال ساعتين. وأقرت روسا: ولكن الأمر مفهوم، لأن رجال غايرا مشهورون بأنهم يجعلون البغلات تولول. وعادت إلى الإمساك بخيط حديثها: يا لها من مسكينة، وعليها فوق ذلك أن تعمل طوال النهار في تثبيت الأزرار في أحد المصانع. لم تبد لي خياطة الأزرار عملا شاقا. فردت هي: هذا ما يظنه الرجال، ولكنه أسوأ من العمل في تكسير الأحجار. واعترفت لي كذلك بأنها أعطت الطفلة مشروبا من البرومور مع الفاليريانا، وأنها نائمة الآن. خشيت أن تكون شفقتها مجرد حيلة أخرى لزيادة السعر، ولكن لا، قالت هي، فكلمتي من ذهب. بقواعد ثابتة: كل شيء يدفع على حدة، بنقود نظيفة، ومقدما. وهذا ما كان.
    لحقت بها عبر الفناء مشفقا على ذبول بشرتها، وسوء مشيتها بساقيها المتورمتين وراء جورب القطن الطبي. كان لون القمر المكتمل يقترب من منتصف السماء، وتبدو الدنيا كما لو أنها غارقة في ماء أخضر. كان هناك بالقرب من الدكان سقيفة من سعف النخل، لحفلات الإدارة العامة، مع كثير من الكراسي الجلدية التي بلا مساند، وأراجيح النوم المعلقة إلى الدعائم. وفي الفناء الخلفي، حيث تبدأ غابة الأشجار المثمرة، هناك رواق يضم ست غرف نوم، مبنية من اللبن غير المجصص، بنوافذ مزودة بشباك إضافية للحماية من البعوض. الغرفة الوحيدة المشغولة كانت نصف مضاءة، وتونيا الزنجية تغني من المذياع أغنية غرامية خبيثة. استنشقت روسا كاباركاس الهواء وقالت: ألحان البوليرو هي الحياة. وكنت متفقا معها في الرأي، ولكنني لم أتجرأ على كتابة ذلك حتى اليوم. دفعت الباب، دخلت هنيهة، ثم عادت للخروج وقالت: لا تزال نائمة. تحسن صنعا بتركها تستريح كل الوقت الذي يتطلبه جسدها، فليلُكَ أطول من ليله. كنت مبهورا، وسألتها: ما الذي علي عمله برأيك؟ فقالت هي بوداعة في غير محلها: أنت تعرف ما عليك عمله، فلسبب ما أنت عالم. دارت على عقبيها، وتركتني وحيداً مع الرعب.

    لم يكن ثمة مفر. دخلت إلى الحجرة بقلب مزعزع، ورأيت الطفلة النائمة عارية وعزلاء على سرير الإيجار الفسيح، مثلما ولدتها أمها. ترقد على جانبها، ووجهها إلى الباب، مضاء من البهو، بنور كثيف لا يغفل تفصيلا منها، جلست أتأملها من حافة السرير، بافتتان حواسي الخمس. كانت سمراء ودافئة. وكانوا قد أخضعوها لعملية تنظيف وتجميل لم تهمل حتى زغب عانتها المستجد. وقد جعدوا شعرها، وكان على أظفار يديها وقدميها طلاء ذو لون طبيعي، أما بشرتها التي بلون دبس القصب فتبدو خشنة وفي حالة مزرية. النهدان حديثا البروز لا يزالان يبدوان كما لو أنهما لطفل ذكر، ولكن يبدو أنهما يتحفزان بقوة سرية توشك أن تتفجر. أفضل ما في جسدها هما القدمان الكبيرتان اللتان تمشيان بخطوات متكتمة، بأصابعهما الطويلة والحسية كما في أيد أخرى. كانت مبللة بعرق فسفوري لامع بالرغم من المروحة، وكانت وطأة الحر الذي لا يطاق تزداد مع تقدم الليل. كان من المستحيل تخيل كيف هو الوجه المطلي بالأصبغة وبطبقة كثيفة من بودرة مسحوق الرز، مع لطختين حمراوين على الخدين، وكانت الرموش الاصطناعية والحاجبان والجفنان كما لو أنها مدخّنة بهباب أسود، والشفتان مضخمتان بطلاء لامع من الشوكلاتة. ولكن لم تستطع الخرق ولا الأصبغة أن تخفي شخصيتها: الأنف المتكبر، الحاجبين المتصلين، الشفتين الممتلئتين. وفكرت: ثور مصارعة رقيق.
    في الساعة الحادية عشرة ذهبت للقيام بإجراءات روتينية في الحمام، حيث كانت ملابسها كفقيرة مطوية على كرسي بعناية غنية، فستان مطبّع بروسوم فراشات، سروال داخلي أصفر، وصندل من القنب، وكان هناك فوق الملابس سوار رخيص، وقلادة رفيعة جدا، مع ميدالية لرسم العذراء، وعلى رف المغسلة محفظة يدوية وقلم شفاهن وعلبة أصبغة تجميل، ومفتاح وقطعة نقدية صغيرة. كل شيء بالغ الرخص، ومستهلك من كثرة الاستعمال، إلى حد لم أستطع تصور من هو أفقر منها.
    خلعت ملابسي ووضعت كل قطعة منه بأفضل ما استطعت على المشجب كيلا أفسد حرير القميص وكيّ الكتّان، تبولت في المرحاض ذي السلسلة جالسا، مثلما علمتني فلورينا دي ديوس منذ طفولتي، كيلا ألوّث حوافّ مقعد المرحاض، كان بولي لا يزال يندفع، ولندع التواضع جانبا، في دفقة فورية ومتواصلة مثل مهر جموح، وقبل أن أخرج نظرت إلى مرآة المغسلة. الحصان الذي نظر إلي من الجانب الآخر، لم يكن ميتا وإنما كئيبا، وله غبب تحت ذقنه كغبب البابا، وجفنان منتفخان، وناصية الموسيقي التي كانت له قد تهدلت. فقلت له:
    - خراء، ماذا يمكنني أن أفعل إذا كنت لا تحبني.
    وفي محاولة مني لعدم إيقاظها، جلست عاريا على السرير، بنظرات اعتادت على خدع الضوء الأحمر، وتفحصتها شبرا شبرا. مررت بطرف سبابتي انزلاقا على قفا عنقها المبلل، فارتعشت كلها من الداخل، مثل وتر قيثارة، وانقلبت باتجاهي بهمهمة، وأحاطتني بجو أنفاسها الحامضة. ضغطت أنفها بين إبهامي وسبابتي، فاهتزت، وأبعدت رأسها، وأولتني ظهرها دون أن تستيقظ. حاولت مباعدة ساقيها بركبتي، في إغواء مفاجئ. فقاومت ذلك في المحاولتين الأوليين، بفخذيها المتصلبين. غنيت في أذنها: (سرير ديلغادينا، محاط بالملائكة) فاسترخت قليلا. صعد تيار دافئ في عروقي، واستيقظ حيواني البطيء المتقاعد من سباته الطويل.
    ديلغادينا، يا روحي، توسلت إليها متلهفا، ديلغادينا. فأطلقت أنة كئيبة، وابتعدت عن فخذي. أدارت لي ظهرها. وتكورت على نفسها مثل حلزون في قوقعته. لا بد أن مشروب الفاليريانا كان فعالا معي كفعاليته معها، لأن شيئا لم يحدث لها ولا لأحد. ولكن ذلك لم يهمني. تساءلت عن الفائدة من إيقاظها وأنا ذليل وحزين مثلما كنت، وبارد مثل أرنب صغير مذعور.
    دوّى عندئذ، واضحا ومؤكدا، قرع نواقيس الثانية عشرة ليلا، وبدأ فجر التاسع والعشرين من آب، يوم استشهاد القديس يوحنا المعمدان. أحد كان يبكي صارخا في الشارع. وليس هناك من يهتم به. صليت من أجله، إذا ما كان ذلك ينفعه، وكذلك من أجلي، في شكر للرب على المنافع التي تلقيتها: (لا يخدعن أحد نفسه، لا ، مفكرا في أن ما ينتظره سيدوم أكثر مما رآه). تأوهت الطفلة في حلمها، فصليت من أجلها أيضا: (فكل شيء سينقضي بهذه الطريقة). ثم أطفأت بعد ذلك المذياع والنور، كي أنام.
    استيقظت فجرا دون أن أدري أين أنا. كانت الطفلة لا تزال نائمة، مولية إلي ظهرها، في وضع جنيني. راودني إحساس مبهم بأنني سمعتها تنهض في الظلام، وبأنني سمعت ماء سيفون الحمام، ولكن يمكن لذلك أن يكون حلما. كان الأمر جديدا بالنسبة لي. فأنا أجهل نزوات الإغواء. وكنت أختار عروساتي لليلة واحدة بالمصادفة، وباهتمام بالسعر أكثر من المفاتن. ونمارس دون حب، ونحن بنصف ملابسنا في معظم الأحيان. ودوما في الظلام. كي يتخيل كل منا الآخر أفضل مما هو عليه. في تلك الليلة اكتشفت المتعة التي لا تصدق. في تأمل جسد امرأة نائمة. دون تسرع الشهوة أو عوائق الحياء.
    نهضت في الخامسة. قلقا لأن مقالتي ليوم الأحد، يجب أن تكون على منضدة التحرير قبل الساعة الثانية عشرة. قمت بتغوطي في موعده الدقيق، وكانت حرقة القمر البدر لا تزال موجودة، وعندما شددت سلسلة الماء، أحسست أن أحقاد ماضيّ قد ذهبت في المجاري. وحين رجعت منتعشا ومرتديا ملابسي إلى غرفة النوم، كانت الطفلة تنام على ظهرها، على ضوء الفجر المهادن، معترضة السرير من جانب إلى آخر، وذراعاها مفتوحان في صليب وسيدة قلت لها: فليحمك الرب. وكل النقود المتبقية معي. نقودها ونقودي. وضعتها على الوسادة، وودعتها إلى الأبد، بقبلة على جبينها. كان البيت مثل كل المواخير عند الفجر، أقرب ما يكون من الفردوس. خرجت من البوابة المطلة على البستان، كيلا ألتقي بأحد. وتحت شمس الشارع اللاسعة، بدأت أشعر بوطأة سنواتي التسعين، وأعد دقيقة فدقيقة، دقائق الليالي التي تفصلني عن الموت.

     

    الفصل الثاني


    أكتب هذه الذكريات، في القليل المتبقي من المكتبة التي كانت لأبوي، ورفوفها على وشك أن تنهار بسبب العث. وأنا في نهاية المطاف، من أجل ما تبقى علي عمله في هذه الدنيا. تكفيني معاجمي التي من كل نوع، مع المجموعتين الأوليين من (المراحل الوطنية) لدون بينيتو غالدوس، ورواية (الجبل السحري) التي علمتني فهم تقلب أجواء أمي بسبب السل.
    خلافا لقطع الأثاث الأخرى، وخلافا لي أنا بالذات، تبدو المنضدة التي أكتب عليها في أحسن صحة مع مرور الزمن، لأن من صنعها من أخشاب ثمينة هو جدي لأبي، وكان نجار سفن. وحتى عندما لا يكون علي أن أكتب فإنني أهيئها كل صباح بالصرامة المتكاسلة التي تسببت في فقداني غراميات كثيرة.
    ولديّ في متناول يدي، كتبي المتواطئة: مجلديْ (المعجم المصور الأول) للأكاديمية الملكية، طبعة 1903م: و(كنز اللغة القشتالية أو الإسبانية) لدون سيبستيان دي كوفاروبياسح و(نحو دون أندرييس بيو). إذا ما اعترضتني شكوك في مدلول لفظة ما، بالصرامة اللازمة. و(المعجم الأيديولوجي) المستجد لدون خوليو كاساريس، ولاسيما بسبب مترادفاته وأضداده: و(مفردات اللغة الإيطالية) لنيكولا زينغاريلي، ليكون عونا لي في لغة أمي التي تعلمتها من المهد، ومعجم اللغة اللاتينية، لأنها أم لغتين أخريين أعتبرهما لغة مولدي.
    وإلى يسار المنضدة أحتفظ على الدوام برزم الورق الخمس. ذات الحجم الرسمي، من أجل كتابة عمودي لأيام الآحاد، وقرن مسحوق تنشيف الرسائل الذي أفضله على وسائد ورق النشاف المحدثة. وإلى اليمين هناك دواة حبر وحمالة رياش كتابة من خشب البالسو الخفيف، والريشة الذهبية، فأنا ما زلت أكتب بيدي، بالخط الرومنطيقي الذي علمتني إياه فلورينا دي ديوس، كيلا أعتاد على الكتابة بالخط الرسمي لزوجها الذي كان كاتبا بالعدل، ومحاسبا محلفا. حتى نفسه الأخير. منذ زمن فرض علينا في الجريدة أن نكتب على الآلة الكاتبة، من أجل تقدير حسابي أفضل لحجم النص في رصاص اللينوتيب. ودقة أكبر في الإخراج، ولكنني لم أتفق قط مع هذه العادة السيئة. واصلت الكتابة يدويا، واستنساخ ما أكتبه على الآلة الكاتبة، بنقر دجاجة شاق، بفضل الامتياز المزعج، باعتباري أقدم الموظفين. وأنا اليوم، متقاعد ولكن غير مهزوم، أنعم بالامتياز المقدس بالكتابة في البيت، والهاتف مفصول كيلا يزعجني أحد، ودون رقيب يرصد ما أكتبه من فوق كتفي.
    أعيش بلا كلاب ولا طيور ولا خدم، باستثناء داميانا الوفية التي أخرجتني من مآزق لا تخطر على بال، وهي تواصل المجيء مرة كل أسبوع، لترى إذا كان ثمة ما يجب عمله، حتى وهي في حالتها الراهنة، ضعيفة البصر والعقل. لقد توسلت إليّ أمي، وهي على فراش الموت أن أتزوج وأنا شاب من امرأة بيضاء، وأن ننجب ثلاثة أبناء على الأقل، بينهم طفلة تحمل اسمها الذي كان اسم أمها وجدتها. كنت حريصا على الاستجابة لتوسلها، إنما كانت لدي فكرة شديدة المرونة عن الشباب، لم يبد لي معها قط أن الوقت قد تأخر. حتى ظهيرة يوم بالغ القيظ، أخطأت فيه بباب البيت الذي كان يملكه آل بالوماريس دي كاسترو في برادومار، وفاجأت الابنة الصغرى خيمنتا أورتيث عارية وهي تنام القيلولة في الغرفة المجاورة. كانت مستلقية وظهرها إلى الباب، والتفتت لتراني من فوق كتفها، بحركة سريعة جدا، لم تتح لي الوقت للهرب. آي اعذرني، توصلت إلى قول ذلك وروحي في فمي. فابتسمت هي واستدارت نحوي بحركة غزال، وأظهرت لي جسدها كاملا. بدت الحجرة كلها مترعة بحميميتها، لم تكن عارية تماما، فقد كانت على أذنها زهرة سامة، بتلاتها مائلة إلى اللون البرتقالي مثل (أولمبيا) مانيه، وكانت تضع أيضا سوارا ذهبيا في معصمها الأيمن، وعقد لؤلؤ حباته دقيقة. لم أتخيل قط أنه يمكن لي رؤية شيء أشد إثارة للارتباك فيما تبقى لي من الحياة، ويمكنني اليوم أن أؤكد أنني كنت على صواب.
    أغلقت دفعة واحدة، خجلا من بلادتي، ومصمما على نسيانها. لكن خيمينا أورتيث حالت دون ذلك، فقد راحت ترسل إلي رسائل شفهية مع أصدقاء مشتركين وبطاقات غرام استفزازية وتهديدات قاسية، فيما هي تنشر الإشاعة بأننا نحب أحدنا الآخر، دون أن نكون قد تبادلنا كلمة واحدة. كانت المقاومة مستحيلة، فقد كانت لها عينا قطة متوحشة، وجسد بالغ الإثارة، بالملابس ومن دونها، وشعر غزير من ذهب هائج. زهوها كامرأة يدفعني إلى البكاء غيظا على الوسادة. كنت أعرف أن ذاك لن يصل أبدا لأن يكون حبا، لكن الغواية الشيطانية التي مارستها علي كانت شديدة الإحراق، أحاول تهدئتها مع أي غانية خضراء العينين أصادفها في طريقي، لم أستطع قط إخماد نار ذكراها في سرير برادومار، وهكذا سلمتها أسلحتي بطلب يديها رسميا، وبتبادل خواتم والإعلان عن حفلة زفاف كبرى قبل عيد العنصرة.
    انفجر الخبر في الحي الصيني بقوة أكبر مما في الأندية الاجتماعية. في البدء بسخرية ولكنه تحول إلى معارضة أكيدة لبعض الأكاديميات المحترفات اللواتي يرين أن الزواج حالة مضحكة أكثر منها مقدسة. تقيدت خطوبتي بكل طقوس الأخلاق المسيحية، على شرفة أزهار الأوركيدا الأمازونية والسراخس المعلقة في بيت خطيبتي، كنت أصل إلى هناك في الساعة السابعة مساءً، مرتديا بذلة كاملة من الكتان الأبيض، وحاملا أي هدية من مشغولات الخرز التقليدية أو الشوكلاتة السويسرية. فنتبادل الحديث، نصفه بالرموز ونصفه بجد، حتى الساعة العاشرة، تحت حراسة أرخينديا التي كانت تغفو مع أول طرفة عين، مثل الرقيبات ذوات القلنسوات في روايات ذلك العهد.
    كانت خيمنتا تزداد شراهة كلما صار تعارفنا أفضل، فهي تتخلص من حمالات الصدر والتنانير كلما ازدادت وطأة حر حزيران، وكان من السهل تصور القدرة الهدامة الطاغية التي تمتلكها في العتمة. بعد شهرين من الخطوبة، لم يعد لدينا ما نتحدث عنه، وطرحت هي موضوع الأبناء، دون أن تقول مباشرة، وإنما بحياكة أخفاف صوف خام بالسنارة، لأطفال حديثي الولادة. وتعلمت أنا الخطيب الشهم الحياكة معها، وهكذا صارت الساعات غير المجدية المتبقية لحفل الزفاف، تمضي وأنا أحوك الأخفاف الزرقاء للمواليد الذكور، وهي تحوك الأخفاف الوردية للإناث، لنرى من منا سيصيب، إلى أن صارت الأخفاف تكفي لخمسين ابنا. وقبل أن تدق نواقيس الساعة العاشرة كنت أركب عربة تجرها أحصنة، وأذهب إلى الحي الصيني لأعيش ليلتي في سلام الرب.
    كانت حفلات وداع العزوبية الصاخبة التي يقيمونها لي في الحي الصيني تمضي في طريق معاكس لسهرات النادي الاجتماعي ثقيلة الوطأة والمضجرة. وهو تناقض أفادني في أن أعرف أي العالمين هو عالمي الحقيقي، وقد أوهمت نفسي بأنهما عالماي على السواء، ولكن كلا منهما في ساعاته المحددة. فمن أي واحد منهما، كنت أرى الآخر يبتعد بالزفرات المؤثرة التي تتباعد بها سفينتان، إحداهما عن الأخرى، في عرض البحر. الحفلة الراقصة عشية يوم زفافي، في ماخور (إلبودير دي ديوس) تضمن طقسا أخيرا لا يمكن له أن يخطر إلا لخوري غاليسي متورط في وحول الشهوة، ألبس جميع العاملات الإناث طرحات زفاف وأكاليل زهر برتقال، كيف يتزوجن جميعهن مني، في طقس ديني جماعي. كانت ليلة تدنيس عظيمة للمقدسات، أقسمت فيها اثنتان وعشرون منهن على الحب والطاعة، وأجبتهن بقسم الوفاء والإعالة إلى ما بعد القبر.
    لم أستطع النوم بسبب نذير أمر لا خلاص منه. ومنذ الفجر بدأت أعد مرور الساعات على دقات نواقيس الكاتدرائية، حتى دقات الناقوس السبع المرهوبة التي يتوجب علي عندها أن أكون في الكنيسة. بدأ جرس الهاتف بالرنين في الثامنة؛ طويلا لجوجا بلا لين، طوال أكثر من ساعة. ولم أكتف بعدم الرد عليه وحسب، وإنما بعدم التنفس أيضا. وقبل العاشرة بقليل طرقوا علي الباب، بقبضة اليد في البدء، ثم بصرخات أصوات معروفة ومستنكرة. خشيت أن يحطموه اعتقادا منهم بحدوث مكروه خطير، ولكن في حوالي الحادية عشرة ساد البيت صمت متوتر كالذي يلي الكوارث الكبرى. عندئذ بكيت من أجلها ومن أجلي، وصليت من أعماق قلبي متوسلا ألا ألتقي بها في حياتي، مطلقا وإلى الأبد. ولا بد أن قديسا ما سمعني نصف استماع، لأن خيمينا أورتيث غادرت البلاد، في تلك الليلة بالذات، ولم ترجع إلا بعد مرور عشرين عاما، وكانت قد تزوجت وصار لها سبعة أبناء، كان يمكن لهم أن يكونوا أبنائي.

    تكلفت جهدا في الحفاظ على موقعي وعمودي الأسبوعي في (الدياريو دي لا باث)، بعد تلك الإساءة الاجتماعية. ولكنها لم تكن السبب في إبعاد عمودي الصحفي إلى الصفحة الحادية عشرة، وإنما السبب هو الاندفاع الأهوج الذي دخل به القرن العشرون. فقد تحول التقدم إلى أسطورة المدينة. كل شيء تبدل. طارت الطائرات، وألقى رجل مبادرات كيس رسائل من طائرة "جنكر" مخترعا بذلك البريد الجوي.
    الشيء الوحيد الذي بقي على حاله هو أعمدتي في الصحيفة. انقضت الأجيال الجديدة عليها في هجمات مضادة، مثلما تنقض على مومياء من الماضي يجب تدميرها؛ ولكنني حافظت على مقالاتي، بالنبرة نفسها، دون تنازل، في مواجهة رياح التجديد. صممت أذني عن كل شيء. وكانت مقالاتي قد أكملت أربعين سنة، لكن المحررين الشبان كانوا يسمونها (مودارا النغل). استدعاني مدير ذلك الزمن إلى مكتبه، ليطلب مني أن أجاري نبرة الاتجاهات الجديدة. وقال لي بلهجة وقورة، كما لو أنه اخترع ذلك للتو: العالم يتقدم. فقلت له: أجل إنه يتقدم ولكن بالدوران حول الشمس. أبقى على عمودي ألأحدي، لأنه لم يجد مصحح برقيات آخر. وأنا أعرف اليوم أنني كنت على حق، وأعرف السبب. فمراهقو جيلي النهمون للحياة نسوا أوهام المستقبل روحا وجسدا، إلى أن علمهم الواقع بأن المستقبل ليس كما يحلمون به، واكتشفوا الحنين.
    وهناك كانت أعمدتي ألأحدية مثل لقية أثرية بين أنقاض الماضي، وانتبهوا إلى أنها ليست للشيوخ فقط، وإنما هي كذلك للشباب الذين لم يخافوا أن يشيخوا. وعندئذ رجع عمودي إلى صفحة الافتتاحيات، وحتى الصفحة الأولى في بعض المناسبات الخاصة.
    كل من يسألني أجيبه دوما بالحقيقة: العاهرات لم يتحن لي الوقت لأتزوج. ومع ذلك يجب أن أعترف بأنني لم أجد هذا التفسير قط ، حتى يوم إكمال سنواتي التسعين، عندما خرجت من بيت روسا كاباركاس، مصمما على عدم العودة مطلقا إلى استفزاز القدر. كنت أشعر أنني شخص آخر. انقلب مزاجي من جماعات الناس الذين رأيتهم متكئين على السور الحديدي المحيط بالحديقة العامة. وجدت داميانا مقرفصة في الصالة تمسح الأرضية فأثار في شباب فخذيها وهي في هذه السن، رعشة أزمنة أخرى. لا بد أنها أحست بذلك، لأنها غطت نفسها بالتنورة . ولم أستطع كبح الإغراء بسؤالها: أخبريني يا داميانا: ما الذي تتذكرينه؟ فقالت: لم أكن أتذكر شيئا، ولكن سؤالك ذكرني. أحسست بضيق في الصدر. قلت لها: لم أعرف الحب قط. فردت هي على الفور: أنا بلى، عرفته. وواصلت قائلة . ودون أن تتوقف عن عملها: بكيت اثنتين وعشرين سنة من أجلك.
    أحسست بقلبي يطفر من مكانه. فقلت لها، باحثا عن مخرج مشرف: كان يمكن لنا أن نكون ثنائيا جيدا. فقالت: إنك تسيء إلي بقول هذا الآن، لأنه لم يعد ينفعني ولو كعزاء. وبينما هي تغادر البيت، قالت لي بطريقة أكثر طبيعية: أنت لن تصدقني ولكنني ما زلت عذراء، والحمد لله.
    اكتشفت بعد قليل أنها تركت ورودا حمراء في كل أنحاء البيت، وبطاقة على الوسادة: (أتمنى لك بلوغ المئة). بهذا المذاق الكريه جلست لمواصلة كتابة عمودي الذي لم أكمله في اليوم السابق. أنهيته في نفس واحد، وخلال أقل من ساعتين، وكان علي أن ألوي عنق البجعة لأخرجها من أحشائي دون أن يظهر علي البكاء. وبنفحة إلهام متأخرة قررت أن أنهي هذا المقال بوضع حد سعيد، لحياة صحفية طويلة وجديرة دون الخضوع لشرط موتي البغيض.
    كنت أنوي ترك المقال في استعلامات الجريدة، والعودة إلى البيت. ولكنني لم أستطع. فالعاملون كلهم كانوا بانتظاري للاحتفال بعيد ميلادي. كانت هناك ورشة ترميم في البناء، مع سقالات وأنقاض باردة في كل مكان، ولكنهم أوقفوا أعمال البناء من أجل الاحتفال. وعلى منضدة نجار كانت مشروبات الأنخاب والهدايا الملفوفة بورق مبهرج. وبينما أنا مشوش بوميض آلات التصوير، استجبت لكل ما طلب من صور للذكرى.
    أسعدني أن أجد هناك صحفيين من الإذاعة، ومن جرائد المدينة الأخرى. من جريدة (لابرنسا) الصباحية المحافظة، وجريدة (الهيرالدو) الصباحية الليبرالية، و(الناثيونال) المسائية شديدة التأثير، التي تحاول التخفيف من توترات النظام العام بروايات عاطفية مسلسلة. لم يكن غريبا أن يكونوا معا، فضمن روح المدينة كان هناك تقبل حسن للحفاظ على سلامة الصدقات بين الجنود، بينما الماريشات يخوضون حروب الافتتاحيات.
    وكان هناك أيضا، خارج أوقات دوامه، الرقيب الرسمي دون خيرونيمو أورتيغا، الذي كنا نسميه رجل الساعة التاسعة البغيض، لأنه يصل بدقة في هذه الساعة من الليل، بقلمه الدموي كعاهل قوطي. ويبقى هناك إلى أن يتأكد من عدم وجود أي حرف لم ينل جزاءه من طبعة الصباح. كان لديه نفور شخصي تجاهي، لعجرفتي النحوية، أو لأنني أستخدم كلمات إيطالية، عندما تبدو لي أكثر قدرة على التعبير من الكلمة القشتالية، دون أن أضمنها في أقواس أو أكتبها بخط مائل، وهو استخدام يجب أن يكون مشروعا بين لغات من أصل واحد. وبعد أن عانينا منه أربع سنوات انتهينا إلى تقبله، باعتباره ضميرنا الخبيث.
    حملت السكرتيرات إلى القاعة قالب حلوى بودين، عليه تسعون شمعة مشتعلة، واجهتني لأول مرة بعدد سنوات حياتي. وكان لا بد لي من ابتلاع الدموع، عندما غنوا النخب، وتذكرت الطفلة دون أي مبرر. لم تكن خبطة حقدن وإنما شفقة متأخرة على المخلوقات التي لم أكن آمل بالعودة إلى تذكرها. وريثما انقضى مرور الملاك، كان أحدهم قد وضع في يدي سكينا من أجل تقطيع الحلوى. ولم يتجرأ أحد على ارتجال خطبة، خوفا من السخرية. وكنت أفضل الموت على الرد على مثل تلك الخطب. ولإنهاء الحفلة عمد رئيس التحرير الذي لم أشعر نحوه قط بتعاطف كبير، إلى إعادتنا إلى الواقع الفظ. فقد قال: والآن، أيها التسعيني اللامع، أين هي مقالتك؟
    الحقيقة أنني كنت أشعر بها تحرقني، طوال ما بعد الظهر، مثل جمرة في جيبي، غير أن التأثر كان قد تغلغل عميقا، على حد لم يطاوعني معه قلبي على إفساد الحفلة باستقالتي. فقلت: إنها غير موجودة هذه المرة. استاء رئيس التحرير لهذا الخطأ الذي لم يكن تصوره ممكنا منذ القرن السابق. فقلت له: تفهم الأمر مرة واحدة، لقد أمضيت ليلة شاقة، واستيقظت مشوشا. فقال هو بمزاجه الذي كالخلب: كان عليك إذن أن تكتب هذا، فالقراء يحبون أن يعرفوا من صاحب العلاقة مباشرة كيف هي الحياة في التسعين. فتوسطت إحدى السكرتيرات، ربما هناك سر لذيذ، قالت ذلك ونظرت إلي بخبث: أم أن الأمر ليس كذلك؟ أحرقت وجهي هبة ملتهبة، وفكرت: يا للعنة، كم هو جاحد الحياء. فأشارت أخرى، مشرقة، إلي بإصبعها: يا للروعة! ما زالت لديه أناقة الإحساس بالحياء. فاستثارت في وقاحتها حياء آخر فوق الحياء. وقالت السكرتيرة الأولى: لا بد أنها كانت ليلة انقضاض، أشعر بالحسد! وقبلتني قبلة ظلت مرسومة على وجهي. ازداد المصورون ضراوة. وبإحساس بالاختناق سلمت المقالة إلى رئيس التحرير وقلت له إن ما قلته سابقا كان مزاحا، وهاهي ذي، وهربت في جلبة نوبة التصفيق الأخيرة، كيلا أكون حاضرا عندما يكتشفون أنها رسالة استقالتي، بعد نصف قرن من عبودية التجديف.
    استمر الجزع طوال تلك الليلة، فيما أنا أفتح الهدايا في بيتي. عمال اللينوتيب جانبوا الصواب بإهدائي آلة صنع قهوة كهربائية، مثل الآلات الثلاث التي قدمت لي في أعياد ميلاد سابقة. وقدم لي الطباعون تفويضا باستلام قط أنغورا من الحظيرة البلدية للحيوانات. وقدمت لي الإدارة زيادة نقاط رمزية. وأهدت إلي السكرتيرات ثلاثة سراويل داخلية حريرية، عليها آثار قبلات مطبوعة، وبطاقة يعرضن فيها علي خلع السراويل عني. خطر لي إن إحدى مفاتن الشيخوخة هي الاستفزازات التي تسمح الصديقات الشابات لأنفسهن بها لأنهن يعتقدن أننا خارج الخدمة.
    لم أعرف قط من الذي أرسل لي اسطوانة تضم افتتاحيات شوبان الأربع والعشرين، بتوزيع ستيفان اسكيناس. وأهدى إلي معظم المحررين كتبا رائجة. لم أكن قد انتهيت من فتح الهدايا، عندما اتصلت بي روسا كاباركاس هاتفيا، وبادرتني بالسؤال الذي لا أريد سماعه: ما الذي جرى لك مع الطفلة؟ لا شيء، قلت دون أن أفكر بالأمر. فقالت روسا كاباركاس: أيبدو لك لا شيء أنك لم تجرب مجرد إيقاظها؟ لا يمكن لامرأة أن تتسامح قط مع رجل يزدري تدشينها. فتعللت بأنه لا يمكن للطفلة أن تكون مستنفدة إلى ذلك الحد لمجرد أنها تركب أزرارا، وربما كانت تتصنع النوم خوفا من خطورة اللحظة. فقالت روسا: الأمر الوحيد الخطير هو أنها تظن حقا أنك لم تعد تنفع، ولا أحب أن تذيع عنك ذلك في الرياح الأربع.
    لم أمنحها متعة مفاجأتي. وقلت لها: حتى لو كان الأمر كذلك فإن حالتها يرثى لها، ولا يمكن الاعتماد عليها، سواء أكانت نائمة أم مستيقظة.. إنها لحم مستشفى. أخفضت روسا كاباركاس من نبرتها: المشكلة في التسرع الذي تم به الاتفاق، ولكن هناك علاج، ولسوف ترى. تعهدت لي بأن تجعل الطفلة تعترف، وأن تجبرها إذا كان الأمر كما أقول على إعادة النقود، ما رأيك؟ فقلت لها: دعي الأمر عند هذا الحد، فهنا لم يحدث شيء، ولكنه أفادني بالمقابل كدليل على عدم صلاحيتي لهذه الأمور. وبهذا المعنى تكون الطفلة على حق: فانا لم أعد أنفع. أغلقت الهاتف، مفعما بإحساس بالتحرر لم أعرفه في حياتي، وبمنجى، أخيرا، من مهانة أبقتني تحت نيرها منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري.
    في الساعة السابعة مساء كنت ضيف شرف على كونشيرتو جاك ثيبول وألفرد كورتو في قاعة الفنون الجميلة، في عزف مجيد لسوناتا الكمان والبيانو لسيسر فرانك، وقد أخذني المعلم بيدرو بيافا، موسيقينا العظيم، بما يشبه الجرجرة، إلى الكواليس، ليقدمني إلى العازفين. شعرت بانبهار شديد، حتى أنني هنأتهما على سوناتا لشومان لم يعزفاها، فصحح لي أحدهم خطأي أمام الملأ، وبصورة خبيثة. الانطباع بأنني خلطت بجهل بسيط بين السوناتتين، ظل مغروسا في الجو المحلي، وزاد من الحرج أنني حاولت ترقيع الأمر، بتوضيح أرعن، في تعليقي النقدي على الكونشيرتو يوم الأحد التالي.
    أحسست لأول مرة في حياتي الطويلة بأنني قادر على قتل أحدهم. رجعت إلى البيت معذبا بهذا الشيطان الصغير الذي يهمس في الأذن بالإجابات المفحمة التي لم ترد إلى ذهني في الوقت المناسب، ولم تخفف القراءة ولا الموسيقى من غضبي. لحسن الحظ أن روسا كاباركاس أخرجتني من ذلك الهذيان بصرخة أطلقتها عبر الهاتف: إنني سعيدة بالجريدة لأنني لم أكن أظن انك أكملت التسعين وإنما المئة. فأجبتها مغتاظا: أبمثل هذا التهالك رأيتِني؟ فقالت هي: بالعكس، فما فاجأني هي رؤيتك في أحسن حال. ويا لروعة أنك لست من المسنين المتصابين الذين يزيدون عمرهم، ليراهم الآخرون في حالة حسنة. ثم غيرت الموضوع دون تمهيد: لقد أعددت لك هديتك. فاجأتني بذلك حقا: وما هي؟ فقالت: الطفلة.
    لم أتريث لحظة واحدة للتفكير، وقلت: شكرا، فهذا الأمر انتهى. لكنها واصلت الكلام، متجاوزة ما قلته: سأرسلها إليك في بيتك، ملفوفة بورق صيني، ومسلوقة مع عود صندل على البخار، وكل هذا مجانا. بقيت متشبثا بموقفي، وانهمكت هي في تفسير عويص، بدا لي مخلصا. قالت إن الطفلة كانت في حالة بالغة السوء في يوم الجمعة ذاك، لأنها أنجزت خياطة مئتي زر بالإبرة والكشتبان. وصحيح أنها كانت خائفة من الاغتصاب الدموي، ولكنها دربت الآن للتضحية. وأنها استيقظت في ليلتي معها، لتذهب إلى الحمام، ووجدتني أغط في نوم عميق، فأشفقت أن توقظني، وعندما استيقظت ثانية في الصباح كنت قد غادرت. غضبت لما بدا لي أنه كذب بلا طائل. فواصلت روسا كاباركاس: حسن، حتى لو كان الأمر كذلك فإن الطفلة نادمة. يا لها من مسكينة. إنها هنا أمامي. أتريد التكلم معها؟ فقلت لها: لا، بالله عليك.
    كنت قد بدأت الكتابة، عندما اتصلت سكرتيرة الجريدة. وكانت الرسالة هي أن المدير يريد رؤيتي في اليوم التالي، الساعة الحادية عشرة صباحا. ذهبت في الموعد الدقيق. كانت جلبة ترميم البناء لا تحتمل، فالهواء مخلخل بضربات مطارق وغبار أسمنتي، ورائحة قطران، ولكن المحررين كانوا قد اعتادوا على التفكير وسط روتين الفوضى. أما مكاتب المدير بالمقابل، فكانت باردة وهادئة، إنها في بلاد مثالية ليست بلادنا.
    نهض ماركو توليو الثالث واقفا بهيئته المراهقة حين رآني أدخل، ودون أن يقطع محادثة هاتفية، شد على يدي من فوق منضدة المكتب، وأومأ إلي بأن أجلس. توصلت إلى التفكير في أنه لا وجود لأحد في الجانب الآخر من الخط، وأنه يقوم بهذه المهزلة لإبهاري، ولكنني سرعان ما تبينت أنه يتكلم مع المحافظ، وكان حوارا صعبا في الحقيقة، بين عدوين حميمين. وأظن أنه فوق ذلك، كان يسعى إلى أن يبدو حازما أمامي، مع أنه ظل واقفا وهو يتكلم إلى السلطة.


    كانت تبدو عليه رذيلة العناية بحسن هندامه. فقد أكمل التاسعة والعشرين من عمره، ولديه أربع لغات، وثلاث شهادات خبرة دولية، على عكس الرئيس الأول مدى الحياة، جده لأبيه، الذي صار صحفيا تجريبيا بعد أن جمع ثروة من تجارة الرقيق الأبيض. إنه لطيف في التعامل، مشهور بأنه أنيق وهادئ، والصوت الوحيد الذي يعرض مهابته للخطر هي نبرة زائفة في صوته. يرتدي سترة رياضية على ياقتها زهرة أوركيدا حية، وكل شيء فيه يوحي بأنه جزء من كيانه الطبيعي، ولكن ليس فيه ما هو مخلوق لأجواء الشارع، وإنما لربيع مكاتبه وحسب. وأنا الذي أنفقت قرابة الساعتين لكي أرتدي ملابسي أحسست بخزي الفقر وتفاقمت حدة غضبي.
    ومع ذلك فقد كان السم القاتل في صورة بانورامية جماعية للعاملين في الجريدة، ملتقطة في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، مشارا فيها بصليب فوق رؤوس من ماتوا. كنت أنا الثالث إلى اليمين في الصورة، بقبعة قش مسطحة الحواف وربطة عنق ذات عقد كبيرة، مع لؤلؤة في المشبك، وشاربي الأول الشبيه بشارب كولونيل مدني، والذي كان لي حتى سن الأربعين، ونظارة طالب معهد ديني معدنية لم أعد أحتاجها بعد تجاوزي نصف القرن. لقد رأيت هذه الصورة من قبل معلقة في مكاتب عديدة، ولكنني لم أتحسس رسالتها إلا في تلك اللحظة: من الثمانية وأربعين موظفا الأصليين لم يبق سوى أربعة على قيد الحياة. وأصغرنا يقضي عقوبة بالسجن عشرين سنة لجريمة قتل متعدد.
    أنهى المدير المكالمة وفاجأني وأنا أنظر على الصورة فابتسم قائلا: الصلبان لم أضعها أنا، وأظن أنها مزعجة. جلس إلى المكتب وبدل نبرة صوته: اسمح لي أن أقول لك إنك أكثر الرجال الذين عرفتهم تهورا. وحيال مفاجأتي قال مستبقا كل شيء: أقول هذا بسبب استقالتك. وتمكنت من أن أقول له: إنها حياة كاملة. فرد هو بان هذا بالضبط هو السبب في عدم كون الاستقالة هي الحل المناسب. فقد بدت له المقالة رائعة، وكل ما تقوله عن الشيخوخة هو من أفضل ما قرأه على الإطلاق وليس هناك من معنى لإنهائها بقرار يبدو أشبه بإعلان موتي مدنيا. وقال: لحسن الحظ أن (رجل الساعة التاسعة البغيض) قرأها، بعد أن كانت صفحة الافتتاحية مخرجة، وبدت له غير مقبولة. ودون أن يبحث الأمر مع أحد شطبها من أعلاها إلى أسفلها بقلمه التوركيمادي، وعندما علمت بالأمر هذا الصباح أرسلت ملاحظة احتجاج إلى مكتب المحافظ. هذا هو واجبي، ولكن يمكنني أن أقول لك بيننا إنني شاكر جدا لتعسف الرقيب. مع أنني لم أكن مستعدا لآن أوافق على شطبه المقالة. وقال: أتوسل إليك من أعماق روحي. لا تغادر السفينة في عرض البحر. ثم أنهىا بأسلوب بديع: ما زال لدينا الكثير لقوله في الموسيقى.
    رأيت أنه مصمم جدا، فلم أتجرأ على زيادة حدة الاختلاف بحجة مسلية. المشكلة في الواقع هي أنني لم أجد آنذاك أيضا سببا محترما لمغادرة الناعورة، وقد أرعبتني فكرة القول له نعم مرة أخرى، لمجرد كسب الوقت. وكان علي أن أكبح نفسي كيلا يبدو علي التأثر اللعين الذي يستعجل الدموع. ومرة أخرى كالعادة ظللنا على ما كنا علي، بعد كل تلك السنوات الطويلة.
    في الأسبوع التالي، وبينما أنا ضحية حالة هي أقرب إلى التشوش منها إلى السعادة، مررت بمتجر الحيوانات لآخذ الهر الذي أهداه إلي الطباعون. ليس لدي ميل طبيعي إلى الحيوانات، وهو الإحساس نفسه الذي أشعر به تجاه الأطفال قبل أن يبدؤوا التكلم، لأنهم يبدون لي بكم الروح. لست أكرههم، ولكنني لا أستطيع تحملهم، لأني لم أتعلم التعامل معهم. يبدو لي أمرا مخالفا للطبيعة أن يتمكن رجل من التفاهم مع كلبه أكثر من تفاهمه مع زوجته، فيعلمه الأكل وعدم الأكل في مواعيد محددة، والرد على أسئلته ومشاطرته أحزانه. ولكن امتناعي عن أخذ هر الطباعين، يمكن له أن يكون كارثة. أضف إلى ذلك: أنه قط أنغورا بديع، له وبر وردي مصقول، وعينان لامعتان، ويبدو مواؤه كما لو أنه على وشك أن يكون كلاما. قدموه لي في سلة من الخيزران، مع شهادة لسلالته، وكراس استخدام مثل الذي يقدم مع الدراجات لتركيبها.
    كانت هناك دورية عسكرية تدقق في وثائق إثبات شخصية العابرين قبل السماح لهم بالمرور عبر حديقة سان نيكولاس. لم أر قط شيئا مماثلا، ولا يمكنني أن أتصور شيئا أشد تثبيطا للعزيمة كعلامة على شيخوختي. كانت دورية من أربعة شرطيين، يقودها ضابط يكاد يكون مراهقا. كان الشرطيون رجالا من المناطق الباردة، قساة صامتين، ولهم رائحة إسطبل، وكان الضابط يراقبهم جميعها بخديه الأنديزيين المحروقين على الساحل. بعد تفحص بطاقة هويتي وبطاقة اعتمادي الصحفية سألني عما أحمله في السلة. فقلت له: هر. أراد رؤيته. فرفعت غطاء السلة بكل حذر، خوفا من أن يهرب، ولكن شرطيا أراد أن يرى إذا لم يكن هناك شيء آخر، في قاع السلة، فوجه إليه القط ضربة من مخالبه. تدخل الضابط قائلا: إنه هر أنغورا ثمين. وداعبه بينما هو يتمتم بشيء، فلم يهاجمه القط، ولكنه لم يوله اهتمامه أيضا. سألني: كم سنة عمره؟ فقلت له: لا أدري، لقد أهدي إلي للتو. قال: إنني أسأل لأنه يبدو مسنا جدا، ر بما عمره عشر سنوات. أردت أن أسأله كيف يعرف ذلك وأشياء كثيرة أخرى، ولكن غيظي من أسلوبه المهذب، وطريقته المتدفقة في الكلام، أشعرتني بأنه ليس لدي معدة لتحمل التحدث إليه. وقال: يبدو لي أنه هر مهجور، تبادله أناس كثيرو. لن تجعله يتكيف معك، وإنما أنت الذي ستتكيف معه. اتركه على هواه، إلى أن تكسب ثقته. أطبق غطاء السلة، وسألني: ماذا تشتغل حضرتك؟ صحفي. منذ متى؟ فقلت له: منذ نحو قرن. شد على يدي وودعني بعبارة يمكن لها أن تكون نصيحة طيبة أو تهديدا على السواء:
    - انتبه لنفسك.
    فصلت الهاتف عند الظهيرة كي ألوذ بالموسيقى في برنامج بديع: رابسودية كلارينيت وأوركستا لفاغنر، وساكسيفون لديبوس، والخماسي الوتري لبروكنر، وهذه الأخيرة هي سكينة عدنية في كارثية أعماله. ووجدت نفس محاطا بظلمة المكتب. أحسست بشيء ينسل تحت طاولتي، لم يكن جسدا حيا وإنما حضورا خارقا للطبيعة احتكّ بقدمي، فقفزت صارخا. كان الهرّ بذيله الوبري البديع، وتثاقله الغامض، وسلالته الأسطورية، ولم أستطع كبح قشعريرة إحساسي بأنني وحيد في البيت، مع كائن غير بشري.
    عندما دقت الساعة السادسة في الكاتدرائية، كانت هناك نجمة وحيدة ونظيفة في السماء ذات اللون الوردي، أطلقت سفينة صفير وداع محزون، وأحسست في حلقي بعقدة من المستحيل حلها، لكل الغراميات التي كان يمكن له أن تكون ولم تكن. لم أستطع تحمل المزيد. رفعت سماعة الهاتف وقلبي في فمي، وأدرت الأرقام الأربعة ببطء شديد كيلا أخطئ، ولدى الرنين الثالث تعرفت على الصوت. حسن يا امرأة، قلت لها بزفرة ارتياح، وتابعتُ: اعذريني على نزقي هذا الصباح. فقالت بهدوء: لا تقلق، كنت أنتظر مكالمتك، فنبهتها: أريد أن تنتظرني الطفلة مثلما ألقى الله بها إلى الدنيا، ودون أصبغة على وجهها. ضحكت هي ضحكة مجلجلة، وقالت: كما تشاء، ولكنك ستفقد متعة تعريتها قطعة فقطعة، مثلما يفتتن المسنّون، ولست أدري السبب. فقلت: أما أنا فأعرفه: لأنهم يشيخون أكثر فأكثر. واعتبرت هي الأمر ناجزا. فقالت:
    - حسن، هذه الليلة إذن، في العاشرة تماما، قبل أن تبرد السمكة.

    الفصل الثالث


    كيف يمكن أن يكون اسمها؟ صاحبة المحل لم تخبرني به. عندما حدثتني عنها لم تكن تسميها إلا: "الطفلة". وقد حولته أنا إلى اسم شخصي، كما هي طفلة العينين [بؤبؤ العين>، أو السفينة الطفلة [أصغر سفن كولومبس الثلاث>. وروسا كاباركاس تضع لفتياتها، فوق ذلك، اسما مختلفا مع كل زبون. وقد كنت أستمتع بتخمين أسمائهن من خلال ملامح وجوههن. ومنذ البدء كنت متأكدا من أن للطفلة اسما طويلا، مثل فيلومينا، أو ساتورنينا، أو نيكولاسا. كنت مستغرقا في التفكير في هذا الأمر عندما انقلبت هي نصف دورة، في السرير، وصارت توليني ظهرها، بدا لي كما لو أنها قد خلفت، في حركتها، بركة دم لها حجم جسدها وشكله. كانت مفاجأة آنية، إلى أن أدركت أنه بلل العرق على الملاءة.
    كانت روسا كاباركاس قد نصحتني بأن أعاملها بحرص، لأن خوف المرة الأولى ما زال مسيطرا عليها. بل أكثر من ذلك، أظن أن مهابة هذا الطقس قد فاقمت من خوفها، وكان عليها أن تزيد لها جرعة الفاليريانا المهدئة. لأنها كانت تنام بوداعة، يبدو من المحزن معها إيقاظها دون تهديل. وهكذا رحت أمسح عرقها بالمنشفة، وأنا أغني لها هامسا أغنية دليغادينا، ابنة الملك الصغرى، التي جاهر أبوها بحبها. وكلما مسحت مكانا، كانت تكشف لي جانبا آخر متعرقا، على إيقاع أغنيتي: (ديلغادينا، أنت ستكونين محبوبتي العزيزة). كانت متعة بلا حدود، فقد كان أحد جانبيها يتعرق من جديد، عندما أنتهي من مسح الجانب الآخر، كيلا تنتهي الأغنية أبدا. وغنيت في أذنها: (انهضي يا ديلغادينا، والبسي تنورتك الحريرية). وأخيرا عندما وجدها خدم الملك ميتة من العطش في فراشها، بدا لي أن طفلتي على وشك أن تستيقظ وهي تسمع الاسم: إنها هي إذن: ديلغادينا.
    رجعت إلى السرير بسروالي الداخلي المطبع بالقبلات، واستلقيت بجانبها. نمت حتى الخامسة على هدهدة تنفسها الهادئ. ارتديت ملابسي بأقصى سرعة دون أن أغتسل، وعندئذ فقط رأيت الكتابة، بقلم أحمر الشفاه، على مرآة المغسلة: (النمر لا يأكل بعيدا). أعرف أن هذه الكتابة لم تكن موجودة في الليلة السابقة، وأنه لا يمكن أن يكون أحد قد دخل الغرفة، فاعتبرتها معلقة الشيطان. فاجأني عند الباب رعد مرعب، وامتلأت الحجرة برائحة التراب المبلل المنذرة. لم أجد الوقت الكافي للهرب سليما. فقبل أن أعثر على سيارة أجرة هطل وابل عظيم. من تلك الأمطار التي تنشر الفوضى في المدينة بين شهري أيار وتشرين الأول. فشوارع الرمل الملتهب التي تنحدر باتجاه النهر، تحولت إلى سيول تجرف كل ما تجده في طريقها. يمكن لمياه أيلول الغريبة تلك بعد ثلاثة أشهر من الجفاف، أن تكون آتية من العناية الإلهية أو مدمرة على السواء.
    منذ أن فتحت باب البيت، خرج للقائي إحساس مادي بأنني لست وحدي. تمكنت من رؤية نذر الهر الذي قفز عن الصوفا وتوارى في الشرفة. كانت لا تزال هناك في طبقه بقايا طعام لم أقدمه أنا إليه. وكانت رائحة بوله الزنخ وبرازه الساخن تلوث كل شيء. كنت قد عكفت على دراسته، مثلما درست اللغة اللاتينية. الكراس المرجعي يقول إن القطط تحفر في الأرض، لإخفاء برازها، وفي البيوت التي ليس فيها فناء مثل هذا البيت يفعل القط ذلك في أصص نباتات الزينة، أو في ركن خفي آخر، والحل المناسب هو أن يؤمن له. منذ اليوم الأول صندوق مملوء بالرمل، لتوجيه عاداته، وهذا ما فعلته. ويقول الكراس أيضا إن أول ما تفعله القطط في بيت جديد، هو تحديد مجالها الخاص، بالتبول في كل الأنحاء، وربما كان هذا هو الوضع الذي أواجهه. ولكن الكراس لا يشير إلى كيفية معالجة ذلك. تتبعت آثاره كي أتآلف مع عاداته الأصلية، ولكنني لم أصل إلى مخابئه السرية وأماكن راحته، وأسباب تقلب أهوائه، أردت تعليمه الأكل في مواعيد محددة واستعمال صندوق الرمل على الشرفة وعدم الصعود إلى سريري وأنا نائم، وعدم تشمم الأطعمة على المائدة، ولم أتمكن من جعله يفهم أن هذا البيت له كحق شرعي وليس كغنيمة حرب. ولهذا تركته على هواه.
    عند الغروب واجهت وابل المطر، وكانت رياحه الإعصارية تهدد باقتلاع البيت. عانيت من نوبة عطاس متتال، وأصبت بألم في رأسي وبحمى، ولكنني كنت أشعر بامتلاك قوة وتصميم لم أمتلك مثلهما في أي مرحلة عمرية أخرى، ولا في سبيل أية قضية. وضعت قدورا على الأرض، لالتقاط الماء المتسرب من ثقوب السقف، وانتبهت إلى أن هناك ثقوبا أخرى قد ظهرت منذ الصيف الفائت. أكبرها بدا يغرق الجانب الأيمن من المكتبة. سارعت إلى إنقاذ الكتّاب الإغريق واللاتينيين الذين يعيشون في ذلك الجانب، ولكنني ما إن رفعت الكتب حتى وجدت تدفق ماء عالي الضغط، يخرج من أنبوب مكسور داخل الجدار. خففت من التدفق بخِرق، قدر استطاعتي، كي اتيح لنفسي الوقت لإنقاذ الكتب. ازداد صخب الماء وعويل الريح في الحديقة. وفجأة ملأ برق شبحي ورعده المرافق الجو برائحة كبريت قوية. هشمت الريح زجاج الشرفة. وكسرت عاصفة البحر العاتية الأقفال ودخلت إلى البيت. ومع ذلك وقبل انقضاء عشر دقائق، توقف المطر فجأة. جففت شمس بديعة الشوارع الممتلئة بأنقاض جانحة، ورجع الحر.
    عندما انقطع وابل المطر، كنت لا أزال على إحساسي بأنني لست وحيدا في المنزل. تفسيري الوحيد هو أنه مثلما هناك وقائع واقعية تنسى، فإن هناك أيضا وقائع لم تحدث قط، ويمكن لها أن تظل في الذاكرة، كما لو أنها حدثت فعلا. والمسألة أنني عندما أستذكر التعجل الذي تصرفت به خلال وابل المطر، فإنني لا أرى نفسي وحيدا في البيت، وإنما برفقة ديلغادينا على الدوام. شعرت بها قريبة جدا مني في تلك الليلة، حتى أنني أحسست بإيقاع أنفاسها في غرفة النوم، وبنبض خدها على وسادتي، وهكذا فقط أدركت كيف أمكن لنا أن نفعل أشياء كثيرة في مثل ذلك الوقت الكثير. أتذكر نفسي وأنا أقف فوق مقعد المكتبة الذي بلا مسند، وأتذكرها مستيقظة بفستانها المطبع بأزهار تتلقى الكتب مني لتضعها في مكان آمن. أراها تركض من جانب إلى آخر في البيت، وهي تصارع العاصفة، مبللة بالمطر وبماء الأنابيب. أتذكر كيف أعدت في صباح اليوم التالي فطورا لم يكن قط، وكيف رتبت المائدة وأنا أمسح الماء من أرضية الغرف، وأرتب البيت الغارق. لم أنس قط نظرتها المكفهرة، ونحن نتناول الفطور: لماذا تعرفت إلي وأنت عجوز؟ وأجبتها بالحقيقة: ليست السن هي ما بلغه أحدنا من العمر، بل ما يشعر به.
    منذ ذلك الحين صارت موجودة في ذاكرتي، بوضوح يمكنني معه أن أفعل بها ما أشاء. أبدل لون عينيها حسب حالتي المعنوية: لون الماء عند الاستيقاظ، لون قطر القصب حين تضحك، لون الضوء عندما أعارضها. وألبسها حسب السن والظروف التي تتلاءم مع تبدلات مزاجي: ثياب عروس محبة في العشرين، وعاهرة صالون في الأربعين، وملكة بابلية في السبعين، وقديسة في المئة. نغني ثنائيات حب على موسيقى بوتشيني، وألحان بوليرو لأوغسطين لارا، وأغنيات تانغو لكارلوس غارديل، ونبرهن لنفسينا مرة أخرى أن من لا يغنون لا يمكنهم أن يتصوروا، مجرد تصور، ما هي سعادة الغناء. اليوم أعلم أن ذلك لم يكن أضغاث أحلام، وإنما معجزة أخرى من معجزات حب حياتي الأول، وأنا في التسعين.
    عند الانتهاء من ترتيب البيت، اتصلت بروسا كاباركاس، فهتفت حين سمعت صوتي: يا للرب المقدس! ظننت أنك قد غرقت. ولم يكن بإمكانها تفهم كيف أنني عدت لقضاء ليلة أخرى مع الطفلة، دون أن ألمسها. لك كامل الحق في ألا تعجبك، ولكن عليك أن تتصرف كراشد. حاولت أن أوضح لها ولكنها بدلت الموضوع دون تمهيد: لقد وجدت لك على أي حال واحدة أخرى، أكبر قليلا، جميلة وعذراء كذلك. أبوها يريد استبدالها ببيت ولكن يمكننا المساومة على تخفيض. تجمد قلبي. لم يكن ينقصني إلا هذا، اعترضت مذعورا دون إخفاق كالعادة ودون مشاجرات ودون ذكريات سيئة. ساد الصمت خط الهاتف، وأخيرا جاء الصوت المذعن الذي قالت به كما لو أنها تكلم نفسها: حسن، لا بد أن هذا هو ما يسميه الأطباء عته الشيخوخة.
    ذهبت في العاشرة ليلا، مع سائق معروف بفضيلة عدم توجيه أسئلة غريبة. أخذت معي مروحة نقالة، ولوحة لأورلاندو ريفيرا، العزيز (فيغوريتا)، ومطرقة ومسمارا لتعليق اللوحة. توقفت في الطريق لشراء فرشاة أسنان ومعجون وصابون معطر، وماء كولونيا، وأقراص عرق سوس. وأردت أن آخذ كذلك مزهرية جيدة، وباقة أزهار صفراء لطرد بلاهة الأزهار الورقية، ولكنني لم أجد محلا مفتوحا، فاضطررت إلى أن أسرق من حديقة خاصة، باقة أزهار أستروميلا حديثة التفتح.
    وبناء على تعليمات صاحبة المحل، صرت أدخل من ذلك اليوم من الشارع الخلفي، من جهة المجرى المائي، كيلا يراني أحد داخلا من البوابة المطلة على البستان. وقد حذرني السائق: حذار أيها العالم. ففي هذا البيت يقتلون. وأجبته: ليس مهما، إذا كان القتل قتلا بدافع الحب. كان الفناء مظلما، إلا أنه كانت هناك أنوار حياة في النوافذ، وصخب موسيقى في الحجرات الست. وفي حجرتي، بصوت أعلى من الأخريات، ميزت الصوت الدافئ لبيدرو بارغاس، تينور أميركا، في لحن بوليرو لميغل ماتاموروس. أحسست أنني سأموت. دفعت الباب بأنفاس مقطوعة، ورأيت ديلغادينا في السرير، مثلما هي في ذكرياتي: عارية ونائمة في سلام مقدس على جانب قلبها.
    وقبل أن أستلقي في السرير رتبت خوان الزينة، ووضعت المروحة الجديدة محل الصدئة، وعلقت اللوحة حيث يمكنها رؤيتها من السرير. استلقيت إلى جوارها، وتفحصتها شبرا فشبرا. إنها هي نفسها التي كانت تجوب أنحاء بيتي: اليدان نفسيهما اللتان تتعرفان إلي باللمس في الظلام، القدمان نفسيهما بخطواتهما الخفيفة التي يمكن الخلط بينها وبين خطوات القط، رائحة العرق نفسها التي تفوح من ملاءاتي، وأصبع الكشتبان. أمر لا يصدق: فأنا أراها وألمسها وهي من لحم وعظم فتبدو لي أقل واقعية مما هي عليه في ذكرياتي.
    قلت لها: توجد لوحة على الجدار المقابل، رسمها فيغوريتا، وهو رجل أحببناه كثيرا، وأفضل راقص مواخير وجد على الإطلاق، وطيب القلب إلى حد أنه كان يشفق على الشيطان، رسمها بورنيش السفن على كتان محترق الأطراف، من طائرة انفجرت في جبال سييرا نيفادا، بالقرب من مدينة سانتا مارتا، وبرياش صنعها بنفسه من وبر كلب.
    المرأة المرسومة هي راهبة اختطفها من دير وتزوجها. إنني أترك اللوحة هنا لتكون أول شيء ترينه عندما تستيقظين.
    لم تكن قد بدلت وضعها عندما أطفأت النور في الواحدة بعد منتصف الليل، وكان تنفسها خفيفا إلى حد أنني أمسكت معصمها، لأجس نبضها وأتأكد من أنها حية. كانت الدماء تنساب في عروقها بتدفق أغنية تتفرع حتى أكثر الأركان خفية في جسمها، وتعود إلى القلب المطهر بالحب.
    وقبل أن أغادر عند الفجر رسمت خطوط راحة يدها على ورقة، وقدمتها إلى العرافة ديفا ساهبي لمعرفة روحها. فكانت هكذا: إنها خطوط يد شخصية لا تقول إلا ما تفكر فيه. وهي مؤهلة تماما للأعمال اليدوية. كانت لها اتصالات مع شخص مات، وهي تنتظر مساعدة منه، ولكنها مخطئة: فالمساعدة التي تبحث عنها في متناول يدها. لم تقم أي ارتباط ولكنها ستموت متقدمة في السن ومتزوجة. لديها الآن رجل أسمر، لن يكون رجل حياتها. وسيكون بإمكانها أن تنجب ثمانية أبناء، ولكنها ستقتصر على ثلاثة فقط. في الخامسة والثلاثين من عمرها ستفعل ما يمليه عليها القلب وليس العقل، وسيكون لديها مال كثير، وفي الأربعين ستتلقى ميراثا. ستسافر كثيرا. لها حياة مزدوجة وحظ مزدوج، ويمكن لها أن تؤثر على قدرها. تحب أن تجرب كل شيء بدافع الفضول، ولكنها ستندم إذا لم تأخذ بتوجيهات قلبها.
    ومعذبا بالحب قمت بإصلاح الأضرار التي سببتها العاصفة وانتهزت الفرصة لإجراء ترميمات كثيرة كنت أؤجلها منذ سنوات، لعدم القدرة على تكاليفها أو بسبب الإهمال والتراخي. أعدت تنظيم المكتبة، وفق الترتيب الذي قرأت فيه الكتب. وأخيرا بعت الأرغن الميكانيكي في مزاد، كتحفة تاريخية، مع لفافاته الموسيقية الكلاسيكية التي تزيد على مئة واشتريت فونوغرافا مستعملا، لكنه أفضل من الذي لدي، مع مكبرات صوت عالية الدقة، ضخمت أجواء البيت. فصرت على حافة الإفلاس، ولكن مع تعويض جيد، بمعجزة بقائي حيا وأنا في هذه السن. كان البيت يولد من رماده، وأنا أبحر في حب ديلغادينا بزخم وسعادة لم أعرفهما قط في حياتي السابقة. وبفضلها تواجهت أول مرة مع كياني الطبيعي فيما سنتي التسعون تمضي. اكتشفت أن وسواسي بأن يكون كل شيء في مكانه وكل مسألة في وقتها وكل كلمة بأسلوبها ليس المكافأة المستحقة لذهن مرتب، بل هو على العكس من ذلك، نظام تصنع ابتدعته نفسي لمواراة فوضاء الطبيعية. اكتشفت أنني لست منضبطا بدافع الفضيلة وإنما كرد فعل على تهاوني وتقصيري؛ وأنني أبدو سخيا لكي أواري خستي، وأنني أتظاهر بالتعقل والحذر لأنني سيئ الظنون، وأنني أميل إلى المصالحة كيلا أنقاد لنوبات غضبي المكبوحة، وأنني دقيق في مواعيدي لمجرد ألا يعرف مدى استهانتي بوقت الآخرين. واكتشفت أخيرا أن الحب ليس حالة روح وإنما هو علامة بروج فلكية.
    صرت شخصا آخر. حاولت قراءة الكلاسيكيين الذين وجهوني في صباي فلم أستطع ذلك. أغرقت نفسي في الآداب الرومانسية التي نفرت منها عندما أرادت أمي فرضها علي بالقوة. ومنها توصلت إلى أن أعي أن القوة الغلابة التي دفعت العالم قدما، ليست في الغراميات السعيدة، وإنما في الغراميات المعاكسة. وعندما تعرض ذوقي الموسيقي لأزمة اكتشفت كم أنا متأخر وهرم، وفتحت قلبي لمتع المصادفات.
    إنني أتساءل كيف أمكن لي أن أرزح تحت وطأة هذا الدوار الأبدي الذي أسببه أنا نفسي وأخشاه. كنت أطفو بين غيوم تائهة، وأكلم نفسي قبالة المرآة، سعيا إلى الوهم الباطل بمعرفة من أنا. وبلغ هذياني حدا في إحدى المظاهرات الطلابية بالحجارة والزجاجات، أن استجمعت قوة من ضعفي كيلا أتصدر المظاهرة بلافتة تكرس حقيقتي: ( إنني مجنون بالحب).
    ومغشي علي باستذكار ديلغادينا النائمة، دون هوادة، بدلت دون أدنى خبث روح مقالاتي في أيام الآحاد. فصرت أكتبها لها، أيا كانت المسألة التي أطرحها. كنت أضحك في مقالاتي أو أبكي من أجلها وفي كل كلمة منها تستنفد حياتي. وبدلا من صيغة التعليق المحلي التقليدي التي كانت عليه منذ الأزل، صرت أكتبها كرسائل حب، يمكن لأي كان أن يعتبرها له. اقترحت على الجريدة ألا يطبع النص بحروف اللينوتيب الطباعية، وإنما بخطي المنمق. وبدا الأمر لرئيس التحرير ، كيف لا، مجرد إفراط آخر في غرور الشيخوخة، لكن المدير العام أقنعه بجملة ما زالت تمضي طليقة في قاعة التحرير:
    - لا تخطئ: فالمجانين الوديعون يستبقون المستقبل.
    وكان الرد الشعبي فوريا وحماسيا، في الكثير من رسائل القراء العاشقين، وبعض السطور في نشرات الأخبار المستعجلة لآخر ساعة. واستنسخت منها نسخا بمحاكاة الخط يدويان أو باستخدام ورق الكربون، وكانت تباع مثل السجائر المهربة على نواصي شارع سان بلاس. كان جليّا منذ البداية، أنها تستجيب للهفتي في التعبير عن حالتي، ولكنني تعودت على أخذ ردود الفعل تلك بالاعتبار وأنا أكتب، ودائما بصوت رجل في التسعين من عمره، لم يتعلم التفكير كعجوز هرم. أبدى الوسط الثقافي، كما هي عادته، الفزع والانقسام: وحتى خبراء الخطوط الذين لا يخطرون على بال أحد، عقدوا مناظرات حول التحاليل الخاطئة لخطي. وكانوا هم من قسموا التوجهات الحماسية وأحموا النقاش، وجعلوا من الحنين موضة رائجة.

    قبل انتهاء السنة كنت قد رتبت مع روسا كاباركاس من أجل الإبقاء في الغرفة على المروحة الكهربائية ومستحضرات التجميل على خوان الزينة، وما سأواصل إحضاره إليها في المستقبل، لجعلها صالحة للمعيشة. كنت أصل في العاشرة على الدوام حاملا شيئا جديدا لها، أو مناسبا لذوقنا نحن الاثنين، وأكرس بضع دقائق لإخراج الأشياء المخبّأة، وترتيب مسرح ليالينا، وقبل أن أغادر، ليس بعد الخامسة على الإطلاق، أعود لحفظ كل شيء وتأمينه وراء قفل. فتصير الحجرة عندئذ هزيلة، مثلما كانت في الأصل، للغراميات الحزينة للزبائن العابرين .
    في صباح أحد الأيام سمعت أن ماركوس بيريث، أوسع الأصوات شعبية في الإذاعة منذ الفجر، قد قرر قراءة مقالتي الأحدية في برنامجه الإخبارية أيام الاثنين. وعندما تمكنت من كبح غثياني قلت متفاجئا: أنت تعرفين يا ديلغادينا، الشهرة سيدة بدينة لا تنام مع المرء، ولكنه حين يستيقظ يجدها تنظر إليه قبالة السرير.
    في واحد من تلك الأيام بقيت لتناول الفطور مع روسا كاباركاس، وكانت قد بدأت تبدو لي أقل هرما على الرغم من الحداد الصارم والقلنسوة السوداء التي تصل حتى حاجبيها. كانت وجبة الفطور التي تعدها مشهورة بروعتها، مع شحنة من الفلفل الحار أنزلت دموعي. ومع لقمة النار الحارقة الأولى، قلت لها مستحما بالدموع: لن أحتاج هذه الليلة إلى قمر مكتمل كي أصاب بحرقة في شرجي. فقالت هي: لا تتذمر، إذا كان يحرقك فلأنه لا يزال موجودا لديك، بحمد الله.
    أبدت استغرابها عندما ذكرت أمامها اسم ديلغادينا. فقالت: هذا ليس اسمها. لأن اسمها. فقاطعتها: لا تخبريني به، فهي ديلغادينا بالنسبة لي. هزت كتفيها: حسن، إنها لك في نهاية المطاف، ولكنه يبدو لي اسما مدرّا للبول. أخبرتها بعبارة النمر التي كتبتها الطفلة على المرآة. فقالت روسا: لا يمكن أن تكون هي من فعلت ذلك، لأنها لا تعرف القراءة والكتابة. من كتبها إذن؟ فهزت كتفيها: يمكن أن يكون شخصا قد مات في الغرفة.
    كنت أنتهز جلسات الفطور تلك لأفرج عن نفسي، وافتح قلبي لروسا كاباركاس، وألتمس منها تقديم خدمات ضئيلة، من أجل راحة ديلغادينا وحسن مظهرها. وكانت تمنحني تلك الخدمات دون أن تفكر فيها، بشيطنة تلميذة. وقد قالت لي في تلك الأيام: يا له من أمر مضحك! أشعر كما لو أنني أطلب يدها. وخطرت لها الفكرة: وبالمناسبة، لماذا لا تتزوجها؟ أصبت بالتجمد. فألحت هي: بجد، سيكون ذلك أرخص لك. ولمشكلة في سنك هذه، في نهاية المطاف، هي إن كنت تنفع أم لا، وقد أخبرتني بأن هذه المشكلة محلولة. فاعترضتها: الجنس هو العزاء الذي يلجأ إليه المرء عندما لا يحصل على الحب.
    أفلتت هي ضحكتها: آي، يا عالمي، لقد كنت أعرف على الدوام أنك رجل، وقد كنت كذلك دوما، ويسعدني أنك ما زلت، بينما يسلم أعداؤك أسلحتهم. إنهم محقون بالإكثار من الحديث عنك. هل سمعت ماركوس بيريث؟ فقلت لها، لأقطع الموضوع: الجميع يستمعون إليه. ولكنها ألحت: وكذلك البروفوسور كاماتشو كانو، قال بالأمس، في برنامج "ساعة لقليل من كل شيء"، إن العالم لم يعد مثلما كان، لأنه لم يبق فيه رجال كثيرون من أمثالك.
    في نهاية ذلك الأسبوع، وجدت دليغادينا مصابة بالحمى والسعال. أيقظت روسا اكاباركاس كي تعطيني دواء بيتيا ما، فحملت إلي، في الغرفة، صيدلية إسعافات أولية. بعد يومين من ذلك كانت صحة ديلغادينا لا تزال واهنة، ولم تستطع العودة إلى عملها الروتيني في تركيب الأزرار. كان الطبيب قد وصف لها علاجا بيتيا من زكام عادي، يخف خلال أسبوع، ولكنه ذعر لحالة سوء تغذيتها العامة. توقفت عن رؤيتها وأحسست أنني أفتقدها، فانتهزت الفرصة لأرتب الغرفة في غيابها.
    حملت إلى هناك أيضا رسما بالقلم لسيسيليا بوراس، رسمته من أجل (جميعنا في الانتظار)، كتاب قصص قصيرة لألفارو سبيدا. وأخذت أيضا الأجزاء السبعة من رواية "جوان كريستوفر" لرومان رولان، كي أرعى سهراتي. وعندما استطاعت ديلغادينا العودة إلى الغرفة، وجدتها جديرة بسعادة مستقرة: الهواء المنقى بمضاد حشرات معطر، جدران مطلية بلون وردي، مصابيح خافتة، أزهار جديدة في المزهريات، كتبي المفضلة، أفضل لوحات أمي معلقة بطريقة أخرى، وفق ذوق هذه الأيام. وكنت قد استبدلت المذياع القديم بآخر ذي موجة قصيرة، أبقيته متزامنا مع برنامج موسيقى راقية، كي تتعلم ديلغادينا النوم على رباعيات موزارت. ولكنني وجدته في إحدى الليالي على محطة متخصصة بأغنيات البوليرو الرائجة. إنه ذوقها دون شك، فتقبلته دون ألم، فأنا أيضا عنيت بالبوليرو من قلبي في أفضل أيامي. وقبل أن أرجع إلى البيت، في اليوم التالي، كتبت على المرآة بقلم أحمر الشفاه: (إننا وحيدان في العالم يا طفلتي).
    في هذه الفترة راودني إحساس غريب بأنها تكبر قبل موعدها. تحدثت في الأمر مع روسا كاباركاس، وبدا لها ذلك طبيعيا. فقد قالت لي: ستكمل الخامسة عشرة من عمرها في الخامس من كانون الأول القادم. إنها نموذج كامل لبرج القوس، وأقلقني أنها واقعية إلى حد أن لها عيد ميلاد. ماذا يمكنني أن أهدي إليها؟ فقالت روسا كاباركاس: دراجة. فعليها أن تجتاز المدينة مرتين كل يوم، من أجل الذهاب لتثبيت الأزرار. وأرتني في مستودع الدكان الخلفي، الدراجة التي تستخدمها، وقد بدت لي في الحقيقة، خردة غير جديرة بامرأة محبوبة مثلها. ولكن وجود الدراجة أقنعني، مع ذلك بالدليل الملموس، بأن ديلغادينا موجودة في الحياة الواقعية.
    عندما ذهبت لشراء أفضل دراجة لها، لم استطع مقاومة إغواء تجربتها. وقمت ببعض الجولات العارضة على منصة المتجر المائلة. البائع الذي سألني عن سني أجبته بتدلل الشيخوخة. سأكمل الواحدة والتسعين. فقال الموظف ما كنت أود سماعه بالضبط: إنك تبدو اصغر بعشرين سنة. أنا نفسي لم أفهم كيف ما زلت أحتفظ بممارسات المدرسة، وأحسست أنني مترع بمتعة مشعة. بدأت أغني. غنيت أولا بيني وبين نفسي، بصوت خافت، وبعد ذلك بملء صدري، بزهو كاروسو العظيم، وسط المتاجر المزركشة، وحركة المرور المجنونة في السوق العام. كان الناس ينظرون إلي بمرح، ويصرخون بي، ويحثونني على المشاركة في مسابقة "اجتياز كولومبيا" على الدراجات. فكنت أوجه إليهم بيدي تحية ملاح سعيد، دون أن أوقف الأغنية. في هذا الأسبوع، تكريما لكانون الأول كتبت مقالة جريئة أخرى: (كيف تكون سعيدا على دراجة وأنت في التسعين).
    في ليلة عيد ميلادها غنيت لديلغادينا أغنية أعياد الميلاد كاملة، وقبلتها في كل أنحاء جسمها، إلى أن انقطعت أنفاسي: ألعمود الفقري فقرة فقرة، حتى الردفين الهزيلين، والخاصرة ذات الشامة، في جهة قلبها الذي لا يكل ولا يستنفد. وكلما تماديت في تقبيلها ازدادت حرارة جسدها وأطلق عبقا وحشيا وقد ردت علي بارتعاشات جديدة في كل بوصة من بشرتها، وفي كل بوصة كنت أجد دفئا مختلفا، وطعما خاصا، وأنة جديدة، ورنت كلها من الداخل في دوزان موسيقي، وتفتحت حلمتا نهديها كزهرتين دون لمسهما. بدأت أغفو في الفجر عندما سمعت ما يشبه جلبة حشد في البحر، وهلع أشجار اخترق قلبي. عندئذ ذهبت إلى الحمام، وكتبت على المرآة: ( لقد جاءت نسائم أعياد الميلاد يا ديلغادينا حياتي).
    أحد أكثر ذكرياتي سعادة هو تشوش أحسست به في صباح مثل ذاك، لدى خروجي من المدرسة. ماذا جرى لي؟ فقالت لي المعلمة ببلاهة: آي، أيها الصغير، ألا ترى أنها النسائم؟ بعد ثمانين سنة من ذلك، عدت أشعر الشعور نفسه، عندما استيقظت في سرير ديلغادينا، وكان كانون الأول نفسه الذي يرجع دقيقا في موعده، بسمائه الصافية، وعواصفه الرملية وزوابع الأزقة التي تنزع سقوف البيوت، وترفع تنانير التلميذات.
    المدينة تكتسب عندئذ رنينا شبحيا. في ليالي النسيم، يمكن أن تسمع صرخات السوق العام، حتى في أكثر الأحياء ارتفاعا، كما لو أنها عند المنعطف. ولم يكن غريبا عندئذ أن تتيح لنا هبات كانون الأول العثور على أصدقائنا المبعثرين في مواخير نائية من خلال أصواتهم.
    ومع ذلك، فقد وصلني مع النسائم أيضا، الخبر التعس بأن ديلغادينا لا تستطيع قضاء أعياد الميلاد معي، وإنما مع أسرتها، إذا كان هناك ما أمقته في العالم، فهي الأعياد الإجبارية التي يبكي فيها الناس من السعادة، والألعاب النارية، وأهازيج عيد الميلاد الغبية، وأكاليل ورق الكورنيش التي ليست لها أي علاقة بطفل ولد منذ ألفي عام، في إسطبل فقير. ومع ذلك لم أستطع عندما جاءت ليلة الميلاد، أن أقاوم الحنين، فذهبت إلى الغرفة من دونها. ،نمت جيدا واستيقظت وإلى جانبي دب من فرو، يمشي على قائمتين كما لو كان ديا قطبيا، وبطاقة تقول: إلى بابا القبيح. كانت روسا قد أخبرتني بأن ديلغادينا بدأت تتعلم القراءة من دروسي المكتوبة على المرآة، وقد بدا لي خطها الأنيق رائعا. ولكن روسا نفسها خيبت ظني، بخبر أسوأ حين قالت، إن الدب هدية منها. وهكذا، لم أبق في ليلة الميلاد في بيتي منذ الساعة الثامنة ليلا، ونمت دون مرارة. كنت سعيدا، فمع دقات الساعة الثانية عشرة، ووسط قرع النواقيس الهائجة، وصفارات المصانع وعربات الإطفاء، وأنين السفن، أحسست أن ديلغادينا قد دخلت على رؤوس أصابعها واستلقت إلى جانبي، وقبلتني. كانت واقعية إلى حد ظلت معه رائحة عرق السوس المنبعثة من فمها، عالقة بفمي.


    الفصل الرابع


    في بداية العام الجديد، بدأنا التعرف أحدنا على الآخر، كما لو أننا نعيش معا، مستيقظين. فقد توصلت إلى العثور على نبرة صوت حذر تسمعه هي دون أن تستيقظ، وترد علي بلغة طبيعية من جسدها. كانت حالتها المعنوية تتبدى من خلال طريقتها في النوم. فمن حالة الإنهاك والنفور التي بدت عليها في البدء، راحت تتحول إلى حالة سلام داخلي تجمل وجهها وتثري أحلامها. صرت أروي لها قصة حياتي، وأقرأ في مسمعها مسودات مقالاتي ليوم الأحد، وكانت هي، وهي وحدها، موجودة فيها دون أن أقول ذلك.
    في هذه الفترة تركت لها على الوسادة قرطين من الزمرد كانا لأمي. فوجدتها تضعهما في أذنيها في الموعد التالي، ولم يكونا مناسبين لها. فحملت لها بعد ذلك قرطين آخرين، أكثر ملاءمة للون بشرتها. وأوضحت لها: القرطان الأولان اللذان جئتك بهما لا يتناسبان مع شخصيتك وقصة شعرك. هذان يناسبانك أكثر. فلم تضع أيا منهما في الموعد التاليين، ولكنها وضعت في الموعد الثالث اللذين أشرت إليهما. وهكذا بدأت أفهم أنها لا تنصاع لأوامري، ولكنها تتحين الفرص لإرضائي. وفي تلك الأيام، أحسست أنني قد اعتدت على ذلك النمط من الحياة المنزلية، فلم أعد أنام عاريا، بل صرت أرتدي بيجامة من الحرير الصيني كنت قد توقفت عن استخدامها، لأنه لم تعد هناك من تنتزعها عني.
    بدأت أقرأ لها (الأمير الصغير) لسانت إكزوبري، المؤلف الفرنسي الذي يقدره العالم بأسره أكثر من الفرنسيين. كان الكتاب الأول الذي أمتعها دون أن يوقظها، فكان علي أن أذهب يومين متتاليين كي أنهي قراءاته لها وواصلنا بقراءة (حكايات بيرول) وقصص (التاريخ المقدس) و(ألف ليلة وليلة) في طبعة مهذبة للأطفال. وبسبب الاختلافات بين كتاب وآخر انتبهت إلى أن لنومها درجات متفاوتة من العمق، حسب اهتمامها بالقراءات. وعندما كنت أشعر أنها لم تعد قادرة على تقبل المزيد، أطفئ النور وأنام وأنا أحتضنها إلى أن تصيح الديكة.
    كنت أشعر بسعادة غامرة تدفعني إلى تقبيل رموشه، برقة شديدة، وحدث في إحدى الليالي، مثل نور من السماء، أن ابتسمت لأول مرة. وبعد ذلك ودون أي سبب، انقلبت في السرير وأولتني ظهره، وقالت باستياء: إيزابيل هي التي أبكت الحلزونات. ومبتهجا بوهم إقامة حوار، سألتها بالنبرة نفسها: ولمن كانت الحلزونات؟ فلم تجب. كان لصوتها أثر عامي، كما لو أنه ليس صوتها وإنما صوت شخص غريب تحمله في داخلها.
    وعندئذ تلاشت كل ظلال الشك من روحي: إنني أفضلها نائمة.
    كانت مشكلتي الوحيدة هي الهر. فقد كان ضعيف الشهية ونفورا، ومضى عليه يومان دون أن يرفع رأسه في ركنه المعهود، وقد وجه إلي ضربة مخلب ضارية عندما أردت وضعه في سلته الخيزرانية، كي تأخذه داميانا إلى البيطري. لم تتمكن من السيطرة عليه إلا بصعوبة،وحملته وهو يرفس في كيس من القنب. وبعد قليل، اتصلت بي من متجر الحيوانات، لتقول لي إنه لا وجود لوسيلة أخرى سوى التضحية به، وهم يريدون موافقتي على ذلك. لماذا؟ فقالت داميانا: لأنه هرم جدا. وفكرت غاضبا في أنهم قد يشوونني حيا أنا أيضا، في فرن لإحراق القطط. أحسست بأني أعزل بين نارين: فأنا لم أتعلم حب القط بعد، ولكن ليس لدي قلب كذلك، لأوافق على قتله، لمجرد أنه هرم وحسب. أين يقول الكراس ذلك؟
    أثر في الحادث بعمق، حتى أنني كتبت مقالة ليوم الأحد بعنوان مسروق من نيرودا: (هل القط نمر صالونات مصغر؟) وتسببت المقالة في حملة جديدة، فسمت القراء، مرة أخرى، إلى مؤيدين ومعارضين للقطط. وخلال خمسة أيام تغلبت الأطروحة القائلة بمشروعة التضحية بقط، لأسباب لها علاقة بالصحة العامة، ولكن ليس لأنه هرم.
    بعد موت أمي كان يؤرقني الرعب من أن هناك من يلمسني وأنا نائم. وذات ليلة أحسست بها، لكن صوتها أعاد إلي الطمأنينة، وهي تقول لي بالإيطالية: Figlio mio poveretto. وعدت إلى الإحساس به في فجر أحد الأيام، في غرفة ديلغادينا، فتلويت من البهجة، معتقدا أنها قد لمستني. ولكن لا: كانت روسا كاباركاس في الظلام. وقالت لي: ارتد ملابسك، وتعال معي، لدي مشكلة جديدة.
    وقد كانت كذلك فعلا، بل أكثر جديا مما استطعت تخيله. فأحد كبار زبائن المحل قتل مطعونا في الغرفة الأولى من الجناح. كان القاتل قد هرب. والجثة الضخمة العارية، باستثناء الحذاء، كانت شاحبة شحوب فروج على البخار، في سرير مضمخ بالدم. عرفته على الفور: إنه خ. م. ب. مصرفي كبير، مشهور بوجاهته ولطفه وتأنقه في الملبس، وقبل ذلك بجمال منزله. كان هناك في عنقه جرحان بنفسجيان، مثل شفتين، وفجوة في البطن لم تتوقف عن النزيف بعد. وما أثر في أكثر من الجراح هو الواقي الذكري الذي بدا أنه لم يستعمل بعد، على العضو المنكمش بفعل الموت.
    لم تكن روس كاباركاس تعرف مع من كان في الغرفة، لأنه كان يتمتع كذلك بامتياز الدخول من البوابة المطلة على البستان. ولم تستبعد الشكوك في أن من كان برفقته هو رجل آخر. الشيء الوحيد الذي كانت صاحبة المحل تريده مني، هو مساعدتها في إلباس الجثة ثيابها. بدت واثقة من نفسها. حتى أنني أحسست بالقلق من فكرة أن الموت في نظرها لا يعدو أن يكون مسألة مطبخ. قلت لها: ليس هناك ما هو أصعب من إلباس ميت ثيابه. فردت هي: لقد فعلت ذلك كثيرا. والأمر سهل إذا كان هناك سيثبت لي الميت. فلفت نظرها: هل تتصورين أن هناك من سيصدق الحديث عن جسد ممزق بالطعنات داخل بدلة جنتلمان إنكليزي سليمة؟
    ارتعدت خوفا على ديلغادينا فقالت لي روسا كاباركاس: من الأفضل أن تأخذها أنت من هنا. فقلت لها بلعاب متجمد: أفضل الموت قبل ذلك. وانتبهت هي إلى حالتي، ولم تستطع مواراة ازدرائها: إنك ترتجف! فقلت: خوفا عليها، ولكن قولي لم يكن سوى نصف الحقيقة. وأضفت قائلا: اطلبي منها أن تغادر قبل أن يأتي أحد. فقالت: حسن، أما أنت فلن يحدث لك شيء باعتبارك صحفيا. وأنت أيضا لن يحدث لك شيء، قلت لها بشيء من الحنق، فأنت الشخصية الليبرالية الوحيدة التي تأمر وتنهى في هذه الحكومة.
    المدينة المشتهاة، لطبيعتها السلمية، وأمنها الفطري، كانت تجرجر في كل سنة نكبة عملية قتل فاضحة ومروعة. لكن عملية القتل تلك لم تكن واحدة منها. فالخبر الرسمي الذي ظهر بعناوين بارزة وتفاصيل وفيرة يقول إن المصرفي الشاب تعرض للاعتداء والقتل طعنا، عرى طريق برادومار، لأسباب غير معروفة. لأنه ليس له أعداء. ويشير بيان الحكومة، كقتلة مزعومين، مزعومين إلى لاجئين من مناطق البلاد الداخلية، كانوا يقومون بموجة جرائم غريبة عن الروح المواطنية لسكان المدينة. وقد جرى خلال الساعات الأولى اعتقال أكثر من خمسين شخصا.
    هرعت مستشيطا من الغيط مع المحرر القضائي، وهو صحفي نموذجي من صحفيي سنوات العشرينيات، يضع واقية شمس من السيلويلويد الأخضر، وربطتين على كميه، يتبجح بأنه يسبق الوقائع. ومع ذلك لم يكن يعرف إلا نسالات متفرقة عن الجريمة، فأكملتها له بقدر ما يتيحه لي الحذر. وهكذا كتبنا معا خمس صفحات لخبر ينشر على ثمانية أعمدة في الصفحة الأولى، منسوب إلى الشبح الأبدي الذي نسميه: مصادر تستحق ثقتنا الكاملة. ولكن يد رجل الساعة التاسعة البغيض –الرقيب- لم ترتجف لفرض الرواية الرسمية القائلة إنه اعتداء قطاع طرق ليبراليين. فغسلت ضميري بتقطيبة حزن، في أشد جنازات القرن صفاقة وأوسعها حضورا.
    عندما رجعت إلى البيت في تلك الليلة، اتصلت بروسا كاباركاس لأستفسر عما حدث لديلغادينا ولكنها لم ترد على الهاتف طوال أربعة أيام. في اليوم الخامس، ذهبت إلى البيت وأنا أضغط على أسناني. كان الباب مختوما، ولكن ليس من الشرطة وإنما من قبل مصلحة الصحة. ولم يكن هناك في الجوار من يعرف شيئا. ودون أن يكون لدي أي مؤشر لمكان وجود ديلغادينا انطلقت في بحث ضارٍٍ، ومضحك أحيانا، خلفني لاهثا. أمضيت أياما بطولها أراقب الفتيات راكبات الدراجات، من مقاعد حديقة معفرة بالغبار، حيث الأطفال يلعبون بتسلق تمثال مقشر لسيمون بوليفار. كنت أرى مرورهن على الدراجات كالغزالات؛ جميلات، جاهزات، مستعدات لأن يمسك بهن في لعبة الدجاجة العمياء. وعندما نفدت آمالي لجأت إلى سلام ألحان البوليرو. كنت أشبه بمخمور مسمم: كل كلمة كانت (هي). لقد كنت أحتاج إلى الصمت دائما، من أجل الكتابة، لأن عقلي يلتفت إلى متابعة الموسيقى أكثر من الكتابة. ولكن الأمر انقلب آنذاك: لم أعد أستطيع الكتابة إلا في ظلال ألحان البوليرو. امتلأت حياتي بها. المقالات التي كتبتها في ذينك الأسبوعين كانت نماذج مشفرة لرسائل الحب. فطلب مني رئيس التحرير المعارض لذلك السيل من الردود أن أخفف من الحب ريثما نفكر في طريقة نواسي بها كل أولئك القراء العاشقين.


    انعدام السكينة أجهز على صرامة أيامي. كنت أستيقظ في الخامسة، ولكنني أظل في عتمة الغرفة، متخيلا ديلغادينا في حياتها اللاواقعية، وهي توقظ إخوتها، وتلبسهم ملابسهم المدرسية، وتقدم لهم الفطور، إن وجد، وتجتاز المدينة على الدراجة لتقضي محكوميتها بخياطة الأزرار. تساءلت مذهولا ما الذي تفكر فيه امرأة وهي تخيط الأزرار؟ تراها تفكر في؟ هل تبحث هي أيضا عن روسا كاباركاس لتلتقي بي؟ أمضيت أسبوعا دون أن أخلع أفرهول المميكانيكي، في الليل والنهار، ودون أن أستحم، ودون أن أحلق ذقني، ودون أن أنظف أسناني، لأن الحب علمني في وقت متأخر جدا، أن المرء يتهندم من أجل احد، يلبس ويتعطر من أجل أحد، وأنا لم يكن لدي قط من أفعل ذلك من أجله. ظنت داميانا أنني مريض عندما وجدتني عاريا في أرجوحة النوم في الساعة العاشرة صباحا. رايتها بعينين معكرتين بالجشع، ودعوتها للتقلب معي ونحن عاريان. فقالت لي بازدراء:
    - وهل فكرت فيما ستفعله، إذا قلت لك نعم؟
    هكذا عرفت إلى أي حد أفسدتني المعانة. لم أكن أتعرف على نفسي في ألمي المراهق. ولم أعد أخرج من البيت كيلا أبتعد عن رصد الهاتف. فصرت اكتب دون أن افصله ولدى أول رنين أقفز إليه مفكرا في أنها قد تكون روسا كاباركاس. وأقطع أياما بطولها إلى أن أدركت أنه هاتف بلا قلب.
    ولدى عودتي إلى البيت في مساء أحد الأيام، وجدت القط متقوقعا على نفسه عند أدراج البوابة. كان متسخا ومزريا، وفي حالة من الوداعة مثيرة للشفقة. أوضح لي الكراس أنه مريض، واتبعت تعليماته ليستعيد عافيته. وفجأة بينما أنا أتناوم في إفاءة قيلولة، أيقظتني فكرة أنه يمكن أن يقودني إلى بيت ديلغادينا. حملته في كيس مشتريات حتى حانوت روسا كاباركاس، فكان لا يزال مختوما، وبلا أي إشارة إلى وجود حياة فيه، ولكن القط تقلب في الكيس باندفاع شديد. تمكن معه من الهرب. قفز حاجز البستان، واختفى بين الأشجار. طرقت البوابة بقبضتي، فسألني صوت عسكري، دون أن يفتح: من هناك؟ أناس مسالمون، قلت ذلك كيلا أكون أقل منه، وأضفت: إنني أبحث عن صاحبة المحل. فقال الصوت: لا توجد صاحبة المحل. فألححت: افتح لي كي آخذ القط على الأقل. قال: لا يوجد قط. سألته: ومن تكون أنت؟ لا أحد، قال الصوت.
    لقد أعتقد على الدوام، أن الموت حبا ليس إلا وسيلة شعرية. ولكنني في ذلك المساء، بينما أنا عائد إلى البيت، من دون القط، ومن دونها، تأكدت من أن الموت حبا ليس ممكنا وحسب، وإنما أنا نفسي، العجوز الذي ليس لديه أحد آخذ بالموت حبا. ولكنني انتبهت أيضا إلى أن الحقيقة المعاكسة تنطبق علي: لا يمكن لي أن أستبدل بغمي كل متع الدنيا. كنت قد أضعت ما يقارب الخمس عشرة سنة، في محاولة ترجمة أغنيات ليوباردي، وفي تلك الأمسية فقط أحسست بها بعمق: (آه لحالي، إذا كان حبا فكم هو معذب).
    دخولي إلى الجريدة بالأفرهول، وبذقن غير حليقة، أيقظ بعض الشكوك حول حالتي الذهنية. المبنى المرمم، مع كبينات فردية من الزجاج، وأنوار سمتية، بدا كأنه مستشفى أمومة وتوليد. فالجو الصامت والمريح بتصنع يغري بالتحدث همسا والمشي على رؤوس الأصابع. في ردهة المدخل، ومثل نواب ملك موتى، كانت الصورة الزيتية للمديرين الثلاثة مدى الحياة، والصور الفوتوغرافية للزائرين المشهورين. وكان يتصدر القاعة الرئيسة الهائلة صورة ضخمة لهيئة التحرير الحالية، التقطت في مساء عيد ميلادي. لم أستطع تفادي المقارنة الذهنية مع الصورة الأخرى، الملتقطة وأنا في الثلاثين. وتأكدت مرة أخرى بذعر أن المرء يشيخ في الصور أكثر، وبصورة أسوأ، مما هو في الواقع. السكرتيرة التي قبلتني في مساء يوم عيد ميلادي، سألتني إذا ما كنت مريضا. وأسعدني أن أجيبها بالحقيقة كيلا تصدقني: إنني مريض بالحب. فقالت هي: مؤسف أنه ليس هياما بي! فرددت إليها المجاملة: لا تكوني واثقة إلى هذا الحد.
    خرج المحرر القضائي من كبينته صارخا بأن هناك جثتي فتاتين مجهولتي الهوية في المشرحة البلدية. سألته مذعورا: ما هي سنهما؟ فقال هو: إنهما شابتان. يمكن أن تكونا لاجئتين من المناطق الداخلية، طاردهما قتلة النظام إلى هنا. زفرت براحة. وقلت: الوضع يداهمنا بصمت مثل بقعة دم. فصرخ المحرر القضائي وقد صار بعيدا:
    - ليس مثل بقعة دم يا معلم، بل براز.
    شيء أسوأ من ذلك حدث لي بعد أيام، عندما لمحت بصورة خاطفة فتاة تحمل سلة مثل سلة القط، مرت كأنها قشعريرة قبالة مكتبة موندو. لحقت بها أشق طريقي بمنكبي بين حشد في زحام الساعة الثانية عشرة ظهرا. كانت جميلة جدا، خطواتها واسعة وانسيابية في شق طريق لنفسها بين الناس، مما كلفني جهدا في اللحاق بها. وأخيرا تجاوزتها، ونظرت إليها مواجهة. فأبعدتني جانبا بيدها، دون أن تتوقف ودون استئذان. لم تكن من ظننتها، ولكن كبرياءها آلمني كما لو كانت هي. عندئذ أدركت أنني لن أكون قادرا على التعرف على ديلغادينا وهي مستيقظة ومرتدية ملابسها، ولا يمكن لها هي أن تعرف من أنا لأنها لم ترني قط. وفي تصرف جنوني، قمت خلال ثلاثة أيام بحياكة اثني عشر زوجا من الأخفاف الصغيرة الزرقاء والوردية لأطفال حديثي الولادة، محاولا بذلك منح نفسي الشجاعة على عدم سماع أو غناء أو تذكر الأغنيات التي تذكرني بها.
    الحقيقة أني لم أكن قادرا على تحمل روحي، وبدأت أعي الشيخوخة من هواني في الحب. وجاءني دليل آخر أشد درامية، عندما صدمت حافلة نقل عامة فتاة على دراجة، في وسط مركز المدينة التجاري. كانوا قد حملوها للتو في سيارة إسعاف، وكان يمكن تقدير حجم المأساة من الخردة التي تحولت إليها الدراجة فوق بركة من الدم الطازج. ولكن تأثري لم يكن كبير بسبب تهشم الدراجة، وإنما بسبب ماركتها، وموديلها، ولونها. لا يمكن لها إلا أن تكون الدراجة نفسها التي أهديتها أنا نفسي إلى ديلغادينا.
    اتفق من شهدوا الحادث على أن صاحبة الدراجة الجريحة، شابة فتية، طويلة القامة ونحيلة، لها شعر قصير وأجعد، وبارتباك ركبت أول سيارة أجرة مرت من هناك وطلبت أخذي إلى مستشفى الإحسان، وهو بناء قديم، لجدرانه لون أمغر قاتم، يبدو كأنه سجن جانح على شط رملي. احتجت إلى نصف ساعة من أجل الدخول، ونصف ساعة أخرى للخروج من فناء يعبق برائحة أشجار مثمرة، حيث اعترضت امرأة مدعية طريقي، نظرت إلى عيني وهتفت:
    - أنا هي من تبحث عنها.
    عندئذ فقط تذكرت أن ذلك المكان يعيش فيه، طليقين، نزلاء مشفى المجانين الوديعون. كان لا بد لي من التعريف بنفسي كصحفي، أمام إدارة المستشفى، كي يقودني ممرض إلى قسم الإسعاف. وجدت المعلومات عن الفتاة في سجل الدخول: روسالبا ريوس، ستة عشر عاما، بلا مهنة معروفة. والتشخيص: ارتجاج في الدماغ. التوقعات: تحفظ. سألت رئيس القسم إذا كان بإمكاني رؤيتها، وأنا آمل في أعماقي أن يقال لي لا. لكنهم أخذوني إليها بسعادة، على أمل أن أكتب شيئا عن حالة الإهمال المزرية في المستشفى.
    اجتزنا قاعة تعبق برائحة حمض فينيك نفاذة، والمرضى فيها مكومون على الأسرة. وفي العمق في حجرة منفردة كانت من نبحث عنها ممددة على عربة نقالة. كان رأسها ملفوفا بالضمادات، ووجهها الذي لا يمكن تفسيره مشوها ونغطى بكدمات زرقاء داكنة، ولكن رؤية قدميها كانت كافية لأعرف أنها ليست هي. وعندئذ فقط، خطر لي أن أسأل نفسي: ما الذي كنت سأفعله لو أنها هي؟
    وبينما أنا لا أزال متورطا في شبكة عنكبوت الليلة السابقة وجدت الشجاعة للذهاب، في اليوم التالي، إلى مصنع القمصان حيث أخبرتني روسا كاباركاس، ذات مرة أن الطفلة تعمل فيه، وطلبت من صاحبة المصنع أن يرينا منشآته، لتكون نموذجا لمشروع قاري ستقيمه الأمم المتحدة. كان لبنانيا سميك الجلد، وقليل الكلام، فتح لنا أبواب مملكته، على أمل أن تصبح نموذجا عالميا.
    ثلاثمائة فتاة يرتدين بلوزات بيضاء، ورماد الأربعاء على جباههن، يخطن أزرارا في القاعة الفسيحة المنيرة، عندما رأيننا ندخل انتصبن واقفات كتلميذات، ونظرن إلينا بطرف عيونهن، والمدير يشرح لنا ويوضح مساهماته في فن تثبيت الأزرار العريق. كنت أتفحص وجه كل واحدة منهن، خائفا أن أكتشف وجود ديلغادينا مرتدية ثيابها ومستيقظة. غير أن واحدة منهن هي التي اكتشفتني، بنظرتها الخائفة من الإدارة التي لا ترحم:
    - قل لي يا سيدي، ألست أنت من يكتب رسائل الحب في الجريدة؟
    لم أتخيل قط أنه يمكن لطفلة نائمة أن تحدث مثل هذا الخراب. هربت من المصنع دون أن أودع، وحتى دون أن أفكر في أن من أبحث عنها هي واحدة من عذراوات المطهر أولئك، عندما خرجت من هناك، كان الشعور الوحيد الذي تبقى لي في الحياة، هو الرغبة في البكاء.
    اتصلت بي روسا كاباكاس بعد شهر، بتفسير لا يصدق:
    لقد ذهبت في استراحة مستحقة، إلى كارتاخينا دي إندياس، بعد مقتل المصرفي. لم أصدقها بالطبع، ولكنني هنأتها على حسن حظها وتركتها تتمادى في كذبتها قبل أن أوجه السؤال الذي يفور في قلبي:
    - وهي؟
    استغرقت روسا كارباكاس في صمت طويل، ثم قالت أخيرا: إنها موجودة، ولكن صوتها صار متهربا وهي تقول: لا بد من الانتظار لبعض الوقت. كم؟ ليست لدي أي فكرة، سوف أخبرك لاحقا. أحسست أنها ستفلت مني، فأوقفتها بجفاء: انتظري أعطيني نورا ما؟ فقالت: لا وجود لأي نور، وانتهت إلى القول: كن حذرا، يمكن لك أن تلحق الضرر بنفسك، وأن تسبب لها ضررا أكبر. لم أكن مستعدا لمثل هذا النوع من التمنع. توسلت إليها ولو مجرد فرصة لتقريبي من الحقيقة، وقلت لها إننا في نهاية المطاف شركاء في التواطؤ. ولكنها لم تقم بأي خطوة إضافية. بل قالت: اهدأ، الطفلة بخير، وتنتظر أن أستدعيها، ولكن ليس هناك ما يمكن عمله الآن، ولن أقول المزيد. وداعا.
    ظللت ممسكا الهاتف بيدين دون أن أدري من أين سأواصل، فقد كنت أعرفها جيدا، وبما يكفي لأن أفكر في أنني لن أستطيع الحصول على أي شيء منها إلا بالحسنى. بعد الظهر قمت بجولة اضطرارية باتجاه بيتها، واضعا ثقتي في المصادفة أكثر من العقل، ووجدت الباب لا يزال مقفلا وعليه ختم مصلحة الصحة. فكرت في أن روسا كاباركاس قد اتصلت بي من مكان آخر، وربما من مدينة أخرى. ومجرد الفكرة ملأتني بنذر عكرة. ومع ذلك، في الساعة السادسة مساء، وحين لم أكن أنتظر ذلك، وجهت إلي عبر الهاتف، كلمة السر نفسها التي كنت قد قلتها لها من قبل:
    - حسن، الآن أجل.
    في الساعة العاشرة، وكنت أرتجف وأعض شفتي كيلا أبكي، ذهبت محملا بعلب شوكلاتة سويسرية، وحلوى لوز وسكاكر، وسلة أزهار متوقدة لأغطي بها السرير. كان الباب مواربا، والأنوار مضاءة، وكانت تنساب من المذياع بصوت متوسط الارتفاع، سوناتا الكمان والبيانو الأولى لبراهمز. وكانت ديلغادينا في السرير مشعة ومختلفة إلى حد تكلفت جهدا في التعرف إليها.
    كانت قد كبرت، ولكن ذلك لم يبد في طول قامتها، وإنما في نضوجها المندفع الذي جعلها تبدو أكبر بسنتين أو ثلاث سنوات، وكانت أكثر عريا من أي وقت آخر. وجنتاها المرتفعتان، والبشرة المحمصة بشموس بحر مائج، والشفتان الدقيقتان والشعر القصير والمجعد، كلها كانت تضفي على وجهها بريق (أبو لو) براكستليس خنثى. ولكن لم يكن ثمة مجال للخطأ، لأن نهديها قد كبرا، حتى أن كفي لم تعد تتسع لهما، واكتمل تشكل ردفيها وتناسقهما للتو. فتنتني دقة الطبيعة الصائبة تلك، ولكن حيل الزينة بلبلتني: الأهداب الاصطناعية، أظفار اليدين والقدمين المطلية بلون صدفين والعطر الرخيص الذي ليست له أي علاقة بالحب. ومع ذلك فإن ما أثار حفيظتي هي الثروة التي تتزين بها: قرط ذهبي مرصع بالزمرد، وعقد من اللؤلؤ الطبيعي، وسوار ذهبي يتخلله بريق ألماس، وخواتم بأحجار ثمينة في كل أصابعها. على الكرسي كان فستانها كبنت ليل موشى بالخرز والتطريز، وكان هناك أيضا حذاؤها المخملي، صعد رعب غريب من أعماقي وصرخت:
    - عاهرة.
    فقد همس الشيطان في اذني بفكرة مشؤومة. وكانت كما يلي: لا بد أن روسا كاباركاس لم تجد، في ليلة الجريمة الوقت ولا صفاء الذهن اللازمين لتنبه الطفلة، فوجدتها الشرطة في الغرفة وحدها، قاصر وفي مسرح الجريمة. ليس هناك من هي مثل روسا كاباركاس في استغلال مثل ذلك الوضع: باعت بكارة الطفلة إلى أحد زبائنها المتنفذين الكبار، مقابل أن يخرجوها نظيفة من الجريمة. وكان أول ما فعلته طبعا هو الاختفاء ريثما تهدأ الفضيحة. يا للروعة! شهر عسل لثلاثة. هما الاثنان في الفراش، وروسا كاباركاس على شرفة فاخرة، تستمتع بنجاتها السعيدة من العقاب. أعماني غضب أهوج، ورحت أهشم على الجدران كل شيء في الغرفة: المصابيح، المذياع، المروحة، المرايا، المزهريات، الكؤوس. فعلت ذلك دون تسرع، ولكن دون توقف أيضا، وبضجة كبيرة، وبنشوة منهجية أنقذت حياتي. طفرت الطفلة في مكانها لدى الفرقعة الأولى، ولكنها لم تنظر إلي، وإنما تكورت مديرة ظهرها لي، وظلت على تلك الحال، مع تشنجات عضلية لا إرادية، إلى أن انتهت الضجة وزادت دجاجات الفناء وكلاب الفجر من الجلبة. وبوضوح الغضب المبهر جاءني الإلهام الأخير بإضرام النار في البيت، في الوقت الذي ظهرت فيه روسا كارباكاس هادئة عند الباب بقميص النوم. لم تقل شيئا. جردت بنظرها أضرار الكارثة، وتأكدت من أن الطفلة التي تتقوقع على نفسها مثل حلزون ورأسها مخبأ بين ذراعيها، مروعة ولكنها سليمة.
    - رباه، هتفت روسا كاباركاس، ما الذي لم أكن مستعدة لتقديمه مقابل حب كهذا؟
    تأملت كامل قامتي بنظرة مشفقة، وقالت لي آمرة: هيا بنا. تبعتها إلى بيتها. قدمت لي كأس ماء بصمت، وأومأت لي أن أجلس قبالتها، وطالبتني بالاعتراف. قالت لي: حسن، تصرف الآن كراشد، وأخبرني: ما الذي أصابك؟
    أخبرتها بما أرى أنه حقيقة بينة. استمعت إلي روسا كاباركاس بصمت، دون استغراب، وأخيرا بدت مشرقة. قالت لي: يا للروعة، لقد كنت أقول على الدوام، إن الغيرة تعرف أكثر مما تعرفه الحقيقة. وأخبرتني عندئذ بالحقيقة دون تحفظ. قالت إنها في ذهول ليلة الجريمة نسيت الطفلة بالفعل نائمة في إحدى الغرف. وقد قام أحد زبائنها وهو محامي القتيل في الوقت نفسه، بتوزيع الهبات والرشى بسخاء، ودعا روسا إلى فندق استجمام في كارتاخينا دي إندياس، ريثما تتلاشى ضجة الجريمة. وقالت روسا: لم أتوقف طوال هذا الوقت لحظة واحدة عن التفكير بك وبالطفلة. وقد رجعت أول أمس، وكان أول ما فعلته هو الاتصال بك هاتفيا. ولكن أحدا لم يرد، أما الطفلة فجاءت فورا وكانت في حالة مزرية جدا حتى إنني حممتها لك وألبستها وأرسلتها إلى صالون التجميل، طالبة أن يجملوها كملكة، وقد رأيت كيف هي: على أكمل حال. الملابس الفاخرة؟ إنها من الفساتين التي أؤجرها إلى فتياتي الفقيرات، عندما يكون عليهن الذهاب إلى حفلات راقصة مع الزبائن. المجوهرات؟ إنها مجوهراتي، ويكفي أن تلمسها لتتبين أنها الماس من الزجاج، وحلي من الصفيح. وانتهت إلى القول: وهكذا كفاك إزعاجا، هيا اذهب لإيقاظها والاعتذار منها، وتول مسؤوليتها نهائيا. ليس هناك من هو أحق منكما بالسعادة.
    بذلت جهدا خارقا لأصدقها، ولكن الحب كان أقوى من العقل. عاهرات! قلت لها معذبا بالنار المتأججة التي تحرقني من الداخل. وصرخت: هذه هي حقيقتكن: عاهرات براز! لا أريد أن أعرف أي شيء عنك أو عن أي عاهرة أخرى في العالم، وخاصة هي. أومأت إليها من الباب بإشارة وداع إلى الأبد، ولم يخامر روسا كاباركاس الشك في جديتي.
    - ليكن الرب معك –قالت لي بتكشيرة حزن، ثم عادت إلى حياتها الواقعية لتقول:- على كل حال، سأرسل إليك فاتورة بالأضرار التي أحدثتها في الغرفة.


    الفصل الخامس


    بينما أنا أقرأ (إيدوس مارس) وجدت جملة مشؤومة ينسبها المؤلف إلى يوليوس قيصر: ( من المستحيل ألا ينتهي المرء إلى أن يكون مثلما يظنه الآخرون). لم أستطع التأكد من الأصل الحقيقي للجملة في كتابات يوليوس قيصر، ولا في أعمال كتاب سيرته، ابتداء من سيتونيو حتى كاركوبينو، ولكن معرفتها تستحق العناء، فانطباق قدريتها على مسار حياتي في الشهور الأخيرة التالية هو ما منحني التصميم الذي أحتاج إليه، ليس من أجل كتابة هذه الذاكرة فقط، وإنما لأبدأها حياء بحبي لديلغادينا.
    لم أكن أجد لحظة من الراحة، وكنت لا أكاد آكل شيئا، وفقدت كثيرا من وزني حتى أن بناطيلي لم تعد تثبت على خصري. الآلام المتنقلة استقرت في عظامي، وكان مزاجي يتبدل دون سبب. أقضي الليالي في حالة انبهار، لا تسمح لي بالقراءة، ولا سماع الموسيقى، واقضي النهار بالمقابل، ورأسي يتثاقل في إغفاءات بلهاء، لا تنفع للنوم.
    نزلت علي الراحة من السماء، ففي جندول لوما فريسكا المزدحم همست في أذني جارة في المقعد، لم أنتبه إليها حين صعدت: هل ما زلت تضاجع؟ كانت كاسيلدا أرمينتا. إنها حب قديم من غراميات ثلاثة بخمسة، تحملتني كزبون مواظب منذ كانت صبية متكبرة. وبعد تقاعدها، وهي نصف مريضة وليس لديها فلس واحد، تزوجت من بستاني صيني منحها اسما ودعما، وربما القليل من الحب. كان لا يزال لها اللون نفسه، وهي في الثالثة والسبعين من عمرها، ولا تزال جميلة وقوية الشخصية وتحتفظ بتدفق المهنة وطلاقة اللسان.
    أخذتني إلى بيتها في بستان صنيين على رابية في الطريق على البحر. جلسنا على كراسي الشاطئ، على شرفة ظليلة، ما بين سراخس وشجيرات أسترومليا وارفة، وأقفاص طيور معلقة بأفاريز السقف. وعلى سفح الرابية، كان البستانيون الصينيون يظهرون بقبعاتهم المخروطية، وهم يزرعون الخضروات تحت الشمس المحرقة، ويظهر لنا كذلك البحر الرمادي عند بوكاس دي ثينيثا، مع سدين من الصخور يحددان ضفتي النهر، لعدة فراسخ داخل البحر.
    وبينما نحن نتبادل الحديث رأينا عابرة محيطات بيضاء تدخل مصب النهر، وتتبعناها صامتين على أن سمعنا خوار الثور الكئيب الذي أطلقته في المرفأ النهري. فتنهدت هي: أتتذكر؟ منذ أكثر من نصف قرن، هذه هي المرة الأولى التي لا أستقبلك فيها في الفراش. فقلت: لقد صرنا آخرين. وواصلت هي دون أن تسمعني: كلما قالوا شيئا عنك في المذياع، يمتدحونك للمحبة التي يكنها الناس لك، ويسمونك معلم الحب، تصور، أفكر في انه ليس هناك من عرف ظرافاتك ونزواتك مثلما عرفتها أنا. وقالت: بجد، ما كان يمكن لأحد أن يتحملك خيرا مني.
    لم أستطع المقاومة أكثر. وانتبهت هي إلى ذلك، رأت عيني المضمختين بالدموع، ولا بد أنها اكتشفت عندئذ فقط أنني لست الشخص الذي كنته. حدقت فيها بجرأة لم أتصور قط أنني قادر عليها، وقلت لها: المسألة هي أنني آخذ بالهرم. فتنهدت هي: بل إننا هرمنا. والمسألة هي أن أحدنا لا يشعر بذلك في داخله، فيما الجميع يرونه من الخارج.
    كان مستحيلا ألا افتح لها قلبي، وهكذا أخبرتها بقصة ما يحرقني من الداخل كاملة، منذ مكالمتي الأولى مع روسا كاباركاس، عشية بلوغي التسعين، وحتى الليلة التراجيدية التي حطمت فيها الغرفة، ولم أرجع بعدها. استمعت إلي وأنا أفرج عن نفسي، كما لو أنها تعيش ما أرويه، ثم قلبته وفكرت فيه بتمهل شديد، وأخيرا ابتسمت، وقالت لي:
    - افعل ما تشاء، ولكن لا تضيع هذه المخلوقة. فليس هناك نكبة أسوأ من موت المرء وحيدا.
    ذهبنا إلى بويرتو كولومبيا، في القطار الصغير الشبيه بلعبة أطفال، والبطيء مثل حصان. تناولنا الغداء قبالة المرسى الخشبي المنخور الذي دخل منه الجميع إلى البلاد، قبل أن يتم تجريف مصب بوكاس دي ثينيثا. جلسنا تحت مظلة من سعف النخيل، حيث تقدم النساء الزنجيات السمينات، سمكا مقليا مع رز جوز الهند، وشرحات الموز الأخضر. غفونا في قيظ الساعة الثانية الشديد، وواصلنا الحديث إلى أن غطست الشمس الملتهبة الضخمة في البحر. بدا لي الواقع وهميا. انظر إلى أين تحقق شهر عسلنا، قالت هي ساخرة، ولكنها تابعت بجد: إنني أنظر اليوم إلى الوراء، وأرى صفوف آلاف الرجال الذين مروا على فراشي، وأقدم روحي لأنني بقيت ولو مع الأسوأ منهم، الحمد لله أنني عثرت على صيني في الوقت المناسب. إنني كمن هي متزوجة من عقلة الإصبع، ولكنه لي وحدي.
    نظرت إلى عيني لتقدر رد فعلي على ما حدثتني به للتو، وقالت لي: اذهب الآن فورا، للبحث عن هذه المخلوقة البائسة، حتى وإن كان صحيحا ما تقوله لك الغيرة، ولتكن ما تكون، فما حدث لا يمكن لأحد أن يبدله. ولكن دون رومانسيات جد عجوز، أيقظها، ضاجعها حتى من أذنيها بعضو الحمار هذا الذي كافأك به الشيطان، بسبب نذالتك وخستك. وانتهت إلى القول من أعماق روحها: بجد، إياك أن تموت قبل أن تجرب روعة المضاجعة عن حب.
    كانت يدي ترتجف، في اليوم التالي، عندما أدرت رقم الهاتف، سواء بسواء توتري من العودة للقاء مع ديلغادينا، أو من تشككي من الطريقة التي سترد بها علي روسا كاباركاس، كنا قد اختلفنا في نزاع جدي، بسبب تعسفها في تقويم الأضرار التي أحدثت في غرفتها. وكان علي أن أبيع لوحة محببة من لوحات أمي، تقدر قيمتها بثروة كبيرة، ولكنني في ساعة الحقيقة لم أحصل ولو على عشر أوهامي. فزدت المبلغ بما تبقى من مدخراتي، وحملته إليها بعبارة لا تقبل الاستئناف: إما أن تأخذي المبلغ أو تتخلي عنه. كان تصرفا انتحاريا، لأنه يمكن لها ببيع سر واحد من أسراري أن تقوض اسمي وسمعتي. ولكنها لم تتأثر بل احتفظت باللوحات التي كانت قد أخذتها كرهن، في ليلة النزاع كنت الخاسر المطلق في لعبة واحدة: فقد وجدت نفسي من دون ديلغادينا ومن دون روسا، ومن دون آخر مدخراتي، ومع ذلك سمعت رنين الهاتف مرة مرتين ثلاثا، وأخيرا جاء صوتها: نعم؟ لم يخرج صوتي. وأعدت سماعة الهاتف. استلقيت في أرجوحة النوم محاولة استعادة هدوئي بشعر زهدي غنائي لساتيه، وتعرقت إلى حد تبلل معه قماش الأرجوحة. ولم أجد الشجاعة للاتصال حتى اليوم التالي.
    - حسن يا امرأة – قلت بصوت حاسم- اليوم أجل.
    وكانت روسا كاباركاس، وكيف لا، قد تجاوزت كل شيء، تنهدت بحماسها الذي لا يهزم: آي يا عالمي الحزين، تختفي شهرين وتأتي لتطلب أوهاما وحسب. أخبرتني أنها لم تر ديلغادينا منذ أكثر من شهر، وبدا لها أنها قد استعادت توازنها من الرعب الذي سببه لها تحطيمي للغرفة، حتى إنها لم تتحدث عن تلك الأضرار، ولم تسأل عني. وكانت سعيدة جدا بعمل جديد أكثر راحة وأفضل أجرا من خياطة الأزرار. أحرقت موجة نار متقدة أعماقي. وقلت: لا يمكن لهذا العمل إلا أن يكون الدعارة. فردت علي روسا كاباركاس دون أن يرف لها جفن: لا تكن فظا، لو أنها عملت عاهرة لكانت هنا. فأين يمكن لها أن تكون أفضل؟ سرعة جوابها المنطقي زادت من شكوكي: وكيف أعرف أنها ليست عندك؟ فأجابت هي: في هذه الحالة، من الأفضل لك ألا تعرف شيئا، أليس كذلك؟ كرهتها مرة أخرى. وتعهدت هي، متجاوزة الضغائن، بتتبع أثر الطفلة. ولكن دون أمل كبير، لأن هاتف الجارة، حيث كانت تتصل بها، لا يزال مقطوعا وليس لديها أدنى فكرة عن مكان إقامتها. وقالت: ولكن هذا لا يعني أن تستسلم للموت، يا للعنة، سأتصل بك خلال ساعة.
    كانت ساعة من ثلاثة أيام، ولكنها عثرت على الطفلة مستعدة وسليمة. رجعت خجلا، وقبلتها شبرا شبرا، كتكفير، منذ الثانية عشرة ليلا حتى صياح الديكة. اعتذار طويل عاهدت نفسي على مواصلة تكراره إلى الأبد، وكان ذلك كالعودة في كل مرة للبدء من الصفر. كانت الغرفة خربة، وكان سوء التصرف قد أجهز على كل ما وضعته فيها. لقد تركت روسا الغرفة على هذه الحال، وقالت لي إن أي تحسين يجب أن أقوم به بنفسي، مقابل ما أنا مدين لها به. ومع ذلك فإن وضعي المادي كان يلامس القاع. فنقود التقاعد لا تكفي إلا لأشياء أقل في كل مرة.و الأشياء القليلة القابلة للبيع مما تبقى في البيت –باستثناء مجوهرات أمي المقدسة- تخلو من أي قيمة تجارية، وليس هناك ما هو قديم جدا ليباع على أنه أثري. ففي أزمنة أفضل من هذه قدم لي المحافظ عرضا مغريا، لشراء كامل ما لدي من مؤلفات الكتاب الكلاسيكيين الإغريقيين واللاتينيين والأسبان، من أجل مكتبة المقاطعة، ولكن قلبي لم يطاوعني على بيعها. وفيما بعد مع التبدلات السياسية وتردي العالم، لم يعد هناك في الحكومة من يفكر في الفنون أو الآداب. ومتعبا من البحث عن حل مشرف، وضعت في جيبي المجوهرات التي كانت ديلغادينا قد أعادتها إلي وذهبت لرهنها في شارع شؤم يؤدي إلى السوق العام. ذرعت عدة مرات، بهيئة عالم ساه، زقاق الأوكار ذاك المزحوم بحانات سيئة السمعة، ومحلات بيع كتب قديمة، بيوت رهونات، لكن كرامة فلورينا دي ديوس، سدت الطريق أمامي: لم أمتلك الجرأة، عندئذ قررت أن أبيعها برأس مرفوع، في أقدم محل مجوهرات وأرسخها مكانة.
    وجه إلي الموظف بعض الأسئلة وهو يفحص المجوهرات بنظارة المونوكل. كان له سلوك وأسلوب ورهبة الطبيب. أوضحت له أنها مجوهرات موروثة عن أمي. وكن يوافق على كل توضيح مني بهمهمة. وأخيرا نزع المونوكل عن عينه وقال:
    - آسف ولكنه مجرد زجاج من قوارير.
    وحيال مفاجأتي أوضح لي بعذوبة مشفقة: لحسن الحظ أن الذهب ذهب والبلاتين بلاتين. لمست جيبي لأتأكد من وجود إيصالات الشراء معي وقلت دون إساءة:
    - لقد اشتريت المجوهرات من هذا المتجر السامي نفسه، قبل أكثر من مئة سنة.
    لم يسبب له ذلك أي ارتباك. وقال: يحدث عادة في المجوهرات الموروثة أن تأخذ أثمن الأحجار بالاختفاء مع مرور الزمن؛ وتستبدل على يد ضالين من الأسرة أو على يد صائغين لصوص. ولا تكتشف الخدعة إلا عندما يحاول أحد بيعها. ولكن اسمح لي بثانية واحدة، قال ذلك، وحمل المجوهرات عبر الباب الذي في العمق. ورجع بعد دقائق، ودون أن يقدم أي توضيح، أومأ لي بان أجلس على كرسي الانتظار، وواصل عمله. تفحصت لمتجر. كنت قد جئت إليه مع أمي عدة مرت، وأتذكر كلمة كانت تتكرر: (لا تخبر أباك). وفجأة خطرت لي فكرة جعلت بدني يقشعر : ألا تكون روسا كاباركاس وديلغادينا، في اتفاق مشترك، قد باعتا الأحجار الثمينة الأصلية، وأعادتا لي المجوهرات بأحجار مزيفة؟
    كنت تأجج في الشكوك، عندما دعتني سكرتيرة لمرافقتها عبر الباب نفسه الذي في العمق، إلى مكتب صغير، فيه خزانة طويلة تضم مجلدات ضخمة. نهض بدوي بدين من وراء المنضدة التي في صدر الغرفة، وصافحني قائلا على سبيل التحية دون كلفة، وبتدفق أصدقاء قدماء: لقد درسنا الثانوية معا. كان من السهل علي تذكره، فقد كان أفضل لاعب كرة قدم في المدرسة، وبطل مواخيرنا الأولى. كنت قد توقفت عن اللقاء به في لحظة غير مؤكدة، ولا بد أنه رآني هرما جدا فخلط بيني وبين أحد زملاء الطفولة.
    كان هناك على زجاج منضدته مجلد مفتوح، من مجلدات أرشيف المحل، حيث سجل مجوهرات أمي، سرد دقيق، بالتواريخ والتفاصيل، يبين أنها هي نفسها من طلبت استبدال أحجار جيلين من نساء آل كارغامينتوس الجميلات والوقورات و باعت الأحجار الأصلية إلى المتجر نفسه. حدث هذا عندما كان أبو المالك الحالي يدير متجر المجوهرات، وكنا أنا وهو تلميذين في المدرسة، ولكنه طمأنني، فمثل تلك الحيل كانت شائعة بين العائلات الكبيرة المنكوبة، من أجل حل حاجة مستعجلة للمال، دون التضحية بشرفها. وحيال الحقيقة الفجة، فضلت الاحتفاظ بالمجوهرات كذكرى من فلورينا دي ديوس أخرى لم أعرفها قط.
    في أوائل شهر تموز، أحسست بالبعد الحقيقي للموت، فقد قلبي وزنه، وبدأت أرى نذر النهاية المؤكدة، وأشعر بها في كل مكان. وكان أكثر تلك النذر وضوحا، الحفلة الموسيقية في قاعة الفنون الجميلة. فقد تعطلت أجهزة التكييف، وكان صفوة رجال الفنون والآداب يُطهون بعرقهم في القاعة المكتظة، ولكن سحر الموسيقى كان جوا سماويا. وفي النهاية، عند عزف Allegretto poco mosso ، هزني الكشف المبهر بأنني أستمع إلى آخر كونشيرتو يتيحه لي القدر قبل أن أموت، لم أشعر بألم ولا بخوف، وإنما بتأثر جارف، بأنني تمكنت من المواصلة إلى أن انتهيت من سماع الكونشيرتو.
    وعندما تمكنت في النهاية من شق طريقي وأنا مبلل بالعرق وسط المعانقات والصور، وجدت نفسي وجها لوجه مع خيمينا أورتيث، مثل ربة عمرها مئة سنة، على كرسي متحرك، مجرد حضورها فرض نفسه علي مثل خطيئة مميتة. كانت ترتدي عباءة حريرية، وتضع عقد لؤلؤ أصلي من ثلاث لفات، وكان شعرها الذي بلون الصدف مقصوصا على موضة سنوات العشرينات، مع طرف منه على خدها، كجناح نورس، وعيناها الواسعتان الصفراوان تزدادان تألقا بالظل الطبيعي الذي يحيط بهما. كل شيء فيها يناقض ما يشاع عن أن عقلها قد مسح وصار بياضا، بفعل تآكل الذاكرة الذي لا مفر منه. وجدت نفسي متجمد وبلا مهرب في مواجهتها، فتغلبت على هبة النار التي صعدت إلى وجهي وحييتها بصمت، بانحناءة فرسائية. فابتسمت مثل ملكة، وأمسكت يدي، وانتبهت عندئذ أنها هي أيضا مستهدفة من القدر، ولم أضيع الفرصة كي انتزع شوكة تؤرقني منذ الأزل، فقلت لها: لقد حلمت سنوات طويلة بهذه اللحظة. بدا عليها أنها لم تفهمني، وقالت: صحيح! ومن تكون أنت؟ لم أدر قط، إذا كانت قد نسيتني حقا أم أنه انتقام حياتها الأخير.
    أما اليقين بأنني خالد بالمقابل، ففاجأني قبل قليل من بلوغي الخمسين، في مناسبة كتلك، في ليلة كرنفال، رقصت فيه تانغو أباتشي مع امرأة عجيبة، لم أر وجهها قط، أضخم جسدا مني بما يقارب الأربعين ليبرة، وأطول قامة بشبرين تقريبا، وتتيح أن تحمل مع ذلك مثل ريشة في مهب الريح. كنا نرقص متلاصقين جدا، حتى إنني أحسست بدوران دمها في عروقها، ووجدت نفسي كالمنوم تلذذا بأنفاسها اللاهثة، ورائحة أمونياك عرقها وثدييها اللذين كثديي منجمة عندما هزني لأول مرة جؤار الموت، وكاد يطرحني أرضا. كان ذلك على شكل نبوءة فظة في الأذن: افعل ما تشاء، ففي هذه السنة أو بعد مئة سنة ستكون ميتا إلى أبد الآبدين. ابتعدت المرأة عني مذعورة: ماذا أصاباك؟ لا شيء، قلت لها ذلك وأنا أحاول تثبيت قلبي، وأضفت:
    - إنني أرتعش هياما بك.
    منذ ذلك الحين، بدأت أقيس الحياة بالعقود وليس بالسنين، فخمسينياتي كانت حاسمة، لأنني وعيت فيها أن الجميع تقريبا، أصغر مني سنا، وسنوات ستينات حياتي كانت الأكثر زخما بسبب شكوكي بأنه لم يبق لي متسع من الوقت للخطأ. وكانت سنوات السبعينات مرهوبة بسبب خوفي من أن تكون الأخيرة. ومع ذلك عندما استيقظت حيا في صباح اليوم الأول من سنوات تسعيناتي في سرير ديلغادينا السعيد، اخترقتني الفكرة السارة بأن الحياة ليست شيئا يمضي مثل نهر هيراقليط. وإنما فرصة وحيدة لقلبنا على الشواية ومواصلة شوائنا جانبنا الآخر لتسعين سنة أخرى.
    صرت سهل الدمع، فأي إحساس له علاقة بالحنان، يسبب لي عقدة في حلقي لا أتمكن دوما من التحكم بها، وفكرت في التخلي عن متعة السهر على نوم ديلغادينا، ليس ذلك لعدم يقينية موتي، بقدر ما هو ألم من تصورها من دوني في بقية حياتها. وفي أحد أيام الالتباس تلك رحت أجوب ساهيا شارع (الكتبة بالعدل) بالغ النبل، وفوجئت بأنه لم يعد يوجد هناك إلا أنقاض فندق الغراميات القديم، حيث أدخلت ُ عنوة ً إلى عالم فنون الحب، قبل قليل من بلوغي الثانية عشرة من عمري. لقد كان منزلا لأصحاب شركة ملاحة، لا يضاهيه في الروعة إلا قلة من البيوت في المدينة، بأعمدة مغطاة بصفائح المرمر. وأفاريز ملمعة بماء الذهب، يقوم حول فناء داخلي ذي قبة زجاجية من سبعة ألوان، تشع ببريق دفيئ. في الطابق السفلي ذي البوابة القوطية المطلة على الشارع كانت هناك لأكثر من قرن مكاتبة توثيق العقود الاستعمارية، حيث عمل والدي وازدهر وأفلس على امتداد حياة كاملة من الأحلام الخيالية. راحت العائلات التاريخية تهجر، شيئا فشيئا، الطوابق العليا التي انتهت إلى أن يشغلها جيش من بنات الليل المنكوبات اللواتي يصعدن وينزلن حتى الفجر، مع زبائن يصطدنهم، ببيزو ونصف، من حانات المرفأ النهري القريب.
    في الثانية عشرة من عمري وكنت لم أزال أرتدي بنطالي القصير وجزمة المدرسة الابتدائية، لم أستطع مقاومة إغواء التعرف على الطوابق العليا، فيما والدي يجادل في واحد من اجتماعاته التي لا تنتهي، فوجدت نفسي في مشهد سماوي، النساء اللواتي يهدرن أجسادهن حتى الفجر يتنقلن في البيت منذ الحادية عشرة صباحا، عندما يشتد حر قبة الزجاج الملون بصورة لا تطاق، ويكون عليهن ممارسة حياتهن المنزلية بالتنقل عاريات في كل أنحاء البيت، وهن يتبادلن الحديث بأصوات صارخة عن مغامراتهن الليلية. وقفت مرعوبا. والشيء الوحيد الذي خطر لي هو الهروب من حيث دخلت، ولكن احتضنتني من الخلف إحدى العاريات. كانت متينة اللحم، تعبق برائحة صابون ريفي. وحملتني إلى حجرتها كرتونية الجدران، دون أن أتمكن من رؤيتها وسط صراخ وتصفيق النزيلات العرايا. ألقت بي على ظهري فوق سريرها الذي يتسع لأربعة أشخاص، ونزعت بنطالي بحركة بارعة، وامتطتني، لكن الهلع الجليدي الذي كان يبلل جسدي حال دون أن أتلقاها كرجل. في تلك الليلة وأنا مؤرق في فراشي في بيتنا، من خجل ذلك الانقضاض. لم أستطع النوم أكثر من ساعة، وأنا متلهف للعودة لرؤيتها. ولكنني في صبح اليوم التالي، فيما أهل السهر لا يزالون نائمين، صعدت مرتجفا إلى حجرتها، وأيقظتها وأنا أبكي بصوت عال، في حب مجنون استمر على أن عاثت به دون شفقة رياح الحياة الواقعية. كان اسمها كاستورينا، وكانت ملكة المحل.
    كانت غرفة الفندق تؤجر ببيزو واحد للغراميات العابرة، ولكن قلة هم الذين يعرفون أن قضاء أربع وعشرين ساعة، يكلف السعر نفسه. أضف على ذلك أن كاستورينا أدخلتني في عالمها التعس، حيث اعتادت النزيلات دعوة الزبائن الفقراء إلى فطور احتفالي، وإعارتهم الصابون، ومعالجة آلام أسنانهم، وفي بعض الحالات المستعجلة، يقدمن لهم الحب إحسانا.
    ولكن في أمسيات شيخوختي الأخيرة لم يعد هناك من يتذكر كاستورينا الخالدة، الميتة منذ وقت لا يعرفه أحد، والتي ارتقت من نواصي المرفأ النهري البائسة لتصل إلى العرش المقدس للقوادة الأم الكبرى، بعصبة قرصان على عينه المفقودة في نزاع حانة. وكان حاميها الأخير المناوب زنجيا سعيدا من كاماغوي، يسمونه يونس المجذف، وقد كان عازف ترومبون من الكبار في هافانا، إلى أن فقد الابتسامة الكاملة في كارثة قطارات.
    لدى خروجي من تلك الزيارة المرة، أحسست بوخزة في القلب لم أستطع التخفيف منها، طوال ثلاثة أيام، بكل أنواع مشروبات النباتات البيتية المغلية. الطبيب الذي لجأت إليه على عجل، وهو فرد من سلالة أطباء مشهورين، كان حفيدا للذي فحصني وأنا في الثانية والأربعين، وقد أفزعني شبهه به، فقد كان هرما جدا مثل جده السبعيني، بفعل صلعة مبكرة، ونظارة قصر نظر لا عودة عنه، وكآبة لا عزاء لها. أجرى لي فحص دقيقا لجسدي بكامله، بتركيز ِ صائغ ٍ، تنصت إلى صدري وظهري، وفحص ضغطي الشرياني، وحركة ركبتي الانعكاسية، وعمق عيني، ولون الجفن السفلي. وخلال الوقفات وأنا أبدل وضعي على منضدة الفحص، كان يوجه إلي أسئلة شديدة الإبهام، وبسرعة يكاد لا يتيح لي معها المجال للإجابة. وبعد ساعة من الفحوص نظر إلي بابتسامة سعيدة وقال: حسن، أظن أنه ليس لدي ما أفعله لك. ما الذي تعنيه حضرتك؟ أعني أن وضعك في أحسن حال في سنك هذه. فقلت له: يا للغرابة، لقد قال لي جدك الشيء نفسه، حين كنت في الثانية والأربعين من عمري، يبدو كما لو أن الزمن لا ينقضي. فقال: سوف تجد دوما من يقول لك الشيء نفسه، لأنه ستكون لك سن ما في كل مرة. فحاولت أنا استفزازه لإصدار حكم مرعب بالقول له: السن الوحيدة الحاسمة هي الموت. فقال هو: أجل، ولكن ليس من السهل الوصول إليه في حال جيدة مثل حالتك. يؤسفني حقا أنني لا أستطيع خدمتك.
    لقد كانت ذكريات نبيلة. ولكنني في عشية التاسع والعشرين من آب، أحسست بالثقل الهائل للقرن الذي ينتظرني، وأنا أصعد بخطوات حديدية أدراج بيتي. وعندئذ عدت لأرى مرة أخرى فلورينا دي ديوس، أمي، في سريري الذي كان سريرها حتى موتها. ومشوشا بالتأثر، فهمت تلك الذكرى على أنها الإنذار الأخير، فاتصلت بروسا كاباركاس كي تستدعي لي الطفلة، في تلك الليلة بالذات، خوفا من ألا يتحقق موتي بالبقاء على قيد الحياة حتى النفس الأخير من سنواتي التسعين. وعدت للاتصال بها في الساعة الثامنة، فكررت لي مرة أخرى، أن ذلك غير ممكن. فصرخت بها مرعوبا: يجب أن يكون ممكنا بأي ثمن. أغلقت الهاتف دون وداع، ولكنها عادت للاتصال بعد خمس عشرة دقيقة:
    - حسن، هاهي هنا.
    وصلت في العاشرة وعشرين دقيقة ليلا، وقدمت إلى روسا كاباركاس آخر أوراق حياتي، مع ترتيباتي بشأن الطفلة بعد نهايتي الرهيبة. ظنت هي أنني قد تأثرت للتجريح، وقالت لي بمزاج ساخر: إذا كنت تريد الموت فلا تفعل ذلك هنا، تصور. ولكنني قلت لها: قولي إن قطار بويرتو كولومبيا، ذلك الخردة البائس المحزن غير القادر قتل أحد، قد صدمني، ومستعدا لكل شيء في تلك الليلة، استيقظ على ظهري بانتظار الألم النهائي، في اللحظة الأولى من سنتي الواحدة والتسعين. سمعت قرع نواقيس نائية، وشممت شذا روح ديلغادينا النائمة على جنبها. سمعت صرخة في الأفق، ونحيب أحد ربما يكون قد مات قبل قرن، فقي الغرفة نفسها. وعندئذ أطفأت النور بالنفس الأخير، وشبكت أصابعي بأصابعها كي أقتادها من يدها،، وعددت الاثنتي عشرة دقة التي أعلنت الثانية عشرة وبدموعي الاثنتي عشرة الأخيرة إلى أن بدأت الديكة تصيح، ودوت على الفور نواقيس الغبطة السماوية، وفرقعة الأسهم النارية في الحفلة التي كانوا يقيمونها فرحا بتجاوزي التسعين من حياتي سليما أو معافى.
    كانت كلماتي الأولى موجهة إلى روسا كاباراكاس: أنا مستعد لشراء البيت منك، كله ، مع الحانوت والبستان، فقالت هي: فلنتوصل إلى رهان مسنين: من يبقى منا حيا يستحوذ على كل ما يملكه الآخر، ونوقع على ذلك أمام كاتب بالعدل. لا لست موافقا لأنني إذا مت أريد أن يصير كل شيء إليها. فقالت روسا كارباكاس: وهذا ما أريده أنا. فسوف أتولى أمر الطفلة، وأترك لها بعد ذلك كل شيء، ممتلكاتك وممتلكاتي؛ فليس لي أحد سواها في هذا العالم. وفي أثناء ذلك فلنعد ترميم غرفتك وترتيبها بحمام جديد وجهاز تكييف هواء، وبكتبك وموسيقاك.
    - أتظنين أنها ستوافق؟
    فقالت كاباركاس وهي تكاد تموت من الضحك:
    - آه يا عالمي الحزين، أفهم أنك عجوز، ولكن ليس أبله. هذه المخلوقة المسكينة وفية في حبها لك.
    خرجت إلى الشارع المشع، ولأول مرة تعرفت على نفسي في الأفق البعيد لقرني الأول في الحياة. كان بيتي الصامت والمرتب، في الساعة السادسة والربع، قد بدأ ينعم بألوان فجر سعيد. كانت داميانا تغني بأعلى صوته في المطبخ، والقط الذي استعاد الحياة، حك ذيله بكعبي، وواصل المشي معي حتى منضدة كتابتي. وهناك كانت مرتبة أوراقي الذابلة ودواة الحبر، وريشة البجعة، في الوقت الذي اندلعت فيه الشمس بين أشجار اللوز في الحديقة، ودخلت سفينة البريد النهرية، المتأخرة أسبوعا بسبب الجفاف، إلى قنال المرفأ وهي تطلق الجؤار. إنه الحياة الواقعية أخيرا، بقلبي الناجي والمحكوم بالموت في حب طيب، في الاحتضار السعيد لأي يوم بعد بلوغي المئة.

     تمت.

    جابرييل جارسيا ماركيز

     

     

     

    Read more
  • بائعة الورد

     

     



    تحسست مينا طريقها في عتمة الفجر, و لبست ثوبها القصير الأكمام الذي كانت قد علقته في الليلة الماضية قرب الفراش, و جعلت تفتش في الصندوق الكبير عن الكمين المنفصلين الذين يكسوان الذراعين امتثالاً للواجب قبل الذهاب إلى الكنيسة ... ثم بحثت عنهما فوق المسامير المعلقة على الحائط و خلف الأبواب, حريصة في كل ذلك ألا تحدث أقل جلبة لكيلا توقظ جدتهما العمياء, التي كانت نائمة في نفس الغرفة ... و لكن ما أن اعتادت عيناها العتمة, حتى لاحظت أن جدتها قد نهضت من الفراش, فذهبت إليها في المطبخ لكي تسألها عن الكمين .. فقالت الجدة العمياء :
    - هما في الحمام .. إنني غسلتهما أمس بعض الظهر ..

    و فعلاً وجدتهما في المطبخ, معلقين من سلك ممدود بمشبكين .. و لكنهما كانا لا يزالان مبتلين .. فعادت مينا بهما إلى المطبخ و بسطتهما فوق أحجار الموقد .. و كانت الجدة العمياء تقلب القهوة و قد سمرت حدقتي عينيها الجامدتين على جدار الشرفة التي رصت فيها أصص الزهور مليئة بأعشاب طيبة ..

    قالت لها مينا : لا تأخذي أشيائي مرة ثانية .. لا يمكنك هذه الأيام أن تتأكدي من طلوع الشمس ..
    حركت المرأة العمياء وجهها نحو الصوت و قالت :
    - إنني نسيت أن هذا يوم الجمعة الأول من أسبوع الفصح, موعد القداس ..
    و بعد أن تأكدت الجدة بنفس قوي من فمها أن القهوة نضجت, رفعت الإناء عن الموقد, ثم قالت :
    - ضعي قطعة من الورق تحت الكمين, لأن أحجار الموقد متسخة .
    أجرت مينا أصابعها على أحجار الموقد .. فوجدها متسخة فعلاً, و لكن بطبقة من السناج المتحجر الذي لا يمكن أن يلوث الكمين إذا لم يحتكا بالأحجار .. على أنها قالت لجدتها :
    - إذا اتسختا فستكونين أنت المسؤولة !..
    و ما لبثت الجدة العمياء أن صبت لنفسها قدحاً من القهوة, و قالت و هي تجذب مقعداً شطر الشرفة :
    - أنت غاضبة .. و من المحرم أن يذهب الانسان للقداس و هو غاضب ...

    و جلست لشرب القهوة عن كثب من الزهور في الحوش .. و عندما انبعث رنين دقات الناقوس الأولى إيذاناً بموعد القداس رفعت مينا الكمين عن الموقد, فكانا لا يزالان مبتلين .. بيد أنها لبستهما .. فإن القس لا يرضى دخول أحد إلى الكنيسة بثوب عاري الذراعين .. ثم مسحت آثار الأحمر من وجهها بمنشفة, و أخذت كتاب الصلاة و الشال من غرفتها, و خرجت للشارع ...

    و بعد ربع ساعة عادت أدراجها ...
    فقالت الجدة العمياء و هي جالسة في مواجهة الزهور في الحوش :
    - سوف تصلين إلى هناك بعد القراءة الأولى ..
    أما مينا فقالت و هي تتجه إلى دورة المياه :
    - لن أتمكن من الذهاب إلى القداس اليوم .. الأكمام مبتلة, و الثوب كله " مكركش " ..
    و على الأثر شعرت بعينين فاهمتين تتبعانها ..
    و ما لبثت العجوز أن هتفت : يوم الجمعة الأول و لا تذهبين للقداس !..

    و لما عادت مينا من دورة المياه صبت لنفسها قدحاً من القهوة و جلست في المدخل المطلي بالمصيص الأبيض عن قرب من العجوز العمياء .. بيد أنها لم تستطع أن تشرب القهوة .. و غمغمت في سخط كامن و هي تشعر بأنها توشك على الغرق في دموعها الحبيسة :
    - أنت السبب !..
    فهتفت العجوز العمياء : أنت تبكين !..
    و أضافت و هي تمر قرب جدتها بعد أن وضعت قدح القهوة على الأرضية : يجب أن تذهبي للاعتراف لأنك جعلتني أضيع قداس يوم الجمعة الأول !..

    أما الجدة العجوز فقد لزمت مكانها جامدة تنتظر أن تغلق باب غرفة النوم .. و ما لبثت أن اتجهت إلى آخر الشرفة ثم انحنت تتحسس حتى عثرت على قدح القهوة على الأرض غير مشروب .. فقالت و هي تسكب القهوة في الإناء الخزفي :
    - الله يعلم أن ضميري مستريح ..
    و في هذه اللحظة خرجت أم مينا من غرفة النوم, و قالت للعجوز :
    - مع من تتكلمين ؟..
    فأجابت : مع نفسي !.. قلت لك قبل الآن انني في طريقي إلى الجنون !..

    و عندما احتجبت مينا في غرفتها فكت أزرار " المشد " و أخرجت ثلاثة مفاتيح صغيرة معلقة في مشبك .. ففتحت بأحدها الدرج السفلي في " التواليت " و أجرت منه علبة متوسطة فتحتها بمفتاح آخر .. و من داخلها أخرجت مجموعة خطابات مكتوبة على ورق ملون و مربوطة بحزام من المطاط .. فأخفت الخطابات داخل مشدها ثم أعادت العلبة إلى مكانها و أغلقت الدرج .. و أخيراً ذهبت إلى دورة المياه و ألقت بالرسائل في المرحاض ..


    و لما رجعت مينا إلى المطبخ قالت لها أمها :
    - حسبتك في الكنيسة ..
    فتولت الجدة العمياء الرد قائلة : لم تتمكن من الذهاب .. أنا نسيت أن هذا يوم الجمعة الأول, و غسلت الأكمام بعد ظهر أمس ..
    فغمغمت مينا : انها لا تزال مبتلة ..
    فقالت العجوز العمياء : انني أقوم بأعمال كثيرة هذه الأيام ..
    و قالت مينا : و أنا مطالبة بتسليم مائة و خمسين " دستة " ورد لمناسبة عيد الفصح ..

    و لم تلبث حرارة الشمس أن تزايدت مبكراً .. و قبل الساعة السابعة كانت مينا قد أعدت " مشغل الورد الصناعي " في غرفة المعيشة : سلة مليئة بأوراق الورد, و لفافة سلك, و علبة من ورق الكريب, و مقصان, و بكرة خيط, و إناء به غراء.. و بعد برهة جاءت ترينيداد التلميذة المترهبة في الكنيسة تحمل علبة كرتون تحت إبطها, و سألتها على الفور لم لمْ تذهب لحضور القداس .. فأجابت مينا :
    - لم تكن الأكمام جاهزة ..
    فقالت ترينيداد : كان يمكن استعارة كمين من أي أحد ..
    و جذبت كرسياً و جلست قرب سلة أوراق الورد .. فقالت مينا :
    - وجدتني متأخرة كثيراً ..
    و فرغت من صنع وردة .. فوضعت ترينيداد علبة الكرتون على الأرض و اشتركت في العمل .. فنظرت مينا إلى العلبة قائلة :
    - هل اشتريتِ حذاءً جديداً ؟
    فأجابت ترينيداد : هي فئران ميتة ..

    و لما كانت ترينيداد ماهرة في تركيب أوراق الورد, فقد تفرغت مينا لعمل سيقان من السلك مغلفة بورق أخضر .. و ظلت كلتاهما تعمل في صمت دون أن تلاحظا تقدم الشمس في غرفة المعيشة, التي كانت مزخرفة بصور تزينية و عائلية .. و عندما تفرغت مينا من صنع السيقان تحولت إلى ترينيداد بنظرة تفيض أسى, فكفت هذه عن العمل و قالت لها :
    - ماذا جرى ؟
    فمالت مينا نحوها و قالت : إنه رحل !..
    فألقت ترينيداد المقص في حجرها قائلة : لا ... لا تقولي هذا !؟؟
    فكررت مينا كلماتها قائلة : إنه رحل !..
    فحدقت ترينيداد فيها طويلاً, و قالت مقطبة : و الآن ؟..
    فأجابت مينا بصوت ثابت : الآن لا شيء ..

    و قبيل الساعة العاشرة تأهبت ترينيداد للانصراف, فاستمهلتها مينا لكي تلقي الفئران في المرحاض, و في طريقها مرت بالعجوز العمياء التي كانت تستقي الزهور في الأصص, فقالت لها مينا :
    - أراهن أنك لن تعرفي ما بداخل هذه العلبة ..
    و هزت العلبة بالفئران ... فأرهفت العجوز حواسها, قائلة :
    - هزيها مرة ثانية ...
    فكررت مينا العملية, بيد أن العجوز لم تستطع أن تتعرف على ما بداخل العلبة رغم هزها مرة ثالثة, فقالت مينا :
    - هي الفئران التي وقعت في المصيدة في الكنيسة الليلة الفائتة .

    و عندما عادت أدراجها مرت بجانب الجدة العمياء دون أن تكلمها .. بيد أن العجوز تبعتها إلى غرفة المعيشة لكي تستكمل مينا عملية الورد الصناعي, و قالت لها :
    - يا مينا .. إذا أردت أن تكوني سعيدة, فلا تعترفي بشيء لشخص غريب عنك ..
    تطلعت إليها مينا دون أن تتكلم .. فجلست الجدة العجوز في المقعد المواجه لها محاولة أن تساعدها في العمل . بيد أن مينا استوقفتها ..
    فقالت الجدة العمياء : أنت عصبية .. لماذا لم تذهبي إلى القداس ؟..
    - أنت تعرفين السبب أكثر من غيرك ..
    فقالت العجوز العمياء : لو كان السبب الأكمام, لما فكرت في الخروج من البيت .. هناك شخص كان ينتظرك في الطريق, و هو الذي سبب لك الشعور بخيبة الأمل ..

    مرت مينا بيديها أمام عيني جدتها, كأنما تمسح لوحاً غير مرئي من الزجاج, و قالت :
    - أنت ساحرة !..
    فقالت المرأة العمياء : إنك ذهبت إلى دورة المياه مرتين هذا الصباح .. و أنت لا تذهبين دائماً أكثر من مرة ..

    استمرت مينا في استكمال الورد الصناعي, بينما عادت العجوز تقول :
    - هل تجسرين على أن تريني ما تخفينه في درج "التواليت" ؟..
    فتركت مينا الوردة التي بيدها متمهلة و أخرجت المفاتيح الثلاثة الصغيرة من مشدها و وضعتها في يد العجوز قائلة :
    - اذهبي و انظري بعينيك ...
    فجعلت العجوز تفحص المفاتيح بأناملها, و قالت :
    - إن عيني لا يمكنها الرؤية في قاع المرحاض !..
    رفعت مينا رأسها, و عندئذ اعتراها إحساس مختلف .. فقد شعرت أن الجدة العمياء عرفت انها تتطلع إليها .. و لهذا قالت لها :
    - انزلي في المرحاض إذا كان ما افعله يهمك إلى هذه الدرجة !..
    تجاهلت الجدة العجوز هذا الرد اللاذع, و قالت :
    - أنت دائماً تجلسين في الفراش و تكتبين حتى الصباح المبكر ..
    فقالت مينا : أنت نفسك تطفئين النور قبل النوم ..
    فعاجلتها العمياء قائلة : و في الحال تنيرين أنت بطاريتك .. و بإمكاني أن أعرف أنك تكتبين, من صوت انفاسك ..

    بذلت مينا جهداً للاحتفاظ بهدوئها, و قالت دون أن ترفع رأسها :
    - جميل .. و لنفرض أن هذا هو ما يحدث, فما هو الغريب في ذلك ؟..
    فردت العجوز قائلة : لا شيء .. إلا أن هذا أضاع منك حضور قداس يوم الجمعة الأول ..

    و عند هذا الحد حملت مينا بكلتي يديها بكرة الخيط و المقصين و كومة من الورود التي لم تتم, و ألقت بها جميعاً في السلة, ثم واجهت الجدة العمياء قائلة :
    - هل تحبين أن أقول لك مالذي ذهبت لكي أفعله في المرحاض ؟
    و ظلت الإثنتان متحفزتين إلى أن تولت مينا الرد بنفسها, قائلة :
    - ذهبت لكي آتي ببعض المخلفات !..
    و عندئذ طوحت الجدة العمياء بالمفاتيح الصغيرة في السلة, و غمغمت قائلة و هي تتجه إلى المطبخ :
    - كان يمكن أن يكون سبباً لا بأس به, و كان يمكن أن تقنعيني لولا أنها المرة الأولى في حياتك التي سمعتك فيها تشتمين !..
    و في هذه اللحظة كانت أم مينا آتية في الممشى من الناحية المقابلة محتضنة كومة من الورود الشائكة , و قالت :
    - ماذا جرى ؟..
    فتولت الجدة العمياء الرد قائلة :
    - إنني جننت .. لكن الظاهر أنكم لا تفكرون في إرسالي إلى مستشفى المجانين طالما لا أرمي أحداً بالحجارة !..

    جابرييل جارسيا ماركيز . 

     

     

    Read more
  • الموت أقوى من الحبّ

     

    الموت أقوى من الحبّ لـ غابريل غارسياماركيز

     

    ترجمة: خالد الجبيلي

     

              عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز امرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها.

     

     حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.

              وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.

              وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.

              أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.

              "إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".

              كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت نفسه، كان رجال آخرون يفرغون بعض جذوع الأشجار من الشاحنات، ويغرسونها في تربة نترات البوتاسيوم وراء الجموع الحاشدة. وكانوا قد أقاموا واجهة كرتونية من بيوت خيالية من الآجر الأحمر ذات نوافذ زجاجية، وأخفوا وراءها الأكواخ الحقيقية البائسة.

              أطال السيناتور خطابه مستشهداً باقتباسين اثنين باللغة اللاتينية ليطيل أمد المهزلة. ووعد الحشد بآلات تصنع المطر، وبأجهزة نقّالة لتربية حيوانات المائدة، وبزيوت السعادة التي تجعل الخضراوات تنمو في تربة نترات البوتاسيوم، وبشتلات من أزهار الثالوث المزروعة في أصص. وعندما رأى أنه استطاع أن يخلق عالمه الخيالي، أشار إليه بيده، وصاح بأعلى صوته: "ذاك الدرب سيكون دربنا، أيها السيدات والسادة. انظروا! ذاك الدرب سيكون لنا".

              التفت الحشد. كانت سفينة مصنوعة من الورق الملّون تعبر وراء البيوت، وكانت أطول من أعلى بيت في المدينة الاصطناعية. وعندها لاحظ السيناتور، أنها بعد أن شُيدت وأُنزلت وحُملت من مكان إلى مكان آخر، التهم الطقس الشنيع البلدة الكرتونية المتداخلة، وكادت تصبح سيئة كما هو حال قرية روزال دل فيري.

    وللمرة الأولى منذ اثتني عشرة سنة، لم يتوجه نلسن فارينا ليرحب بالسيناتور. بل كان يستمع إلى خطاب السيناتور وهو مستلق على أرجوحته في ما تبقى من قيلولته، تحت ظلال عريشة البيت ذي الألواح غير المستوية، الذي بناه بيديّ الصيدلي اللتين جرّ فيهما زوجته الأولى والتي قطعّها إلى أشلاء. ثم هرب من جزيرة الشيطان، وظهر في روزال ديل فيري على متن سفينة محمّلة بببغاوات بريئة من نوع المقو، برفقة امرأة سوداء جميلة كافرة، كان قد التقى بها في باراماريبو وأنجب منها فتاة. لكن المرأة ماتت لأسباب طبيعية بعد فترة قصيرة، ولم تلق مصير المرأة الأخرى، التي ساهمت أعضاؤها المقطعّة إرباً في تسميد قطعة الأرض المزروعة بالقنبيط، بل ووريت التراب بكامل جسدها، محتفظة باسمها الهولندي، في المقبرة المحلية. وقد ورثت الابنة لون أمها وقوامها الجميل، فضلاً عن عينيّ أبيها الصفراوين المندهشتين، وكان يحق له أن يعتقد أنه كان يربّي أجمل امرأة في العالم.

    ومنذ أن اجتمع بالسيناتور أونيسمو سانشيز خلال حملته الانتخابية الأولى، طلب منه نلسن فارينا أن يساعده في الحصول على بطاقة هوية مزورة تجعله في منأى عن قبضة القانون. إلا أن السيناتور رفض بطريقة ودّية، ولكن حازمة. غير أن نلسن فارينا لم يستسلم، بل ظل ولسنوات عديدة، وكلما أتيحت له الفرصة، يكرّر طلبه بأساليب مختلفة. أما هذه المرة، فقد بقي في أرجوحته، وقد كتب عليه أن يتعفّن حياً في عرين القراصنة اللاهب ذاك. وعندما سمع التصفيق الأخير، رفع رأسه، وأخذ يتطلع من فوق ألواح السياج، ورأى الجانب الخلفي من المهزلة: الدعائم التي أُحضرت للمباني، جذوع الأشجار، والمخادعين المتوارين الذين يدفعون السفينة فوق المحيط. ثم بصق بإحساس مفعم بالحقد والازدراء.

    وبعد أن ألقى كلمته، أخذ السيناتور كدأبه يجوب شوارع القرية وسط أنغام الموسيقى والأسهم النارية، وقد تحلّق حوله سكان القرية، الذين راحوا يبثون له شكاويهم ومشاكلهم. وكان السيناتور يصغي إليهم باهتمام وود شديدين ولم يكن يتورع عن مواساة كلّ فرد منهم، دون أن يقدم لأي منهم أي خدمات هامة. وتمكنت امرأة تقف على سطح أحد المنازل مع أطفالها الستة الصغار من أن تُسمعه صوتها وسط الضجيج وأصوات الأسهم النارية.

    "إني لا أطلب الكثير، أيها السيناتور"، قالت"، "حمار واحد فقط لأتمكن من سحب الماء من بئر الرجل المشنوق".

    لاحظ السيناتور الأطفال النحاف الستة وسألها: "ماذا حدث لزوجك؟"

    "ذهب يبحث عن الثروة في جزيرة أروبا"، أجابت المرأة بروح دمثة، "وعثر على امرأة أجنبية، من النوع الذي يضع الماس في أسنانهن".

    أحدث الجواب عاصفة من الضحك.

    "حسناً، قرّر السيناتور، " ستحصلين على حمارك".

    وما هي إلا لحظات، حتى أحضر أحد مساعديه حماراً مزوداً بسرج جيد إلى بيت المرأة، وقد دُوِّن على كفله شعار من شعارات الحملة الانتخابية بطلاء لا يمكن إزالته لكي لا ينسى أحد أبداً أنه هدية من السيناتور.

    وعلى امتداد الشارع القصير، قام ببعض الأعمال الصغيرة الأخرى، بل وحتى قدم ملعقة دواء للرجل المريض الذي أمر بإخراج سريره ووضعه عند باب بيته كي يتمكن من رؤية السيناتور عندما يمرّ.

    في الزاوية الأخيرة تلك، ومن خلال ألواح السياج، رأى نلسن فارينا وهو مستلق في أرجوحته، وقد بدا شاحباً وكئيباً، لكن ومع ذلك، حيّاه السيناتور دون أن يبدي له أية مشاعر بالمودّة.

    "مرحباً، كيف حالك؟"

    التفت نلسن فارينا من فوق أرجوحته ورمقه بنظرته المفعمة بالارتياب والغّل.

    "أنا، كما تعرف"، قال.

    خرجت ابنته إلى الباحة عندما سمعت التحية.

    كانت ترتدي فستاناً هندياً رخيصاً من نوع غواجيرو، وكانت تزّين رأسها أقواس ملوّنة، وكانت قد دهنت وجهها بأصباغ لتقيه من أشعة الشمس. إلا أنه، حتى في وضعها السيئ ذاك، يستطيع المرء أن يتصور أنه لا توجد امرأة أخرى في جمالها على وجه البسيطة كلها. وقف السيناتور منقطع الأنفاس وقال بدهشة: "اللعنة. يفعل الله أكثر الأشياء جنوناً".

    في تلك الليلة، جعل نلسن فارينا ابنته ترتدي أجمل ثيابها، وبعث بها إلى السيناتور. وطلب منها الحارسان المسلحان بالبنادق اللذان كانا يهزان رأسيهما من شدة الحرارة في البيت المستعار، أن تنتظر على الكرسي الوحيد في الردهة.

    كان السيناتور يعقد في الغرفة المجاورة اجتماعاً مع أناس على قدر من الأهمية في روزال دل فالي، الذين كان قد جمعهم لينشد على مسامعهم الحقائق التي لم يكن قد ذكرها في خطابه، والذين كانوا يشبهون إلى درجة كبيرة جميع من كان يلتقي بهم في البلدات الصحراوية كلها. وكان قد بدأ يعتري السيناتور الملل ويشعر بالتعب من تلك الجلسات الليلية التي لم تكن تتوقف. كان قميصه مبللاً بالعرق، وكان يحاول أن يجففه على جسده من التيار الحار المنبعث من المروحة الكهربائية التي كانت تصدر طنيناً كطنين ذبابة الفرس في وسط الحرارة اللاهبة التي تغمر الغرفة.

    قال: "بالطبع لا نستطيع أن نأكل طيوراً ورقية" ثم أضاف: "إنكم تعرفون، وأنا أعرف أن اليوم الذي ستنمو فيه الأشجار والأزهار في كومة روث العنزات هذه، وفي اليوم الذي سيحل سمك الشابل محل الديدان في برك الماء، عندها، لن يعود لكم، ولن يعود لي شيء هنا، هل تفهمون ما أقوله لكم؟"

    لم يحر أحد جواباً. وفيما كان السيناتور يتكلم، مزّق صفحة من التقويم، وشكّل منها بيديه فراشة ورقية، ثم ألقاها نحو تيار الهواء المنبعث من المروحة، فراحت الفراشة تتطاير حول الغرفة، ثم خرجت وانسلت عبر شق الباب الموارب. وتابع السيناتور كلامه، بعد أن تمالك نفسه، يساعده في ذلك الموت المتواطئ معه.

    وأضاف: "لذلك، لا يتعين عليّ أن أكرّر على أسماعكم ما تعرفونه جيداً: بأن انتخابي مرة أخرى هو لمصلحتكم أنتم أكثر مما هو لمصلحتي أنا، لأني سئمت المياه الراكدة وعرق الهنود، في الوقت الذي تكسبون فيه أنتم، أيها الناس، رزقكم منه".

    رأت لورا فارينا الفراشة الورقية وهي تنسرب من باب الغرفة. رأتها فقط لأن الحارسين في البهو كانا يغطان في النوم وهما جالسين على الدرج، يعانق كل منهما بندقيته. وبعد أن دارت عدة دورات، انفتحت الفراشة المثنية بكاملها، وارتطمت بالحائط، والتصقت به. حاولت لورا فارينا أن تقتلعها بأظافرها. إلا أن أحد الحارسين، الذي استيقظ على صوت تصفيق منبعث من الغرفة المجاورة، لاحظ محاولتها العقيمة.

    "لا يمكنك اقتلاعها"، قال بفتور، "إنها مرسومة على الحائط". عادت لورا فارينا وجلست عندما بدأ الرجال يخرجون من الاجتماع. وقف السيناتور عند مدخل الغرفة ويده على المزلاج. ولم يلحظ لورا فارينا إلا عندما أضحت الردهة خاوية.

    "ماذا تفعلين هنا؟"

    قالت: "لقد أرسلني أبي".

    فهم السيناتور . أمعن النظر في الحارسين النائمين، ثم تمعّن في لورا فارينا، التي كان جمالها الفائق يفوق ألمه، وهنا عرف أن الموت هو الذي اتخذ قراره نيابة عنه.

    "ادخلي" قال لها.

    وقفت لورا فارينا والدهشة تعتريها عند مدخل الغرفة: كانت آلاف من الأوراق النقدية تتطاير في الهواء، تخفق كالفراشات. لكن السيناتور أطفأ المروحة، فتوقفت عن السباحة في الهواء وأخذت تتهاوى وتتساقط فوق قطع الأثاث في الغرفة.

    "كما ترين"، قال مبتسماً، " حتى الخراء يمكن أن يطير".

    جلست لورا فارينا على المقعد المدرسي. كانت بشرتها ناعمة ومشدودة، وبلون النفط الخام وكثافته، وكان شعرها مثل عرف فرس صغيرة، وكانت عيناها الواسعتان تمنحان بريقاً أكثر لمعاناً من وهج الضوء. وتبع السيناتور مسار نظرتها ووجد أخيراً الوردة التي تلوثت بنترات البوتاسيوم.

    قال: "إنها وردة".

    "نعم" قالت وفي صوتها نبرة ارتباك. "لقد شاهدتها عندما كنت في ريوهاتشا".

    جلس السيناتور على السرير العسكري، وراح يتحدث عن الورود فيما بدأ يفك أزرار قميصه. وعلى الجانب الذي كان يخيّل إليه أن قلبه موجود فيه داخل صدره، كان قد رُسم وشم في شكل قلب يخترقه سهم. ألقى القميص المبلل على الأرض وطلب من لورا فارينا أن تساعده في خلع حذائه الطويل.

    جثت أمام السرير. لم يبعد السيناتور عينيه عنها وهو يتمعن فيها بدقّة، وفيما كانت تفكّ رباط حذائه، كان يتساءل من منهما سيكون سيء الحظ من لقائهما هذا.

    قال: "إنك مجرد طفلة".

    قالت: "قد لا تصدق. سأبلغ التاسعة عشرة من عمري في شهر نيسان القادم". أبدى السيناتور مزيداً من الاهتمام.

    "في أيّ يوم؟"

    قالت: "في اليوم الحادي عشر".

    أحس السيناتور بأنه أصبح أفضل حالاً، ثم قال: " ننتمي كلانا إلى برج الحمل"، ثم أضاف مبتسماً:

    "إنه برج العزلة".

    لم تكن لورا فارينا تبدي اهتماماً بما كان يقوله لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بالحذاء. أما السيناتور، فلم يكن يعرف ماذا يفعل بلورا فارينا، لأنه لم يكن قد اعتاد مثل علاقات الحبّ المفاجئة هذه، كما أنه كان يعرف أن أصل هذه العلاقة يعود إلى الذل والمهانة. ولكي يتاح له قليل من الوقت للتفكير، أمسك لورا فارينا بإحكام بين ركبتيه، وضمها حول خصرها، واستلقى على ظهره فوق السرير. ثم أدرك أنها كانت عارية تحت ثيابها، بعد أن انبعثت من جسدها رائحة قوية من عطر حيوان الغابة، لكن قلبها كان واجفاً، وكسا جلدها عرق جليدي.

    "لا أحد يحبّنا"، قال متنهداً.

    حاولت لورا فارينا أن تقول شيئاً، لكن لم يكن لديها من الهواء سوى قدر يكفيها كي تتنفس. جعلها تستلقي بجانبه ليساعدها، وأطفأ الضوء وأصبحت الغرفة في ظلّ الوردة. استسلمت إلى رحمة قدرها. وراح السيناتور يداعبها ببطء، يسعى إليها بيده، يلمسها لمساً خفيفاً، لكنه صادف شيئاً حديدياً يعوق طريقه في البقعة التي كان يسعى إليها.

    "ماذا تضعين هناك؟"

    قالت: "قفل".

    "لماذا بحق السماء!" قال السيناتور غاضباً وسأل عن الشيء الذي يعرفه جيداً. "أين المفتاح؟"

    تنفست لورا فارينا الصعداء.

    أجابت: "إنه موجود عند أبي"، وأضافت: "لقد طلب مني أن أخبرك بأن ترسل أحداً من رجالك للحصول عليه، وأن ترسل معه وعداً خطياً بأنك ستحلّ مشكلته".

    ازداد السيناتور توتراً. ودمدم ساخطاً: "يا له من ضفدع ابن زنى". ثم أغمض عينيه ليسترخي وألقى بنفسه في الظلام. تذكّر، تذكّر، سواء كنت أنت أو شخصاً آخر، فلن تمضي في هذه الحياة فترة طويلة وستموت حتى لن يبقى أحد يلهج باسمك.

    انتظر حتى تلاشت القشعريرة التي اعترته.

    سألها: "قولي لي شيئاً واحداً: ماذا سمعت عني؟"

    "هل تريد أن أقول الحق؟"

    "الحق".

    قالت لورا فارينا: "حسناً، إنهم يقولون إنك أسوأ من الآخرين لأنك مختلف".

    لم ينزعج السيناتور. لاذ بالصمت لفترة طويلة وهو مغمض العينين. وعندما فتحهما ثانية، بدا أنه أفاق من أكثر غرائزه المثيرة للخوف.

    ثم قرّر: "أوه، بحقّ السماء، قولي لأبيك ابن العاهرة بأنني سأحلّ مشكلته".

    "إذا أردت، يمكنني أن أذهب وأجلب المفتاح بنفسي"، قالت لورا فارينا، لكن السيناتور أوقفها.

    قال: "انسِ أمر المفتاح، ونامي قليلاً معي. جميل أن يكون بصحبة المرء أحد عندما يكون وحيداً تماماً".

    ثم وضعت رأسه على كتفها، وعيناها مثبتتان على الوردة. طوّق السيناتور خصرها بذراعيه، ودفن وجهه في إبطها الذي تفوح منه رائحة حيوان الغابة، واستسلم للرعب. وبعد ستة أشهر وأحد عشر يوماً مات وهو في تلك الوضعية ذاتها، مُحتقراً ومُهاناً بسبب الفضيحة التي شاعت بأنه كان مع لورا فارينا وكان يبكي بحرقة لأنه مات بدونها.

     

    Read more
  • عينا كلبٍ أزرق

     

     

    عينا كلبٍ أزرق


    ثمَّ ، نظرتْ إليّ . في البداية اعتقدتُ أنها تراني للمرة الأولى ، لكنها عندما استدارت خلف الموقد ، و بقيتُ أشعر بنظرتها المراوغة تنزلق على ظهري ، و تعبر فوق كتفي ، عندها أدركتُ أنني من يراها للمرة الأولى. أشعلتُ سيجاراً ، و سحبتُ نفساً عميقاً و قوياً من الدخان قبل أن أدير المقعد لأجعله يتزن على ساق خلفية واحدة. وبعدها أصبح بإمكاني مشاهدتها حقاً ، كما كانت تقف بجانب الموقد و ترمقني ، كل ليلة. لدقائق وجيزة كان ذلك كلّ ما فعلناه : تبادل النظرات. أنا رمقتُها من مقعدي المتزّن على ساق خلفية واحدة ، فيما هي واقفة ويدها الطويلة الساكنة فوق الموقد ، ترمقني بدورها . شاهدت الألق الذي انفرج عنه جفناها ، كما في كل ليلة ؛ فتذكرتُ عادتي في أن أقول لها : ( عينا كلبٍ أزرق ). وبدون أن ترفع يدها عن الموقد قالت: ( تلك العبارة، لن ننساها أبداً. ) . ثم غادرت مكانها و تابعت متنهدة : ( عينا كلبٍ أزرق. لقد كتبتُها في كل مكان.)

    راقبتها تسير متجهة إلى منضدة التزين، وشاهدتُ صورتها تظهر في المرآة المستديرة ترمقني كلما طالني شيء من الضوء. مستمرة في مراقبتي بعينيها البراقتين كجمر ، بدأتْ بفتح العلبة الصغيرة المغطاة بنسيج وردي ذو لآلئ ، ثم رشتْ المسحوق على أنفها ، كل هذا و أنا أراقب. حين انتهتْ أغلقت العلبة و انتصبتْ معاودة السير نحو الموقد ، قالت : ( أخشى أنَّ أحدهم يحلم بهذه الغرفة ويستكشف أسراري.) ، ومدت ذات اليد الطويلة المرتجفة فوق الوهج ، تلك التي كانت تعمل على تدفئتها قبل الجلوس للمرآة. قالت : ( أنت لا تشعر بالبرد. ) فأجبت : ( أحياناً ). وعادت تقول : ( يجب أن تكون تشعر به الآن ). وعندها أدركتُ لِمَ لمْ يمكنني البقاء وحيداً على الكنبة ؛ لقد كان البرد هو الباعث على شعوري بالوحدة. قلت : ( الآن أشعر به.) ثم استطردتُ : ( وهذا غريب لأن الليل صافٍ ، ربما سقطت الملاءة). لكنها لم تحر جواباً. مرة أخرى أراها تغادر مكانها لتتجه إلى المرآة ، فأدير المقعد لأبقي على ظهري مواجهاً لها. و بدون النظر إليها ، عرفتُ ما كانت تقوم به. عرفتُ أنها جلست أمام المرآة مرة أخرى ، تراقب ظهري الذي حظي بالوقت ليصل إلى أعماق مرآتها ، ويُقبض عليه من قِبل نظراتها ، تلك التي بدورها حظيت بالوقت لتصل إلى الأعماق و ترجع – كل هذا قبل أن تبدأ اليد دورتها الثانية – حتى أصبحت شفتاها مرسومة بالقرمزي في دورة واحدة من يدها ، وهي جالسة أمام المرأة.
    في مقابلي ، كنت أتطلع الى الجدار الاملس ، الذي بدا كمرآة عمياء لا يمكنني عبرها النظر إلى تلك الجالسة خلفي ، ولكن بوسعي تخيلها كما لو كانت هناك مرآة معلقة على الحائط تنقل إليّ صورتها ، و قلت ( أنا أراكِ ) . و على الجدار أمكنني أن أراها فعلاً ، كما لو رفعت عينيها إلى المرآة وشاهدتني بظهري المقابل لها على المقعد ، و في عمق المرآة ، وجهي المصوب باتجاه الحائط. ثم شاهدتُها تخفض عينيها ، دون أن تنطق بكلمة. قلت لها مرة أخرى ( أنا أراكِ ). فرفعت عينيها ثانية وقالت: ( هذا مستحيل. ) سألتها عن السبب الذي يجعله مستحيلاً ، و بعيون هادئة و منخفضة أجابت : ( لأن وجهك بإتجاه الحائط ). عندها أدرتُ المقعد ، قابضاً على السيجار في فمي . وحين بقيتُ مواجهاً لها عادتْ إلى مكانها خلف الموقد . هاهي ترفع كفيها فوق الموقد، كما ترفع دجاجة جناحيها ، تدفيء نفسها ، بينما ظلال أصابعها تغطي وجهها ، و قالت : ( أعتقد أني على وشك الإصابة بالبرد. لابد أن تكون هذه مدينة الصقيع. ) أدارت وجهها جانباً ، فتحولت بشرتها من النحاسية إلى الحمراء ، و فجأة بدت حزينة. قالت : ( افعل شيئاً بهذا الصدد.) و بدأت بخلع ملابسها. قلت : ( سأدير وجهي للحائط ) لكنها قاطعتني : ( لا جدوى ، سيمكنك رؤيتي على أية حال ، كما فعلت قبلاً.)
    الوهج ينزلق على بشرتها النحاسية فيجعلها تلمع ، قلت لها : ( لطالما أردتُ رؤيتك هكذا ، و بطنك المكسوة بالحفر كما لو تم ضربك.) و قبل أن أدرك كم كانت كلماتي غبية و غير لبقة ، كانت هي قد أصبحت عديمة الحس بماحولها ، مشغولة بتدفئة نفسها قرب الموقد. قالت : ( أحياناً أشعر أني مصنوعة من معدن.) ، و صمتت فيما تحرك كفيها بخفة فوق اللهب. قلت : ( أحياناً ، في أحلام أخرى ، اعتقدتُكِ مجرد تمثال برونزي صغير مقام في زاوية أحد المتاحف ؛ ربما لهذا أنتِ باردة.)
    - ( في بعض الأوقات ، عندما أنام على قلبي ، أستطيع أن أشعر بالفراغ يكبر في جسدي ، بشرتي تصبح رقيقة كصفيحة معدن ، ثم عندما يزداد تدفق الدم ، أشعر بالقرع في داخلي. كما لو أن شخصاً يناديني بالطرق على معدتي ، يصبح حتى بوسعي سماع صوت النحاس خاصتي في الفراش، يبدو مثل – ماذا يسمونه ؟ - المعدن المصفح.)
    ثم سكتت و اقتربتْ أكثر من الموقد . قلتُ لها : ( أحبُّ أن أسمعكِ).
    - ( اذا استطعنا العثور على بعضنا يوماً ، ضع أذنك على أضلعي عندما أنام على جانبي الأيسر ، و ستسمعني أقرع. لطالما أردتكُ أن تفعلها يوماً.)

    سمعتُها تلهث بقوة فيما تتحدث. قالت أنها لسنوات لم تفعل شيئاً مختلفا ً؛ وهبتْ عمرها للبحث عني في أرض الواقع. ودليلها الوحيد إليّ كان تلك العبارة : ( عينا كلبٍ أزرق ). سارت عبر الشارع و صرخت عالياً بها ، أرادت أن تخبر ذلك الشخص الوحيد القادر على الفهم : ( أنا الشخص الذي يزورك في أحلامك كل ليلة ، ليقول لك : عينا كلبٍ أزرق ). كانت تذهب إلى المطاعم ، و قبل أن تطلب شيئاً تقول للنادل : ( عينا كلبٍ أزرق ) لكن الندل جميعهم كانوا ينحنون مجاملين باحترام ، دون أن يتذكر أحدهم أنه قال تلك العبارة في أحلامه قط. بعدها لجأتْ إلى الكتابة على الشراشف أو الحفر بسكين على أسطح الطاولات المصقولة : ( عينا كلبٍ أزرق ) . و على النوافذ المتشحة بالضباب جميعها ، نوافذ الفنادق ، و المحطات ، و جميع المباني الحكومية ، خطتها بسبابتها : ( عينا كلبٍ أزرق ).
    قالت أنها ذات مرة دخلت محل صيدلة ، شمّت هناك ذات الرائحة التي شمتها مرّة في غرفتها ، بعد أن حلمتْ بي ، ذات ليلة. قالت لنفسها : ( لابد أنه قريب ) و بعد أن تفحصت القرميد الجديد النظيف اتجهت للصيدلي و قالت : ( أحلمُ كل ليلة برجلٍ يقول لي : عينا كلبٍ أزرق. ) يومها حدق الصيدلي بعينيها ثم قال : ( بالواقع يا آنستي ، إن لك عيوناً كتلك بالفعل.). قالت له : ( عليّ أن أعثر على الرجل الذي قال لي هذه الكلمات حرفياً ، في أحلامي.) لكن الصيدلي بدأ بالضحك ثم اتجه للزاوية البعيدة من منضدة العرض. بقيتْ ترمق القرميد النظيف و تشم تلك الرائحة المميزة ، ثم فتحت حقيبتها و أخرجت حمرة شفاهها القرمزية و كتبت بحروف مُحمرّة : ( عينا كلبٍ أزرق.). و حين عاد الصيدلي قال لها : ( سيدتي ، لقد لوثتِ القرميد.) ثم أعطاها قطعة قماش رطبة مستطرداً : ( نظّفيها الآن).
    و تابعت الحديث من موقعها بجوار الموقد ، لتقول أنها أمضت طوال فترة ما بعد الظهر جاثية على أربع ، تنظف القرميد و تردد دون انقطاع : ( عينا كلبٍ أزرق.) حتى تجمع الناس عند الباب و قالوا أنها مجنونة.

    و الآن بعد أن توقفتْ عن الكلام ، كنتُ ما أزال جالساً في الزاوية ، أتأرجح فوق المقعد. قلت لها : ( في كل يوم أحاول تذكر العبارة التي ستقودني اليكِ ، و الآن أعتقد أني لن أنساها. لكني لم أفتأ أبيّت النية ذاتها ، و عندما أستيقظ أكون قد نسيت الكلمات التي تمكنني من العثور عليكِ ).
    - (أنتَ من ابتكرها في اليوم الأول).
    - ( لقد ابتكرتُها لأني شاهدت عيناكِ الرماديتين ، لكن لم يكن بوسعي أبداً التذكر في الصباح التالي).
    بقبضة مطبقة مرفوعة فوق الوهج ، تنهدتْ بعمق ، وقالت : ( لو أن بوسعك على الأقل أن تذكر الآن اسم المدينة التي كتبتُ بها تلك العبارات. )
    أسنانها المتراصة المنتظمة تعكس وميض اللهب ؛ قلت لها : ( أودُّ لو ألمسكِ الآن.)
    رفعتْ وجهها الذي كان مسلّطاً على الموقد ، رفعتْ أنظارها الملتهبة ، الدافئة في الآن ذاته ، تماماً مثلها و مثل يديها ، و شعرتُ بها ترمقني ، في الزاوية حيث أجلس متأرجحاً فوق المقعد. نطقت : ( لم تخبرني بهذا قبلاً)
    - ( أنا أقولها لكِ الآن ، و هي الحقيقة. )
    و من الجهة الآخرى خلف الموقد ، طلبَتْ سيجاراً. عندها شعرتُ بسيجاري الذي توارى بين أصابعي ؛ كنتُ قد نسيت أني أدخنُ واحداً. قالت : ( لا أدري لم لا يمكنني التذكر .. أين كتبتُها تلك العبارات)
    - ( للسبب نفسه ، غداً لن يكون بوسعي تذكر الكلمات)
    و بحزن قالت : ( لا . أحياناً أفكر أني ربما أكون قد حلمتُ بتلك الكتابة أيضاً.)

    وقفتُ ، وسرت باتجاه الموقد ، حيث تجلس هي خلفه ، حاملاً السيجار و عود الثقاب في يدي ، التي لن يكون بوسعها الوصول الى ما خلف الموقد . مددتُ لها السيجار فوق الموقد فالتقطته بشفتاها ، ثم مالت على اللهب قبل أن يتاح لي الفرصة لإشعال عود ثقاب. قلت لها : ( في مدينة ما في العالم ، على كل الجدران ، لابد أن تلك الكلمات مكتوبة : عينا كلبٍ أزرق. و اذا تذكرتُها في الصباح فسيكون بإمكاني العثور عليكِ.) . رفعت وجهها ثانية عن الموقد ، بسيجار مشتعل بين شفتيها. همستْ : ( عينا كلبٍ أزرق) ، و بدأت تسترجع الذكرى فيما تذر الرماد ، و عينها نصف مفتوحة. نفثت الدخان ، قبضت على السيجار بين أصابعها و استطردت : ( شيءٌ قد اختلف الآن . بدأتُ أشعر بالدفء.) قالتها بصوتٍ فاتر و سريع ، كما لو أنها لم تقلها حقاً. كما لو أنها كتبتها على قطعة ورق و قربتها من النور فيما أقرأ : ( بدأتُ اشعر بالدفء) ممسكة اياها بسبابتها وابهامها ، قبل أن تبدأ بلفها وإتلافها ، و فيما أنا بالكاد أكمل القراءة ( .. دفء) كانت قد صيرتها كرة و ألقتها إلى النار ، لتصير خيوطاً من رمادٍ و وهج.
    قلتُ لها : (هكذا أفضل. أحياناً يُشعرني مرآكِ ترتجفين بجوار اللهب ، بالخوف).

    كانت قد مرت سنين طوال علينا و نحن مستمرين في رؤية بعضنا . في بعض الأوقات عندما نكون معاً ، شخصٌ ما كان يلقي ملعقة بالخارج ، و كنا عندها نستيقظ. وببطء أدركنا أن صداقتنا كانت خاضعة للأشياء الخارجية ، لأبسط حدث. لقاءاتنا جميعها انتهت بالطريقة ذاتها ، سقوط الملعقة ، حالما يحلّ الفجر. و الآن ها هي بجوار الموقد تحدق بي ، مما يجعلني أتذكر أنها نظرت لي بالطريقة ذاتها في الماضي أيضاً ، منذ ذلك الحلم البعيد ، حين جعلت المقعد يدور على ساق خلفية واحدة ، و بقيت أحدق في إمراة غريبة ذات عيون رمادية. لقد حدث عندها ، في ذلك الحلم أن سألتها للمرة الأولى : ( من أنتِ ؟ ) و أجابتني : ( لا أتذكر. ) و عدت أقول لها مصرّا : ( لكني أعتقد أننا شاهدنا بعضنا قبلاً . ) و بغير اكتراث جاءني جوابها :

    - ( أعتقد أني حلمتُ بكَ مرة ، و بهذه الغرفة ذاتها)
    - ( صحيح . لقد بدأتُ أتذكر الآن)
    - ( يا للغرابة . من المؤكد أننا التقينا قبلاً ، في أحلام أخرى. )

    سحبتْ نفسين من السيجار. كنتُ لم أزل واقفاً أمام الموقد ، و فجأة وجدتني لا أنفك عن التحديق بها، ارتفاعا و هبوطاً ، كانت لم تزل نحاسية. ليس ذاك النحاس القاسي البارد ، بل كان نحاسها أصفراً ، ناعماً ، و لين. و قلت لها ثانية : ( أودُّ لو ألمسكِ الآن).
    - ( ستفسد كل شيء).
    - ( لم يعد مهماً. كل ما علينا فعله هو قلب المخدة ليتسنى لنا اللقاء ثانية).
    و رفعتُ يدي فوق الموقد ، لكنها لم تتحرك . فقط كررت الجملة ذاتها ( ستفسد كل شيء.) ، قبل أن أتمكن من لمسها.
    قالت : ( ربما إن استطعتَ الوصول إلى خلف الموقد ، سيكون بإمكاننا أن نستيقظ معاً ، من يدري في أي بقعة من العالم).
    - ( لم يعد مهماً.)
    قالت : ( ان استطعنا قلب المخدة سيكون بامكاننا اللقاء ثانية ، لكنك عندما تستيقظ ستكون قد نسيت على أية حال.)
    كنتُ قد عاودتُ سيري تجاه الزاوية ، فيما هي خلفي مستمرة في الإستدفاء بالوهج. و قبل أن أبلغ المقعد سمعتها تقول :
    ( عندما أستيقظ في منتصف الليل ، أبقى أتقلب في الفراش ، حاشية المخدة تحرق ركبتي ، لكني أبقى أردد حتى الفجر : عينا كلبٍ أزرق).
    قلت لها و أنا أحدق في الجدار ، كما كنتُ قبلاً : ( إنه الفجر فعلاً.) ، و واصلتُ دون الإلتفات إليها : ( عندما قرعتْ الساعة الثانية بعد منتصف الليل كنتُ مستيقظاً ، و لكن ذلك كان منذ وقتٍ بعيد.)
    اتجهتُ للباب و حين أوشكتُ على لمس المقبض ، جاءني صوتها مجدداً ، بذات الثبات : ( لا تفتح ذلك الباب.) و تابعتْ بعد صمت ( إن الرواق مليء بالأحلام المبهمة.) سألتُها : ( ما أدراك؟ ) و أجابت : ( لأني كنتُ هناك بالفعل قبل لحظةٍ مرت ، لكني عدت إلى هنا حين اكتشفت أني نائمة على قلبي).
    كنتُ قد فتحت الباب تقريباً ، و من الفرجة الصغيرة جاءني نسيم بارد ناعم حمل لي رائحة منعشة للأرض المخضرّة و الحقول الندية. عادتْ تتحدث لكني واصلتُ فتح الباب و قلت لها : ( لا أعتقد أن هناك أي رواق في الخارج ، أني اشم رائحة الريف).
    - ( أنا أدرى بهذا خيراً منك . هناك إمرأة بالخارج تحلم بالريف.) و عقدتْ ذراعيها فوق اللهب متابعة : ( إنها تلك المرأة التي طالما تمنت أن يكون لها بيت بالريف ، لكنها لم تكن قادرة قط على مغادرة المدينة.)
    عندها تذكرتُ رؤيتي لتلك المرأة في بعض أحلامي السابقة ، لكني أدركتُ أيضاً ، فيما الباب شبه مفتوح، أن أمامي نصف ساعة قبل أن يتوجب عليّ الذهاب لتناول افطاري. لذا قلت : ( على أية حال ، يجب عليّ أن أغادر هذه الغرفة ، استعدادًا للإستيقاظ ).

    في الخارج عوت الريح للحظة ، ثم هدأت، و أصبح بإمكاني سماع الأصوات الناجمة عن تنفس شخص نائم ، انقلب في فراشه للتو. النسيم القادم من الحقول توقف و لم يعد هناك روائح . قلت لها : ( في الغد سأتذكرك بهذا ؛ عندما أسير في الشارع و أشاهد امرأة تكتب عبارة ( عينا كلبٍ أزرق ) على الجدران. ) قالت فيما ارتسمت بسمة حزينة على شفتيها - بسمة مذعن للمستحيل - : ( رغم ذلك لن تتذكر شيئاً أثناء النهار. ) و عادت تضع كفيها فوق الموقد فيما تغيب ملامحها وسط غمامة أسى .
    ( أنتَ الرجل الوحيد في العالم ، الذي لا يتذكر شيئاً مما حلم به ، حين يستيقظ . )

     

    Read more
  • أشباح أغسطس

     

     

    أشباح أغسطس لـ :غابرييل غارسيا ماركيز

    ترجمها عن الإسبانية:إدريس الكنبوري


    وصلنا إلي أريزو قبل منتصف النهار بقليل، وقضينا أزيد من ساعتين في البحث عن القصر الذي يدل علي عصر النهضة، الواقع في ذاك المكان الشاعري من القرية البدائية، والذي اشتراه الكاتب الفنزويلي ميغيل أوتيرو سيلفا.

    كان يوم أحد من أول أسبوع من شهر آب (أغسطس)، حارا ومثيرا للأعصاب، ولم يكن من السهل مصادفة شخص يعرف شيئا عن القصر في الشوارع التي تغص بالسائحين.

    وبعد عدة محاولات للبحث بدون جدوي عدنا إلي السيارة وغادرنا البلدة عبر طريق صغير تحفه أشجار السرو دون هدف واضح، لكن امرأة عجوزا كانت ترعي الإوز دلتنا في النهاية علي مكان القصر بالتحديد، وقبل أن تودعنا سألتنا إن كنا سنقضي الليلة هناك، فأجبناها، وفقا لما كان مقررا في الدعوة، بأننا ذاهبون فقط للغذاء، فقالت:
    ـ هذا لحسن الحظ، لأن المكان يثير الرعب.


    وبما أننا، زوجتي وأنا، لم نكن نؤمن بأشباح منتصف النهار، فقد سخرنا من كلامها، لكن طفلينا، البالغين من العمر تسعا وست سنوات، انتابهما الفرح لكونهما سوف يريان أشباحا حقيقية.


    وجدنا ميغيل أوتيرو سيلفا، الذي كان علاوة علي كونه كاتبا جيدا مضيافا رحب الصدر، ينتظرنا بطعام الغذاء الذي لا يمكن نسيانه أبدا.

    وبما أننا وصلنا متأخرين فلم يكن لدينا وقت لكي نتجول في أرجاء القصر قبل الجلوس إلي مائدة الطعام، ولكن منظره من الخارج لم يكن مما يثير الخوف، بل إن مشهد المدينة التي كانت تبدو لنا من المكان المرتفع الذي نتغذي فيه كان كافيا لطرد أي شعور بالكآبة.


    كان من الصعب أن يتصور المرء كيف يمكن أن يولد في هذه البيوت المتكاتفة فيما بينها فوق هذه الهضبة، حيث يعيش حوالي تسعة آلاف من الأفراد متزاحمين أشخاص ذوو عبقرية دائمة، لكن ميغيل أوتيرو سيلفا قال لنا بمزاجه الكاريبي أن أيا من هؤلاء الأشخاص الممتازين ليس أفضل ما في أريزو، وأضاف:


    ـ إن أفضلهم كان هو لودوفيكو.


    هكذا: لودوفيكو، بدون ألقاب زائدة، أحسن رجال الفن والحرب الذي بني هذا القصر الحزين، والذي استفاض ميغيل أوتيرو سيلفا في الحديث عنه طيلة وقت الغذاء، عن قوته التي لا تقهر وغرامياته التعسة وموته المأساوي، وكيف أنه في لحظة جنون قاسية قتل عشيقته علي السرير الذي مارسا فيه الحب ثم أثار عليه بعد ذلك كلاب الحرب الذين قطعوه أربا.

    وأكد لنا، بلهجة يقينية، أن شبح لودوفيكو يخرج بعد منتصف الليل ويبدأ في التسكع في جنبات القصر وسط الظلمة محاولا إعادة السكينة إلي مطهر حبه.


    لقد كان القصر في الحقيقة واسعا جدا ومعتما، غير أن قصة ميغيل لم تبد لنا في واضحة النهار مع امتلاء المعدة وانشراح القلب إلا مجرد مزحة شبيهة بمزحاته الكثيرة التي يحاول الترويح بها علي ضيوفه.

    وخلال تجوالنا بعد فترة القيلولة من دون أي شعور بالخوف بدت لنا الغرف الإثنتان والثمانون التي يتكون منها القصر وكأنها خضعت لتغييرات كثيرة من طرف ملاكيه المتعاقبين. قام ميغيل بإصلاح الطابق الأسفل كاملا وبني غرفة نومه بطريقة حديثة وجعل أرضيتها من الرخام، وحماما بخاريا علي الطريقة الفنلدنية، وشرفة زودها بورود فاقعة حيث تناولنا طعام الغذاء.

    أما الطابق الثاني الذي خضع للاستعمال كثيرا خلال القرون الماضية فقد كان عبارة عن سلسلة من الغرف التي لا تحمل سمات معينة خاصة بها، فيها أثاث ينتمي إلي مختلف العصور ترك بلا عناية.

    لكن في الطابق العلوي كانت هناك غرفة لم تمس في السابق يبدو أن الزمن لم يتمكن من الوصول إليها فبقيت كما كانت.

    إنها غرفة نوم لودوفيكو.


    كانت لحظة ساحرة.

    فهناك كان السرير المحاط بالستائر الموشاة بخيوط من الذهب، والأغطية الحريرية العجيبة المتغضنة التي لا يزال بها أثر دم العشيقة المقتولة، والمدفئة الرمادية المتجمدة التي تحول فيها الحطب الأخير إلي حجر، والدولاب التي لا تزال به الأسلحة الفتاكة، والبورتريه الزيتي في إطار من الذهب للفارس وهو يتأمل، مرسومة بيد واحد من كبار فناني فلورنسة، لكن الذي أثار اندهاشنا هو وجود رائحة الفراولة ما تزال نفاذة في غرفة النوم دون تفسير واضح.


    الأيام في الصيف في توسكانا طويلة وبطيئة، حيث يبقي الأفق مستقرا في مكانه حتي التاسعة ليلا.

    وعندما انتهينا من التجول داخل القصر كانت الساعة تشير إلي الخامسة من بعد الظهر، ولكن ميغيل أصر علينا بأن يأخذنا لنري اللوحات الجدارية لبييرو ديلا فرانسيسا في كنيسة سان فرانسيسكو، وبعد ذلك جلسنا لتناول القهوة والدردشة تحت تعريشة المكان، وحينما عدنا إلي القصر لحمل حقائبنا وجدنا أنهم أعدوا طعام العشاء، وهكذا اضطررنا للبقاء.


    فيما كنا نتعشي تحت سماء خبازية اللون لا توجد بها سوي نجمة يتيمة، أخذ الولدان المشاعل من المطبخ وراحا يستكشفان غرف الطابق العلوي وسط الظلمة.

    ومن مكاننا في الأسفل سمعنا أصوات ركضهم الذي كانا يقلدان به الخيول علي السلم، وأنين الأبواب، والأصوات الناعمة السعيدة التي تنادي لودوفيكو في الغرف المظلمة.

    وخطرت للولدين تلك الفكرة السيئة بأن نقضي الليلة هنا، وساندهم ميغيل أوتيرو سيلفا سعيدا بها، فلم نجد في أنفسنا الشجاعة الأدبية لنرفض الدعوة.

    بعكس ما كنت أتخوف، نمنا تلك الليلة جيدا، زوجتي وأنا، في غرفة نوم بالطابق السفلي بينما نام الولدان في الغرفة المجاورة.

    كانت الغرفتان معا قد أدخلت عليهما إصلاحات بشكل جعلهما حديثتين، لذلك لم تكونا معتمتين.

    وفي انتظار أن يأخذني النوم بدأت أتلهي بتعداد الضربات الإثنتي عشرة للساعة الجدارية الكبيرة، فتذكرت تحذير راعية الإوز، لكننا كنا متعبين جيدا فنمنا نوما ثقيلا مليئا بالأحلام، وصحوت بعد الساعة السابعة صباحا بقليل علي نور الشمس المتسلل عبر فتحات النوافذ، وكانت زوجتي إلي جانبي ما تزال نائمة، فقلت في نفسي: يا لها من حماقة، أن يؤمن المرء في هذا الزمن بالأشباح.


    وفي تلك اللحظة بالذات اجتاحتني رائحة الفراولة التي كأنها قطفت للتو، وصورة المدفئة الرمادية المتجمدة التي تحول فيها الحطب الأخير إلي حجر، والبورتريه الزيتي للفارس الحزين في الإطار المذهب وهو ينظر إلينا من وراء ثلاثة قرون.

    واكتشفت بأننا لم نكن في الحقيقة نائمين في نفس الغرفة التي نمنا فيها ليلة أمس بالطابق السفلي، بل في غرفة نوم لودوفيكو، تحت الستائر التي علق بها الغبار والأغطية الملطخة بالدم الذي لا يزال طريا علي السرير اللعين

     

    عن القدس العربي
    2005/10/31

     

     

    Read more
  • ثمن عشرين قتيلاً

     

     




    بزغ يوم الاثنين دافئاً و بلا مطر .. و كالطير فتح " أوريليو اسكوفار " طبيب الأسنان غير المؤهل و المبكر في يقظته , عيادته في الساعة السادسة .. ثم أخرج بعض أسنان صناعية مازالت مركبة في قالب المصيص من الدولاب الزجاجي, و وضع على المنضدة مجموعة أدوات رتبها حسب الحجم .. كما لو كانت للعرض .. و كان يلبس قميصاً مخططاً بلا ياقة, أقفل حول الرقبة بمشبك ذهبي, و بنطلوناً معلقاً بحمالة .. و كان مستقيم العود نحيل الجسم, لا تبدو عليه مسحة المهنة , و كانت هيأته أقرب إلى هيئة رجل أصم ..

    و لما فرغ من ترتيب الأدوات فوق المنضدة جذب المثقب إلى قرب كرسي الأسنان و جلس لصقل الأسنان الصناعية .. لقد بدا أنه لا يفكر في العملية التي يقوم بها, بيد أنه راح يواصل العمل و هو ينفخ كور الثقب بقدميه, حتى و هو لا يحتاج إلى ذلك .

    و عندما بلغت الساعة الثامنة توقف برهة لكي ينظر من النافذة إلى السماء, فرأى طائرين من الجوارح يجففان نفسيهما في الشمس على إفريز سطح البيت المجاور .. و ما لبث أن استأنف عمله متوقعاً أن يعود المطر إلى الانهمار قبل موعد الغداء .. إلى أن قطع عليه تركيزه صوت ابنه الحاد البالغ من العمر احدى عشرة سنة يناديه .. و لدى سؤاله قال له :
    - العمدة يريد أن يعرف إذا كان يمكن أن تخلع سنه ..
    - قل له انني غير موجود
    و أخذ يصقل سناً مذهبة .. ثم امسك بها على قيد ذراع و فحصها بعينين نصف مقفلتين .. و عندئذ انبعث صوت ابنه صائحاً من غرفة الانتظار الصغيرة :
    - العمدة يقول أنك موجود, لأنه يسمع صوتك!..

    استمر الطبيب يفحص السن .. و لم يرد إلا بعد أن وضعها فوق المنضدة بجانب ما تمَّ إنجازه من الأسنان, إذ قال :
    - الأحسن أن يسمع ..
    و أدار الثقب من جديد .. ثم أخرج عدة قطع من " كوبري " من خزانة بها الأشياء التي عليه أن يتمها, و أخذ يصقل الذهب .. و لكن ابنه ناداه مرة أخرى .. فسأله ماذا يريد دون أن تتغير ملامح وجهه, فقال الصبي :
    - قال العمدة إنك إذا لم تخلع له السن, فسوف يضربك بالرصاص !..
    و بدون ما أدنى تعجل, و بحركة جد هادئة, توقف عن تحريك الثقب, و دفعه على الكرسي, ثم جذب الدرج الأسفل للمنضدة عن آخره, فإذا به مسدس .. و قال لإبنه :
    - حسن .. قل له أن يدخل و يقتلني ..

    و دحرج الكرسي في مواجهة الباب .. و ظهر العمدة في المدخل و قد بدا خده الأيسر حليقاً, أما الخد الثاني فكان مورماً موجعاً, نبتت فيه لحية عمرها خمسة أيام, فقد شهد العمدة ليالي كثيرة من العذاب و المعاناة بدت آثارها في عينيه المتبلدتين ..

    أغلق الطبيب الدرج بأنامله, و قال بليونة : اجلس ..
    فقال العمدة : صباح الخير ..
    فرد الطبيب بنصف السلام

    و بينما كانت أدوات الخلع تغلي, مال العمدة برأسه على المسند حتى شعر بتحسن .. و كانت العيادة متواضعة : بها كرسي خشبي عتيق, و المثقب, و دولاب زجاجي به قناني خزفية .. و أمام النافذة ستار لا يعلو عن ارتفاع الكتف .. و عندما شعر العمدة باقتراب الطبيب, شد على عقبيه و فتح فمه ..

    و ما لبث " أوريليو اسكوفار " أن أدار رأس العمدة إلى ناحية الضوء .. و بعد أن فحص السن المصابة أقفل فك العمدة بضغطة محاذرة من أصابعه .. و قال :
    - لابد من الخلع بغير مخدر ..
    - و لماذا ؟ ..
    - لوجود خراج ..
    فنظر العمدة مواجهة, ثم قال : لا بأس ...
    قالها محاولاً أن يبتسم فلم يرد الطبيب على الابتسامة .. بل جاء بإناء الأدوات المعقمة إلى المنضدة و أخرجها من الماء بملقط بارد ..

    كلّ ذلك دون أن يتعجل في حركاته .. ثم دفع المبصقة بطرف حذائه و انتقل لغسل يديه في الحوض .. لقد فعل هذا كله دون أن ينظر على العمدة .. غير أن العمدة لم يرفع نظره عنه لحظة ..

    كان المعطوب " ضرس العقل " السفلي .. و ما لبث الطبيب أن وسع قدميه و أمسك الضرس " بالجفت " الساخن .. فتشبث العمدة بذراعي الكرسي ة شد على قدميه بكل قوته و هو يشعر بخواء بادر في كليته, بيد أنه لم يحدث أي صوت .. و لم يكن يتحرك من الطبيب سوى معصمه .. و دون ما ضغينة, بل برفق تشوبه المرارة, قال للعمدة :
    - الآن سوف تدفع ثمن قتلانا العشرين !..

    شعر العمدة بقصف كقصف العظام في فكه, و امتلأت عيناه بالدموع .. بيد أنه لم يتنفس إلى أن شعر بخروج الضرس .. ثم رآه من خلال الدموع .. و قد بدا غريباً جداً عن الآلام التي كابدها إلى حد أنه عجز عن فهم هذا العذاب الذي تجرعه مدى الأيام الخمسة الفائتة ..

    و بينما انحنى فوق المبصقة عارقاً لاهثاً, فك أزرار كسوته الرسمية و مد يده إلى جيب بنطلونه يلتمس منديله .. فأعطاه الطبيب قطعة قماش نظيفة قائلاً :
    - امسح دموعك !..

    فعل العمدة هذا .. كان يرتعد و بينما أخذ الطبيب يغسل يديه, كان هو يتطلع إلى السقف المتآكل الذي يتدلى منه عنكبوت و حشرات ميتة .. و ما لبث الطبيب أن عاد و هو يمسح يديه .. و قال له :
    - اذهب إلى فراشك .. و " غرغر " بماء مالح ..

    فقام العمدة, و سلم بتحية عسكرية فاترة, ثم اتجه إلى الباب باسطاً ساقيه, و دون أن يزرر سترته ..

    و عند الباب قال : إبعث الفاتورة ..
    - لك, أو لمكتب الحكومة ؟..

    لم ينظر إليه العمدة, بل قال و هو يغلق الباب : هذا و ذاك سيان, لعنة الله !..

     

     جابرييل جارسيا ماركيز

     

     

    Read more
  • سر السعادة

     

     

    أرسل أحد التجار ابنه ليتعلم سر السعادة عند الرجل الأعمق حكمة من بين كل الرجال . 

    مشى الصبي أربعين يوماً في الصحراء قبل أن يصل إلى مدخل قصر رائع على قمة جبل . هناك يقيم الرجل الحكيم الذي كان يسعى للوصول إليه .
    بدلاً من أن يلتقي رجلاً قديساً دخل رجلنا إلى قاعة تنشط فيها حركة كثيفة ، باعة يدخلون ويخرجون ، وأناس يتحادثون في أحد الزوايا ، وفرقة موسيقية تعزف أنغاماً خلابةً . وفيها طاولة مليئة بأشهى مآكل تلك المنطقة من العالم … والرجل الحكيم يتحدث مع هؤلاء و أولئك ، فاضطر الشاب إلى الانتظار ساعتين قبل أن يحين دوره بالكلام …
    أصغى الرجل الحكيم بانتباه إلى الشاب وهو يشرح له سبب زيارته ، ولكنه قال له أن لا وقت لديه الآن ليطلعه على سر السعادة . واقترح عليه القيام بجولة في القصر ثم العودة ليقابله بعد ساعتين …
    "ومع ذلك أريد أن أطلب منك معروفاً " أضاف الرجل الحكيم وهو يعطي الشاب ملعقة صغيرة سكب فيها نقطتين من الزيت . " خلال جولتك أمسك جيداً بهذه الملعقة ولا تدع الزيت يسقط منها " .
    بدأ الشاب يصعد وينزل كل سلالم القصر وعيناه مركزتان على الملعقة . وعاد بعد ساعتين إلى حضرة الحكيم .
    "إذاً " سأل هذا الأخير " هل رأيت النجود الفارسية الموجودة في غرفة الطعام خاصتي ؟ هل رأيت الحديقة التي عمل مسؤول البساتين عشر سنوات لإنجازها ؟ هل شاهدت الرق الجميل في مكتبتي ؟ "
    ارتبك الشاب ، واضطر بأن يعترف بأنه لم ير شيئاً أبداً . لأن همه كان ألا تقع نقطتا الزيت من الملعقة التي أعطاه إياها الحكيم .
    "إذن عد وتعرف على روائع عالمي " . قال له الرجل الحكيم . " لا يمكن الوثوق بإنسان إن لم نكن نعرف المنزل الذي يقيم فيه " .
    حمل الشاب الملعقة وهو أكثر اطمئناناً الآن ، وعاد يتجول في القصر مركزاً انتباهه هذه المرة على كل الأعمال الفنية المعلقة على الجدران والمرسومة على السقف . رأى الجنائن والجبال المجاورة ورقة لأزهار وتلك الدقة التي وضعت فيها الأعمال الفنية كل واحد في موقعه المناسب . ولدى عودته إلى الحكيم روى له بشمل مفصل كل ما رآه في جولته .
    " لكن أين هما نقطتا الزيت اللتان أوكلتك بهما ؟" سأل الحكيم …
    نظر الشاب إلى الملعقة فوجد أن نقطتي الزيت قد سقطتا منها . قال الحكيم عندئذ :
    " هنا النصيحة الوحيدة التي يجب أن أعطيك إياها :
    إن سر السعادة هو أن تنظر إلى كل روائع الدنيا دون أن تنس أبداً نقطتي الزيت في الملعقة " …

     

     

    Read more
  • الخيميائي

     

     

     

    الخيميائي

     


    وفيما هم سائرون، دخل قرية فقلبته امرأة اسمها مرثا في بيتها، وكانت لهذه أخت تدعى مريم والتي جلست عند قدمي يسوع، وكانت تسمع كلامه، وأما مرثا فكانت مرتبكة في خدمة كثيرة فوقفت وقالت:
    - يارب، أما تبالي بأن أختي قد تركتني أخدم وحدي، فقل لها أن تعينني. فأجاب يسوع وقال لها:
    - مرثا ! مرثا، أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الصالح الذي ينزع منها.

     


    إنجيل لوقاه الإصحاح العاشر 38 -

     

     

     

    :: تمهيـد ::

     


    تناول الخيميائي بيده كتاباً، كان قد أحضره أحد أفراد القافلة، لم يكن للكتاب غلاف، ولكنه استطاع على الرغم من ذلك التعرف على اسم الكاتب " أوسكار وايلد " وهو يقلب صفحاته، وقع نظره على قصة كانت تتحدث عن " نرجس " … لاشك أن الخيميائي يعرف أسطورة " نرجس " هذا الشاب الوسيم الذي يذهب كل يوم ليتأمل بهاءه المتميز على صفحة ماء البحيرة.
    كان متباهياً للغاية بصورته، لدرجة أنه سقط ذات يوم في البحيرة، وغرق فيها، في المكان الذي سقط فيه، نبتت وردة سميت باسمه: "وردة النرجس".
    لكن الكاتب " أوسكار " لم ينه روايته بهذا الشكل، بل قال أنه عند موت نرجس، جاءت الإريادات (آلهة الغابة) إلى ضفة البحيرة العذبة المياه، فوجدتها قد تحولت إلى زير من الدموع المرة، فسألتها:
    - لماذا تبكين؟
    - أبكي نرجساً . اجابت البحيرة.
    فعلقت الإريادات قائلة:
    - ليس في هذا مايدهشنا، وعلى الرغم من أننا كنا دوماً في إثره في الغابة، فقد كنت الوحيدة التي تمكنت من تأمل حسنه عن كثب.
    - كان نرجس جميلاً إذاً ؟
    مكثت البحيرة صامتةً للحظات ثم قالت:
    - أنا أبكي نرجساً لكنني لم ألحظ من قط أنه كان جميلاً، إنما أبكيه لأنه في كل مرة انحنى فيها على ضفافي كنت أتمكن من أن أرى في عينيه انعكاساً لحسني.
    - إنها لقصة جميلة جداً. قال الخيميائي.

     


    :: الجزء الأول ::

     


    كان يُدعى سنتياغو.
    كان النهار يتلاشى عندما وصل بقطيعه أمام كنيسة قديمه مهجورة، سقفها قد انهار منذ زمن بعيد. وفي الموضع الذي كان يوجد فيه الموهف نمت شجرة جميز عملاقة.
    قرر أن يقضي الليل في هذا المكان، أدخل نعاجه من الباب المحطم، ووضع بضع ألواح بطريقه بمنعها بها من الفرار أثناء الليل. لم يكن هناك ذئاب في تلك المنطقة، فذات مرة هربت دابة فكلفه ذلك إضاعة نهار بكامله في البحث عن النعجة الفارة.
    مد معطفه على الأرض وتمدد، وجعل من كتابه الذي فرغ من قراءته وسادة.
    قبل أن يغرف في النوم أكثر فكر بأن عليه قراءة كتب أكبر، وسيكرس لإنهائها وقتاً أكبر، وسوف يكون له منها وسادات أكثر راحة من أجل الليل.
    عندما أفاق، كانت العتمة لاتزال قائمة، نظر إلى الأعلى فرأى النجوم تلمع، من خلال السقف الذي انهار نصفه.
    فقال في نفسه:
    - كنت أتمنى فعلاً لو نمت لوقتٍ أطول.
    فقد رأي حلماً، إنه حلم الأسبوع الفائت، ومن جديد أفاق قبل نهايته. نهض وشرب جرعة من الخمر، ثم تناول عصاه، وأخذ بإيقاظ نعاجه التي كانت ما تزال راقدة، وقد لاحظ أن معظم البهائم تستعيد وعيها وتتخلص بسرعة من نعاسها ولمّا يسعد وعيه هو، وكأنما هناك قدرة غريبة قد ربطت حياته بحياة تلك الأغنام، والتي تطوف معه البلاد منذ عامين سعياً وراء الماء والكلأ.
    - قد تعودت على فعلاً لدرجة أنها صارت تعرف مواقيتي ـ قال في نفسه بصوت منخفض، وبعد لحظة من التفكير تراءى له أن العكس هو الصحيح، إذ أنه هو الذي قد اعتاد عليها وعلى مواقيتها.
    كانت بعض النعاج تماطل بالاستيقاظ، فكان يوقظها واحدة إثر أخرى بعصاه، منادياً كل نعجة منها باسمها، فقد كان مقتنعاً دائماً بمقدرة النعاج على فهم ما يقول، وكان يقرأ لها مقاطع من بعض الكتب، أو يتحدث إليها عن عزلة أو سرور راع، بحياته في الريف، ويفسر لها آخر المستجدات التي قد رآها في المدن التي اعتاد أن يمر بها.
    مع ذلك منذ قبل يوم أمس، لم يكن لديه عملياً، موضوع محادثة آخر سوى تلك الشابة التي تسكن في المدينة التي سيصل إليها بعد أربعة أيام، لم يكن قد زارها إلا لمرة واحدة في العام الفائت.
    كان التاجر يملك متجراً للقماش، وكان يحبذ أن يجز صوف أغنامه على مرأى منه، كي يتحاشى الوقوع ضحية للغش، لقد قاد الراعي قطيعه إليه لأن أحد أصدقائه قد دلّه على المتجر.

     

    × × ×

     

    - أنا بحاجة لأن أبيع قليلاً من الصوف ـ قال للتاجر.
    كان المتجر يغص بالزبائن، لذا فقد طلب التاجر من الراعي الانتظار حتى المساء، فذهب ليجلس على رصيف المتجر وأخرج من حقيبته كتاباً.
    - لم أكن أعلم أن بإمكان الرعاة قراءة الكتب.
    قال صوت امرأة كانت بجانبه، كانت هذه الشابة تمثل نموذجاً لنساء منطقة الأندلس بشعرها الأسود المسدول، وعينيها اللتين تذكران نوعاً ما بالفاتحين العرب القدماء.
    - ذلك لأن النعاج تعلم أشياء أكثر مما هو في الكتب ـ أجاب الراعي الشاب.
    بقيا يثرثران أكثر من ساعتين، هي أخبرته بأنها ابنة التاجر، وتحدثت عن الحياة في القرية، وعن رتابة الأيام فيها، والراعي حدثها عن الأندلس، وعن آخر المستجدات التي رآها في المدن التي مرّ فيها.
    كان سعيداً لأنه لم يكن مجبراً على التحدث مع أغنامه دائماً.
    - كيف تعلمت القراءة؟ سألت الشابة لتوها.
    - كسائر الناس، في المدرسة.
    - لكن، وربما أنك تعرف القراءة، لماذا لم تصبح إلا مجرد راعٍ؟
    وارب الراعي كي لا يرد على هذا السؤال، لأنه كان متأكداً من أن الفتاة لن تفهمه.
    تابع رواية سير ترحاله، وعيناها العربيتان الصغيرتان تحملقان ثم تنغلقان بفعل الإنذهال والمفاجأة.
    كان يشعر أن الوقت يمر سريعاً، وتمنى لهذا اليوم ألا ينتهي، ولوالد الفتاة أن يبقى مشغولاً لزمن أطول، وأن يطلب منه الانتظار ثلاثة أيام.
    وانتابه إحساس لم يكن قد ألم به من قبل أبداً: إنه الرغبة في الاستقرار في مدينة بالذات مع الشابة ذات الشعر الأسود، فلن تكون الأيام رتيبة متشابهة، لكن التاجر، ظهر أخيرا، فطلب منه أن يجز له صوف أربع نعاج، دفع إليه التاجر ثمن الصوف ودعاه إلى المجيء في السنة القادمة.
    حتى الآن لم يكن يعوزه إلا أربعة أيام، من أجل الوصول إلى تلك البلدة نفسها، كان مبتهجاً وبالوقت نفسه مرتاباً من أن تكون الفتاة قد نسيته، فالرعاة الذين يمرون من هنا لجز صوف أغنامهم ليسوا قلائل.
    - غير مهم ـ قال متحدثاً إلى أغنامه _ فأنا أيضاً أعرف فتيات أخريات، في مدن أخرى.
    لكنه كان في قرارة نفسه يعترف أن لقاءه بها له أهميته، وأن الرعاة كالبحارة أو التجار المتجولين، يعلمون دائماً أن مدينة يوجد فيها من يجعلهم ينسون متعة التجوال في العالم بملئ حريتهم.

     

    بينما أخذت تبدو خيوط الشمس الأولى، بدأ الراعي يتقدم بأغنامه باتجاه الشمس المشرقة.
    - إنها تتبعني، فهي ليست بحاجة على الإطلاق إلى اتخاذ قرار – فكر- ربما لهذا السبب فإنها تبقى بقربي، وبقدر ماسيبقى راعيها عارفاً بأفضل المراعي الأندلسية بقدر ماستبقى تلك الأغنام صديقاته، فحتى لو تشابهت الأيام بعضها ببعضها الآخر، مكونة ساعات ممتدة بين طلوع الشمس وغروبها، حتى لو أن تلك النعاج لم تقرأ قط أي كتاب خلال حياتها القصيرة، حتى لو جهلت لغة البشر الذين يرون ما كان يحصل في القرى، فهي تكتفي بالماء والكلأ، وهذا بالمحصلة كافٍ. وفي المقابل فهي تمنح صوفها، وصحبتها بسخاء، ومن وقت لآخر لحمها أيضاً، ولو أنني بين لحظة وأخرى قد تحولت إلى غول وأخذت بذبحها وحدة إثر الأخرى. فإنها لن تستوعب ما يحصل، إلا عندما يوشك القطيع على الهلاك، وذلك لأنها تثق بي، ولم تعد تعتمد على غرائزها، وهذا كله لأنني أنا الذي أسوقها إلى المراعي.
    أخذ الراعي يفاجأ بأفكاره، وصار يجدها غريبة.
    ربما بدت الكنيسة، مع شجرة الجميز المنتصبة في الداخل مسكونة بالأرواح. هل كان هذا هو السبب الذي جعل هذا الحلم يعاوده أيضاً، وهل لهذا يعاني من شعور الغضب تجاه نعاجه، صديقاته المخلصات دوماً؟
    شرب قليلاً من الخمر الذي تبقى لديه من عشاء ليلة الأمس، وشد معطفه على جسده، فهو يعلم أن الشمس ستكون في أوجها بعد بضع ساعات، وسيصبح الطقس حاراً جداً، لدرجة لن يستطيع معها اصطحاب قطيعه عبر الريف.
    في تلك الساعة من الصيف، كانت إسبانية كلها غافية، الحرارة مرتفعة حتى في الليل، وخلال ذلك الوقت كله يتوجب عليه أن يحمل معطفه معه.
    وكلّما كانت تتملكه الرغبة في الشكوى من هذا العبء تحديداً، كان يتذكر أنه بفضله يجابه برودة الصباح الباكر.
    - علينا أن نكون مستعدين دائماً لمفاجآت الطقس ـ تخيل عندئذٍ وتقبّل بامتنان ثقل معطفه الذي كان هناك مبرر لوجوده كمثل الشاب، فبعد سنين من تطواف سهول الأندلس، صار يعرف عن ظهر قلب، أسماء مدن المنطقة كلها، وكان هذا ما أعطى لحياته معنى، إنه الترحال ...

     


    كان ينوي هذه المرة أن يشرح للفتاة الشابة، لماذا يعرف راع بسيط القراءة؟ فقد كان يتردد حتى سن السادس عشرة عاماً على المدرسة الأكليريكية، وأهله أرادوا له أن يصبح قسيساً، تتشرف به عائلة متواضعة، من وسط فلاحي، تكد من أجل لقمتها وهي بذلك كأغنامه.
    درس اللاتينية والإسبانية واللاهوت، لكنه منذ طفولته المبكرة كان يحلم بمعرفة العالم، ويكسب معرفة أفضل من مجرد معرفة الذات الإلهية أو آثام البشر.
    ذات مساءٍ جميل، وهو ذاهب لرؤية ذويه، تسلّح بالشجاعة وأخبر والده بأنه لايريد أن يكون راهباً بل يريد السفر.
    - ياولدي، رجال من العالم بأسره قد أتوا إلى هنا، ومرّوا آنفاً بهذه القرية، إنهم يأتون إلى هنا ليبحثوا عن أشياء جديدة، لكنهم يبقون الرجال أنفسهم، يذهبون إلى الهضبة لزيارة القصر ويجدون أن الماضي أفضل من الحاضر، أكانوا ذوي شعر فاتح، أو ذوي بشرة غامقة، فهم يشبهون رجال قريتنا.
    قال الشاب:
    - لكنني لا أعرف قصور البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال.
    تابع الأب:
    - عندما رأى هؤلاء الرجال حقولنا ونساءنا حبذوا العيش هنا إلى الأبد.
    قال الإبن:
    - أريد أن أتعرّف على نساء وحقول وأراضي البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال، إنهم لا يديمون البقاء بيننا.
    قال الأب:
    - لكن هؤلاء الرجال يملكون المال الوفير، أما عندنا فالرعاة وحدهم من يستطيع رؤية مختلف البلدان.
    - إذاً سأصبح راعياً.
    لم يضف الأب شيئاً بعد، وفي صباح اليوم التالي أعطى لولده كيس نقود يحتوي على ثلاث قطع ذهبية إسبانية قديمة.
    - ذات يوم، وجدتها في أحد الحقول، وكنت أفكر أنها حق للكنيسة بمناسبة ترقيتك فيها، لكن خذها واشتر لنفسك بها قطيعاً، واذهب عبر العالم، إلى أن يأتي اليوم الذي تعلم فيه أن قصرنا هو الأعظم، ونساءنا هن أجمل النساء، ومنحه بركته.

     

    قرأ الولد في عيني والده الرغبة في تطواف العالم أيضاً، رغبة كانت تحيا معه رغم عشرات السنين التي حاول أن يمضيها مقيماً في المكان نفسه يأكل ويشرب ويغفو فيه كل ليلة.

     

    × × ×

     

    تلوّن الأفق باللون الأحمر، ثم بدت الشمس.
    تذكر الشاب المحادثة التي دارت بينه وبين أبيه، فأحس بالسعادة، كان قد عرف من قبل كثيراً من القصور، وكثيراً من النساء، لكن أياً منهن لا تعادل تلك التي ينتظرها بعد مسيرة يومين من الآن، كان يمتلك معطفاً، وكتاباً وبإمكانه أن يبادله مقابل آخر، وقطيعاً من الغنم، والأكثر أهمية من هذا كله أنه كل يوم يتحقق حلم حياته الكبير: الترحال ...
    وعندما سيتعب من التجوال في ريف الأندلس، فإنه سيستطيع بيع أغنامه ليصبح بحاراً، وعندما سيمل البحر، فإنه سيكون قد تعرّف على مدن كثيرة، ونساء كثيرات، وفرص عديدة ليظل سعيداً.
    ثم تساءل وهو يشاهد بزوغ الشمس:
    - كيف يمكن للمرء أن يبحث عن الإله في مدرسة إكليريكية؟.
    لم يكن قد جاء إطلاقاً حتى هذه الكنيسة، مع أنه مرّ من هنا مرات عديدة.
    العالم كبير، لامتناهٍ، ولو ترك أغنامه تقوده، ولو لبعض الوقت، لوصل إلى اكتشاف أشياء جديدة ومفعمة بالفائدة.
    - المشكلة هي انها لا تعي أنها تعبر دروباً جديدة كل يوم، ولا تلاحظ أن المراعي تغيرت، وأن الفصول متباينة، لأنها لا تملك من هاجس سوى الماء والكلأ.
    - إن الشيء نفسه يجري لكل الناس ـ فكر الراعي ـ حتى بالنسبة لي أنا الذي لم أفكر بنساء أخريات منذ التقيت ابنة ذلك التاجر.
    نظر إلى السماء، وقدّر أنه سيكون ـ تبعاً لحساباته ـ في " طريفه " قبل وقت الغداء، هناك ... سيستطيع مبادلة كتابه بآخر أكبر حجماً، وتعبئة زجاجته خمراً، وأن يحلق ذقنه، ويقص ضعره، عليه أن يكون على أتم استعداد للقاء الفتاة الشابة، ولم يكن يريد حتى أن يتصور احتمال امكانية وصول راعٍ آخر قبله، يملك من الغنم أكثر منه، قاصداً طلب يدها.
    - إنها تماماً إمكانية تحقيق حلم يجعل الحياة ذات أهمية ـ تخيل رافعاً نظره نحو السماء وهو يسرع في خطواته.
    لقد تذكر لتوه أن هناك في " طريفه " امرأة عجوز تعرف تفسير الأحلام، في هذه الليلة حلم بالحلم الذي كان يراوده ... الحلم القديم نفسه ..

     

    × × ×

     

    قادت المرأة العجوز الشاب إلى داخل المنزل، إلى غرفة يفصلها عن الصالة ستار من البلاستيك متعدد الألوان، كانت هناك طاولة، وصورة للأب المقدس السيد المسيح، وكرسيان.
    جسلت العجوز، ورجته أن يفعل مثلها، ثم أمسكت بيديه وأخذت بالدعاء بصوت منخفضٍ جداً، كان هذا أشبه مايكون بصلاة غجرية، لقد التقى كثيراً من الغجر في دربه من قبل، فقد كانوا يسافرون أيضاً، لكنهم لم يكونون يهتمون بالغنم، بل ان الشائع بين الناس هو أن الغجري يقضي وقته في خداع الناس، ويقال أيضاً أن هناك عهداً بينهم وبين الشيطان، وأنهم يسرقون الأطفال، ليجعلوا منهم عبيداً لهم في مخيماتهم الغامضة.
    عندما كان الراعي الشاب طفلاً صغيراً كان كثير التخوف وتراوده فكرة أن يختطفه العجر، وعاوده هذا الخوف القديم عندما كانت العجوز تمسك بيديه.
    - لكن توجد هنا صورة السيد المسيح _ فكّر محاولاً أن يطمئن نفسه، لم يكن يريد ليديه أن ترتجفا، أو أن تلاحظ العجوز خوفه، وفي صمت تلا صلاةً .
    - أمرٌ مثير ! قالت العجوز دون أن تفارق عيناها يد الولد.
    وابتسمت من جديد، أما هو فقد كان يشعر من وقت إلى آخر بثورة أعصابه، يداه أخذتا ترتجفان رغماً عنه، ولاحظت العجوز ذلك، صمم أن يسحبها على الفور ثم قال:
    - أنا لم آتِ إلى هنا من اجل قراءة خطوط يدي.
    وهو الآن يتأسف دخوله هذه الدار وحسب أنه سيكون من الأفضل أن يدفع قيمة الاستشارة وينصرف دون أن يعرف شيئاً، فقد علق دون شك أهمية كبرى على حلم تكرر.
    قالت العجوز:
    - أتيت تسألني على الأحلام، والأحلام هي لغة الله، وعندما يتكلم الله بلغة البشر فأنا أستطيع تفسيرها، لكنه عندما يتكلم بلغة روحك، فلن يفهمه أحد سواك، وعلى أية حال، عليك أن تدفع قيمة استشارتي.
    - حيلة أخرى ـ فكر الشاب، وعلى الرغم من كل شيء فإن الراعي قد قرر المجازفة. إنه يتعرض دائماً لخطر الذئاب، أو لخطر الجفاف، وهذا تماماً ما يجعل من مهنته مهنة هامة ومثيرة.
    قال الشاب:
    - حلمت بالحلم نفسه مرتين على التوالي. كنت متواجداً مع أغنامي على أرض أحد المراعي، حينما ظهر طفل وأخذ يلعب مع البهائم، وأنا لا أحبذ كثيراً أن يأتي أحد ليلهو مع نعاجي، فهي تخاف من رؤية أشخاص لا تعرفهم، لكن الأطفال ينجحون دائماً في اللهو معها دون أن يسببوا لها الخوف، إنني أجعل لماذا، ولا أعرف كيف تستطيع الحيوانات معرفة أعمار الكائنات البشرية.
    - ارجع إلى حلمك ـ قالت العجوز ـ فلدي قدر على النار، بالاضافة إلى أنك لاتملك الكثير من المال وتأخذ وقتي كله.
    - تابع الطفل اللعب مع النعاج لفترة ـ أردف الراعي مرتبكاً قليلاً ـ وفجأة أخذ بيدي وقادني حتى أهرامات مصر.
    عدل الشاب عن الكلام لحظة، ليرى إن كانت العجوز تعرف ماتكون أهرامات مصر، لكنها بقيت خرساء، ثم تابع:
    - عندئذٍ أمام أهرامات مصر، (لفظ هذه الكلمى بمنتهى الدقة، لتستطيع العجوز فهمها جيداً)، كان الطفل يقول لي: " إن تأتِ حتى هنا، فستجد كنزاً مخبأ " . وفي اللحظة التي كان يكاد أن يريني فيها المكان المحدد كنت استيقظ في المرتين.
    مكثت العجوز صامتة للحظات، ثم عادت وأمسكت بيدي الشاب اللتين تفحصتهما بانتباه.
    - لن أدعك تدفع الآن أي شيء، لكنني أريد عشر الكنز إن وجدته.
    أخذ الشاب يضحك، إنها ضحكة انشراح ورضا، فهكذا سيدخر القليل من المال الذي يملكه بفضل حلم صار عبارة عن مسألة كنز مخبأ ! لابد أن تكون المرأة الطيبة العجوز غجرية، فالغجر أغبياء.

     


    - حسنٌ، كيف تفسرين هذا الحلم ؟ .
    - أولاً يجب أن تقسم. اقسم لي أنك ستعطيني العشر من كنزك مقابل ما سأقوله لك.
    أقسم الراعي، وطلبت منه العجوز أن يكرر القسم، وهو يثبت عينيه في صورة السيد المسيح.
    قالت العجوز:
    - إنه حلم باللغة الكونية، حلم أستطيع تأويله، لكنه تأويل صعب جداً، يبدو لي أني استحق حصتي مما ستجد، والتأويل هو ذا:
    " عليك أن تذهب حتى أهرامات مصر، لم أسمع عنها مطلقاً لكن إن كان من أراك إياها طفل، فهذا يعني أنها موجودة فعلاً، هناك ستجد كنزاً سيجعل منكَ رجلاً غنياً ".
    ذهل الشاب للوهلة الأولى، ثم غضب، لم يكن بحاجة للمجيء، لرؤية هذه المرأة من أجل شيء تافه، لكنه تذكر في نهاية الأمر أنه لم يدفع شيئاً.
    - لم تك لدي حاجة لإضاعة وقتي مادام الأمر هكذا ـ قال الشاب.
    - أنت ترى، لقد كنت قد قلت لك أن حلمك صعب التفسير، الأشياء البسيطة هي الأشياء الأكثر روعة والعلماء وحدهم من يراها، وبما أنني لست واحدة منهم فإنه يتوجب عليّ معرفة فنون أخرى: قراءة الكف مثلاً.
    - وماذا عليّ أن أفعل من أجل الذهاب حتى مصر ؟
    - أنا لا أقوم إلا بتفسير الأحلام وليس بمقدوري تحويلها إلى حقيقة، ولهذا السبب عليّ أن أعيش مما تعطيني إياه بناتي.
    - وإن لم أصل حتى مصر ؟
    - حسنٌ، عندها لن أوفى أجري ولن تكون هذه المرة الأولى.
    ولم تضف العجوز شيئاً، بل طلبت من الشاب الانصراف لأنه جعلها تضيع الكثير من الوقت.

     

    × × ×

     

    انصرف الراعي خائباً وعازماً على ألا يعتقد بالأحلام بعد الآن، ثم تذكر أن عليه القيام بأشياء مختلفة، ذهب للبحث عن شيء يأكله، ولمبادلة كتابه مقابل آخر أكبر حجماً، وجلس على مقعد في الساحة، ليتذوق الخمرة الجديدة التي ابتاعها.
    إنه نهار حار، ولعلّ الخمر، بفضل أحد تأثيراته الخفيّة التي يملكها، يستطيع أن يكون مرطباً له.
    كانت أغنامه عند مدخل المدينة، في حظيرة أحد الأصدقاء الجدد. تعرف على الكثير من الناس في هذه الأنحاء، وهذا ما جعله يحب السفر لأيام متتالية، فعندما نرى الأشخاص أنفسهم كما هي الحال عليه في المدرسة الإكليريكية ـ فإننا نتوصل إلى اعتبارهم جزءاً من حياتنا، وبما أنهم يشكّلون جزءاً من حياتنا، فإنهم يبحثون في نهاية الأمر عن تغييرها كما يرغبون بغير رضى، لأن كل الناس يعتقدون معرفة كيف يجب أن نعيش تماماً، لكن أياً كان لا يعرف قطعاً كيف يتوجب عليه أن يعيش هو نفسه حياته الخاصة، كما لدى هذه المرأة المنجمة التي تجهل كيف تحول الأحلام إلى واقع.
    قرر الانتظار حتى حلول الظلام، قبل أن يذهب إلى الريف مع نعاجه، فبعد ثلاثة أيام سيلتقي ثانيةً ابنة التاجر.
    بدأ بقراءة الكتاب الذي كان قد حصل عليه من خوري طريفه. كان مؤلفاً ضخماً يتعرض لمسألة دفن من بدايته، بالاضافة إلى ذلك كانت أسماء الشخصيات معقدة للغاية. ثم حدث نفسه، بأنه لو قدر لو يوماً أن يؤلف كتاباً، فسوف يورد الشخصيات واحدة واحدة، كي يوفر لقرائه حفظ أسمائها دفعة واحد عن ظهر قلب.
    عندما كان يقرأ بتركيز تلك القصة الجميلة عن دفن في الثلج، والتي منحته احساساً بالرطوبة رغم الشمس المحرقة ... جاء رجل عجوز للجلوس بجانبه والحديث معه.
    - ماذا يفعل هؤلاء ؟ سأل العجوز مشيراً إلى المارة في الساحة.
    أجاب الراعي بلهجة جافة:
    - إنهم يعملون ... وتظاهر بالقراءة.
    وفي الواقع، فقد كان يحلم بالذهاب لجز صوف نعاجه أمام ابنة التاجر كي تلمس بنفسها مقدرته على القيام بالكثير من الأمور الهامة، كان قد تخيّل هذا المشهد عشرات المرّات. وأن الشابة تبدو له مندهشة عندما يشرح لها عن الغنم وكيف يجز الصوف من الخلف إلى الأمام، لقد بذل ما بوسعه لتذكر بعض القصص الجيدة وروايتها لها أثناء عملية الجز، كانت في الغالب قصصاً قرأها في الكتب، وهو يرويها، كما لو أنه عاشها بنفسه، ولن تعرف مطلقاً الفرق طالما أنها تجهل قراءة الكتب.
    أصرّ العجوز على الكلام حينذاك، واخبره أنه متعب وعطش، وطلب أن يشرب جرعة من الخمر، فقدم له الشاب زجاجته علّه يذهب ويتركه بحاله.
    لكن العجوز كان يريد الثرثرة بإلحاح، فسأل الراعي عن الكتاب الذي يقرأه.
    فكر الشاب أن يكون فظّاً ويغير مقعده، لكنه تذكر أن أباه قد علّمه أن يحترم المسنين، عندها ناول الرجل العجوز الكتاب لسببين: أولاهما، لأنه كان يجد نفسه فعلاً غير قادر على لفظ العنوان، وثانيهما، كي يغير العجوز مقعده إن كان يجهل فعلاً القراءة حتى لا يشعر بالذل.
    - هِمْ ـ تنحنح العجوز متفحصاً الكتاب من وجوهه كلها كما لو كان شيئاً غريباً ـ إنه كتابٌ مهم ولكنه ممل جداً.
    ولشد ما تفاجأ الراعي عندما وجد أن العجوز يجيد القراءة. وأنه كان قد قرأ من قبل هذا الكتاب. وأنه كتاب ممل كما أكد العجوز، فالوقت لا يزال مناسباً كي يستبدله بآخر.
    تابع العجوز:
    - إنه كتاب يتحدث عن الشيء نفسه الذي تحدثت عنه الكتب كلها تقريباً، عن عجز الناس في اختيار مصيرهم، وأخيراً يجعلنا ندرك أكبر خدعة في العالم.
    - ما هي أكبر خدعة في العالم ؟! سأل الشاب مندهشاً.
    - هي ذي: " في إحدى لحظات وجودنا، نفقد السيطرة على حياتنا التي ستجد نفسها محكومة بالقدر، وهنا تكمن خديعة العالم الكبرى. "
    قال الشاب:
    - بالنسبة لي، لم تجر الأمور بهذه الطريقة، فقد كانوا يريدون أن يجعلوا مني كاهناً لكنني قررت أن أكون راعياً.
    - هكذا أفضل لك، لأنك تحب الترحال.
    - لقد حدس أفكاري ـ قال لنفسه سنتياغو، بينما كان العجوز يتصفح الكتاب، دون أن يظهر أية نية لردّه.
    لاحظ الراعي أن العجوز يرتدي زيّاً غريباً، فقد كان يبدوا أنه عربي الهيئة، وهذا شيء مألوف في تلك المنطقة، فإفريقية على بضع ساعات من " طريفة " ويكفي اجتياز المضيق الصغير بواسطة القارب وغالباً ما يأتي العرب للتسوق من المدينة فالناس يشاهدونهم وهم يصلون عدة مرات في اليوم بطريقة تدعو للفضول.
    - من أين أنت ؟ سأل الشاب.
    - من أماكن عدة.
    - لا يمكن لأحد أن يكون من أماكن عدة، فأنا راعٍ، ومن الممكن أن أتواجد في أماكن مختلفة، لكنني أنتمي لمكانٍ واحد، مدينة قريبة من قصر قديم جداً، فهناك وُلدت.
    - لنقل إذن إنني ولدت في سالم
    لم يكن الراعي يعرف أين تقع سالم، لكنه لم يطرح سؤالاً، كي لا يشعر بأنه سخيف نتيجة جهله.
    انهمك بمراقبة الساحة للحظة، فالناس يذهبون ويجيئون، ويبدون منشغلين للغاية.
    سأل الشاب:
    - كيف هي سالم؟ باحثاً عن أية علامة لا على التعيين.
    - كما هي دائماً من الأزل.
    لم يكن في هذا أية علاقة تدل عليها، لكن على الأقل كان يعلم أن سالم ليست في الأندلس، وإلا لكان عرفها.
    - وماذا تفعلون أنتم في سالم؟
    - ما أفعله في سالم؟!
    انفجر للمرة الأولى العجوز ضاحكاً، لكنني أنا ملك سالم، أي سؤال هذا ! ...
    الناس يقولون الكثير من الكلمات الغريبة، ومن المستحسن أحياناً أن يعيش المرء مع النعاج الخرساء، ويكتفي بالبحث عن الماء والغذاء، أو مع الكتب التي تحكي قصصاً لا تُصدّق، أما عندما يتكلم المرء مع البشر فإن هؤلاء يقولون بعض الأمور التي تجعلنا جاهلين كيف نتابع الحديث.
    قال العجوز:
    - أنا أدعى " ملكي صادق "، كم تملك من الغنم؟
    - ما يلزم.
    كان العجوز يريد أن يعرف الأكثر عن حياته.
    - لدينا مشكلة إذن، فأنا لا أستطيع أن أساعدك، مادمت تفكر بامتلاك ما يلزمك من الغنم.
    بدأ الشاب يعاني نوعاً من الضيق، فهو لم يكن قد طلب منه أية مساعدة. فالشيخ العجوز هو الذي كان قد طلب خمراً، وأراد أن يثرثر، وهو الذي كان قد اهتم بالكتاب.
    - أعد إلي الكتاب، يجب أن أذهب للبحث عن أغنامي ومتابعة طريقي.
    - أعطني منها العشر، وسأعلّمك كيف تصل إلى كنزك المخبأ.

     


    تذكر الفتى حلمه، وفجأة صار كل شيء واضحاً له.
    فالمرأة العجوز لم تجعله يدفع شيئاً، لكن هذا الشيخ، سينجح في تحصيل مبلغ أكبر مقابل معلومة لم تكن تتعلّق بأي واقع، لابد أنه غجري أيضاً ويمكن أن يكون زوجها.
    في تلك الأثناء، ودون أن يقول أية كلمة، انحنى العجوز، والتقط غصناً من الأرض، وشرع يكتب شيئاً على رمل الساحة، وفي اللحظة التي انحنى فيها، لمع شيء ما على صدره، كان الضوء باهراً لدرجة جعلت الشاب شبه أعمى.
    لكن وبحركة سريعة ومدهشة لرجل في عمره، سارع العجوز لشد معطفه على صدره.
    زال انبهار عيني الفتى، فاستطاع أن يرى بوضوح ما كان الرجل يكتبه، قرأ اسم أبيه، واسم أمه على رمال الساحة الرئيسية للمدينة الصغيرة، ألعاب طفولته، ليالي المدرسة الإكليريكية الباردة، ثم قرأ سيرة حياته حتى هذه اللحظة، قرأ أشياء لم يكن قد رواها لأحد قط، كتلك المرة التي سرق فيها سلاح أبيه وذهب لاصطياد الوعول الجبلية، أو كتجربته الجنسية الأولى والوحيدة.
    - أنا ملك سالم ـ قال العجوز.
    - لماذا يثرثر ملك مع راع؟ تساءل الفتى في ذهول وحيرة.
    - توجد عدة أسباب، لكن لنقل أن أهمّها هو أنك كنت قادراً على انجاز " أسطورتك الشخصية " .
    لم يكن الشاب يعرف ما كان العجوز يقصد بقوله: " أسطورة شخصية " .
    - هي ما كنت دائماً تتمنى أن تفعل، فكل واحد منا يعرف ما هي أسطورته الشخصية وهو في ريعان شبابه، في هذه الفترة من الحياة، يكون كل شيء واضحاً، كل شيء ممكناً، ولا يخاف المرء من أن يحلم أو يتمنى ما يحب أن يفعله في حياته. وكلما جرى الوقت، فإن قوى خفيّة تنشط لإثبات استحالة تحقيق الأسطورة الشخصية.
    لم يكن لقول العجوز أي معنى بالنسبة للراعي الشاب.
    لكنه كان يريد معرفة ماهية هذه " القوى الخفية ". إن ابنة التاجر ستبقى فاغرة فاها !
    - إنها قوى قد تبدو سيئة، ولكنها في الواقع هي تلك التي تعلّمك كيف تحقق أسطورتك الشخصية، إنها هي التي تعد عقلك، وإرادتك لأن هناك حقيقة كبرى في هذا العالم:
    " فأياً كنت، وأيّ شيء فعلت، فإنك عندما تريد شيئاً بالفعل، فهذا يعني أن هذه الرغبة قد ولدت في " النفس الكليّة " ، وأنها رسالتك على الأرض . "
    - حتى لو كانت الرغبة فقط هي رغبة في الترحال ؟ أو في الزواج من ابنة تاجر أقمشة؟
    - أو البحث عن الكنز، فإن النفس الكليّة تتغذى من سعادة الناس أو من شقائهم، من الرغبة، من الغيرة، وإنجاز الأسطورة الشخصية هو الالتزام الأول والأوحد للناس، وكل شيء ليس إلا شيئاً واحداً.
    " وعندما تريد شيئاً ما، فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك " .
    احتفظا بالصمت للحظة، راقبا فيها الساحة والمارّة، وكان العجوز هو المبادر في إعادة فتح الحديث:
    - لماذا ترعى الغنم؟
    - لأنني أحب الترحال.
    أشار العجوز إلى بائع البوشار بعربته الحمراء في إحدى زوايا الساحة وقال:
    - هذا الرجل أيضاً كان دائماً يريد الترحال عندما كان طفلاً، لكنّه فضّل شراء عربة صغيرة ليبيع البوشار ويجمع المال طيلة سنين عديدة، وعندما يصبح عجوزاً سيسافر ليمضي شهراً في إفريقية، إنه لم يدرك أبداً أن الانسان يمتلك القدرة لينفذ ما يحلم به.
    - كان عليه أن يكون راعياً ـ فكّر الشاب بصوتٍ عالٍ.
    - لقد فكّر في ذلك ـ قال العجوز ـ لكن باعة البوشار ذوو شخصيات أكبر من تلك التي هم عليها الرعاة، فباعة البوشار لديهم بيوت تؤويهم، بينما الرعاة ينامون تحت النجوم، والناس يفضّلون تزويج بناتهم من باعة بوشار على تزويجهم من الرعاة.
    شعر الراعي بغصّة في الصميم، وهو يفكّر بابنة التاجر، ففي المدينة حيث تعيش يوجد بالتأكيد بائع بوشار.
    - وأخيراً ـ أردف العجوز ـ فإن ما يفكّر به الناس عادة عن باعة البوشار وعن الرعاة يصبح لديهم أهم من الأسطورة الشخصية.
    تصفّح العجوز الكتاب وتسلّى بقراءة صفحة منه، انتظر الراعي قليلاً ثم قاطعه بنفس الطريقة التي قوطع هو بها:
    - لماذا قلت لي هذه الأشياء؟
    - لأنك تحاول أن تعيش أسطورتك الشخصية، ولأنك على وشك العدول عنها.
    - وأنت تظهر دائماً في هذه اللحظات؟
    - ليس بهذا الشكل دائماً، لكنني لا أتخلّى عنه أبداً ... فمرة أظهر على شكل فكرة جديدة، أو كطريقة للتخلص من ورطة، ومرة اخرى أظهر في لحظة روحانية، أجعل فيها الاشياء سهلة المنال، وهكذا ... لكن أغلب الناس لا يلاحظون شيئاً.
    روى أنه في الاسبوع الماضي، كان مجبراً على الظهور لأحد المنقبين على شكل حجر، فقد كان هذا الرجل قد تخلّى عن كل شيء، ورحل سعياً للحصول على الزمرد.
    خمس سنوات عمل خلالها بتكسير الاحجار على طول أحد الأنهار، كان قد كسر خلالها تسعمائة وتسعاً وتسعين ألفاً وتسعمائة وتسعاً وتسعين حجراً، محالاً أن يجد زمردة، في تلك الأثناء فكّر بالتراجع، ولم يكن ينقصه عندئذٍ إلا حجر واحدة، ليكتشف زمردته، وبما أنه كان رجلاً دأب في الجد خلف أسطورته الشخصية، فقد قرر العجوز التدخل، فتحول إلى حجر تدحرجت عند أقدامه، وتحت وطأة غضبه وإحساسه باستلابه خلال خمس سنوات ضاعت من عمره، قذف بتلك الحجر إلى البعيد، ورماها بقوة كبيرة جعلتها ترتطم بحجر أخرى، فتفتت لتكشف عن أجمل زمردة في العالم.
    قال العجوز وفي عينيه شيء من المرارة:
    - إن الناس يتعلّمون مبكراً مبرر حياتهم، وربما لهذا السبب نفسه أيضاً، يتخلّون عاجلاً عن المتابعة، لكن هكذا هي الدنيا.
    تذكر الشاب حينئذٍ أن نقطة البداية بالنسبة للمحادثة التي دارت بينهما كانت الكنز المخبأ.
    - لقد نُبشت الكنوز بفعل السيل الجاري ـ قال العجوزـ ودُفنت نتيجة ارتفاع مياه السيل نفسها، وان كنت تريد معرفة المزيد عن كنزك، عليك أن تتنازل عن عشر قطيعك.
    - أفلا يمكن لعشر الكنز أن يفي بالأمر؟
    بدا الشيخ خائباً:
    - إذا وعدت بشيء لا تملكه بعد، فإنك ستفقد الرغبة في الحصول عليه.
    قال له الراعي بأنه كان قد وعد الغجرية بعشر الكنز.
    تأوه العجوز وصرخ:
    - محتالون، على أية حال، انه لجميل أن تتعلم أن لكل شيء في الحياة ثمناً، وهذه هي الفكرة التي حاول مجاهدو عهد الأنوار تعليمها.
    ثم أعاد الكتاب إلى الشاب قائلاً:
    - غداً وفي مثل هذه الساعة تصحب لي عشر قطيعك، وسوف أرشدك كيف تجد كنزك بنجاح، هيّا عمت مساءً.
    واختفى عبر إحدى زوايا الساحة.

     

    × × ×

     


    حاول الشاب الرجوع إلى قراءته، لكنه لم يتمكّن من التركيز، فقد كان مضطرباً ومتوتراً، لأنه أدرك أن العجوز يقول الحقيقة، ذهب للبحث عن البائع المتجول، واشترى منه كيساً من البوشار متسائلاً في قرارة نفسه هل عليه أن يخبره بما قال العجوز.
    من الأفضل أحياناً، أن نترك الأشياء كما هي عليه ـ فكّر دون أن يقول شيئاً، فلو تكلم لأمضى بائع البوشار ثلاثة أيام بالتفكير ليقرر إن كان سيتخلّى عن كل شيء، لكنه كان قد اعتاد العربة الصغيرة.
    كان يستطيع أن يوفر عليه هذا الارتياب المؤلم، أخذ يهيم في المدينة، ونزل حتى الميناء، حيث يوجد مبنى كبير، ذو نوافذ خاصة، كان الناس يأتون لشراء بطاقات السفر منها مصر ... إنها توجد في إفريقية.
    - ماذا تريد؟ سأل موظف الحجز.
    - ربما غداً ـ أجاب مبتعداً.
    عندما يبيع واحدة من نعاجه، فإنه سيستطيع الانتقال إلى الجهة الأخرى من المضيق، لكن هذه الفكرة أرعبته.
    - هاهو حالم آخر ـ قال قاطع التذاكر لزميله بينما كان الشاب يبتعد ـ ليس لديه ما يغطي نفقات سفره.
    في حين أنه عندما كان أمام الكوة، كان قد فكّر بنعاجه، وامتلكه الخوف من الذهاب إليها. فخلال هاتين السنتين تعلّم كل شيء عن تربية الغنم، وتعلم كيف يجز الصوف، والعناية بالنعاج الحوامل، وحماية قطيعه من الذئاب، كان يعرف حقول ومراعي الأندلس كلها، ويعرف السعر الدقيق ومبيع كل واحده من دوابه.
    قرر العودة إلى حظيرة صديقه عبر أطول الطرق، كان في المدينة قصر أيضاً، أراد تسلّق المنحدر الحجري والذهاب للجلوس على حائط السوق ليستطيع رؤية أفريقية، فأحدهم كان قد شرح له أن العرب الذين احتلوا إسبانية كلها تقريباً، ولزمن طويل قد جاؤوا من هناك، لكنه يكره العرب لأنهم جاؤوا بالغجر.
    ومن الأعلى، يستطيع أن يرى أيضاً الجزء الأكبر من المدينة والساحة التي تحدّث فيها مع العجوز.
    - لعن الله الساعة التي التقيت فيها بهذا العجوز ـ فكّر ـ فهو قد ذهب بكل بساطة للبحث عن امرأة قادرة على تفسير الاحلام، فلا تلك المرأة، ولا ذاك العجوز، لم يعلّقا أية أهمية على كونه راع، فقد كانا شخصين منعزلين لا يعتقدان بشيء في الحياة، ولا يفهمان أن الرعاة ينتهون في الارتباط بدوابهم، فالراعي يعرف بدقة كل واحدة منها، ويعرف أن كانت بينها واحدة عرجاء، وأيا منها ستضع بعد شهرين، إنه يعرف الكسولات منها ومتى يكون جزّها وذبحها. وان قرر الرحيل يوماً، فإنها ستتألم كثيراً.
    أخذت الريح الشرقية تعصف، فمع هذه الريح جاء قوم من السفهاء الكفار، وقبل أن يعرف " طريفه "، لم يكن ليخيل إليه أن إفريقية كانت قريبة جداً، الأمر الذي يشكّل خطراً كبيراً، فالعرب يستطيعون غزو البلاد من جديد. أخذت الريح تعصف بقوة أكبر.
    - هاأنذا بين أغنامي والكنزـ قال لنفسه، وكان عليه أن يقرر أن يختار بين شيء ألفه وآخر يحب كثيراً لو يحصل عليه، وهناك ابنة التاجر، لكنها ليست بأهمّية النعاج بالنسبة إليه، وما جعله يتأكد من ذلك هو لو أنها لن تلتقيه ما بعد الغد، لما كانت انتبهت إلى ذلك: الأيام كلها متشابهة لديها، وعندما تكون الأيام تشبه بعضها بعضاً، فهذا يعني أن الناس قد توقفوا عن ملاحظة الأشياء الطيبة التي تخطر في حياتهم طالما أن الشمس تعبر السماء باستمرار.
    - لقد غادرت أبي، أمي، وقصر المدينة التي وُلدت فيها ـ حدّث نفسه ـ لقد تعودنا على ذلك، والاغنام سوف تعتاد على غيابي.
    من هناك، في الاعلى، راقب الساحة، كان البائع المتجول يتابع بيع بوشاره، جاء زوجان شابان ليجلسا على المقعد الذي شهد حواره مع العجوز، ثم تبادلا قبلة طويلة.
    - بائع البوشار ... ـ تمتم في نفسه دون أن يتم الجملة، لأن الرياح أخذت تعصف بشكل أقوى، وشعر بها تلطم وجهه، إنها جلبت العرب بلا شك، لكنها كانت تأتي أيضاً برائحة الصحراء، وبالنساء المحجبات، وتحمل عرق وأحلام أولئك الذين كانوا قد رحلوا ذات يوم بحثاً عن المجهول، أو عن الذهب، والمغامرات والأهرامات.
    أخذ الشاب يغبط الريح على حريتها، وأدرك أن لاشيء يمنعه أن يكون شبيهاً بها، فالأغنام، وابنة التاجر، وحقول الأندلس لم تكن إلا مراحل من أسطورته الشخصية.

     

    × × ×

     

    عند ظهيرة الغد التقى الراعي الشاب بالعجوز، وكان قد أحضر معه ستاً من أغنامه، وقال له:
    إنني مندهش فصديقي اشتري مني القطيع على الفور، فطيلة حياته كان يحلم بأن يكون راعياً، إذن هذا فأل خير.
    قال العجوز:
    - الأمور تسير دائماً هكذا، ونحن نسمي هذا: " المبدأ المناسب"، فأنت عندما تلعب للمرة الأولى فإنك ستربح ربحاً مؤكداً، إنه حظ المبتدئ.
    - ولماذا هذا؟
    - لأن الحياة تريدك أن تعيش أسطورتك الحقيقة.
    ثم بدأ يتفحّص النعاج الست، وقد لاحظ إن إحداها عرجاء، لكن الفتى قد شرح له بأن هذا ليس بذي أهمية، لأنها كانت الدابة الأكثر ذكاءً والأوفر صوفاً، ثم سأله:
    - أين يوجد الكنز؟
    - الكنز موجود في مصر قرب الأهرامات.
    اعترته رجفة، فالغجرية العجوز كانت قد قالت له الشيء نفسه، لكنها لم تأخذ أجرها.
    - كي تصل إلى كنزك عليك أن تكون يقظاً للعلامات، فقد كتب الله قدرنا على جبيننا، واختار لكل منا الحياة التي عليه أن يحياها، وليس عليك إلا أن تقرأ ما كُتب لك.
    وقبل أن يتمكن الشاب من أن يقول أي شيء، أخذت فراشة ليل تحوم بينه وبين الرجل العجوز، فتذكر جده، ذاك الذي سمعه يقوم عندما كان طفلاً، إن فراش الليل علامة حظ، والشيء نفسه بالنسبة للجنادب، والجراد الأخضر، والسحالي الرمادية، والحندقوقات ذات الأوراق الأربعة.
    - هذا هو تماماً ـ قال العجوز الذي كان بمقدوره قراءة أفكاره ـ كما علّمك جدك، هنا تكمن العلامات.
    ثم فتح المعطف الذي يلتف به، فتأثر الفتى بما رآه عندئذٍ، وتذكر الألق الذي بهر عينيه عشيّة البارحة، فقد كان العجوز يتقلّد قلادة من الذهب مرصّعة بالاحجار الكريمة.
    قد كان ملكاً حقيقياً، وكان لزاماً عليه أن يتنكّر بهذا الزي ليتحاشى قطاع الطرق.
    - خذ ـ قال وهو ينتزع حجراً بيضاء وأخرى سوداء، كانتا مثبتتين في وسط قلادته ـ إنهما تسمّيان " أوريم وتوميم "، السوداء تعني نعم والبيضاء تعني لا. فعندما لا تتوصل إلى فهم العلامات، فإن هاتين الحجرين سيفيدانك، لكن ليكن سؤالك الذي تطرحه موضوعياً دائماً، اسعَ باستمرار لاتخاذ قرارك بنفسك، فالكنز موجود قرب الأهرامات وهذا تعرفه مسبقاً، وعليكَ أن تدفع مقابل ذلك ست غنمات، فأنا من ساعدك على اتخاذ القرار.
    وضع الشاب الحجرين في جعبته، وسيأخذ من الآن فصاعداً قراراته بنفسه.
    - لاتنسَ أن الكل ليس إلا شيئاً واحدً، لاتنسَ لغة العلامات، ولاتنسَ على الخصوص أن تمضي حتى آخر أسطورتك الشخصية. وقبل أن أودعك أحب أن أروي لك حكاية صغيرة.
    " ثمة تاجر كبير، أرسل ابنه ليكتشف سر السعادة عند أكثر الرجال حكمة، مشى الولد أربعين يوماً في الصحراء، ووصل إخيراً أمام قصر جميل يقع على قمة جبل، وهناك كان يعيش الحكيم الذي يجدُّ في البحث عنه.
    فبدل أن يلتقي رجلاً مباركاً، فإن بطلنا داخل صالة تعج بنشاط كثيف: تجار يدخلون ويخرجون، وأناس يثرثرون، وفي إحدى الزوايا فرقة موسيقية صغيرة تعزف ألحاناً هادئة، وكان هناك مائدة محمّلة بمأكولات من أطيب وأشهى ما تنتج تلك البقعة من العالم. هذا هو الحكيم الذي يتحدث مع هذا وذلك، وكان على الشاب أن يصبر طيلة ساعتين حتى يأتي دوره.
    أصغى الحكيم إلى الشاب الذي كان شرح له دوافع زيارته، لكن الحكيم أجابه أن لا وقت لديه كي يكشف له سر السعادة، وطلب منه القيام بجولة في القصر ثم العودة لرؤيته بعد ساعتين.
    - أريد أن أطلب منك معروفاً ـ أضاف الحكيم وهو يعطي إلى الشاب ملعقة كان قد صب فيها قطرتين من الزيت ـ ، أمسك الملعقة بيدك طوال جولتك وحاول ألا ينسكب الزيت منها.
    أخذ الشاب يهبط، ويصعد سلالم القصر، مثبتاً عينيه دائماً على الملعقة، وبعد ساعتين عاد إلى حضرة الحكيم.
    - إذاً ـ سأل هذا، هل رأيت السجاد العجمي الموجود في صالة الطعام؟ هل رأيت الحديقة التي أمضى كبير الحدائقيين سنوات عشرة في تنظيمها؟ هل لاحظت أروقة مكتبتي الرائعة؟
    كان على الشاب المرتبك أن يعترف بأنه لم يرَ شيئاً من كل هذا على الاطلاق، فشاغله الوحيد كان ألا تنسكب قطرتا الزيت التي عهد له الحكيم بهما.
    - حسن، عد وتعرّف على عجائب عالمي ـ قال له الحكيم ـ فلا يمكن الوثوق برجل تجهل البيت الذي يسكنه.
    اطمأن الشاب أكثر، وأخذا الملعقة، وعاد يتجول في القصر، معيراً انتباهه هذه المرة لكل روائع الفن التي كانت معلقة على الجدران، وفي السقوف، رأي البساتين والجبال المحيطة بها وروعة الزهور، والاتقان في وضع كل واحدة من تلك الروائع في مكانها المناسب، وعند عودته إلى الحكيم، روى له ما رآه بالتفصيل.
    - ولكن أين قطرتي الزيت اللتين كنتُ عهدت لك بهما؟
    نظر الشاب إلى الملعقة ولاحظ أنه قد سكبها.
    - حسنٌ ـ قال حكيم الحكماء ـ هاك النصيحة الوحيدة التي سأقولها لك: " سرّ السعادة هو بأن تنظر إلى عجائب الدنيا كلّها، ولكن دون أن تنسى أبداً وجود قطرتي الزيت في الملعقة " .
    مكث الراعي صامتاً، كان قد فهم حكاية الملك العجوز، فيمكن لراعٍ أن يحب السفر، لكن ليس له أن ينسى نعاجه أبداً.
    نظر العجوز إلى الشاب، وبكفيه المبسوطتين، قام ببعض الحركات الغريبة فوق رأيه ثم جمع غنامه ومضى.

     

    × × ×

     

    على أحد مرتفعات مدينة " طريفة " الصغيرة كان هناك حصن قديم بناه العرب فيما مضى، ومن يجلس على أسواره يستطيع أن يرى من هناك بائع البوشار وجزءاً من إفريقية.
    " ملكي صادق " ملك " سالم "، يجلس هذا المساء على متاريس الحصن، ويشعر بالريح الشرقية تلطم وجهه، كانت الأغنام قريبة منه تتوقف عن الحركة كدرة وقلقة بسبب تبدل راعيها وسيّدها، والتغيرات التي حصلت، فإن كل ما كانت ترغب به، هو ما تأكله وتشربه.
    كان يراقب القارب الصغير الذي يبتعد عن الميناء، لن يلتقي هذا الشاب من جديد، وذلك بعد أن يجعله يدفع العشر مثلما أنه لم يكن قد لقى إبراهيم، لأن للآلهة أساطير خاصة، وليس لها أمنيات.
    غير أن ملك " سالم "، ومن عميق ضميره قد تمنى للشاب النجاح.

     


    للأسف ! سينسى إسمى عما قريب، كان عليّ أن أكرره له مرات عديدة، حتى إذا ماتحدّث عني استطاع أن يقول إنني " ملكي صادق " ملك " سالم ".
    ثم رفع عينيه إلى السماء، مشوشاً قليلاً مما كان يفكّر به لتوّه:
    - أنا أدرك أن هذا ليس إلا أباطيل، كما قلت أنت نفسك يا إلهي، لكن الملك العجوز يشعر أحياناً بالحاجة للشعور بالاعتزاز بالنفس.

     

    × × ×

     

    - يالها من بلد غريب إفريقية هذه ! حدّث الشاب نفسه.
    كان جالساً في مكان ما يشبه المقهى، وسائر المقاهي التي استطاع رؤيتها، وهو يعبر أزقّة المدينة الضيقة. كان هناك رجال، يدخّنون غليوناً ضخماً يتبادلونه من فم إلى فم.
    وخلال عدة ساعات رأى رجالاً يتجولون يداً بيد، ونساء محجبات، ورجال دين يصعدون إلى قمم أبراج عالية، ويؤذنون، بينما كان سائر الناس يركعون، ويلطمون رؤوسهم بالأرض.
    - إنها ممارسات الكفّار ـ قال في سرّه.
    فعندما كان طفلاً، اعتاد أن يرى في كنيسة قريته تمثالاً للقديس " جاك الأعظم " ممتطياً حصانه الأبيض، مجرّداً سيفه، واطئاً بقدميه شخصيات مشابهة لهؤلاء الناس.
    كان يشعر بالغم والوحدة بشكل مخيف، نظرة تشاؤم، زد على ذلك أنه في غمرة الترحال الطويل قد نسي واحدة من الجزيئات، يمكن لها أن تبعده عن كنزه كثيراً من الوقت: في تلك البلاد يتكلّمون العربية.
    اقترب صاحب المقهى، فأشار إليه بإصبعه أن يحضر له مشروباً كان قد رآه يقدّمه لطاولة أخرى، إنه الشاي المرّ، وتمنى لو كان خمراً.
    لكن الوقت كان غير مناسب بالتأكيد لأن يشغل باله بمثل هذه الأمور، فأولى به ألا يفكّر الآن إلا بكنزه، والطريقة التي تمكّنه من الحصول عليه، فبيع أغنامه مكّنه من امتلاك مبلغ مهم نسبياً، كان يعلم أن للمال جانبه السحري، فهو يمنح الانسان الشعور بالأمان وبأنه ليس وحيداً تماماً، ومن الممكن أن ينتهي الأمر خلال أيام، ويجد نفسه عند أقدام الأهرامات، فالرجل المسن، وبهذا الذهب اللامع على صدره، ليس بحاجة مطلقاً لأن يروي الأكاذيب كي يحصل على ست غنمات.
    لقد حدّثه الملك العجوز عن علامات، وخلال عبور المضيق، فكّر كثيراً بها.
    نعم إنه يدرك تماماً عما يتحدّث، فطيلة الوقت الذي كان قضاه في أرياف الأندلس كان معتاداً أن يقرأ على الأرض وفي السماوات المؤشرات المتعلّقة بالدرب التي عليه أن يسلكها، وان طائراً معيّناً يدل على وجود أفعى بالقرب منه، وشجرة تدل على وجود الماء على بضع كيلومترات من المكان، الأغنام علّمته كل هذه الأشياء.
    - الإله هو الذي يهدي الأغنام فعلاً، وهو الذي سيهدي الإنسان ـ قال لنفسه، فشعر بالاطمئنان، وبدا له الشاي أقل مرورة.
    - من أنت؟ سمع سؤالاً باللغة الاسبانية.
    شعر بارتياح كبير، فهو كان يحلم بعلامات، وهاهو قد ظهر من ينبئ بها.
    - كيف لك أن تتكلم الإسبانية؟ سأل الشاب.
    كان القادم الجديد، شاباً يرتدي الزي العربي، أما لون بشرته يجعل المرء يحسبه من أبناء المدينة، وكانا يبدوان متقاربين في السن والطول.
    - كل الناس هنا يتكلّمون الإسبانية تقريباً، فليس بيننا وبين أسبانية إلا أقل من ساعتين.
    - اجلس واطلب لنفسك شيئاً على حسابي، أما أنا فاطلب لي خمراً، فأنا أشمئز من هذا الشاي.
    - لايوجد خمر في بلادنا، فالدين يمنعه.
    عندئذٍ أخبره الشاب بأن عليه أن يتوجه إلى الأهرامات.
    وقد أوشك أن يتحدث عن كنزه، لكنّه فضّل أخيراً ألا يقول شيئاً، فقد كان بمقدور العربي أن يقوده إلى هناك مقابل حصة من الكنز، وتذكر ما كان قد قاله العجوز حول موضوع الاقتراحات.
    - أود لو تقودني إلى هناك إن كان هذا ممكناً، أستطيع أن أدفع لك ما تستحقه كدليل.
    - هل لديك فكرة عن كيفية الذهاب إلى هناك؟
    لاحظ عندئذٍ أن صاحب المقهى كان على مقربة منه، يصغي بانتاه إلى المحادثة، أزعجه حضوره قليلاً، لكن لا بأس فقط حظي بدليل ولن يضيّع هذه الفرصة.
    - قال القادم الجديد: عليك اجتياز الصحراء الإفريقية الكبرى، وهذا سيتطلب منك المال، فقبل كل شيء أريد أن أعلم إن كنت تملك ما يكفي.
    وجد الشاب في سؤال الفتى شيئاً من الفضول، لكنّه كان يثق بالرجل العجوز، الذي قال له أنه عندما يصمم المرء على تحقيق شيء ما، فإن العالم كله يتضافر في صالحه.
    سحب نقوده من جيبه، وأراها لرفيقه الجديد، اقترب صاحب المقهى ونظر أيضاً، تبادل الرجلان بضع كلمات باللغة العربية، وبدا صاحب المقهى غاضباً.
    - هيّا بنا ـ قال الفتى ـ فهو لا يريد بقاءنا هنا.
    أحس الشاب بنفسه أكثر اطمئناناً، قام لكي يدفع الحساب، لكن صاحب المقهى أخذه من ذراعه، وراح يملي عليه محاضرة طويلة دون توقف، كان الشاب قوياً لكنه في بلد غريب، أما صاحبه الجديد، فقد دفع صاحب المقهى جانباً وصحبه للخارج.
    - إنه يريد مالكَ، فـ " طنجة " ليست كسائر إفريقية، نحن هنا في ميناء، والموانئ تكون دائماً وكراً للصوص.
    كان يستطيع أن يثق بصديقه الجديد، الذي هبّ لمساعدته، في الوقت الذي وجد نفسه في موقف صعب، سحب ماله من جيبه وعدّه.
    قال الآخر وهو يتناول المال:
    - غداً نستطيع الوصول إلى الأهرامات، لكن يجب أن أشتري جملين.
    وانطلق الإثنان في أزقّة " طنجة " الضيّقة، وفي كل الزوايا والحنايا، كانت هناك بضائع معروضة على مباسط للبيع، وصلا أخيراً إلى وسط ساحة كبيرة كان يشغلها سوق أسبوعي، آلاف من الأشخاص يتحادثون، يبيعون ويشترون، لم يرفع الشاب نظره عن صديقه الجديد، فهو لم ينسَ أن ماله كلّه صار الآن بين يديه، كان يود لو يستطيع أن يطلب استرجاعه، لكن شعر في قرارة نفسه أن في هذا شيئاً من عدم اللباقة، فهو لم يكن يعرف عادات هذه البلاد العربية التي يطأ أرضها الآن.
    - تكفي مراقبه، فهو أقوى منه ـ قال في نفسه.
    فجأة، وفي وسط هذه الأكوام من البضائع، وقعت عيناه على أجمل سيف رآه في حياته، غمده من فضة، ومقبضه أسود، مرصّع بالأحجار الكريمة. فعاهد نفسه على أن يشتري هذا السيف عندما يعود من مصر.
    قال لصاحبه:
    - اسأل التاجر كم سعره؟
    وقد لاحظ أنه استغرق ثانيتين من الغفلة فقط وهو يتأمل السلاح، انقبض قلبه كما لو أن صدره تقلّص فجأة، خشي الالتفات حوله، فهو يعلم جيّداً ما الذي ينتظره، وبقي مسمّر العينين في السيف، وأخيراً تسلّح بالشجاعة واستدار، كان كل شيء حوله، السوق، الناس الذين كانوا يروحون ويجيئون، يصرخون، يشترون السجاد، والبندق والخس بجوار أطباق النحاس، والرجال الذين كانوا يسيرون يداً بيد، والنساء المحجبات، والعطور الغريبة، لكن ما من أثر لصديقه، ما من شيء على الإطلاق، لا ظل له.
    حاول أن يقنع نفسه في بداية الأمر، أنه وصديقه قد ضلاّ بعضهما وغابا عن أبصار بعضهما بعضاً صدفةً، فقرر أن يبقى في مكانه على أمل أن يعود إليه صديقه قريباً.
    وبعد وقت قصير صعد رجل إلى أحد تلك الأبراج المشهورة، وبدأ بالآذان، وكل الموجودين جثوا، ولطموا الأرض، بجباههم، وأخذوا يرتلون، ثم بعد ذلك، وكمستعمرة من النمل في غمرة العمل، حزموا بضائعهم وانصرفوا.
    راقب الشاب الشمس فترة طويلة، إلى أن اختفت هي أيضاً خلف البيوت البيضاء المحيطة بالساحة، وتخيّل كيف أنه عندما أشرقت عليه ذات صباح كان ما يزال على أرض قارة أخرى. كان راعياً، وكان لديه ستون غنمة، وكان على موعد مع الفتاة الشابة، وفي الصباح أثناء تجواله في الأرياف، كان يعلم ما يمكن أن يتعرض إليه، والآن ومع الشمس التي تغيب في بلدٍ آخر، يجد نفسه غريباً على أرض غريبة لا يستطيع حتى أن يفهم اللغة التي يتكلمونها.
    لم يعد راعياً، ولم يعد يمتلك شيئاً، ولا حتى المال اللازم كي يعود على أعقابه ويستدرك كل شيء.
    - حصل كل هذا مابين شروق وغروب الشمس نفسها ـ قال في نفسه ـ راثياً لحاله، مفكّراً بأن الأشياء تتغير أحياناً في الحياة في مدى وجيز لا يسمح للمرء بالتعود على ما آلت إليه.
    كان يخجل من الاستسلام للبكاء، لم يكن قد بكى إطلاقاً أمام أغنامه، لكن ساحة السوق كانت خاوية، وكان هو بعيداً عن وطنه.
    بكى وبكى، لأن الإله كان ظالماً، ولأنه يجازي الناس الذين يؤمنون بأحلامهم الخاصة.
    - عندما كنت مع أغنامي، كنت سعيداً أشارك بسعادتي كل من يحيطون بي، وكان الناس يرونني قادماً، ويستقبلونني استقبالاً جيداً، أما الآن فأنا حزين وتعيس، ماذا سأفعل؟ سأصبح أشد لؤماً، ولن أثق بأي إنسان كان بعد الآن. هناك شخصاً خانني، وسأكل كل هؤلاء الذين وجدوا كنوزاً مخبأة لأنني لم أجد كنزي، وسأسعى باستمرار لادخار المال الذي املكه، فأنا مازلت ضعيفاً لمواجهة العالم.
    فتح جعبته ليتفحّص ما كان لديه فيها، فربما بقي شيء من الوجبة التي كان يأكلها على حافّة القارب، لكنه لم يجد إلا الكتاب الضخم، والمعطف، والحجرين الكريمتين اللتين كان العجوز قد أعطاه إياهما، وعند رؤيته لهما اعتمل في صدره شعور بالعزاء، فقد كان دفع مقابلها ست غنمات، إنهما حجران ثمينتان انتزعتا من قلادة ذهبيّة، كان بمقدروه بيعهما وهكذا يستطيع أن يحصل على بطاقة عودته.
    - سأصبح من الآن أكثر خبثاً ـ فكّر وهو يستخرج الحجرين ليخبئهما في قعر جيبه، كان في الميناء والشيء الصادق الوحيد الذي قاله ذلك اللص: الميناء يعجّ دائماً باللصوص.
    فهم الآن جهود صاحب المقهى اليائسة، فقد كان يحاول أن يقول له بألا يثق بذلك الرجل، أنا ككل الآخرين: أنظر إلى العالم كما أتمنى أن يكون، وليس كما تجري الأمور في الواقع.
    بقي يتفحّص الحجرين الثمينتين، داعبهما بلطف وتحسس حرارتهما ونعومتهما، إنهما نزه الوحيد، ومجرّد لمسهما كفيل لأن يزرع في نفسه نوعاً من الشعور بالسكينة فقد كانتا تذكّرانه بالرجل العجوز: " عندما تريد شيئاً بالفعل، فإن الوجود كلّه يتضافر ليهيئ لك الحصول عليه ".
    كان يتمنّى لو يفهم كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحاً.
    الآن يجد نفسه هناك على ساحة سوق مقفرة، لا يملك درهماً في جيبه، دون أغنام يحرسها في الليل، أما الحجران فقد كانتا تشكّلان الدليل الذي يثبت أنه قد التقى ملكاً يعرف أسطورته الشخصية، وعلى اطّلاع بما قد فعله بسلاح أبيه، وبتجربته الجنسيّة الأولى.
    الحجران تفيدان في التنبؤ وتدعيان " أوريم وتوميم "، أعادهما إلى مكانهما في الجعبة وقرر أن يقوم بالتجربة، فالعجوز كان قد قال له أن عليه طرح أسئلة واضحة، لأن الحجرين لا تفيدان السائل في شيء إن لم يكن يعرف ما يريد.
    عندئذٍ سأل الشاب إن كانت بركة العجوز ترافقه دائماً، سحب من جيبه واحد من الحجرين فكانت "نعم"، ثم سأل هل سأجد كنزي؟ وضع يده في جيبه ليمسك بواحدة منها، عندها انزلقتا كلتاهما من ثقب موجود في القماش، لم يكن قد لاحظ قط أن جعبته مثقوبة، انحنى ليلتقط أوريم وتوميم، ليعيدهما إلى الكيس، ولكن عند رؤيته لهما على الأرض، مرّت في ذاكرته جملة أخرى: " تعلّم أن تتبع وأن تحترم العلامات "، هذا ماكان قد قاله الملك العجوز أيضاً.
    علامة ! وشرع الشاب بالضحك لوحده، ثم التقط الحجرين، أعادهما إلى جعبته المفتوقة، والتي لم يكن لديه أية رغبة في إصلاحها. تستطيع الحجران الهرب من هذا الثقب إن أرادتها، كان قد فهم أن هناك بعض الأشياء التي لا يجوز للمرء أن يطلبها كي لا يهرب من قدره المحتوم.
    - لقد وعدت أن أتخذ قراراتي الخاصة بنفسي ـ قال في نفسه، لكن الحجرين كانتا قد أحبرتاه بأن العجوز كان دائماً إلى جانبه، وهذا الجواب أعاد له الثقة بنفسه. نظر مليّاً من جديد إلى السوق المقفرة، ولم يعد يشعر باليأس الذي كان يعذّبه من قبل، ولم يعد العالم الذي يحيط به عالماً غريباً، بل صار عالماً جديداً، فبعد كل شيء، هذا ماكان يرمي إليه: " معرفة عوالم جديدة، فحتى لو لم يصل إلى أهرامات مصر، فقد ذهب إلى أبعد مما يذهب إليه أي راعٍ آخر ".
    - آه ! ليتهم يعلمون أنه بأقل ساعتين من السفر في القارب يوجد الكثير من الأشياء المختلفة ... ـ قال لنفسه.
    تبدى العالم الجديد أمام ناظريه على شكل سوق أسبوعية مقفرة، في حين كان قد رأى هذا المكان من قبل يغصّ بالحياة، وهو لن ينساه، تذكّر السيف الذي دفع ثمناً غالياً من أجل تأمله لحظة، وفجأة شعر أن بإمكانه أن ينظر للعالم إما من خلال نظرة ضحية السارق البائسة، أو من خلال نظرة المغامر الذي يسعى وراء كنز.
    - إنني مغامر يسعى بحثاً عن كنز ـ فكّر قبل أن يغط منهكاً في نومٍ عميق.

     

    × × ×

     

    أفاق وهو يحس بأن أحداً ما يهزّه من كتفه، كان قد نام وسط ساحة السوق الأسبوعي الذي بدأت تدب فيه الحركة، نظر حوله باحثاً عن أغنامه، لكنّه تنبه إلى أنه الآن في عالمٍ آخر، واستبدل الإحساس بالحزن الذي يكابده بإحساس السعادة، وأصبح بمقدوره الآن الانطلاق، وأن يكد للبحث وراء الطعام والشراب، وصار أكثر إصراراً في البحث عن الكنز، لم يكن لديه درهم في جيبه، لكنّه يملك الإيمان بالحياة، ومساء الأمس اختار أن يكون مغامراً مشابهاً لشخصيات اعتاد أن يقرأ عنها في الكتب.
    أخذ يتنزّه على أرض الساحة بتريّث، حيث كان التجار قد أخذوا بنصب براكاتهم، فساعد رجلاً يبيع السكاكر على نصب براكته، وكانت ترتسم على وجه هذا الرجل ابتسامة لا مثيل لها، كان جذلاً للغاية، يفيض حبوراً، ومنفتحاً على الحياة، ومستعداً للقاء يوم عمل جيّد.
    ابتسامته تذكّر نوعاً ما بالشيخ، ذلك الملك العجوز الغريب، الذي كان قد تعرّف عليه.
    - هذا لا يصنع الحلوى، لأنه يريد السفر، أو الزواج من ابنة تاجر، كلاّ إنه يصنع السكاكر لأنه يحب هذه المهنة ـ فكّر الشاب ـ ثم لاحظ أنه كان قادراً على فعل ما يفعله الشيخ، وهو معرفة إن كان المرء قريباً أو بعيداً عن أسطورته الشخصية.
    - هذا سهل مع أنني لم أكن قد تبيّنت ذلك أبداً.
    عندما فرغا من تركيب البراكة، قدّم له الرجل ما أعدّ من الحلوى، فأكلها بسرور كبير، ثم شكره وانطلق في طريقه، وبعد أن ابتعد قليلاً عنه رواده التفكير بأن البراكة قد نصبت من قبل شخصين اثنين، أحدهما يتكلّم العربية، والآخر الأسبانية، ومع ذلك كانا متفاهمين.
    - توجد لغة فيما وراء الكلمات ـ حدّث نفسه ـ لقد حصلت على هذه الخبرة من قِبَل الأغنام وهاأنذا أتوصّل إلى ذلك مع البشر.
    إنه يتعلّم أشياء جديدة ومتنوعة كان قد اختبرها من قبل، ومع ذلك فهي جديدة لأنها قد وجدت مصادفة عبر دربه دون أن يكون قد حسب لها حساباً، هذا لأنه اعتاد على مثل هذه الأشياء.
    - لو أستطيع أن اتعلّم فك رموز هذه اللغة التي تتجاوز الكلمات لاستطعتُ فكّ رموز العالم.
    - " كل شيء هو شيء واحد وفريد " ، هذا ماقاله الرجل العجوز.
    قرر أن يجوب بكل هدوء شوارع " طنجة " الصغيرة، فبهذه الطريقة فقط سينجح بإدراك العلامات، وهذا يتطلّب دون شك قدراً كبيراً من الصبر، لكن الصبر هو الفضيلة الأولى التي يتعلّمها الراعي.
    ومرة أخرى فهم كيف يطبّق عمليّاً، في هذا العالم الغريب، الدروس نفسها التي تعلّمها من أغنامه.
    - " فكلّ شيء هو شيء واحد وفريد "، كان قد قال الرجل العجوز.

     

    × × ×

     

    رأى تاجر الزجاجيّات شروق الشمس، فأحس بالغم الذي كان يكابده عند مطلع كل صباح، فهو في المكان نفسه منذ مايقارب الثلاثين عاماً، وكان متجره يقع في قمّة طريق منحدرة، ومن النادر مرور زبون واحد من هناك، وقد فات الأوان على التاجر كي يغيّر مهنته، فكل ماكان قد تعلّمه عبر حياته كلّها هو بيع وشراء الزجاجيّات.
    جاء وقت صار فيه متجره معروفاً من قِبل كثير من الناس.
    تجار عرب، جيولوجيون فرنسيون وإنكليز، وجنودٌ ألمان، وكلّهم لديهم المال الوفير، في حين أن بيع الزجاج في ذلك الوقت كان يشكّل مغامرة كبيرة، وقد تخيّل كيف سيصبح رجلاً غنيّاً، وسيكون عنده تلك االنسوة الجميلات كلهنّ عندما يشيخ.
    مضى الوقت بطيئاً، والمدينة على حالها، وازدهرت مدينة " سبتة " أكثر من " طنجة " وأخذت التجارة منحنى آخر، ولم يبق بعد زمن قليل إلا بعض المحلاّت القليلة في المرتفع، ولن يأتي من يتسلّق طريقاً منحدرة من أجل هذه المخازن التعيسة.
    أما تاجر الأواني فلم يكن ليملك الخيار، فقد عاش الثلاثين عاماً من عمره في بيع وشراء الزجاجيّات، وصار الوقت متأخراً كي ينخرط باتجاه آخر.
    طوال فترة الصباح، كان يراقب الرائحين والغادين القلائل في الطريق الصغيرة، وهذا ماكان يفعله منذ سنوات حتى صار يعرف عادات المارّة فرداً فرداً.
    وقبل موعد الغداء بلحظات قليلة توقف شاب غريب أمام واجهة المتجر. كان يرتدي كسائر الناس، لكن تاجر الزجاجيّات اكتشف ببصيرته الثاقبه أنه لم يكن يملك المال.
    وعلى الرغم من ذلك، فقد قرر أن يعود إلى متجره وينتظر بضع دقائق حتى ينصرف الشاب.

     

    × × ×

     

    على باب المتجر، كانت قد علقت يافطة تشير إلى أن صاحبه يجيد التكلّم بعدة لغات. لمح الشاب أحدهم يظهر خلف طاولة مبسط السلع، فقال له:
    - إنني أستطيع تنظيف هذه المزهريات، ففي هذه الحالة التي هي عليها، فإن أحداً لن يشتريها، هذا إن أردت ذلك.
    نظر التاجر دون أن ينبس ببنت شفة.
    - بالمقابل، فإنك سوف تعطيني شيئاً آكله، اتفقنا؟
    بقي الرجل صامتاً، وفهم الشاب أن عليه أن يتّخذ قراراً. كان معطفه في جعبته، ولم يكن بحاجة إليه في الصحراء، تناوله وأخذ ينظّف به الأواني الزوجاجية، وبعد نصف ساعة كان قد نظّف ماكان يوجد في الواجهة بينما دخل زبونان واشتريا عدداً منها، وعندما فرغ من تنظيفها كلّها، طلب من صاحبها أن يعطيه شيئاً يسد به رمقه.
    - هيّا نتغدَّ ـ قال تاجر الزجاجيّات.
    علّق لوحة على الباب، وذهبا إلى مقهى صغير في أعلى المرتفع، وبينما كانا جالسين على الطاولة الوحيدة هناك، قال بائع الزجاجيّات مبتسماً:

     

    - لم يكن هناك أي داعٍ لتنظيف أي من الزجاجيّات، فالشرع القرآني يرغم على إطعام الجائع كائناً من كان هذا الجائع.
    - لكن لماذا تركتني أقوم بهذا العمل؟
    - لأن الزجاجيّات كانت متّسخة، وأنت مثلي، كلانا بحاجة لتطهير رأسه من الأفكر السيئة.
    عندما فرغا من الطعام، التفت التاجر نحو الشاب:
    - أريدك أن تعمل في متجري، فقد دخل اليوم زبونان بينما كنتَ تنظّف الزجاجيّات، إن في ذلك لعلامة حسنة.
    - يتكّلم الناس كثيراً عن العلامات ـ فكّر الراعي ـ لكنّهم على الأصح لا يعلمون عمّ يتكلّمون، مثلهم مثلي، أنا الذي لم أكن قد لاحظت أنه طيلة كثير من السنين كنت أتكلّم مع أغنامي لغة دون كلمات.
    - هل تريد أن تعمل لدي؟ ألح تاجر الزجاجيّات.
    - أستطيع أن أعمل طيلة الوقت المتبقي من اليوم ـ أجاب الشاب ـ سأنظّف حتى طلوع الفجر الزجاجيّات كلّها، بالمقابل يلزمني بعض المال كي أكون غداً في مصر.
    فجأة أخذ التاجر بالضحك وقال:
    - لو نظّفت زجاجيّاتي طيلة عام بأكمله، أو كسبت عمولة جيّدة لقاء بيع أي قطعة منها، سيلزمك اقتراض المال الكثير كي تذهب حتى مصر، فآلاف الكيلومترات الصحراوية تفصل " طنجة " عن أهرامات مصر.
    عندها خيّم فاصل من الصمت، وفجأة بدت معه المدينة غافية، فما عاد يُلمح فيها أي نشاط، وانتهت محادثات التجار فيما بينهم، وآذان الرجال الذين كانوا يصعدون إلى المئذنة قد توقف، ولم يقد يرى تلك السيوف الجميلة ذات المقابض المرصّعة.
    لا رجاء، لا مغامرة، لا ملوك كبار لا أساطير شخصيّة، لا كنز ، لا أهرامات بعد الآن، كان يشعر كم لو أن العالم بأسره قد صار أخرس، لأن روحه قد غُلِّفت بالصمت.
    لم يبقَ هناك ألم، أو عذاب، أو إخفاق، بكل بساطة لم يكن يملك إلا نظرة جوفاء تعبر باب الحانة ورغبة عارمة في الموت لدى رؤيته كل شيء ينتهي في هذه اللحظة وإلى الأبد.
    نظر إليه ذلك التاجر محتاراً، فذلك السرور الذي كان قد لمحه على وجهه في ذاك الصباح قد اختفى فجأة.
    - أستطيع أن أعطيك المال كي ترجع إلى بلادك يا بني ـ قال تاجر الزجاجيّات، لكن الشاب بقي صامتاً، ثم نهض، أصلح ثيابه، ولملم جعبته.
    - سأعمل عندك ـ قال، ثم أضاف بعد فترة أخرى من الصمت.
    - يلزمني المال لشراء بعض الأغنام .

     


    × × ×

     

     

     


    :: الجزء الثاني ::

     


    لم يكن قد مضى أكثر من شهر على عمل الشاب عند بائع الزجاجيّات، لكن هذا العمل لم يكن هو الذي يطمح إليه حقاً، فالتاجر لم يكن يكفّ عن التذمر طوال النهار، آمراً إيّاه من وراء طاولته بأن ينتبه على الدوام إلى الحاجات المعروضة خشية أن ينكسر منها شيء، ولكنه بقي، فعلى الرغم من أن التاجر كان متذمّراً، فهو على الأقل لم يكن ظالماً، فقد كان يتلقّى منه عمولة لابأس بها لقاء كل قطعة تُباع، وقد استطاع حتى الآن ادخار بعض المال، وبعد أن قام بحساباته هذا الصباح، ألفى أنه لو عمل طوال اليوم، وبنفس هذه الشروط للزمه عام كامل كي يستطيع شراء بعض الأغنام.
    - إنني أود ولو أقوم بعرض الزجاجيّات خارج المخزن، سيكون من المستطاع وضع رف في الخارج، إنه سيجذب المارّة من هناك في أسفل الجبل.
    - لم يسبق لي أن فعلتُ شيئاً مماثلاً ـ أجاب التاجر ـ رفّ ! إن الناس ستصطدم به في الممر، والزجاج سوف يتهشّم.
    - عندما كنتُ اطوف بأغنامي في القرى، فقد كان من الممكن أن يتعرّض بعضها للدغة أفعى، وتذهب ضحيّة ذلك، هذا الخطر يشكّل جزءاً من حياة الأغنام والرعاة.
    راح التاجر يلبّي طلبات أحد الزبائن، لقد باع الآن ثلاث مزهريات من الكريستال، فقد نشط البيع أكثر من أي وقت مضى، وكأن العالم قد عاد إلى ماكان عليه عندما كانت الطريق المؤديّة إليهم واحدة من أهم الطرق التي تجذب الزبائن في " طنجة ".
    - أصبح المارّة يتزايدون أكثر فأكثر ـ قال التاجر لمستخدمه عندما انصرف الزبون ـ وإن مانكسه الآن يمكن أن يؤمّن لي معيشة أفضل، ويمكن أن يسمح لك بشراء أغنامك في وقتٍ وجيز، ماذا نريد من الحياة أكثر من هذا؟
    - هذا لأنه يتوجد علينا أن نقتفي العلامات ـ أجاب الشاب دون تفكير ـ لكنّه تأسف لأنه تكلّم هكذا، فالتاجر لم يكن قد مُنّي أبداً بفرصة لقاء ملك.
    - هذا هو ماداعه الشيخ " المبدأ المناسب " أو " حظ المبتدئين "، لأن الحياة تريد للإنسان أن يحيا أسطورته الشخصية.
    على كل حال، فهم التاجر جيداً عم كان يتحدثه مستخدمه، فحضور هذا الأخير يمثّل بحد ذاته علامة، وعلى مر الأيام وبازدياد المال الذي صار يكسبه بعد مجيئه لم يعد نادماً على استئجار هذا الشاب الأسباني، غير أن أجر هذا الأخير كان أكثر من العادي، وبما أنه كان يعتقد بأن البيع سيسر أيضاً نحو الأفضل، فإنه قد دفع للشاب مايستحقه كعمولة. لكن حدسه كان ينبئه أن الشاب سيعود عمّا قريب إلى أغنامه، سأله كي يغيّر الحديث بخصوص عرض البضائع:
    - لماذا كنتَ تريد الذهاب لرؤية الأهرامات؟
    - لأنهم تحدّثوا لي كثيراُ عنها ـ أجاب الشاب متحاشياً الكلام عن حلمه.
    فالكنز صار الآن مسألة ذكرى مؤلمة باستمرار، وكان يحاول أن يمنع نفسه من التفكير به بعد.

     


    قال التاجر:
    - إنني ماعرفت أحداً هنا أراد اجتياز الصحراء فقط كي يرى الأهرامات، فهي ليست إلا كومة من الحصى، حتى أنك لتستطيع أنت أن تبني لنفسك هرماً في حديقتك.
    - إنك لم تحلم إطلاقاً بالسفر ـ قال الشاب وهو يمضي ليلبي طلب زبون آخر آتى لتوّه إلى المخزن.
    وفي اليوم الثالث، عاد الشاب إلى التحدّث مع معلّمه عن رف البضائع، قال:
    - أنا لا أحب التغيير كثيراً، فأنتَ وأنا لسنا من " حسان "، ذلك التاجر الغني الذي لن يتأثر أبداً في حال خسارته بصفقة، أما نحن الإثنين، فسوف يتوجب علينا أن نتحمّل تبعة أخطائنا.
    - هذا صحيح ـ أجاب الشاب.
    سأل التاجر:
    - لماذا تصرّ كثيراً على رفّ العرض هذا؟
    - أريد العودة بسرعة إلى أغنامي، وعندما تهب رياحنا فعلينا أن نغتنمها، وأن نعمل مابوسعنا كي يحالفنا مايسمونه بـ " المبدأ المناسب " أو " حظ المبتدئ " .
    بقي التاجر صامتاً للحظة ثم قال:
    - منحنا النبي القرآن، الذي فرض علينا خمسة فروض فقط، علينا مراعاتها في حياتنا، الأكثر أهميّة منها هو ذا: وحدانية الإلة، والفروض الأخرى هي: الصلاة خسمة أوقات في اليوم، صيام رمضان، وواجب الزكان لمساعدة الفقراء، صمت بينما كانت عيناه مغرورقتين بالدموع وهو يتحدّث عن النبي. كان رجلاً ورعاً للغاية، وحتى لو كان يبدو غالباً لجوجاً ونافذ الصبر، فإنه يجهد للعيش منسجماً مع الشرع الإسلامي.
    - وماهو الفرض الخامس ؟ ـ سأل الشاب
    - منذ يومين سألتني إن لم أكن قد حلمتُ إطلاقاً بأحلام السفر. الفرض الخامس هو أن يقوم كل مسلم مؤمن بالسفر. فأنه يتوجب علينا أن نقوم خلال عمرنا برحلة واحدة على الأقل إلى مدينة "مكة المكرّمة". فـ " مكّة " أيضاً هي مدينة تبعد عنا أكثر من الأهرامات. وعندما كنت فتيّاً فضّلت أن أستثمر القليل نم المال الذي كنت أملكه في شق طريقي في هذه التجارة، على أمل أن أصبح غنيّاً، وأملك المال، لكنني لم أكن لأستطيع أن أعهد لأحد بعناية الزجاجيّات، لأنها أشياء حساسة، حينذاك كنت أرى مجموعات من الناس يمرّون على مخزني، في طريقهم إلى " مكة " ، كان من بينهم حجاج أثرياء يرافقهم موكب من الخدم، وجمال لكن معظمهم كان أكثر فقراً مني. كلّهم كانوا يذهبون ويعودون سعداء، وكانوا يضعون على أبواب مساكنهم رموز قيامهم بالحج، وأحد أولئك الحجيج كان حذّاءً، وكان يعيش من خلال إصلاح أحذية هذا وذاك، وقد أخبرني أنه قد مشى عاماً بكامله في الصحراء، ولكنّه كان يشعر بالتعب أكثر عندما كان يتوجّب عليه المرور على منازل كثيرة في " طنجة " لشراء الجلد.
    سأل الشاب:
    - لماذا لاتذهب الآن إلى مكّة ؟

     

    - لأن مكة تجعلني اتمسّك بالحياة، وهي التي تمنحني القوة لتحمّل هذه الأيام الرتيبة، وهذه المزهريات المنضدة على الرفوف، والغداء والعشاء في هذا المطعم البائس، وأخشى أن أحقق حلمي، ثم أفقد كل رغبة بأن أبقى حيّاً. أما أنت ... فإنك تحلم بالأغنام، وبالاهرامات، أنت لست مثلي لأنك تريد تحقيق أحلامك، أما أنا فكل ما أريده هو أن أحلم بـ " مكة "، لقد تخيّلت من قبل آلاف المرات، عبور الصحراء ووصولي إلى الساحة التي يوجد بها الحجر المقدّس، والدورات السبع التي عليّ ان أتمّها قبل أن أستطيع لمسه، وتخيّلت من سيكون بجانبي أو أمامي، من الأقاويل والدعوات التي سنقولها ونتبادلها معاً. لكنني أخشى ألا يكون ذلك سوى خيبة كبيرة، ولهذا أفضّل أن أكتفي بالحلم.
    وفي ذلك اليوم سمح التاجر للشاب بإنشاء رف عرض البضائع، فليس بنفس الطريقة يعيش الناس كلّهم أحلامهم.

     


    × × ×

     

    مرّ شهران، وصار رفّ البضائع يجذب إلى المتجر عدداً كبيراً من الزبائن، الأمر الذي جعل الشاب يحسب أنه سيستطيع خلال أشهر ستة العودة إلى أسبانية وشراء ستين غنمة، فبأقل من عام سيستطيع مضاعفة قطيعه، وأن يتاجر مع العرب لأنه نجح في تعلّم هذه اللغة الغريبة.
    منذ هذا الصباح المشهود على أرض ساحة السوق، لم يعد يستخدم أبداً أوريم وتوميم، لأن مصر قد أصبحت بالنسبة له حلماً بعيد المنال، حلماً يبعد عنه كما تبعد مكّة عن بائع الزجاجيّات، على كل حال صار مقتنعاًَ بعمله الآن، ولم يكن يتوقف عن التفكير باليوم الذي سيرسو فيه كمنتصر في "طريفه".
    - تذكّر دائماً أن تعرف ماتريد ـ هكذا كان قد قال الملك العجوز، والشاب كان يعرف مايريد أن يعمل في هذا الصدد.
    فمن الممكن أن يكون كنزه هو أن يأتي إلى هذه الأرض الغريبة، وأن يلتقي بسارق، وأن يضاعب أغنامه مرتين دون أن ينفق قرشاً واحداً.
    كان فخوراً بنفسه، لأنه تعلّم أشياء هامّة كتجارة الأواني الزجاجيّة، لغة دون كلمات، وتفسير العلامات.
    في عصر ذات اليوم، رأي رجلاً في أعلى المرتبفع، كان هذا الرجل يشكو لأنه لم يستطع أن يجد مكاناً مناسباً يشرب فيه شيئاً مابعد كل هذا العناء، من تسلّق المنحدر.
    كان الشاب يعرف الآن لغة العلامات فراح يبحث عن معلّمه ليكلّمه قائلاً:
    - علينا أن نقدّم الشاي للناس الذين يتسلّقون المنحدر.
    أجاب التاجر:
    - يوجد هنا الكثر من الأماكن التي يمكن أن يُشرب فيها الشاي.
    - سيكون بإمكاننا تقديم الشاي إلى الزبائن في أقداح من الكريستال، بهذه الطريقة سيُعجبون بالشاي، وسيبتاعون الأواني الزجاجية لأن أكثر مايفتن الناس هو الجمال.
    أخذ التاجر يطلب رأي مستخدمه دون أن يجيب بشيء لكن في ذلك المساء بالذات، وبعد أن أدى صواته، وأغلق مخزنه، جلس على الرصيف، ثم دعاه إلى تدخين النرجيلة، هذا الغليون الغريب الذي يدخّنه العرب !
    - وراء أي شيءٍ أنت تجري؟ سأل تاجر الزجاج العجوز.
    - كنت قد أخبرتك أنني بحاجة إلى تعويض أغنامي، ومن أجل هذا يلزمني المال.
    وضع الرجل جمرات جديدة في النرجيلة وأخذ نفَساً طويلاً.
    - ثلاثون عاماً مرّت على إدارتي هذا المخزن، فإنا أعرف الرجاج الجيّد من الرديء، واعرف بعمق خصوصيات هذه التجارة كلّها، فأنا معتاد على مخزني، وعلى حجمه، وعلى زبائني، ولو شرعت في بيع الشاي بأقداح من الكريستال، فإن القضيّة ستزداد أهميّة أكثر فأكثر، وسيتوجب علي أن أغير طريقتي في الحياة.
    - ألن يكون في هذا شيء حسن ؟
    - أنا معتاد على نمط حياتي، فقبل مجيئك كنت أفكر بأنني قد أضعت وقتي بالمكان نفسه، بينما أصدقائي كلهم، على العكس، قد غيّروا أعمالهم، فبعضهم خسر، وبعضهم من ازدهر عمله، وهذا ماجعلني أغرق في الغم، وأنا أعرف أن الأمر لم يكن فعلاً هكذا،
    - فقد أصبح مخزني بالمستوى الذي كنت أتمناه دائماً، ولا أريد التغيير لأنني لا أعرف كيف أتغير، وقد أصبحتُ منسجماً مع نفسي.
    لم يكن الشاب يعرف مايقول، عندئذٍ أردف العجوز:
    - لقد كنتَ بالنسبة لي بركة وها أنذا اليوم أفهم شيئاً: أن أية نعمة تُرفض يمكن أن تنلقب إلى نقمة، فأنا لا أنتظر بعد شيئاً من الحياة، وأنت، أنت تجبرني على استشفاف ثروات، وآفاق لم تخطر على بالي، وقد عرفتها الآن، وعرفت إمكانياتي اللامحدودة، وسأتألم كثيراً لأنني لم أكن هكذا من قبل، لأنني أدرك الآن إنني أستطيع امتلاك كل شيء، لكنني لا أريد ذلك.
    - لحسن الحظ أنني لم أكن قد قلت شيئاً لبائع البوشار ـ قال الشاب في نفسه.
    تابع الإثنان تدخين النرجيلة والتحدث باللغة العربية، بيمكا كانت الشمس تميل للغروب...
    كان الشاب مسروراً لأنه يتكلم العربيو فمنذ عهد بعيد اعتقد أن نعاجه تستطيع تعليمه كل شيء، لكنها كانت عاجزة عن تعليمه اللغة العربية.
    - هناك أشياء أخرى في العالم لا تُحسن النعاج تعليمها للإنسان، فكّر وهو ينظر للتاجر دون أن يقول شيئاً، هذا لأنها لاتبحث عن أي شيء آخر غير الماء والكلأ، أظن أنها ليست هي التي تعلم، وإنما انا من يتعلم.
    - " مكتوب " ـ قال التاجر أخيراً.
    - ماذا يعني هذا؟
    - كان يجب أن تولد عربياً كي تفهم ذلك، لكن يمكن أن تكون الترجمة شيء من هذا القبيل: " هو شيء قد كُتب علينا"، وبينما كان يُطفي جمرات النرجيلة قال للشاب إنه يستطيع أن يقدّم للزبائن الشاء في أقداح من الزجاج،

     

    في بعض الأحيان، يستحيل على المرء أن يسيطر على مجرى الحياة.

     


    × × ×

     

     

     

    صار الناس يتسلّقون الطريق المنحدرة، وكانوا يشعرون بالتعب لدى وصولهم أعلاها.
    في علية ذلك المنحدة كان هناك متجر للزجاجيّات الجميلة، وشاء بالنعناع يُشرب كمرطب لذيذ، كان الناس يدخلون لتناول الشاس الذي يقدّم لهم في كؤوس زجاجيّة رائعة.
    - لم تخطر ببال زوجتي إطلاقاً هذه الفكرة ـ قال رجل وقد اشترى بضع أكواب زجاجية، فقد كان لديه زوار في ذلك المساء، وسوف يُفتنون بروعة هذه الأكواب، زبون آخر أكّد من جهته أن الشاي سيكون أفضل عندما يُقدّم بكؤوس زجاجيّة، فهي تحافظ على طيب نكهته، فشرب الشاي بكؤوس زجاجيّة واحد من تقاليد الشرق بسبب مغرياته السحرية.
    وفي وقت قصير انتشر الحبر بين الناس، وبدأ الكثير منهم يتقصّدون الصعود حتى قمة المنحدر، ليتعرّفوا على المتجدر الذي دشّن هذا التجديد لتجارة مندثرة، وافتتحت متاجر آخرى تقدّم الشاي في كؤوس من الزجاج، لكن موقعها لم يكن في عالية طريق منحدرة، الأمر الذي لم يجلب لها الزبائن بسرعة كبيرة واضطرّ التاجر إلى تشغيل عاملين جديدين، وقد توجب عليه أن يستورد بالاضافة إلى الزجاجيّات كميّات كبيرة من الشاي كي تفي بحاجة الاستهلاك المتزايد يوماً إثر يوم، من قِبل الناس والرجال المتعطّشين للأشياء الجديدة.

     

    وهكذا مرّت أشهر ستة .

     


    × × ×

     


    أفاق الشاب قبل طلوع السمي، أحد عشر شهراً وتسعة أيام قد مرّت عليه منذ أن وطئت قدميه إفريقية للمرة الأولى.
    لبس البدلة العربية المصنوعة من الكتّان الأبيض، لقد اشتراها خصيصاً من أجل هذا اليوم. غطّى رأسه بعمامة مثبتاً إيّاها بعقال مصنوع من جلد الجمل، وأخيراً انتعل صندلاً جديداً، ونزل بهدوء.
    كانت المدينة ماتزال غافية، تزوّد بفطور خفيف مكوّن من خبز وسمسم، وشرب الشاي الساخن في كأن زجاجيّة، ثم جلس على عتبة المخزن وأخذ يدخّن النرجيلة وحده.
    دخّن بصمت، دون أن يفكّر بشيء، دون أن يسمع إلا وشوشة الريح المستمرّة التي كانت تصفر حاملة معها رائحة الصحراء، ثم عندما انهى تناول الشاي، وضع يده داخل واحدة من جيوبه، وظلّ للحظات يتأمل ماكان قد سحبه منها، إنه مبلغٌ جيّد من المال يمكن أن يشتري له مائة وعشرين غنمة، مع بطاقة عودته ورخصة استيراد وتصدير من بلده والبلد الذي يقيم فيه في الوقت الحاضر.
    انتظر بفارغ الصبر استيقاظ التاجر العجوز من نومه، قم جاء لفتح المخزن. وهكذا سيتناولا الشاي سويّة هذا الصباح.
    - في هذا اليوم سأنصرف ـ قال الشاب ـ فقد صار لدي المال اللازم لشراء أغنامي، وأنت أيضاً لديك مايكفي كي تذهب إلى مكّة.
    لم يقل التاجر العجوز شيئاً.
    - أطلب مباركتك ـ ألحّ الشاب ـ ساعدتني كثيراً.
    تابع العجوز تحضير الشاي بصمت، وبعد لأي استدار نحو الشاب وقال:

     

    - أنا فخور بك، لقد أنعشت مخزني، ولكنني لن أذهب إلى مكن، أنت تعرف ذلك جيّداً مثلما أنت على يقين بأنك لن تشتري الأغنام أبداً.
    - من قال لك هذا؟ سأل الشاب مندهشاً.
    أجاب تاجر الزجاجيّات العجوز بكل بساطة:
    - " مكتوب " ، ثم باركه.

     


    × × ×

     


    ذهب الشاب إلى غرفته، وجمع متاعه الذي ملأ ثلاثة أكياس، ولحظة الرحيل تماماً انتبه إلى جعبته العتيقة، جعبته كراعٍ، التي كانت ماتزال في إحدى زوايا الغرفة، وهي في حالة يرثى لها، لقد تناسى تماماً وجودها، وفي داخلها يوجد كتابه القديم، ومعطفه، والذي عندما سحبه منها، فكّر أن يقدمّه كهديّة لأول ولد يلتقيه في طريه، ثم تدحرجن الحجران أرضاً " أوريم وتوميم " فتذكّر عندئذٍ الملك العجوز، وقد اندهش تماماً لدى إدراكه أن زمناً طويلاً قد مرّ دون أن يفكّر في لقائه معه، فانصرافه كليّاً إلى العمل دون انقطاع لكسب المال الذي يجنّبه العودة ذليلاً، خافض الرأي إلى أسبانية، هذا الشعور سيطر عليه ومنعه من تذكّر ذلك.
    - " لاتتراجع عن أحلامك، وكن متيقّظاً إلى العلامات " ـ كان قد قال له العجوز.
    التقط أوريم وتوميم من على الأرض، وقد تملّكه من جديد إحساس غريب بأن الملك على مقربة منه، وأنه قد عمل بشكل شاق طيلة سنة، وهاهي العلامات تشير إلى أن لحظة الانطلاق قد بدأت.
    - سألفي نفسي على ماكانت عليه تماماً ـ فكّر ـ فالنعاج لم تعلمّني أبداً أن أتحدّث العربيّة.
    ومع ذلك فقد علّمته شيئاً مهماً آخر، وهو أن هناك لغة ما في العالم يفهمها الجميع، وقد استخدمها هو طيلة ذلك الوقت كي يعمل على الارتقاء بالمتجر، إنها لغة الحماي، أشياء يقوم بها المرء بحب وولع كي يحصل على نتيجة يأملها أو يؤمن بها، لم تعد " طنجة " بالنسبة إليه مدينة غريبة، فقد توّلد لديه شعور بأنه مثلما استطاع اكتشاف هذا المكان، فإنه بالمثل يستطيع اكتشاف العالم.
    - عندما تبتغي شيئاً بالفعل، فإن العالم بأسره يسعى ليسمح لك تحقيق مبتغاك، كان قد قال الملك العجوز.
    لكن الملك العجوز لم يتكلّم عن لصوص الصحراء الشاسعة، ولا عن الناس، الذين يعرفون أحلامهم ولا يريدون تحقيقها، الملك العجوز لم يتحدّث عن الاهرامات على أنها كومة من الحصى، وقد نسي أن يقول أيضاً أنه عند امتلاك المال لشراء قطيع أكبر من ذلك الذي كنت تملكه من قبل فلا تتردد بشرائه.
    التقط الجعبة، وتناولها مع بقية الأمتعة الأخرى ونزل السلّم. كان التاجر العجوز يلبّي طلبات زوجين أجنبيين، بينما زبائن أخرون يتناولون الشاي في المخزن في أقداح من الزجاج. بالنسبة لهذه الساعة من الصباح، كانت بداية جيّدة لنهار جديد.
    ومن المكان الذي نظر فيه للتاجر، لاحظ للمرة الأولى أن شعره كشعر الملك العجوز. ثم تذكّر ابتسامة بائع السكاكر أول يوم أفاق فيه " طنجة " حيث لم يكن لديه أية فكرة أين يذهب، ولم يكن لديه مايؤكل، فقط تلك الابتسامة التي استدعت في خاطره ذكرى الملك العجوز.
    - إنه قد مرّ من هنا وترك بصمة ـ فكّر الشاب، ربما كا واحد من هؤلاء الأشخاص سنحت له فرصة التعرف على الملك في لحظة أو أخرى من حياته، لقد قال في الحقيقة أنه يظهر دائماً لمن يعيش أسطورته الشخصية.
    رحل دون أن يودع تاجر الزجاجيّات فهو لايريد أن يبكي: كان بالامكان رؤيته في هذا الوضع، لكنه سيتحسّر على تلك الحقبة وعلى كل الأشياء الحسنة التي تعلّمها.
    وازدادت ثقته بنفسه وأحس برغبة عارمة في اكتشاف العالم.
    - لكنني ذاهب باتجاه الريف الذي أعرفه جيّداً من قبل لأرعى أغنامي من جديد.
    لم يعد مقتنعاً بقراره، إذ أنه عمل سنة بكاملها من أجل تحقيق حلم، صار مع مرور الوقت يفقد أهميّته شيئاً فشيئاً، ربما لأنه لم يكن في المحصّلة حلمه.
    - من يعلم؟ في نهاية الأمر، أليس من الأفضل أن نكون كتاجر الزجاجيّات الذي قرر عدم السفر مطلقاً إلى مكة والعيش مع رغبة السفر إليها؟ لكنه تناول "أوريم وتوميم"، هاتان الحجران اللتان كانتا تمدّانه بقوة وإرادة ذلك الملك العجوز، ولعلّه بفعل مصادفة أو علامه ـ حدّث نفسه، فإنه دخل المقهى الذي دخله في اليوم الأول، سارقه لم يكن هناك، أما صاحب المقهى، فقد أحضر إليه كوباً من الشاي.
    - بمقدوري دائماً أن أعود راعياً ـ حدّث نفسه ، فقد تعلّمت العناية بالاغنام، وهذا مالا أنساه أبداً، لكن ربما، لن تتوفر لي بعد فرصة أخرى للذهاب إلى أهرامات مصر، فالرجل العجوز كان يمتلك على قلادة من ذهب، وكان يعرف قصتي، إنه ملك حقيقي، ملك عالِم.
    فهو على بعد أقل من ساعتي سفر بالقارب من سهول الأندلس، لكن بينه وبين الاهرامات هناك صحراء شاسعة.
    لقد فهم أنه يمكن أيضاً تصوّر الموقف كما يلي: أنه الآن على بعد ساعتين من كنزه، لكن حتى هذه المسافة التي لا تستغرق أكثر من ساعتين من السفر قد كلّفته تكريس سنة كاملة من العمل.
    - إنني أعرف جيداً لماذا أريد العودة إلى اغنامي، لأنني أعرف أنها لا تتطلب كثيراً من العمل، وأن المرء يستطيع أن يحبها، لكن لا أعرف إن كانت يمكن للصحراء أن تُحب، علماً بأن الصحراء هي التي تحتوي على كنزي، وإذا لم أستطع إيجاده فبإمكاني الرجوع إلى بلدي، ومع ذلك فإن الحياة قد أعطتني فجأة المال الكافي، ولدي كل الوقت الذي أحتاجه، فلماذا أحجم إذن؟
    في هذه اللحظة عاوده شعور عارم بالغبطة، فهو يستطيع أن يعود راعياً، ويستطيع أن يعود بائع أوان زجاجيّة، وربما يخفي العالم كثيراً من الكنوز الأخرى، لكنّه حلم بحلم تكرر، والتقى ملكاً، وهذا لا يحصل لكل الناس.
    كان مسروراً للغاية عندما خرج من المقهى، فقد تذكر أحد ممولي التاجر بالبضائع، والذي كان يحمل إليه أوانيه الزجاجية بواسطة القوافل التجارية العابرة للصحراء.
    احتفظ بأوريم وتوميم بين يديه، فبسبب هاتين الحجرين هاهو يعود إلى الدرب التي تؤدي به إلى كنزه.
    - إنني دائماً مع هؤلاء الذين يعيشون أسطورتهم الشخصية. كان قد قال الملك العجوز.
    ولم يفته الذهاب حتى المرفأ، ليعلم إن كانت الأخرامات بعيدة فعلاً.

     

    × × ×

     

    كان الانكليزي جالساً في مدخل مبنى تصدر منه رائحة الدواب والعرف والغبار، وكأنه ليس بمرفأ وإنما حظيرة للماشية.
    - أمضي جلّ هذه الأيام لأمرّ على مكان كهذا ـ حدّث الانكليزي نفسه وهو يتسلّى بتقليب مجلة كيميائة ـ عشر أعوام من الدراسة كي أنتهي إلى حظيرة ماشية !
    كان عليه أن يتابع طريقه وأن يؤمن بالعلامات، فكل حياته ودراساته قد كرّست في البحث عن اللغة الفريدة، التي يتحدث بها الكون، في البداية كان قد اهتم بالاسبرانتو، ثم بالأديان، ولينتهي بالخيمياء، لقد أجاد التكلّم بلغة الاسبرانتو وانسجم تماماً مع مختلف الأديان، لكنّه لم يصبح خيميائياً بعد، وقد نجح دون شك بتحليل أشياء هامة، لكن أبحاثه وصلت إلى مرحلة لم يعد يستطيع تجاوزها.
    حاول إقامة علاقة مع أحد الخيميائيين، لا على التعيين، فالخيميائيون شخصيات غريبة لا يفكّرون إلا بأنفسهم، ويمتنعون في أكثر الأحيان عن تقديم مساعدتهم، من يعلم إن كانوا لم يكتشفوا بعد سر الانجاز العظيم، وبعبارة أخرى، " حجر الفلاسفة " ، ولهذا السبب يتغلّقون على أنفسهم بصمت.
    لقد أنفق جزءاً من الثروة التي تركها له والده باحثاً دون جدوى عن حجر الفلاسفة، وتردد على أكبر مكتبات العالم، واشتري أهم وأندر الكتب المتعلّقة بالخيمياء، ففي إحداها كان قد اكتشف أن خيميائياً عربياً زار أوروبا منذ سنوات عديدة، قيل أن عمره أكثر من مائتي عاماً وأنه اكتشف حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة. لقد أثّرت هذه القصة بالانكليزي كثيراً، وكان يمكن لهذه الرواية أن تبقى مجرّد أسطورة من بين سائر الأساطير الكثيرة، لولا أن واحداً من أصدقائه العائدين من رحلة أثرية في الصحراء كان قد حدّثه عن أعرابي يملك قدرات خارقة.
    إنه يعيش في واحة " الفيّوم " ـ كان قد قال له ـ والناس يروون أن عمره مائتي عاماً، ويستطيع تحويل أي معدن إلى ذهب، عندها عرف الانكليزي الذي أثارته القصة انفعالاً بلا حدود، فألغى في الحل كافة التزاماته السابقة، وجمع أهم كتبه والآن هاهو ذا هنا في هذا المرفأ المشابه لحظيرة الماشية.
    وفي هذه الأثناء كانت قافلة تجارية كبيرة على أهبة الاستعداد للانطلاق لاجتياز الصحراء. وكانت هذه القافلة ستمر في طريقها إلى الفيوم.
    - لابد لي من أن ألتقي هذا الخيميائي اللعين ـ فكّر الإنكليزي.
    وأصبحت رائحة الحيوانات محتملة بعض الشيء.
    دخل ش